استيقظ زانغ شينغ فوراً عندما شعَرَ بالقوة تنحدر من مقصورة الشيخ. لكان من المستحيل ألا يفعل؛ فالقوة التي يشعّ بها الرجل بدا كأنها كفيلة بتحطيم الألواح الجنائزية لكل أسلاف شينغ.
مع ذلك، أبقى عينيه مغمضَتَيْن وأخذ جرداً لجراحه. لم يكن مصاباً بأذى بليغ — فالتمزق الهائل في الجزء الأمامي من جسده لم يُصِب شيئاً مهماً. لقد نجح تدريبه وجسده المُنقَّى في مقاومة أسوأ الأضرار التي ألحقها به الديك.
لم يحطمه بي دي. قد يبدو الهذيان بالهزيمة على يد ديك مخجلاً لبعضهم، وربما بمستوى مخجل يكفي لإحداث انحراف؛ لكن شينغ رفض أن يشعر بالخعار لهزيمته على يدي وحش روحي يعادله في التدريب.
سيتعين عليه التدرب بقسوة أكبر في المستقبل. لم يكن يستوعب كيف اخترق بي دي هجوماً أنفق عليه طاقته الحيويّة، لكن ذلك قد حدث.
لقد كان الأمر مزعجاً للغاية، لكنه لا يهم. كل ما يهم هو أنه كان مقصراً.
أخذ أنفاساً عميقة ومنتظمة، وحوّل انتباهه من نفسه إلى الأصوات المنبعثة من المسرح. كان مزعجاً بعض الشيء أنه نُسي ظاهرياً حيث كان ملقى، لكن لم يكن من حيلة.
كان أحدهم يتحدث.
«أه؟ مذنب بعدة أمور؟» سأل صوت عجوز.
«بينما هم أبرياء من كونهم شياطين، فقد وجدنا حالات عديدة من... السلوك المشين. ولا سيما سلوك محاكم التفتيش والبطريرك»، أعلن بي دي.
شعر شينغ بتغيير في الهواء، كأنما أصبح أكثر كثافة فجأة.
فتح عينيه... ورمش متفاجئاً وهو يرى ضباباً يحيط بالساحة، وقد تشكّل على هيئة امرأة عملاقة ذات تسعة ذيول ذهبية.
كانت تعتني برجل آخر ذي شعر أشقر وعينين زرقاوين، وهو النسخة المطابقة لتجسيدات البطريرك الثاني.
سُمّي لاحقاً: زانغ زينغشينغ، الرجل الذي سُمّي شينغ ووالده تيمناً به. كان من المفترض أن يشعر بالفخر لرؤية مؤسس سلالته.
باستثناء أمر واحد.
كانت عينا الرجل ضعيفتين. لاحظ شينغ ذلك فوراً. لم تكونا عيني رجل مفعم بالصمود والقوة، راسختين وثابتتین. بل كانتا تزيغان وتتثبتان بالأشياء. كانتا مراوغتين.
كان على شينغ أن يقمع اشمئزازه الغريزي لهذا السلوك. لقد كان ذلك البطريرك. مؤسس طائفة الجبل المحجوب. سلفه.
حقاً، ألم يكن على وشك الانفجار بالقوة بعد أن يكتشف ما كانت تفعله الثعالب؟ كان سيشق طريقا بالدم ويقاتل في سبيل حريته.
انتظر شينغ، لكن كل ما عرضته البلورة كان امرأة الثعلب وهي تستعرض منزلها.
منزلاً بدا محافِظاً على مظهره بشكل جيد. بشر وثعالب يمضون في شؤونهم.
ثم وعد البطريرك بالمغادرة والعودة... ولقد عاد بالفعل، مراراً وتكراراً، متلقياً في كل مرة العلاج والهدايا من الثعالب.
استطاع شينغ سماع التلاميذ يبدأون في التمتمة بنفس حالة الارتباك التي شعر بها.
ما الذي كان يجري هنا بحق الجحيم؟
ثم حدث صياح عظيم عندما اتخذ المؤسس ثعلباً رهينة وحاول سرقة أحد كنوزهم، كاسراً كل قاعدة من قواعد الضيافة الموجودة — وكان بشار الجبال يأخذون ضيافتهم بجدية بالغة.
كانت الجبال مكاناً بارداً وخطيراً، وكانت أعرافها قديمة قدم الزمن. كانت العواصف الثلجية تهب دون سابق إنذار، وغالباً ما كان المسافرون يجدون أنفسهم يلجأون إلى منزل شخص آخر؛ ولم يكن أحد ليجرؤ على طرد غريب، تماماً كما لم يكن أي غريب ليجرؤ على إيذاء أو سرقة شخص آواه. حتى أسوأ قطاع الطرق البشريين كانوا يلتزمون بقانون الجبل.
كان أولئك المنحدرون من عائلات بشرية يقفون، والبعض الآخر يلعن — وحتى شينغ نفسه شعر بموجة قصيرة من الرضا عندما تعرض الرجل للضرب المبرح على يد المرأة. لقد كان مثيراً للشفقة حقاً.
لم يستطع شينغ أن يصدق أنه المؤسس.
تغير المشهد، وأصدر الضباب طقطقة مع البرق — واتسعت عينا شينغ. سقط فكه. تسارعت أنفاسه... واستطاع أن يدرك أنه لم يكن وحده.
حتى وسط الضباب، كان للرجل حضور.
كانت عيناه نقيتين وصامدتين. وكان جسده منقياً بشكل مثالي، والندوب التي شوهت واجهته أضافت فقط إلى جلاله.
كان هذا رجلاً لا يتراجع أبداً. لا ينسحب أبداً. لقد كان تجسيداً للقوة.
حدق شينغ في روعة البطريرك الأول. الرجل الذي يُهمش غالباً، أو يُستبعد تماماً كأبله مات على أيدي الثعالب.
كان ذلك... كان ذلك مجرد كذبة. استمتع شينغ بحضوره الطاغي. استطاع أن يشعر بطاقة البرق تلامس روحه ذاتها، مشحونة إياه، ومملوءة إياه بالقوة.
«القوة قبل كل شيء»، قال الرجل بابتسامة، وعلم شينغ أن التعويذة كانت جيدة. لقد عاش طوال حياته وفقاً لها. حقاً، لكان البطريرك الأول فخوراً به —
«لحماية من نحبهم.»
توقف عالم شينغ بصرير حاد. ضحك الرجل، زانغ يونغ، وهو يرفع الأطفال على كتفيه ويصافح الجنود البشريين.
كلماتهم... عقيدتهم كانت مختلفة؟
كاد يفقد الإحساس حين اتسعت عينا البطريرك الأول وذهب للاطمئنان على أخيه.
نهض الرجل وذهب إلى الحرب — من أجل رجل أضعف منه، ومن أجل ثعبان، ضد امرأة لم ترتكب بحقهم أي خطأ قط.
كانت المعركة مذهلة، بطبيعة الحال. كانت قوته كل ما حلم به شينغ طوال حياته.
ثم، مرة أخرى، سادت تمتمة مرتبكة عندما توقفا عن شجارها واعتذرا لبعضهما البعض. أشرقت عيناهما وهما يفكران في المستقبل.
ثم اخترق سهم برق ظهريهما كليهما.
تفتت الصخرة التي تحت يدي شينغ إلى غبار.
لم يسعه سوى الظن بأن هذا لا بد أن يكون نوعاً من الكذب. كان سلفه مثالاً للقوة. وكان سلفه جباراً. لم يكن جرذاً يقتل أخاه الخاص من الخلف لأنه كان أضعف من أن يواجهه جهاراً.
لكنه استطاع شعوره. استطاع شعور التشي في الهواء والضباب، المشحون بالبرق. برق البقايا الأخيرة لرجل شريف.
جزّ شينغ على أسنانه بينما قاد سلفه الهجوم على الثعالب وطردهم من وطنهم.
امتألت فمه بالدماء دون إرادة منه فبصقها. وبقي ناظراً بعينيه إلى الضباب دون أن يحيد عنهما.
==============================
على أرض الساحة، كان يون رن يعرق بينما كان الضباب يتغير ويتصاعد.
هذا... لم يكن هكذا تماماً كما خطط له. لقد صنع هذا السراب، بالتأكيد... لكنه لم يكن شبيه بهذا قط. لقد اكتسب الضباب حياة خاصة به. استطاع شعور التشي داخله، وهو يغلي ويفور ويغير الأشياء.
كان يون رن قد خطط لعرض. لم يكن يخطط للمشاعر التي بداخله. لم يكن يخطط للأحاسيس الجسدية المحضة التي كان متأكداً من أن كل شخص في الساحة يستطيع شعورها.
كشّر عن أنيابه حين لامست التشي التي بداخله تشي الخاص به، كانت تريد شيئاً ما. كانت تطالب بشيء ما، الآن بعد أن تمكنت بقايا الثعلب العجوز أخيّراً من التحرك.
جذبه السراب مرة أخرى. أخذ يون رن نفساً عميقاً بينما تراجع الضباب في عقله قليلاً، كاشفاً عن أعمق ما فيه لنفسه. مدّ يون رن يده... ومزق القيود الأخيرة التي أبقت الضباب مربوطاً بالجبل.
======================
كان تشي هان مترنحاً عندما رأى الجزء الأول. طوال حياته أُعلم بشأن الثعالب الوحشية وكيف خانوا كل شيء... ليتضح أنهم هم من تعرضوا للخيانة.
ثم تغير المشهد ليظهر رجل يشبه إلى حد بعيد والد تشي الخاص، وهو يعقد حاجبيه.
همس الرجل لأحدهم قائلاً: «لا توجد طريقة يمكن للبطريرك أن يُهزم بها هكذا». «أحتاج إلى مزيد من المعلومات... لكن... أظن أن زينغشينغ ربما قتله».
كانت الكلمات خيانية... وقد لاحظها أحدهم.
حدق زينغشينغ ببلادة بينما وصل التقرير.
«أرسل هانبن في مهمة وأبعده عن الطريق. أما عن بقية العشيرة؟ فستذبل الكرمة، لكن الطائفة قد تظل تستفيد من الثمرة المتقزمة».
شعر هان بجدّه يقف، وتشي الخاص به يزئير بغضب بينما أرسل زانغ زينغشينغ سلفهم في مهمة انتحارية... ثم حكم على البقية بآلاف السنين من الكبت.
شعر برغبة في القيء وهو يلتفت نحو يون رن. كانت عينا الرجل تتوهجان بالزرقة؛ وكان الضباب يتسرب من فمه وكان يرتجف قليلاً.
ولا تزال الرؤيا مستمرة.
==============================
لم يستطيع الشيخ تشونغيوني سوى المراقبة. كان يعلم أن المحققين هم في الغالب للشؤون الداخلية... لكن المدى الهائل الذي استُخدموا فيه كان محيراً للعقل. كانت الرؤى تتسارع الآن، مع إبادة المزيد والمزيد من الجيل المبكر.
هذا... لا يمكنهم التعافي من هذا. لم تكن هناك طريقة لتتسامح أي من العائلات والعشائر تحت رايتهم مع هذا.
كان هناك زئير غضب آخر، عائلة مو هذه المرة، إذ أُطفئ أحد أسلافهم بالسهولة ذاتها.
وحينها... تغيرت الرؤيا لتظهر امرأة عرفها.
زانغ وين، «الخائنة الكبرى».
خالة شينهي. ركش تشونغيوني بعينيه. شينهي ووينا، اللتان كانتا من نسل زانغ يونغ.
زانغ وين، التي اكتشفت الحقيقة وعُذبت وحُطمت من أجلها.
بدأ قلب الشيخ تشونغيوني ينبض بسرعة أكبر. لقد انضم إلى الطائفة وارتفع مراتب عالية داخلها. والآن... أصبحت لديه فكرة قد تنقذ الأمور. شيء قد يمنع الانفجار التام للطائفة والعواقب المدمرة التي ستتبع ذلك.
لعق تشونغيوني شفتيه وانتظر اللحظة المناسبة للتحرك.
==============================
حدق شين يو في الضباب بينما كانت جريمة أخيرة تتكشف، حيث قام المحققون بإبادة عائلة بأكملها بأوامر البطريرك الحالي.
لقد كان بي دي على حق. لقد كانوا بلا شرف.
كان شين يو يعلم أن هناك شيئاً يدبر، لكن هذا بالتأكيد لم يكن ما كان يتوقعه! قضى شين يو وقته في البحث عن التأثيرات الشيطانية وتقييم تلاميذه بطرق أخرى. لكن في النهاية، كان هذا أفضل بكثير، بكثير، مما كان يأمله على الإطلاق!
حقاً، أين بحق الجحيم عثر جين على كل هؤلاء الناس؟ لقد امتلك موهبة متسامية في العثور على المواهب المتسامية! فقط في عالم العمق وقد دفعوا طائفة إلى ما يبدو أنه انشقاق مفتوح؟!
اتسعت ابتسامة شين يو. نظر إلى المدرجات. كان رؤساء العائلات واقفين على أقدامهم جميعاً. وكان التلامذة يتطلعون إما للهرب أو لأخذ نصيبهم من الثأر.
سيتعين عليه إحضار شيء لطيف ليون رن. لأن هذا؟ كان هذا شيئاً مذهلاً للغاية.
ابتسم شين يو للصبي بينما سقط على وجهه على الأرض متشنجاً قليلاً، وقد استنفدت التشي الخاصة به؛ لكن الضباب نفسه بدا وكأنه يزداد قوة... مثل سحابة عاصفة.
استطاع شين يو شعور النية بالداخل، حيث بدأ كل الضباب على الجبل في التجمع.
ابتسم وأومأ برأسه.
«حسنً! أنا أؤمن حقاً أن هذا ينهي محاكمة طائفة الجبل المغطى. لم يتم غزوهم من قبل الشياطين»، أعلن بفخامة. «والآن بعد أن صدر الحكم، لم يعد من حقنا التدخل في شؤونهم الداخلية. يمكن لأتباعكم المتابعة إن رغبوا في ذلك».
رف جفن بي دي ثم بدا وكأنه فهم ما كان شين يو يقصده.
“أستمات البشر بخير؟” سأل الدجاج، فابتسم شين يو.
“سيوفر الحاجز الحماية. البشر في أمان؛ أما المحققون...” مدّ شين يو يده وأمسك بالمنارة الصغيرة التي تركها لنفسه، مخترقاً الفراغ الفاصل.
سقط المحققون، وقد كُبلوا وبدت عليهم علامات الذعر الشديد، على أرضية الساحة.
انحنى بي دِي واستعد، والتفت ليتحدث مع أصدقائه. راقبهم شين يو بابتسامة أبويّة.
“لماذا؟” تساءل صوت أجشّ من جوار قدمي شين يو.
طرف شين يو عينيه والتفت ليخاطب الرجل الراكع عند قدميه. كان وجه بطريرك طائفة الجبل المحجوب مشوهاً بتعبير قبيح وغاضب.
“لماذا ماذا؟” سأل شين يو.
“لقد دمرتني. لقد دمرتنا. لقد اقتحمت طائفتنا، ومرغت كرامتنا بالتراب، والآن... الآن...!”
“أه, لماذا فعلت هذا؟ أتدرك حقاً؟” سأل شين يو. مال نحوه وابتسم للرجل. “لأن طائفتكم أهانت حفيدِي.”
فغر الرجل فمه مذهولاً بينما مدّ النّصل الذي لا يُقهر يده وصفع وجه الرجل مرتين. بدت الحركة وكأنها لودود... بغض النظر عن كون الضربتين كادت تفجران مسارات طاقته. بدأت طاقة تشي الخاصة بالرجل تتشنج.
انهيار البطريرك، وهو يسعل.
ثم استدار شين يو مجدداً نحو الصغار.
“أستعدّدتم للرحيل؟” سأل.
أومأ الصغار برؤوسهم.
وهكذا... غادروا طائفة الجبل المحجوب.
==========================================
ساد الصمت أرجاء الساحة إثر الرحيل المفاجئ. ظلّ الحاجز صامداً... لكن الساحة كانت لا تزال مكتظة.
كان الوضع يقف على شفا حفرة، مستعداً للانفجار في حمام دماء. عائلة تحارب عائلة. تلميذ يحارب تلميذاً. الآلاف في مواجهة المحققين، الذين قتلوا وعاثوا فساداً في عقول عدد كبير جداً من التلاميذ.
وحينها، كسر أحدهم الصمت.
“يا طائفة الجبل المحجوب! إليّ! قفوا معي، ضد دماء المغتصب وقاتل الأقارب!” صرخ الشيخ تشونغيون الحذر دائماً. اخترقت كلماته الساحة بينما اتسعت الأعين. “معي! لنعيد المجد لطائفتنا!”
انكسرت التعويذة.
“اقتلوا أولئك اللعناء قتلة الأقارب!” زأر تشي هان بين، وقد احمر وجهه غضباً حتى كاد يسودّ.
زأر التلاميذ والعائلات، وأعينهم مسددة نحو المحققين.
انفجرت قوة البطريرك الحالي لتغشاه. توقف الهجوم فجأة.
“إن ظننتم أنني سأستسلم وأموت هكذا فقط—!” بدأ البطريرك، ثم اتسعت عيناه.
استدار بينما انتهى الضباب المحيط بالجبل بأسره من التمرد والانفلات. راح يضطرب كحاصة عاصفة... ثم انطلق نحو البطريرك، رمحاً من البرق ونار الثعالب.
=========================
تأرجح الجبل واهتز لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ بينما تقاتل المزارعون فوقه.
راقب البشر بخوف بينما كان يرتجف ويتصدع.
لم يكونوا يدرون ما يجري. لكنهم عرفوا أمراً واحداً، حين انكشف ذلك المكان الضبابي أبد الدهر تماماً.
لن يُدعى الجبل المحجوب قطّ بعد اليوم.