ساد الصمت في حلبة النزال حين سقط زانغ شينغ ولم ينهض مجدداً. وقف بي دي أمامه، مثبتًا ناظيريه على خصمه. كانت ريشاته قد احترقت، والدم يتسرب من منقاره، وبدا واضحًا أنه منهك، ومع ذلك ظل واقفًا باختيال وانتصاب.
أحد أعظم مواهب طائفة الجبل المحجوب، يُهزم على يد دجاجة مجردة. والأمور أسوأ، فقد بُثّت هزيمته في أرجاء الطائفة كافة؛ بما في ذلك أمام عشرات الآلاف من الخدم البشر.
كانت تلك فجوة هائلة وممزقة في وجه طائفتهم. ما كان شيء ليُصلح هذا الجرح.
في أيّ يوم آخر، لكان الشيخ تشونغيون قد بذل كل ما في وسعه لإصلاح الأمر. أيّ يوم آخر، باستثناء هذا اليوم الذي لم يكن فيه شيء ليُقارن بالوحش الذي كان يتأمل المشهد بالأسفل بكسل. كان لا يزال جالسًا في مقعد البطريرك يضحك.
بدا البطريرك نفسه غاضبًا للغاية؛ لكن بعد إخضاعه بهذه السرعة، صار عاجزًا عن قول أي شيء -أو مسلوب القدرة على ذلك-. وقف هناك ببساطة، منحنياً بكتفيْه كأنّ وزنًا هائلاً يثقل كاهله.
قال العجوز بابتسامة عريضة وعينين تبرقان: «يا بي دي، أيها الشقي الصغير! لم أستمتع هكذا منذ سنين! عرض رائع، أيها الفتى! عرض رائع!»
استدار الديك نحو مقصورتهم وانحنى بأدب، بينما ظلت الحشود في صمت مذهول.
ضحك العجوز مجددًا ورفع نبيذ البطريرك قبل أن يتجرّع ما تبقى من القارورة. سأل العجوز مالتفتًا إلى تشونغيون: «أليس كنزي هو طالبي؟ في الثالثة من عمره وبالفعل يسحق الأسياد الشباب. هذا يبعث الدمع في عين هذا العجوز!»
كاد تشونغيون يتقيأ دمًا عند الذكرى العابرة لسن الثالثة. لقد كان الديك يمارس الزراعة لمدة ثلاث سنوات فقط، وصار بالفعل في عالم الروح؟! لقد وُجد عباقرة متفوقون، ثم وُجد هذا الكائن!
قال تشونغيون بخشوع بينما بدأ البطريرك يصارع الثقل الهائل الذي كان يضغط عليه جليًّا: «ن-نعم، أيها الخبير العظيم.» بدا وكأنّه لا يشتهي شيئًا سوى الكلام -أن يصرخ ويغضب من هذه المعاملة- لكن فمه ظل مطبقاً، تمامًا كما كان منذ أن أمر ذلك الرجل البطريرك بالصمت. «أيمكن لهذا الرجل الحقير معرفة اسم معلم بي دي؟»
ابتسم العجوز ببراعة. «للأسف، لا يمكنني نسب الفضل كاملًا لنماء هذا الديك. اسم معلمه الأول هو رو جين. أظنك سمعت هذا الاسم؟»
كانت ابتسامته ودودة ولطيفة، كابتسامة جدّ، لكنها لم تصل إلى عينيه. كان رو جين شابّاً، وفقًا ليينغوين. وقد ذكر أنه لا يريد توريط أخيه الأكبر.
أخوه الأكبر، الذي يُفترض أنه شيخ في طائفة السيف السحابي.
وهو ما... تماشى تمامًا مع هذا اليوم الكابوسيّ.
ابلع تشونغيون ريقه. «في الواقع نعم، أيها الخبير العظيم لطائفة السيف السحابي. لقد اتبعنا كل تعليماته، تمامًا كما أملاها علينا.»
رمش العجوز، ثم ألقى برأسه إلى الخلف وهو يضحك. «آه، يقود طائفات بأكملها بالفعل! أمر رائع! سأثني عليه لاحقًا!» ازداد وجه البطريرك عبوسًا، فالسُّسبة المحضة التي كان هذا الرجل يرميهم بها فاقت احتمال البشر. تظاهر العجوز بمسح دمعة من عينه. «حفيدي حقّاً رجل رائع، أليس كذلك؟»
شحب تشونغيون قليلًا. وتوقف البطريرك عن صراعه من أجل الكلام.
غامر تشونغيون بالقول، مخترقًا الكلمات بصعوبة: «حفيدك، أيها الخبير العظيم؟»
«بالتأكيد! مع ذلك، أظنك كنت تبحث عن اسمي حين طرحت سؤالك عن اسم معلم بي دي، أليس كذلك؟» كان الرجل لا يزال يبتسم وهو يستدير ليقمل ناظريه نحو البطريرك الذي كان، حتى تلك اللحظة، يرمقه بنظرات مليئة بالحقد. شحب البطريرك فجأة واتسعت عيناه امتلاءً بالتعارف والرعب.
«اسمي هو شين يو.»
كانت الكلمات رقيقة وبسيطة، ومع ذلك ترددت في جميع أنحاء العالم كأنّ الهواء ذاته الذي يبقيهم أحياءً هو من يهمس باسمه. وجد تشونغيون وزميله الشيخ أنفسهما فجأة يتصببان عرقًا ويصارعان من أجل التنفس.
شين يو، النصل غير المُقهر.
لم يكن بحاجة لأي ألقاب أخرى، رغم امتلاكه الآلاف منها. لقد كان أشبه بأسطورة منه إلى بشر حقيقيّ بالنسبة لمعظم الناس -حتى إن تشونغيون كان ليظنه أسطورة لولا سماعه القصة المُهمَس بها عن ذلك الرجل الذي نام مع خالة البطريرك.
ممارس زراعة في العالم الإمبراطوري. رجل قبع في القمة. رجل غادر طائفة السيف السحابي على ما يبدو لأن إحدى أعظم الطائفات في الإمبراطورية لم تستطع مساعدته على النمو أكثر من ذلك.
إن كانت مراجعة طائفة السيف السحابي لهم أمرًا مؤسفًا، فقد يكون هذا اليوم آخر أيام وجود الجبل المحجوب. كان من الممكن التفاهم مع طائفة السيف السحابي. فبكل جبروتهم، كانوا ملتزمين تمامًا بـ «الكتاب»، ومدروسين وعادلين في أحكامهم... أو هكذا قيل. لو لم يجدوا أي تلوث شيطانيّ وكانوا راضين عن جهودهم في اجتثاث الوحوش، لكانوا قد وبخوهم على الأكثر بسبب الإهمال، ثم تركيلهم لشؤونهم. لكان الأمر مزعجًا، لكنهم سينجون على المدى الطويل.
وبدلًا من طائفة السيف السحابي المهيبة، كانوا يتعاملون مع رجل أسطوريّ بعدم ترك الإهانات تمرّ دون ثأر.
وشانغ لي، أو الشيطان الذي كان يسكن جسده، اعتدى على حفيد هذا الرجل.
بالكاد تمكن تشونغيون من النظر إلى زميلته الشيخ، فقد كان وجه المرأة باهتًا لدرجة جعلتها تبدو جثة هامدة.
«لقد سمعتُ قصةً رائعةً من حفيدي. قصةً عن شيطان صغير يأتي من هذه الطائفة»، قال شين يو، مائلًا إلى الأمام ليحدق في عيني البطريرك. تغير تعبير وجهه للحظة. صار فارغًا. كان صوت الرجل فراغًا أجوفَ. بلا مشاعر. «لذا كان لزامًا عليّ أن أرى إن كانت حقيقية. لا يمكنك السماح لمثل هذا التلوث بالتجذر، كما تعلم. عليك قلعه من جذوره، من الجذع حتى الجذور».
ثم تراجع الرجل للخلف فجأةً، مبتسمًا من جديد.
«لهذا السبب أرسلتُ أتباعي الصغار مقدمًا، ليتفحصوا الشائعة من أجلي. وإن وجدوا أي تلوث شيطاني فسأمحو طائفتكم من الوجود!»
قال الرجل ذلك بمثل هذه البساطة حتى إن عقل تشونغيون كافح لاستيعاب الكلمات. تحدث شين يو عن إبادة طائفتهم مثلما يتحدث أحدهم عن الطقس.
«لقد قدمت طائفتكم التدريب لتلميذي ورفاقه! كونوا ممتنين لأنكم كنتم نافعين لي»، أعلن شين يو، ملتفتًا إلى البطريرك. كان من الواضح أنه ينتظر منه أن يقول شيئًا.
«ش-شكراً لك»، تمتم البطريرك مختنقاً، متحدثاً للمرة الأولى لعابه يغص في حلقه.
ابتلع تشونغيون ريقه مجددًا. لقد شعر بحد السكين الذي تقف عليه طائفته بأسرها. لم يكن ليسمح لنفسه بالفشل. أجبر نفسه على الكلام. إن كان قد قُدر لهم الهلاك، فسيوجه نهايته بكرامة على الأقل.
«و... ما هو حكمكم، أيها السيد العظيم؟» سأل.
طرف شين يو عينيه، ملتفتًا إلى تشونغيون بنظرة فاحصة.
«حسنًا، ما رأيك أن نكتشف ذلك معًا، هممم؟»
أومأ شين يو بسخاء، ثم نهض. ثم سار بخطى واسعة نحو حافة مقصورة الشيوخ، وشعر تشونغيون والآخرون بأنهم مجبرون على تتبعه. خف الضغط الواقع عليهم بيسير عندما تحول انتباه شين يو. وعلى الرغم من الخطر، وبما أن عقل تشونغيون لم يعد منشغلًا كليًا بأفكار شين يو، فقد لاحظ أن التلاميذ كانوا يعيثون شغبًا في المدرجات، صياحًا وعويلاً.
«الصمت»، قال شين يو؛ وتمت إرادته. لم يستعرض قوته. لقد تحدث فحسب فكان الأمر كذلك. كل رجل، وامرأة، وطفل على جبل الجروف المحجوبة توقفوا عن الحركة فورًا، كفئران خائفة أمام نمر.
«طائفة جبل الجروف المحجوبة. بإرادة الإمبراطور، خضعت هذه الطائفة، طوال الأشهر الخمسة الماضية، لتحقيق بشأن الفساد الشيطاني». فتح شين يو لفيفة ذات مظهر رسمي للغاية تحمل ختم العنقاء المشتعل، دليلًا على سلطة ابن السماء. سقطت أُحُنُ الحاضرين في المدرجات من شدة الذهول. «لقد انتهى هذا التحقيق، وسيتم الكشف عن النتيجة الآن. لن يُسمح لأحد بالمغادرة خلال هذا التداول».
وما إن تلفظ بتلك الكلمات، حتى شعر تشونغيون بالعالم ينغلق فجأة عندما أقيم حاجز آخر حول تعاويذ طائفة جبل الجروف المحجوبة. ثم قفز شين يو إلى حلبة النزال، دافعًا بهالته الجميع للنزول معه.
«بي دي. ري زو. يون رين. امتثلا أمامي، وكونا شهودًا. محاكمة طائفة جبل الجروف المحجوبة تبدأ الآن».