وجدَتْ ڤاجرا نفسها تتهيّأ للحرب مرّةً أخرى.
لعشر سنوات طوال، كان واجبها حشد القوات وتوجيهها إلى المعركة. بدأت كملكة تابِعة، ثم ملكة حرب، إلى أن وقفَتْ ڤاجرا وحدها في وجه حشود لا تنتهي من الأعداء الذين تفوق قدراتهم جنودَها بمئة ضعف، لقد كانت ملكة الحرب الأخيرة.
بأوامرها ذهب المليارات إلى الحرب—وبالأوامر ذاتها مات المليارات. كشّافون أُخذوا بعيداً جداً عن ديارهم، وغالباً ما مرّ موتهم دون أن يلتفت إليهم أحد. جنود يطعنون بلا كلل بلُزَاتهم، حتى وهم بلا رؤوس. وعمّال يُرسلون في موجات عارمة، ترتجف أجسادهم بعنف وحرارة شديدة لدرجة أنهم طهوا أنفسهم وأعداءهم معاً. بل إن زميلاتِها من الملكات لقين نهايات مروعة حين اخترقت خلايا النحل. اختار بعضهن الانتحار، حيث قضت عليهن بناتهن بضربات طقوسية خلف الرأس. بينما قاتلت أخريات حتى الرمق الأخير، ناقلاتٍ صوراً لمناقير ضخمة تُمزّق الشمع والخشب على حد سواء؛ وعيون الشياطين تلمع بنهم خبيث.
ما كانت كل معركة إلا إطالةً لأجل المحتوم؛ إذ لم تضف سوى دقيقة أخرى، أو ساعة أخرى لإمبراطورية تتهاوى وتتحول إلى رماد.
كدت ڤاجرا تتخلى عن نفسها أكثر من مرة. ومع ذلك… لم تفعل. أكان ذلك عناداً؟ أم كبْرياء؟ أم لم يكن سوى الحقد هو ما دفعها للاستمرار، لقتل أكبر عدد ممكن من الشياطين؟ القتل، حتى أصبحت وحيدة تماماً؛ عقلها مُمزّق، وشعلتها تكاد تنطفئ.
لقد هداها لطف السماوات إلى فا رام، وإلى منقار بي دي الرائع، وعناق الإامبراطور الدافئ.
في البداية، ظنّت ڤاجرا أنها ماتت وانتقلت إلى حياة أخرى رائعة. فقد منحها هذا الكائن الشبيه بالملوك خلايا نحل منيعة، ووهبها سيادةً على حقوله التي لا تنتهي؛ تلك التي كانت أزهارها محملة برحيق ترتخي دونه رؤوسها تحت شمس الصباح.
كان الماء عذباً ونقيّاً، وبدت الشمس –بطريقة ما– أكثر دفئاً وإشراقاً، بل حتى الهواء نفسه كان حلواً ومغذياً.
قال جلالة الإمبراطور إنه ليس ملكاً؛ إنه ليس كائناً سماوياً، لكنّه كان يكذب بوضوح ليبقى متواضعاً كي لا يُرهب من هم دونه، أو يجعل الضعفاء يتوسلون إليه طوال ساعات اليوم.
في قرار نفسِها، كانت تدرك الحقيقة. فحين يغضب، تتحدث الأرض بغضب جامح؛ فتتفتت الجبال، وتعصف الرياح؛ ويُقمع غضب السماء وبرقها الساطع ويُكبحان. لقد أتاه الموت مرتين، ومع ذلك، قهره مرتين، طارحاً إياه جانباً؛ مرة هنا، ومرة في مكان وراء السماوات، عالم مختلف تماماً.
ما عسى أن يكون هذا إن لم يكن ملكاً؟
ومقابل كل هذا… لم يُطلب من ڤاجرا سوى القليل من العسل. قليل من العسل لم يطلب الإمبراطور حتى نسبةً منه، بل طلب فقط ما تشعر هي بأن بإمكانها تقديمه. لقد أخبرهن أن يعملن فقط وفق ما يحلو لهن، لأنه أرادهن بصحة جيدة وسعادة، بدلاً من الاكتراث لمقدار الجزية.
لقد اهتم حتى بمن سقطن من ضحاياها. الرعايا اللواتي توقفت ڤاجرا نفسها عن تخصيص أفكار لهن، متخليةً عنهن كضحايا ضرورية. كان واجبهن الموت، وذهب كل جندي عن طيب خاطر للحفاظ على سيادة الإمبراطور.
لقد صنع لهن قبوراً وسمح للأزهار بأن تنبت فوق أجسادهن. لقد رثى فقدهن وأثنى على شجاعتهن.
لقد كان ذلك… يفوق كل ما استطاعت ڤاجرا تخيله ممكناً. وكل ما استطاعت خلايا النحل التفكير فيه.
لقد كسب هذا الإحسان ولاءَ ڤاجرا مئة ألف مرة. وأكثر من ذلك، لقد كسبه ولاء كل ابنة.
والآن عاد الشياطين حقّاً. إنهم يرغبون في إحداث الخراب في هذه المملكة المباركة بينما الإمبراطور غائب.
كانت الفكرة بحد ذاتها مثيرة للغضب. ليس لها وحدها، بل لكل بناتها، اللواتي ترددت أفكارهن عبر ارتباطها بهن.
كل ابنة منهن بلا استثناء طالبت بالحرب.
ها هي تراه الآن، بينما تقف فوق خلية النحل الرئيسية خاصتها. ترفرف في النسيم رايات عظيمة من القصب وخيوط الحرير التي منحتها إياهن الإمبراطورة ميلينغ. كانت كل راية شعاراً لتشكيل مختلف؛ وكل واحدة تحمل رمز الإمبراطور، إلى جانب تصوير لبطولات كل وحدة، وأوسمة الشرف المعركية التي نُيلت ضد الشياطين الحقيقيين.
لقد غطّين الأرض أمام خلية النحل خاصتها، حيث جُزّ العشب ليُصنع ساحة الحشد هذه. وقفت كل واحدة منهن بلا حراك بينما كانت ڤاجرا تستعرضهن.
لم تكن أعدادها كبيرة. لم تكن شيئاً مقارنةً بما حشدته في الماضي.
ومع ذلك، فقد تفوقت تماماً على قواتها القديمة. اقترب حجم الخالدات لديها من حجم الشياطين؛ وكانت دروعهن القشرية تتلألأ بألوان الطيف تحت الشمس. وستكون دروعهن منيعة أمام قواتها السابقة؛ وكانت على يقين بأن كل واحدة منهن قادرة على قتل عشرة آلاف.
ومع ذلك، من الواضح أن عدوها القديم قد نما هو الآخر.
لو كانت وحدها، لكانت معركة أخرى ميؤوساً منها. ولو كانت وحدها، لكان عليها حتماً الفرار مجدداً.
لكنها لم تكن وحدها. لن تكون هذه وقفة أخيرة كئيبة. إنهن مقبلات على الهجوم!
تقدّمت في المقدمة ري زو، محظية بي دي. كانت في هيئتها البشرية؛ مثقلة بالحقائب والقوارير. كانت ظلالها ترقص وتتلوى، وتبرز عيون حمراء لامعة من داخل رداءاتها. لم تكن تنبعث منها أي رائحة—فقد كانت قوتها الهائلة تحكم إغلاق السموم الفتاكة التي تحملها، والتي ستتشتت في صورة تدفقات هائلة من الدخان.
بجانبها كان يون رين، خادم المَلِك والأمير المعين حديثاً للقادمين الجدد، أولئك البشر الذين تحولوا إلى ثعالب أيضاً. كانت ڤاجرا تراقبهم عن كثب بحثاً عن أي خيانة، لكنها لم تجد شيئاً—سوى أنهم ممتنون حقاً للمَلِك على إحسانه، وأنهم رعايا متواضعون ومطيعون. تفقد الأمير يون رين نصله للمرة الأخيرة قبل أن يغمده. ارتجف زوجا أذنيه وذيله الإضافيان، قبل أن يستند إلى الباب بانتظار.
ظهرت العفاريت الضخمة تلي ذلك. كان سيّدها يُعتقد أنه عظيم وقوي—مَلِك الشمال—ومع ذلك فقد اعترف هذا الوحش الجبار بإحسان المَلِك وقوته، وأرسل تلميذه الخاص ليتعلم في ركابه. نبض الجليد والعاصفة لفترة وجيزة فوق قرني حافر الرعد، قبل أن يخف رويداً رويداً.
ثم أتى بي دي، وريشه يلمع في النور. كان تشي الخاص به ملتفاً حوله، حاداً، مركزاً، وبنية واضحة لدرجة أنه بعث بالقشعريرة فيهم جميعاً. لقد كان الشمس في كبد السماء، لشدة إشراقه، ولم تكشف عيناه عن أي قلق. بل عن ثقة ورباطة جأش تامتين. تفقد رفاقه، ثم تفقد قوات ڤاجرا المحتشدة.
«ما ظننت قط أنني سأحظى بمثل هذا الجيش الرائع»، صرح بي دي بصوت دافئ. كادت ڤاجرا ترقص فرحاً. «كيف تسير الاستعدادات؟»
«خطوط الإمداد تُبنى في هذه اللحظة بالذات من قبل شركات اللوجستيات. فرق الاستطلاع منتشرة بقوة. لم يحدث أي اتصال بعد»، رقصت ڤاجرا تعبيراً عن كلامها. تأملها بعمق لحظة، قبل أن يومئ برأسه؛ آه، لقد كان الأمر رائعاً منذ أول اتصال. لقد اعتاد بي دي الجلوس معها كل ليلة ليتعلم كيف يفهم رقصاتهم بشكل أفضل.
لقد كان ساحراً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
«ممتاز»، قال بي دي، فاستقام الجنود أكثر.
كان الشخص الأخير الذي خرج من البيت هو الدب. أحد محطمي الخلايا، پاوپو. لم تكن تكره المخلوق تماماً. لقد كانوا… أشبه بقوى الطبيعة، حسب ما تتذكره. كانت هناك احتمالات متساوية بأن يترك دب لهيب خلية النحل وشأنها، أو يحطمها ليأكل عسلها ويرقاتها… لكنهم لم يفعلوا أبداً ما كان الشياطين تفعله. لم يقتلوا كل شيء أبدا. الخلية المحطمة كان يمكنها عادة البدء من جديد.
والآن، تمزقت خلاياه هو على يد عدوهما المشترك. بدا پاوپو ضائعاً. وبدا مرتبكاً. استقرت عيناه على جنودها. ونظر إلى الآخرين، مستعداً تماماً للحرب.
«أستساعدني حقاً؟ أتساعدوننا؟» سأل پاوپو، وصوت مفعم بعدم التصديق ونبرات الأمل المكسورة.
نفس النبرات التي شعرت بها ڤاجرا، قبل سنوات. شعرت بإحساس غريب بالألفة تجاه الوحش، للحظة وجيزة، قبل أن تطرده من رأسها.
لم يكن سوى مزارع. كان على وشك أن يرى ما تكون القوة الحقيقية عليه—وكان سيجثو خاضعاً أمام المَلِك عندما ينتهي كل هذا.
«نعم»، أجاب بي دي، بصوت لا يترك مجالاً للشك.
أحنى دب اللهيب رأسه، متواضعاً أمام جلالة بي دي والقوة التي سيرتحل معها. قد يكون مزارعاً، لكنه يمتلك بعض الخصال الحميدة حقاً.
بعد ذلك، استدار بي دي نحو الآخرين. الدوق تشون كي، السيدة پي پا، وامرأة البومة بييو التي تمتلك حساً لا يُغلط في الأزياء. المعلم العجوز ميانتيائو، الحرفي السماوي الذي ساعد المَلِك في صياغة الحاجز العجيب الذي استطاع تحدي زمن الموت الأبيض والحفاظ على الشمس الدافئة فوق خلاياها. وأخيراً كان هناك بورو؛ الذي لم يكن سوى بشري، ومع ذلك فقد تفوق على جميع البشر الآخرين، مساعداً ڤاجرا في دورها كسيّدة الشراب.
«نذهب الآن لنصل إلى حقيقة هذا الأمر»، قال لهم بي دي. «سنراكم جميعاً عندما نعود إلى الديار. پي پا، هل يمكنني طلب بعض الدود المتبل؟»
لم يكن وداعاً حقيقياً. لم يقل لهم توخوا الحذر. لقد تحدث بالحقائق فقط؛ فام رام ستكون مصونة عندما يعود، بعد أن يخرج منتصراً.
تضحكت المرأة ذات الشعر الوردي. «إنه لأمر شاق حقاً صُنعها، عندما تكون الوحيد الذي يحبها»، علقت باستهزاء مصطنع.
«وا شي يحبها أيضاً!» دافع عنها بي دي.
تضحكت پي پا. لامست شفتاها جبينه، وتراجعت بابتسامة صغيرة. «لا تستغرق وقتاً طويلاً إذن».
«لم أكن لأحلم بذلك»، أجاب بي دي.
قال الآخرون وداعهم. قصيراً، وبسيطاً، ويضع الخطط لما سيحدث بعد ذلك.
تزهى الدوق تشون كي صاعداً جانب تشكيلهم. كان صغيراً في هذه اللحظة. بصغر حجمهم. ومن حين لآخر، كان يتوقف، ليهمس بكلمات التشجيع لإحدى بناتها، أو يضغط بقطعة صغيرة من شراب القيقب المتصلب في مخالبهم.
تحدث إليهم جميعاً بأسمائهم، عارفاً تفاصيل الاختلافات بين كل من بناتها بنفس القدر الذي تعرفه هي به.
حتى وصل أخيراً إلى مقدمة الجيش، ونما مرة أخرى.
«ابقوا في أمان، أيها الأصدقاء الصغار»، قال، وصوته الدافئ بمثابة أمر لطيف. «وأنت أيضاً، يا ڤاجرا».
كانت ابتسامته ساطعة كالشمس. رقصت ڤاجرا إعلاناً عن إقرارها بهذا الأمر الأشد أهمية.
«والآن، نحن نتحرك»، أعلن بي دي، بعد أن غادرت الوداع الأخيرة شفاههم.
لم يكن بحاجة للصراخ؛ كان صوته الهادئ كافياً. ارتفع الخالدون في الهواء، وكان طنينهم عميقاً ومدوياً. تجمعت التشكيلات، مصطفة على هيئة رؤوس سهام تشبه الطيور. حمل بعضهم كرات زجاجية صغيرة تحتهم، قذائف رقيقة مليئة بالسم.
ارتفعت ڤاجرا نفسها معهم.
لقد كانت العقدة المركزية. لم يكن لديها النطاق الكافي للقيادة من أمان حصنها. كان عليها أن تخرج بنفسها لكي تسيطر على استطلاعاتها، وتؤدي المهام المطلوبة منها. كان عليها الخوض في الخطر مرة أخرى، لقتال عدوها القديم.
ومع ذلك لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أي رعب حيال الشكل الجديد الذي اتخذه أعداؤها القدامى.
كانت ترتحل مع جيش يفوقهم جميعاً.
تقدم باوبو الموكب، متعقباً خطواته السابقة. بدأوا ببطء في البداية... ثم تسارعت وتيرتهم، فلم يكن الدب بنفس السرعة التي يستطيع الآخرون بلوغها، لكنه كان ضرورياً لمخططات بي دي.
وعند البوابات، وقف الدوق تشون كي، مسمراً عينيه عليهم. وقف الخنزير الجسور كحصن من حقبة، وكانت وقفته الثابتة تعد بوعدٍ أكيد: أن بيتهم سيظل قائماً حين يعودون.
انطلقوا جنوباً. جنوباً نحو حيث وُلدت فاجرا، وجوباً نحو حيث مُنيت بالهزيمة.
فتحت سربها وانتشر. اختفت السهام في الأفق البعيد، مستعدة لكل طارئ.
في ذهن فاجرا، كانوا قد انتصروا سلفاً. وكل ما تبقى هو أن تدرك الدبابير هذه الحقيقة الكونية.