جلسا معاً تحت النجوم؛ وهبّ هواء الليل بارداً لاذعاً، ولم يكن يصارع تلك اللسعة سوى دفء الشاي المتلاشي بين كفيه. لقد كان الجو ملائماً تماماً لحالة شين يو النفسيّة. فقد أرهقه سرد قصته بطرق لم يتصورها قط. لم يحكِ لأحد قط ما حكاه لـ جين، ليس من وجهة نظره هذه، ولا حتى لـ غي. لقد كان الأمر خاماً ومؤلماً، حتى بعد كل هذا الوقت. كان اعترافاً بالضعف. ضعفٌ لا يستطيع "النصل القاهر" إظهاره، ولا ينبغي له. كان جزء منه يتهيأ لردة فعل سلبيّة من جين. وجزء منه يخشى أنه كان عليه ألا يقول شيئاً، بدلاً من الإطاحة بمكانته في عينِي حفيده. كان هناك الكثير ممن يفضلون رؤيته يموت على قمة الجبل، على أن يروه يهوي من فوقها. قال جين أخيراً ومضمار نظره منصبٌّ على الأفق: «طالما تساءلت عن السبب.. لماذا كنت تهتم؟ لماذا بذلت قصارى جهدك من أجل صبي يتيم وحيد، ولماذا اخترتني على خطتك لإرثك؟». التفت إلى شين يو وابتسم له ابتسامة خفيفة: «أنا سعيد لأننا التقينا يا جدي. وأنا سعيد لأنني استطعت المساعدة، حتى وإن لم أكن أعلم». لم يكن في عينيه أي تنديد.. ولا أي تعالٍ. امتدت ذراعاه والتفتا حول شين يو. كانتا خشبتين غليظتين وقويتين. متضخمتي العضلات أكثر مما ينبغي لممارس طاقة، وبدتا وكأنهما جدارا قلعة. شعر بالأمر نفسه كما حدث عندما عانقه تشينشياو. بأن "النصل القاهر"، ولفترة قصيرة، لم يعد بحاجة لأن يكون في وضع الاستعداد وبات بإمكانه الاسترخاء أخيراً. مال شين يو مع تلك اللمسة، وتوقف تنفسه للحظة قبل أن يطرد ترددَه. لقد احتضن صبيَّه ببساطة، الذي أثبت أنه رائع رغم كل الظروف. ولربما كان ألين وألطف مما ينبغي لممارس طاقة حقيقيّ. ومع ذلك، كان لتلك اللينة مكانها. لينٌ جعل وحوش الروح وممارسي الطاقة على حد سواء ينطلقون في درب لتغيير العالم ليصبح كما صنعه جين. ليس عن سذاجة، فقد رأى علل العالم الحقيقيّ، بل لأنه رأى أنه يمكن أن يكون أفضل من الوضع الراهن. لقد عبّرت كاي شيولان عن الأمر بأفضل طريقة. كان مفترضاً بممارسي الطاقة تحدي السموات. فما عساهم يكونون إن عجزوا حتى عن تحدي الأرض؟ افترقا بعد لحظة. كان العالم ضبابياً، لكن شين يو أجبر الرطوبة على الابتعاد عن عينيه. همس جين: «أنا أفهَم السبب. لو حدث شيء لـ ميمي وژوي، لا أعرف ماذا كنت لأفعل. أكنت لأقسم على عدم إنجاب الأطفال إلى الأبد؟ لا أعرف. من السهل مناقشة كيف يجب أن تكون الأمور عندما لا تكون أنت من يتألم. لكن يا جدي، لا يمكنني إيجاد أي معنى لجزء واحد من حكايتك. لقد قلت إنك دمرته. وإن أفعالك وحدها هي التي تسببت في تطور الأمور على هذا النحو، لكني لا أستطيع أن أرى كيف يمكن أن يكون ذلك صحيحاً». كانت كلمات جين بلسماً لروحه وسهماً في قلبه في آن واحد. كاد يرتدّ إلى الوراء بعيداً عن حفيده، واتسعت عيناه. تفتح الغضب في صدره. صرخ شين يو: «لم يكن خطأ تشينشياو!». استحال أن يكون خطأها. كانت أفضل من ذلك—إلا أن غضبه تجمد عندما نظر إلى وجه جين. لقد كان هادئاً. لم يتفاعل مع ثورة شين يو، ولا مع النية الضاغطة التي هبطت عليه. جاء رد جين دون ضغينة: «لم أُقل إنه خطأها». لقد احتمل غضب شين يو، ولم يحمل له ضغينة بسببه. استطاع أن يرى في عينيّ جين أنه كان يعلم أن كلماته ستكون مؤلمة… لكن ذلك كان كله بلا خبث. سأل شين يو: «إذن مَن الذي يجب أن يتحمل وزر الوحش الذي آلت إليه حاله؟ لقد كان مسؤوليتي. خياراتي هي التي قادت إلى تلك النقطة». سأل جين: «لو أنه قتل أحد أتباعك، وهو صبيّ، أكنت لتؤدبه؟». كشر شين يو عند السؤال. لقد كان يعرف الإجابة، حتى مع ابتعاده عن ذلك الماضي. كان أتباعه بمثابة العائلة لمن كانت لديه واجبات تجاههم. لقد أقسم على حمايتهم، ولم يكن ابنه مستثنى من ذلك القسم. «نعم». «أهل حاولت تعليمه عن المؤسسين الأجلاء لطائفة السيف السحابي؟ أهل حاولت تعليمه البر والشرَف؟» جاءت الأسئلة التالية، وتساءل شين يو إلى أين سيقوده هذا. أجاب شين يو: «لقد فعلت. لكن كان يجب أن أبذل جهداً أكبر. كان يجب أن أجبره على الاستماع…». «وهل كان ليشرّب تلك الدروس؟ أم كان ليحمل ضغينة أكبر تجاهها؟ هل غيّر القوة رأيي أنا؟» توقف شين يو. كانت نقطة جين حادة، وتخترق مباشرة شيئاً كان شين يو يعتقد بأنه مطلق. عجز عن الكلام. «أهل خضت كل معاركه نيابة عنه؟ أهل سحقت أي شخص تجرأ مجرد على النظر إليه؟ أهل وقفت في صف ابنك، حتى لو فعل شيئاً خاطئاً؟» لم يفعل شين يو ذلك. هز رأسه صامتاً. «إذن يبدو أنك كنت أقل تسامحاً معه بكثير من العديد من الأسياد الشباب. أسياد شبان لا يرون أي عواقب أبداً. أسياد شبان يركضون إلى آبائهم ثم يحل الآباء جميع مشاكلهم نيابة عنهم—وحتى مع ذلك، بعض أولئك يتبين أنهم ليسوا سيئين، أليس كذلك؟» لم يكونوا كذلك. حتى أن شخصاً قريباً من قلب شين يو يمكن القول إنه كان هكذا. كان الأخ ران سليل واحدة من أكبر العائلات النبيلة وأبرزها في الإمبراطورية. لقد أعطاه والده كل ما تمناه. وغمرته والدته بالدلال. وعاملته أخته الكبرى كأنه ابنها البكر؛ حتى الخدم في ذلك المنزل أغدقوا الحب والاهتمام على السيد الشاب في المرة الوحيدة التي زاروا فيها منزله. لقد كان الأمر صادماً حقاً لـ شين يو بمدى رغبة الجميع في تدليله. كان بإمكانه أن يعيش حياته كلها دون أن يختبر أي نوع من الشقاء. لما تلفظ أحدهم بكلمة «لا» أمامه قط. لقد كان الانضباط مفهوماً غريباً بالنسبة له حتى انضم إلى طائفة السيف السحابي، باعترافه الشخصيّ. ومع ذلك، عندما غادر عشه، وعندما كشف العالم عن أنيابه أخيراً في وجهه، دون أن يكون لديه أحد يعتمد عليه سوى نفسه… فقد ازدهر ذلك «النبيل المدلل». ولم يكتفِ بالازدهار فحسب، بل أضحى يجسد إرادة المؤسسين الأجلاء، رجلاً لا يحمل أي ازدراء لمن هم أدنى منه، بل ينتشلهم ليقفوا إلى جانبه. تشنجت روح شين يو أمام طحن كلمات جين الهادئ الذي لا يلين. فقد اخترقت غلافاً من الفولاذ وتوغلَت بحذر في محراب داخل روح شين يو، مكان مقدس تقبع فيه حقائقه. حقيقة، نُقِشَت عليه في ذلك اليوم، تفيد بأن الأمر كان خطأ شين يو. همس قائلاً: «لقد لامني بو. لقد لامني ابني على كل ما حدث». كانت أفكاره لا تزال خاما وممزقة، جرحاً فاغراً، ولوثة على نصل شين يو. أجاب جين: «أألقى اللوم عليك؟ أم لمتَ نفسك على كيف آلت الأمور؟». مرة أخرى، جرحت الكلمات بعمق. خفق صدر شين يو. راح يلتمس إجابة… فلم يجدها. لم يحدث من قبل أن تم الحديث عن هذا الجزء من حياته. ولم يتم تحديه حقاً قط، فقد كان شين يو يغلق باب أي نقاش قبل أن يبدأ. لقد كان مجرد أمر واقع. قال شين يو: «لا أعرف». «كم كان عمر بو عندما حدث ذلك؟» فاجأه السؤال مرة أخرى. أجاب شين يو: «السابعة والخمسين»، ولكن حتى وهو يقولها… أدرك ما كان جين يقصده. في قلب شين يو، لم يكن يستطيع سوى أن يرى صبياً، صبياً ضل السبيل بسبب خيارات شين يو. ليس رجلاً. وليس شخصاً كبيراً بما يكفي لاتخاذ قراراته وأخطائه الخاصة. لقد رأى جين، الأصغر منه بثلاثة عقود، كشخص بالغ أكثر من الابن الذي راقب وهو ينمو. لقد ألم الأمر. لقد كان عذاباً. ولكن في قاع العذاب… كان هناك شيء آخر. شيء يكاد يكون ميئوساً منه. سأل شين يو بصوت أجش: «أهو مجرد نزوة للسموات إذن؟». «لا أعرف. لم أكن هناك. لكني أعلم أنك حملت في قلبك نفس الرغبة التي يحملها كل أب صالح. نفس الرغبة التي أملكها لطفلي. ربما كان المزيد من الانضباط في طفولته سيجعل الأمور تنتهي بشكل أفضل. ولربما لم يكن ليصنع شيئاً. من الممكن ألا ترتكب أي أخطاء، وأن تؤدي كل فعل بشكل مثالي… وتخسر مع ذلك. تلك هي الحياة فحسب». كانت الكلمات حكيمة تفوق سن صاحبها. وحملت عينا جين أنفسهما تلميحاً من الحذر. كان الحذر، ومخاوفه الخاصة بشأن المستقبل، يسطعان بوضوح. ولكن كانت هناك أيضاً إرادة في تلك الأعماق الخضراء. لقد قال جين إنه تخلى عن ممارسة الطاقة، لكنه ظل محتفظاً بحقاً بإرادة ممارس الطاقة. تمتم شين يو: «إنه وجود قاسي». «إنه كذلك. لكنك أنت من أخبرني بالمضي قدماً. بأن الحياة قاسية… لكن لا يتعين علينا قبول تلك القسوة. علينا أن نحارب ضدها، حتى وإن كانت النهاية حتمية». أطلق شين يو ضحكة ضعيفة لاستعادة كلماته الخاصة. كان قلبه يحترق، وفي حالة اضطراب. لقد شعر… بالإرهاق. «لا يمكنني الجزم. لا يمكنني معرفة ما هي الحقيقة. عما إذا كنت ألتقط اللوم طوال كل هذه السنوات… أم أن تلك المشاعر كانت صحيحة». لقد كان شعوراً مزعجاً. كلمات جين، التي ألقيت بمثل هذا الهدوء، غاصت في النصل الذي يمثله شين يو. تشنج تشي الخاص به. كاد يتمنى لو كانت هناك معركة. كاد يتمنى لو أن جين وافقه، لو لامه، لو خاب أمله فيه، بدلاً من أن يكون مثل الأخ غي. هدوء ومنطق محسوب. بلا لوم، بل تعاطف فقط. لم يكن يعرف ما يجب عليه فعله. لقد أمضى وقتاً طويلاً جداً وهو يعلم أنه خطؤه، ويعلم أن بو وتشينشياو يلومانه، لدرجة أن أي تفكير عكس ذلك بدا وكأنه يهز روحه. أيهما كان الحقيقة؟ أكانت تلك المشاعر التي شعر بها صادرة عن بو، أم منه هو نفسه؟ أيهما الحقيقة؟ شعر بكتف يضغط ضد كتفه. قال جين بصوت ثابت: «أنا هنا إن احتجت إليّ. لربما واجهت السموات وحدك… لكن هذه ليست السموات». لم يبعد شين يو جين عنه. بقيا على ذلك السطح طوال الليل. حتى كانت الشمس عالية في السماء بينما غاب شين يو في ذكرياته، حتى أجبره الألم أخيراً على صرف نظره. لم يعثر شين يو على إجابته في ذلك اليوم. كان الإثم والعار يكادان يكونان أكثر مما يُطاق. ولكن بطريقة ما، جعل الحضور الذي إلى جانبه الأفكار قابلة للتحمل.
احذروا الدجاجة الفصل 207 — جروح قديمة
اقرأ احذروا الدجاجة الفصل 207 — جروح قديمة باللغة العربية على مانجا تايم.