احذروا الدجاجة الفصل 168

اقرأ احذروا الدجاجة الفصل 168 باللغة العربية على مانجا تايم.

نادراً ما كانت زانغ شينهي تتحدث إلى الآخرين عن خططها. فالمستمعان إليها كانا اثنان لا غير؛ زميلها الشيخ تشونغيون، والبطريرك. أما تشونغيون، فكان واحداً من القلة التي لم تبدُ كأنها تمقت حضورها، وربما بلغت العلاقة بينهما حد الودّ. والآخر الذي تحدثت إليه كان البطريرك، بغية نيل رضاه وعلى أمل كسب ثقته… رغم أنها باتت تعلم أن مسعاها ذاك كان محكوماً بالفشل منذ البداية. لقد طالما اتسم البطريرك بالتعالي والإعراض، مستاءً من محياها وما تبوح به من كلمات. بيد أنها… كانت بحاجة لإفضاء سرّها لأحد ما. لذا، استحضرت الذكريات الوحيدة المتبقية لها عن شخص قد يصغي إليها، الشخص الوحيد الذي كان لرأيه في دربها شأنٌ حقيقي. فقد أخبرتها وين أن نيزان كان دائماً يصدقها القول، بغض النظر عما إذا كانت تكره سماعه أو عما إذا كان مؤلماً. ولم تملك شينهي سوى الأمل في أن يمنحها هو الآخر تلك المعاملة. والآن، جلس نيزان أمامها. وعلى نقيض البطريرك، منحها اهتماماً كاملاً لا شريك له وهي تشرح له مقاصدها. ولم يظهر الثعلب أي ردة فعل ظاهرية، بل اكتفى بالتحديق بها إلى أن فرغت من كلامها. وقابلت تلك العينين بثبات، عقليتها مهيأة لتحمل نقده من دون أن ترمش لها جفن. وعندما انتهت، أغمض نيزان عينيه، وأخذ يقلب خطتها في فكره. «أنتِ تشبهين خالتكِ تماماً، ألا تعلمين؟ فوين لم تكن تفعل شيئاً بأنصاف الحلول»، هكذا قال الثعلب. في الماضي، كانت شينهي ستبرح ضرباً حتى الموت أي شخص تجرأ على تشبيهها بـ«الخائنة العظمى». بل لقتلتهم يقيناً لو كانوا من الأعداء. غير أنها هذه المرة، تمكنت من استشعار المودة والثناء الصادق في نبرة الثعلب. وانتظرت صابرة حكمه النهائي: «لا يمكنني القول إنني ساخط على ما تخططين له، زانغ شينهي. وسؤالي الوحيد هو: لماذا؟ لماذا اخترت هذا الدرب؟» جزء من ذلك كان شعوراً بالذنب. وجزء منه كان رغبة في التكفير. وجزء آخر كان للمطالبة بحق مولد وتاريخ طالما حُرِمت منه. لكن تلك الأسباب برمتها كانت أنانية. «القوة فوق كل شيء، لحماية ما نحب»، هكذا تردد صدى كلمات زانغ يونغ في عقلها. طوال حياتها، قيل لها مراراً وتكراراً أن تكبح مشاعر الحب. وأن تقسي قلبها، فتلك هي السبيل ليغدو الزانغي الحقيقي قوياً. وكانت تشعر دائماً بالضعف حين تعجز عن الاستسلام تماماً لكلمات البطريرك. أمّا زانغ شينهي فقد أحبت جبل الستائر فعلاً، أحبت جماله ورونقه. وأحبت جبال الأنياب العاوية، موطنها. فبعض من أثمن ذكرياتها تعود إلى الأيام التي كانت فيها فارسة طليعة، تتوجه إلى القرى التي تجهل هويتها وتدافع عنهم ضد الأخطار التي تهددهم. ومن هناك وُلدت الكراهية العميقة للثعالب؛ الغضب العارم لأنهم يقحمون أبناء المقاطعة من البشر، ويفترسونهم، ويقتلونهم. لقد أحبت تلاميذها. وأحبت الرجال والنساء تحت إمرتها، الذين اختاروا اللحاق بها نحو الشمال لمواجهة الشياطين. بل ويمكنها القول إنها أحبت بعض عائلاتهم. فنغفينغ، التي حمتها شينهي من أفظع الأهوال. وليّ—الذي لم ينظر إليها قط بعين الاشمئزاز. لقد تفطر قلبها حين علمت بموته، وكان درب انتقامها من أجله. وأحبت أمها وأباها، اللذين أذاب ضغط غضب البطريرك كواهلهم منذ زمن بعيد. أجابت وهي تحدق مباشرة في الثعلب: «لأنه الدرب الوحيد الذي أستطيع السير فيه». إنه الدرب الوحيد الذي لن يوصمها بالجبن أو نكث العهود—الدرب الذي كان زانغ يونغ وزانغ وين ليسلكاه. درب توبة، ودرب خلاص. أعلن نيزان: «إذن… ستحظين بما أستطيع تقديمه من دعم، زانغ شينهي». أحنت شينهي رأسها شكراً. ====================== راحت شينهي تخطو قدماً وسط الثلوج باتجاه الحصن حيث يقيم باقي طائفتها. كانت عيناها ترمقان الأمام، وظهرها ممشوقاً. ووقعت عليها عيون عديدة، إذ منحها أهل منزل المعلم رو فرصة التقدم بينما كان بقية أعضاء طائفتها يتجمعون للمراقبة. لقد أُحيط اللورد شين يو، والمعلم رو، ويون رين علماً بنواياها—وهي نوايا قوبلت بالمثل باستحسان مماثل. فقد أومأ اللورد شين يو برأسه معلناً أن دربها «ليس سيئاً»، رغم أن المعلم رو قد فوجئ بجدولها الزمني. فقد افترض أن الرجل يود رحيلها وطائفتها في أسرع وقت ممكن. وعلى العكس من ذلك، منحها الشيخ الخيّر لطائفة السيف السحابي أسبوعاً كاملاً منذ وصولهم، مصرحاً برغبته في أن يكونوا في صحة جيدة تؤهلهم للسفر… وبأن شينهي نفسها قد تستفيد من التحدث إلى إحدىهن، كاي شيولان، المارشال الأعلى لتلال الأزور، التي تمتلك خبرة ما في إحلال السلام والمصالحة بين جماعات شتى. حقا، إن تلاميذ طائفة السيف السحابي ليفوقون سواهم أجمعين في حسن سريرتهم. بلغت الحصن. ولم تتوقف، ولم تتردد. فقد ولى عهد تلك الأمور. بدا التلاميذ في الداخل محطمين ومقهورين. كانت عيونهم باهتة وخاوية، وخيم اليأس عليهم كغطاء داكن. جلسوا في زجموع خاملة، ولعل السبب الوحيد لعدم نشوب قتال بينهم هو أنهم جميعاً ما زالوا مصابين بأسوأ مما يمكنهم من فعل شيء حيال مرجل المشاعر المشتعلة الذي يلفهم جميعاً. قالت شينهي: «يا تلاميذ طائفة جبل الستائر، أرجو حضوركم إلى باحة الدار». جاء صوتها ناعماً على عكس الأوامر الصارخة التي اعتادها الكثير من التلاميذ، وهذا ما لفت انتباههم. ببطء، التفت التلاميذ الخاملون ليقيلوا أبصارهم نحوها، ومن فعلوا ذلك استقامظهرهم. ها هي شينهي، التي كانت يوماً محطمة تائهة هائمة، تقف أمامهم الآن هادئة حازمة. عيناها تتوهجان بزرقة—ويجلس على كتفها ثعلب. وببطء وتردد، تجمع التلاميذ. بدا على بعضهم الأمل. بينما بدا آخرون حذرين. وهب آخرون واقفين لمجرد شعور راسخ بالواجب، وهم يتجمعون في الباحة وعلى جدران الحصن. تفرست شينهي فيهم. ورأت خوفهم وحيرتهم. «قد يزعم البعض أننا كنا سيئي الحظ للغاية. فقد أُسرنا على أيدي الشياطين، وهُزمنا في المعركة، وأخيراً، حين ظننا أن السماويات كفت عن عقابنا، أُوتينا بوحي قلب كل ما عرفناه وما دافعنا عنه رأساً على عقب. خطايا البطريرك. خطايا محاكم التفتيش. وأن حربنا التي ظنناها عادلة كانت كذباً. وها نحن نسمع حتى اللحظة أن طائفتنا تقتل أبناءها في حرب أهلية». تململ التلاميذ، مطأطئين رؤوسهم نحو الأرض. وتوجعوا وانكمشوا هرباً من كلماتها، منقبضين على أنفسهم. «أنا أعلم ما تشعرون به جميعاً. وبشكل أشد حدة، من نواحٍ عديدة. فكل ما فعلته طوال حياتي كان لأجل تحرير نفسي وعائلتي من وصمة "الخائنة العظمى". لقد بذلت كل ما أملك للبطريرك. قاتلت ونزفت بلا شكوى… والآن أعلم أن كل ما فعلته كان في خدمة تلك الكذبة وحدها. وما كنت لأُبرأ أبداً من أفعال خالتي. مهما فعلت، فلن يكفي قط. لقد خدمت رجلاً كان سيلفظني دون أدنى تفكير. لقد تحطمت الثقة التي كنتم تضعونها في الطائفة. وتحطمت الثقة التي نتبادلها فيما بيننا». أحدثت كل كلمة وخزة طفيفة جعلت التلاميذ يوشكون على الانهيار. «ومع ذلك، لا أقول إننا سيئو الحظ. كلا، بل أقول إن السماويات قد حظتنا برحمتها». جعلت كلماتها أنظارهم ترتد مرفوعة من جديد. «في هزيمتنا، باتت مؤامرة ممارس شيطاني من رتبة الإمبراطور حطاماً مبعثراً. لقد أنقذنا الملايين غيرهم من المعاناة التي أُنزلت بنا. والأكثر من ذلك، انقشعت الضبابية وبات بمقدورنا الآن رؤية جبل تاي. لقد أبصرنا الحقيقة. ولن نترك هذا العفن الذي أبقانا عمياناً يستشري بعد اليوم. لقد كُنا ملعونين منذ عصر الأبطال—ونحن الجيل الذي يمتلك الفرصة لتصحيح الأمور. لنعود إلى الدرب الذي رسمه البطريرك الأول، البطريرك الحقيقي، في مخيلته. ألسنا طائفة جبل الستائر الصالحة؟ لقد شهدنا جميعاً هذا الظلم. فهل نستسلم وحسب؟ هل ندعه يهزمنا، دون حتى محاولة مواجهة الظلام الكامن في الدواخل؟ كلا! لن أفعل—وأطلب منكم جميعاً هنا أن تقفوا معي حين نفعل ذلك». استطاعت أن ترى ترددهم. وأمكنها تبين شرارات الأمل وهي تتسلل إلى أعينهم. «سنضع ووزراً للحرب التي أشعلها قاتل الأقارب، وسنحيي رؤية زانغ يونغ الحقيقية. سنقضي على ما أنجبته الظلمات. سنكون طائفة جبل الستائر الصالحة! أقسم لكم بهذا!» «سيكون الأمر شاقاً. وسيكون هذا أصعب درب نسلكه. ومع ذلك لا بد لنا من سلوكه—تحديداً لأنه شاق». «سيتساءل الكثيرون منكم: "لماذا يجب علينا ذلك؟ لماذا علينا العمل بجهد كبير من أجل طائفة استغلت ثقتنا وأساءت معاملتنا؟" أنتم محقون في تفكيركم هذا. ولكن في نهاية المطاف… لا يفعل هذا حقاً لأجل الطائفة. بل لأجل البشر الذين يعتمدون على رعايتنا. لأجل عائلاتنا التي تعيش فوق الجبل. ولأجل أنفسنا، لنثبت أن بمقدورنا النهوض حتى بعد تلقي أقسى الضربات—القوة فوق كل شيء، لحماية ما نحب». «سأصحح كل خطيئة ارتكبت. ولن أسمح أبداً لما حدث في الماضي أن يتكرر. ولن أقسم بشرفي أو بأي أمر غامض آخر. سأقسم بأفعالي وحدها، وإن وجدتموها ناقصة، فارحلوا ولكم مباركتي». «أقسم بذلك على كل ما تمثله زانغ شينهي». اتسعت عيون التلاميذ. واستطاعت الإحساس بتشيّهم مشحوناً عوضاً عن اليأس. مفعماً بالأمل. متلهفاً. لم يعودوا تائهين أو مهزومين… فلهم مهمة الآن. ولهم غاية. ولهم هدف. تماما مثلما كان لها. وحينئذٍ، تقدم أحدهم. كان فارسي طليعة، أحد رجال زينغ. بدا متوتراً، لكنه حازم. سأل التلميذ، هوان تشين: «ماذا عن الشيخ زينغ، أيتها الشيخ شينهي؟» ورأت التوتر ذاته يتكرر على وجوه الكثيرين—فمن الواضح أن زينغ كان محبوباً للغاية بين رجاله. أوقفت تلك الكلمات كل من في الباحة عن الحراك. ابتلع الرجل ريقه بصعوبة بالغة حين حولت شينهي نظراتها نحوه… ثم إلى الأعلى نحو إحدى نوافذ شق السهام، حيث كان ظل يراقب مجريات الأمور. تمنى جزء منها أن تكافيه على كل إهانة وجهها إليها. أن توبخه. أن تحاكمه. وبدلاً من ذلك، أطلقت زفرة… وممدت يدها. «قاتل زانغ زينغ ببطولة وكان مستعداً للتضحية بحياته من أجل مصلحة مرؤوسيه. والعرض ذاته مطروح أمامه. قد يسافر الشيخ زينغ معنا ويأخذ ما يخصه من الجبل. وبعد ذلك… فالأمر متروك له. إما أن يخضع للمحاكمة أو يرحل، وألا يرى جبل الستائر قط بعد اليوم. إنها الفرصة ذاتها التي سأمنحها لكل فرد من عشيرة زانغ. المذنبون، والمذنبون وحدهم، هم من سيلسون بأسنا». أحنى الرجل ظهره باحترام. هتف أحدهم: «شينهي!» والتقط آخر النداء: «شينهي!» بدأ هتاف يتردد، صارخاً باسمها مراراً وتكراراً، وعيون التلاميذ مسمرة عليها. وكان شعور ثقتهم… حلواً ومراً في آنٍ واحد. «لقد منحنا المعلم رو أسبوعاً للراحة والاستشفاء. استريحوا وتماثلوا للشفاء. وفي اليوم السابع، سنعود إلى جبال الأنياب العاوية!» قوبل أمرها بحماس شديد—وتضاعف هذا الحماس حين وصلت بي با ومعها الخنزير البري، حاملة المزيد من أحمال الأرز والخضروات المخللة—وليمة ضخمة كأي وليمة أقيمت في الجبل، بل وأعظم في بعض الحالات. أخيراً، سمحت شينهي لنفسها بابتسامة. ابتسامة دامت حتى وقف شين يو أمامها مجدداً طالباً حضورها في البلدة المجاورة. ========================== كان اللورد القاضي يرمق الأمام مباشرة، بينما يملأ نور الشمس الغاربة مكتبه. سأل بينما كان معدته تتقلب: «أعذرني، من القادم؟» أجاب الرجل العجوز أمامه: «طائفة السيف السحابي، وطائفة جزيرة السماء المحلقة، وأحد رجال الإمبراطور. سيصلون قريباً». من خلفه، انحنى جين، بادياً عليه الندم بوضوح. جلس اللورد القاضي بثقل على كرسيه. وداخل روحه، بدأ يصرخ بلا هوادة.