ابتسمت ميلين للمشهد الماثل أمامها وهي متكئة على ذراعها. كان البيت هادئاً ومظلماً، بينما كان الجميع ما زالوا نائمين.
مدت ميلين يدها ودسّت بغير إدراك خصلة شعر خلف أذن تيغو. تململت الفتاة لمسسة ميلين، ميلةً نحوها قليلاً قبل أن تستقر مجدداً على وسادتها —التي كانت في هذه الحالة ذراع جين. مع أن تيغو لم تكن الوحيدة التي تستخدم تلك الوسادة. كانت جبهة شيولان تكلامس جبهة تيغو تقريبا وهما تواجهان بعضهما. كانت تيغو أقرب إلى جين، بينما كان ظهر شيولان يلامس ميلين. وبين تيغو وشيولان كانت توجد جوي، وقد التفّت أصابع ابنها حول أصابع تيغو. لقد جعل جين السرير أكبر قليلاً لحسن الحظ، لذا فقد انسجمت كل من شيولان وتيغو بشكل جيد —وهذه المرة بقيت تيغو بشقيها البشري بدلاً من الاضطرار للتحول إلى قطة.
أخذت ميلين نفساً عميقاً، مركزةً على نقاء طاقة تشي الخاصة بشيولان أولاً، ثم تيغو.
اتسعت ابتسامتها الصغيرة.
لقد كانت في مزاج جيد منذ أن التقطت عبير عائلتها على النسيم وهم عائدون إلى الوطن. كان هناك تيّار خفي طفيف من التوتر الفائر، خصوصاً لدى شيولان، ولكن بخلاف ذلك كانت رائحة طاقة تشي الخاصة بهم مثالية: بلا طعم لاذع حارق، وبلا حلاوة متعفنة. كانوا أصحاء وأقوياء —فقط كانوا جميعاً بحاجة إلى القليل من التدليل.
لقد قامت ميلين ببساطة بسحب شيولان متجاوزةً غرفتها الخاصة وإلى غرفة نومها هي وزوجها عندما انسحبوا من السقف. لقد كان دالاً جداً أن شيولان لم تقاوم حتى مقاومة رمزية بينما كانت ميلين تجرها معها. ومن جهة أخرى، لم تطلق ميلين أي نكات أيضاً، لكن الوقت لم يكن مناسباً الآن. لقد كانت شيولان بحاجة إلى بعض الراحة والدعم، لا إلى المزاح، نظراً للعمل الرائع الذي أتمّته. خصوصاً بالنظر إلى كيف غرقت شيولان في النوم فور أن لامس رأسها الوسادة.
كانت ميلين قد أكملت بحذر فحصها لكل من تيغو وشيولان وهما نائمتان. لقد سَرَت طاقتها تشي طيفاً عبر كلا جسديهما بينما كانت تصلح العقد الطفيفة في مساراتهما، وتزيل الانسدادات البسيطة، وتفك العقد المتبقية. بدا الأمر قليلاً كأنها لفت كلتيهما في عناق جسدي كامل، وكانت النتائج مرضية للغاية، حيث غرقت كل من شيولان وتيغو في سبات أعمق.
الآن هدأت طاقة تشي الخاصة بهما تماماً. وعزمت ميلين على الاعتناء بكل من ين وشيانغهوا في أقرب فرصة تسنّ لها. لقد استحقهما كلاهما —وكذلك الفتى الصاعق، وراغز، وفارس السيول، وديلون. لقد أدّى الجميع أعمالاً ممتازة.
ومع ذلك، لم يُحَظَ لها أن تطيل النظر طويلاً إلى وجه تيغو النائم واللطيف. تردّد صدى صياح أجش بينما كان شياو كو، الصيّاح الصغير، يحيي الصباح. لقد أطلقوا أخيراً اسماً على «ديكهم الاحتياطي»، كما كان جين يسميه مزاحاً. صاح شياو كو بأعلى وأطول صوت استطاعه... إلى أن سمعت ميلين صوت ارتطامه بجدار القمّين، بعد أن كاد يفقد وعيه من شدة صياحه.
ثم فتح جوي عينيه وأثبت لماذا كان لقبه الصغير دي. انطلق صوت يشبه تماماً صوت الديك من حنجرة ابنها عندما استيقظ. أطلق نفخة، وبدو عليه الرضا التام عن نفسه، قبل أن يلتف ليرتفع بصره إلى حيث كان وجه ميلين عادةً.
بدا مرتبكاً بعض الشيء لرؤية شيولان بدلاً منها، ثم أدار رأسه مرة أخرى بصدمة وذهول عندما رأى تيغو بدلاً من جين. حدق في عيني تيغو الصفراوين بينما كانت تستيقظ. انقبض وجهه للحظة، كأنه على وشك البكاء صدمةً من هذا الوضع الجديد... إلى أن بدأ يشمّ. تفكّر صغير ميلين في الرائحة التي دخلت أنفه... قبل أن يشرق وجهه ويمد يده نحو تيغو مصدراً صوتاً «غاه!»
أطلقت تيغو صوتاً مستمتعاً من حنجرتها وهي تنهض وتحمل شقيقها الصغير بين ذراعيها، محكّة خدها به وهي تضحك بخفة.
«صباح الخير أيها الأخ الأصغر!» نادت وهي تدور به دائرةً.
ضحك جين بينما كانت تيغو تطير بجوي حول الغرفة، وسط ابتهاجه الشديد. تفشّت طاقة تشي الخاصة بجين وانبلجت أحجار الضوء في الغرفة لتضيء غرفة النوم. راقباها لفترة، ثم التفت زوجها إليها.
«صباح الخير يا حبيبتي»، قال وانحنى ليطبع قبلة صباح الخير على جبينها. استطاعت أن ترى أن بعض التوتر الذي كان ينخره قد زال حقاً وبشكل تام. لن يعود إلى حالته بنسبة مئة بالمئة حتى يعود بي دي... لكن هذا جيد.
تذمّرت شيولان قليلاً وما زال رأسها مستنداً على ساعد جين. رفرفت عيناها مفتوحتين فرأت ميلين تنظر إليها... قبل أن ترفع شيولان رأسها، وتقبض على ذراع جين، وتضع ذلك الطرف فوق عينيها لتحجب الضوء.
«هيا الآن، حان وقت النهوض»، قالت ميلين بنبرة تشجيعية.
اكتفى جين بنفخة ضاحكة على تذمّر شيولان بينما كانت تهز رأسها رافضة.
«لندعها ترتاح. لقد استحقّت ذلك»، قال جين، وبدت على وجهه ملامح الاستمتاع.
«أه حسناً إذاً»، قالت ميلين بحنان... وضحكت بخفة على ابتسامة النصر الصغيرة التي ارتسمت على وجه شيولان. حسناً. لقد استحقّت راحتها حقاً.
=======================
كان من الرائع حقاً عودة ضجيج التيّار الخفي إلى طاولة الإفطار من جديد. كانت ميلين تنتظر فقط حتى ينضج الأرز في الطهي وبعدها سيصبح كل شيء جاهزاً.
ألقت نظرة خاطفة إلى غرفة المعيشة وابتسمت للمشهد الذي وقع عليه بصرها.
كانت تيغو تقفز بجوي صعوداً وهبوطاً على ركبتها، بينما كان جوي يصدر أصوات حماسية بينما تتحدث تيغو مع الآخرين.
«أهلنا بنوم هادئ؟» سألت القادمين الجديدين اللذين نزلا إلى الطابق السفلي.
«آه، نعم، لقد نمتُ بشكل رائع—دعوني أخبركم، أن أخلد إلى السرير كبشرية شعورٌ يختلف تماماً عن كوني أرنبةً—الأغطية مسحوبة حتى وجهك، تحت بطانية دافئة. العيش بخشونة قد يكون ممتعاً، لكن لهذا طعماً خاصاً، أتعلمون؟ العيش في البيت»، قالت ين بسعادة وهي تسند رأسها إلى شون كي. كان ميانتياو ملتفاً حول ذراع ين برأس مستقرّ فوق رأسها، بينما كانت هي تمرر أصابعها بلطف على حراشف الثعبان. كانت تبدو نعسة قليلاً، لكن ابتسامتها كانت معدية. كانت مشرقة وسعيدة، قبل أن تتبدل إلى خجل طفيف وترفع بصرها نحو ميلين. «و... أم... شكراً جزيلاً مرة أخرى على الغرفة، يا سيدة المنزل. لم يكن عليكم تكبد عناء صنع كل تلك الأشياء لي!»
وتلك «الأشياء» هي السرير، والملابس الإضافية، والنسخ بحجم البشر للهدايا التي تلقّتها عندما كانت أرنبة.
«بالتأكيد كان علينا ذلك؛ فأنت جزء من العائلة. تلك الغرفة ملكك، وكل ما بداخلها كذلك»، صرحت ميلين ببساطة.
احمرّ وجه ين خجلاً، وبدت ملامحها فائقة الجمال. كأنها جنية هبطت من السماء إلى الأرض.
«ما رأيك في المراحيض؟» سأل بو وو.
«إنها رائعة! التغوط في الداخل أمر جنوني حقاً!» قالت ين بحماس. «لقد تحولت إلى أرنبة فعلاً وجربت الأمر بهذه الطريقة. تكون فضلاتي دائرية عندما أكون هكذا، وتدور بصوت *وُوُوُو* في كل أنحاء وعاء المرحاض عندما تسحب السكّ—»
اختفت الجنية حين استرسلت ين في الحديث عن تفاعلات فضلاتها مع المرحاض، مصحوبة بإيماءات يديها.
... بصراحة، لم تستطِع ميلين لومها تماماً. كان هناك شيء ساحر في مراقبة الأشياء وهي تدور حول الدوامة، قبل أن تبتلعها المصرف. في الواقع، سبق لميلين أن ظلت ترمي الأوراق في أحد الأيام حتى انسد المرحاض تماماً. وانتهى بها الأمر بالاحتياج لرشوة وا شي لفك انسداده.
كان جين ما زال جاهلاً بأنها من فعل ذلك.
طردت ميلين تلك الفكرة المحرجة من رأسها.
وما هي إلا أُهَيْهَة حتى نضج الأرز وبدأوا في إخراج الطعام كله—من سمك النهر المشوي والأرز إلى الخبز المخبوز للتو؛ والبيض المقلي، والمخفوق، والمفغوس؛ ونقانق لحم الغزال، وفطائر الفطر، فضلاً عن مخزونهم الهائل من الخضروات المخللة. مخلل ميلين المنزلي، إضافة إلى مخللات جين الجديدة والحارة.
لم تستطع شيولان مواصلة النوم مع الروائح المتسللة إلى الطابق العلوي، فترنحت هابطة بسرعة، وهي تدعك ما تبقى من النعاس في عينيها.
ابتسمت ميلين أمام المائدة الأكثر امتلاءً بكثير—ثم انفتح الباب ليصل آخر عضوين حاضرين من عائلتهم.
«صباح الخير، أعز أصدقائي!» دوت صرخة شيانغهوا وهي تدخل الغرفة. كانت تكاد تتوهج، وابتسامة عريضة ترتسم على وجهها وهي تتقدم بخطى حثيثة لمعانقة شقيقها الأصغر. «اليوم يوم رائع حقاً!»
مع ذلك، كانت هناك شوائب على بشرتها—كدمات باهتة بمعظمها على رقبتها وترقوتها، وكذلك على معصميها. كانت ميلين تدرك تماماً مصدر تلك الكدمات، فقد ارتدت مثلها مراراً وتكراراً بنفسها.
كانت ميلين قد سمعت بعض أصداء صراع الإرادات العظيم الذي دار في منزل غو رن بينما كانوا على السقف، لكن غرفتهم الخاصة كانت معزولة للصوت بما يكفي لكي لا يعكر ذلك صفو نومهم.
وخلف شيانغهوا، متحركاً بحذر شديد، كان غو رن. شقيقها بالروح لا بالدم كان يعرج قليلاً ويبدو كحالته في تلك المرة التي تتبع فيها قطيعاً من الغزلان لأسبوعين متتاليين قبل أن ينجح أخيراً في اصطياد طريدته، ليتعين عليه بعدها العودة بها وسط أسوأ عاصفة مطرية شهدوها منذ سنوات.
كان مرهقاً، ومكوداً، ويبدو ميتاً على قدميه. بدا وكأن كل خطوة لم تكن لتتم إلا بقوة إرادة خارقة، وكانت وجنتاه غائرتين.
مع ذلك، علت وجهه ابتسامة ساخرة. التقت نظراته بعيني جين وهو يعرج مقترباً من زوج ميلين.
شدّ كل منهما ذراعيه إلى الخلف قبل أن تلتقي أيديهما في مصافحة قوية مدوية.
اكتفى جين بإنزال رأسه إيماءً لغو رن، بينما كان الكبرياء الرجولي ينبعث منه تقريباً.
أومأ غو رن برأسه رداً على ذلك... ثم عرج ليجلس بجانب شيانغهوا، التي كانت لا تزال تتألق في الشمس.
لم تستطع ميلين إلا أن تشرع في الضحك. أه، كم هو رائع عودة الجميع.
======================
واصل مزاجها الجيد صفاءه مع تقدم النهار.
خرجوا إلى الفناء المليء بالثلوج وشرعوا في العمل على الجنرال؛ ومع الأيدي الإضافية، راحوا يكدسون المزيد والمزيد من الثلوج على جسده الشاهق أصلاً—رغم أن هذا العمل كان بطيئاً أيضاً حيث بدأت ين وتيغو حرب كرات ثلج في خضم ذلك كله. وحدها شيولان وغو رن امتنعا عن المشاركة، مكتفين بالتشجيع على المعركة بدلاً من الانخراط فيها. وظلت ميلين تزود كليهما بالشاي بينما كانا يغطّان في غفوة تحت شمس الشتاء.
لكن حرب كرات الثلج خفتت وتلاشت في نهاية المطاف، وعادوا للعمل على الجنرال.
تسلق جين ليصل إلى التجويف في منتصف صدر الجنرال ووضع البلورة الدائرية تماماً في داخله، وهي تتلألأ بذرات من النور الداخلي الأبيض. وضغط الثلج بإحكام حول مستقر البلورة الجديد.
وضعت وا شي أضخم جزرة من المحصول في وجه الجنرال لتكون أنفه، وجلب شون كي فروعاً ضخمة لذراعيه.
وأخيراً، رفعت ميلين وتيغو معاً القبعة الداكنة المصنوعة من القصب... ووضعتاها معاً على رأس الجنرال.
لسبب ما، شعرت ميلين وكأن شيئاً ما كان مفترضاً أن يحدث. لابد أن ذلك يعود إلى القصة التي روتها لها جين عن رجل الثلج السحري.
قفزا الاثنان إلى الأسفل والتفتا لتأمل صنعهما. وقف الجنرال بقامته الفارعة، بقبعته الطويلة الرائعة وأنفه الجزري. كانت عيناه الفحميتان وابتسامته تشرقان فوق قمم الأشجار.
أعجبت ميلين بهذا التقليد بشدة. جلسا لفترة من الوقت، يتأملان صنيعهما—قبل أن ينسحبا إلى الداخل لشيّ ثمار البلوط.
بقي الجنرال متبسماً، قوياً وفخوراً، بينما تدفق طاقة الـ«تشي» الخاصة بكل من ساعد في صنعه حول جوهره.
============================
راح ينمو وينمو، بينما تشكل روح وليدة. وتمددت، تقريباً في تخبط، لتلمس شبكة من ذهب. كانت هناك فجوات في الشبكة. مواضع كان مفترضاً بالارواح التابعة أن تساعد فيها الروح الإقليمية. أرواح أرض صغرى تحطمت وتكسرت منذ آلاف السنين. ميتة، ولن تعود أبداً.
انزلق الجنرال على طول هذه الروابط، تماماً كما فعل في العام الماضي. وتدفقت قوته حين لمس تابِعه.
لقد شعر بالمأمور، الذي سقط في المعركة العام الماضي؛ بيد أنه وُلِد من جديد من إرادة وإيمان أولئك الذين استعادوا قبعته الجبارة.
وهناك آخرون غيره. كثر غيره، أتباع صغار متقاربون. لقد كانت كائنات ضئيلة، معظمها وُضع خارج المنازل مباشرة أو على عتبات الأبواب.
مع ذلك، كان أحدها أكبر. واحد كان أكبر بكثير، وكان له اسم. سيكون النقيب الذي يتحدى عواصف الشياطين تابعاً ممتازاً؛ وبما أنه بُني على يد الحراس، فهو يعرف واجبه حق المعرفة.
كان يستطيع استشعاره. الإيمان. العقيدة. تلك الأمنية التي صنعته وحتى الآن تمده بالقوة.
لقد كان الجنرال الذي يقود الشتاء.
كان لديه واجب. لقد لمس الشبكة مجدداً. وأمسك بها.
كانت هناك شرارة.
امتلا منصب فارغ مرة أخرى؛ إذ أقسم الجنرال بالولاء لعرش تيانلان.