كان ذو العرف البرتقالي يسبر أغوار نفسه. أو لعله كان يسبر أغوار الجبل. لم يكن متأكداً تماماً أيّ الأمرين أصح. فالارتقاء الروحي يلفه الغموض هكذا. وجد القرد بقعة تحت شجرة فأعجبته وجلس في العشب الطويل الذي دغدغ جذورها. حاول في البداية الجلوس كما علمه معلمه، ظهره مستقيماً وساقاه معقودتان. لكن الأمر بدا خاطئاً. حاول بعد ذلك التكور، فهي الوضعية الأكثر راحة، لكن ذلك بدا خاطئاً أيضاً.
مسترخٍ أكثر من اللازم. وضع قدميه معاً أمامه في النهاية، ومد عصاه فوق ركبتيه. انحنى ظهره، وانخفض رأسه، بينما استقرت ذراعاه فوق سلاحه. بدت وضعية محترمة ومنتبهاً لها. لكنها لا تشبه جلوسه فوق شتلة. وضعية جيدة لارتقاء جاد. لا توصف التجويفة عند قاعدة هذه الشجرة بالبقعة الجيدة للارتقاء عادة. فالطاقة الروحية شحيحة، مقارنة بالبئر السحيقة أو كهف أم أربع وأربعين. لكن الطاقة الروحية بدت اليوم سهلة المنال.
كأن الجبل نفسه يريده أن يرتقي. شعر مع كل نفس يتنفسه ذو العرف البرتقالي بأن الجبل يتنفس معه. شعور بالاتصال كأنه على وشك التمزق في أي لحظة طائشة كنسيج عنكبوت. الاستنارة. تحدث عنه المعلم لي شون، وحذره من أنه لا يجب إهدارها. وكأن ذا العرف البرتقالي هو من يختار إن كانت ثمارها ستُهدر. بوسعه التحكم بأفعاله وحدها، لا بنتائجها. طريقة الروح الزرقاء أمر غامض، وأشد صعوبة في الفهم من قوانين النباتات والحيوانات الكثيرة.
ولها ثلاثة أجزاء رئيسية. الأول هو التصور. الفكرة التي أصر معلمه على أن يتأملها. جبل تمتد جذوره عميقاً في الأرض. وتلامس قمته السماوات، متطلعة أبداً إلى امتداد السماء الأزرق اللانهائي. صورة فُترض أن تجذب الطاقة الروحية إليه، حين يتأملها بعين عقله. جزء النمط الثاني هو نمط الدوران. الطريقة التي يُفترض أن يحرك بها الطاقة الروحية المجذوبة إليه، ليجعلها خاصته. تقول المخطوطة إن الجبال تنمو من جذورها، لذا عليه تدوير الطاقة الروحية في بطنه، بأنماط غريبة، حتى تصبح جاهزة لدفع الجبل صعوداً من قاعدته.
لم يفلح هذا الجزء كثيراً مع ذو العرف البرتقالي. لم تشبه طاقته الروحية الجبل البتة، وبدت له أشبه بلهب موقد، أو محتويات فرن حبوب. الجزء الثالث من الطريقة هو وصف المراحل. متى يحتاج المرء إلى تنفيذ اختراق. وكيف يجب أن تبدو طاقته الروحية في كل مرحلة. عشر مراحل، تتحول فيها الطاقة الروحية ببطء من غاز إلى نار، إلى ماء، إلى حجر. ثم بعض الملاحظات الغامضة عن مرحلة إحدى عشرة، وكيف أن معظمهم لن يحتاجوا أبداً للقلق بشأن بلوغها.
لم يكن ذو العرف البرتقالي متأكداً إن كان يرتقي حقاً وفق الطريقة أم لا. لقد أنجز اختراقه الأول قبل أن يتعلمها قط. وبلغ اختراقه الثاني بتوجيه مباشر من معلمه. لقد ارتقى وفق الطريقة كثيراً بين اختراقه الثاني والثالث. أطاع تعليماتها بعناية. نجحت، قليلاً. لقد أبح أصبح أقوى بالتأكيد. لكن في الليلة التي تسلق فيها منحدرات الجبل الأزرق العالية واخترق نحو المرحلة الثالثة، لم يكن يتبع الطريقة عن كوثب.
لقد اتبع نصيحة إخوته عن كوثب أكبر بكثير، مقارنة بكلمات المخطوطة المغبرة. استعاد الكلمات التي حفظها منذ زمن طويل، لكنه لم يشعر قط بأنه يفهمها، للمرة المائة.
"احمل جبالاً في قلبك، فوحده أعمق الأساسات قادراً على ملامسة السحب. ورغم أن الواجب أثقل من الجبل، فلن ينحني المارقي تحت ثقله. احفر عميقاً، لتصعد عالياً. لا ترتفع القمة إلا من الجذور. الإنسان يتبع الطبيعة كما تتبع الأرض السماء. وحدها الصخور الأكثر صلابة تجرؤ على بلوغ السماء. لا نصبح أحراراً إلا بصنع قيودنا بأنفسنا."
كانت كلمات جيدة. كلمات ثقيلة، باردة. كلمات للرجال. أحب ذو العرف البرتقالي العيش على الجبال، لكنه لم يرغب في أن يصبح واحداً منها. أخبره معلمه بأن معظم المارقيين يعمدون عاجلاً أم آجلاً إلى ارتقاء طرق من صنع أنفسهم. لم يقترح عليه أن يفعل ذلك. ولم يكن بحاجة لذلك. عرف ذو العرف البرتقالي مسبقاً أنه سيخترع يوماً طريقته الخاص في الارتقاء. وقد عرف ذلك فور أن أخبره معلمه أن الرجال هم من اخترعوا كل طرق الارتقاء.
حتى أنه كان يعرف ما سيسميها. قانون تصفية القردة. سيعلمها لجميع القردة الأخرى ذات يوم. المشكلة الوحيدة هي أنه ما زال لا يعرف ما هي طريقته. يملك اسماً عظيماً. لكن بلا صورة، وبلا نمط دوران، وبلا فهم لشكل طريقته وطبيعتها. وأنواع الطاقة الروحية التي سيستوعبها، وكيف سيستخدمها لتشكيل نفسه. أخذ ذو العرف البرتقالي نفساً آخر. كاد يؤلمه، بالطريقة التي استطاع بها استشعار كل شيء.
لقد استخدم ثلث طاقته الروحية في قتال جيانغ يان. لكن مركز طاقته امتلأ مجدداً بالفعل، وكل نفس مأخوذ يدفعه أقرب إلى الانفجار. وخزته أطرافه بينما تدفقت الطاقة عبر مساراته، مطالبة باستخدامها. كان مفترضاً بالاستنارة أن تكون نعمة. لكنها جاءت مبكرة جداً، ولم يدْرِ ما يفعل بها. حاول على أي حال. زفر ذو العرف البرتقالي، مشعراً بطاقته المضطربة تهدأ قليلاً. وشعر بالجبل يتراجع عنه قليلاً، كأنه ينتظر إجابة.
احتاج إلى صورة. ومُثُل. فكر أولاً بملك القردة. كيف لا يفعل؟ في عقله، وقف الملك بطول معلمه، بكتفين عريضتين وظهر مستقيم. كانت وضعية جسده تشبه وضعية الإنسان، لكن أحداً لم يكن ليخلط بينه وبينه قط. كان وبيله كضوء حريق غابات منعكس في مرآة من ذهب، أخف وأسطع من وبر ذو العرف البرتقالي. أمسك عصاه في يد، وصغيراً يكابد، لا شك أنه أُنقذ حديثاً من خطر رهيب، في اليد الأخرى. بدت الصورة كوطن، لكن رافقها ثقل رهيب.
ضغط لم ينبع من القوة الرهيبة لهيئة ملكه، ولا حتى من طريقة لمعان حلي ملكه بنور ناري بلا مصدر. جاء الضغط المهزز للجبال من خطوط وجه ملكه، والأبدية المنعكسة في عينيه. العينان اللتان شهدتا مائة ألف قرد مثل ذو العرف البرتقالي يعيشون ويموتون. ظل الجبل ينتظر إجابة. ارتجف ذو العرف البرتقالي، ولجزء من لحظة، شعر أن الجبل الأزرق يرتجف معه. لا. كان الأمر خاطئاً. لم يستطع، ولن يرتقي، صورة شخص.
ولا حتى ملك القردة. فكر في صور أخرى. معلمه وأخوه، بقوتهما الرهيبة. القردة ذات العرف البرتقالي الأخرى التي رأاها في حلم الحجر. بطل الخداع البشري بشعر يشبه نهراً من لهب، والمفترس المثالي الذي علا حتى عجز كبير والأخ هان جيان. كله خاطئ. إن لم يكن ملكه جديراً، فكيف يكون معلمه كذلك؟ وقد رفض مستقبل حلم الحجر مسبقاً، ولا يمكنه الالتفات إليها الآن. رعى جبلاً آخر تالي. موطنه الأول، جبل ييلو.
ملامحه المبتعدة، كما رآها تلك الليلة مخبأة في يد المارقي كاسح الدواء. لقد كان ماضيه، وجزءاً من مستقبله أيضاً. لكنه لم يكن كافياً. بدأ الاتصال، والطاقة الروحية، يتسربان بين أصابعه. تطلب الجبل إجابة. رآها حينها. أو شعر بها، ربما. لم يحتاج لمعرفة الوجهة. بل الخطوة التالية وحدها. لم يحتاج لاختراع قانون تصفية القردة في هذه اللحظة. بل احتاج فقط لتعديل طريقة الروح الزرقاء بأقل الهوامش.
رعى جبلاً في عقله. جبلاً أطول بكثير حتى من القمة المركزية للجبل الأزرق. لقد كان ضخماً لدرجة ملأت عقله بأسره. لم تلمس قمته حقول السماء الزرقاء بلا مسارات. بل تلاشت ضخامته في السحب، وكان الجبل عريضاً وشديد الانحدار لدرجة عجز معها حتى عن تخمين مدى علوه في السماوات الم الضبابية. وبدلاً من أن يكون جبلاً، بدا أشبه بجذع حجري لشجرة لائقة باحتواء العالم بأسره. نقطت الجبل عشرات الشخصيات.
يانغ وي وعجز كبير، قارعان على بعد عشرات الشاي فقط فوقه، محدقين باعتزاز ونفاد صبر. معلمه وأخوه أمامهما بكثير، منتظرين بتسلية صبور أن يلحق بهما. أشكال ضبابية، حكايات مارقيين وشيوخ لم يلتقِ بهم قط. رقص اللمعان الخاوي بينهم، بعيداً عن المتناول قليلاً دائماً. وفوق الجميع، واقفاً تماماً تحت امتداد السماوات المخفي، حدق ملك القردة لأسفل على الجميع. كانت عيناه صارمتين ورهيبتين، لكنهما مفعوفتين باعتزاز وفرح.
وضع روح ذو العرف البرتقالي كفاً أمام الأخرى، وتسلق. تصاعد الحر في بطنه. تحركت الغريزة والعقل بتناغم، كاشفتين له عن طريقة دوران. غلت طاقته الروحية كالماء، وفرقعت كالنار. صعدت في نوبات وهبات مفاجئة، متسلقة من مركز طاقته السفلي. صعدت جسده، متحركة بتناغم مع القرد المتسلق. حاولت الطاقة الروحية التوقف عندما وصلت رأسه. للاستقرار في الحيز الضيق لمركز طاقته العلوي، إذ لم توجد بقعة أعلى لتتسلقها.
لم يسمح لها ذو العرف البرتقالي، مجبراً إياها على الهبوط، والتسلق مجدداً. حذره معلمه من تقسيم أساس ارتقائه بين مراكز الطاقة مبكراً هكذا. فرؤيته كانت بلا حدود، لكن لحمه ومساراته لم تكن كذلك. لذا خرجت الطاقة الروحية من جسده، ليُجذب بها مجدداً لجولة أخرى من الدوران. بدا هذا الجزء خاطئاً، لكنه خاطئ بقليل فقط. كأنه قد يصبح أفضل. في عين عقله، بالكاد بدا أن صورته الصغيرة تتحرك.
كان الجبل ضخماً للحد الذي بدا معه كأنه يقف مكانه. لكن ذو العرف البرتقالي واصل، واضعاً كفاً أمام الأخرى. أخيراً، بدأت الطاقة الروحية المستوعبة حديثاً بالتعب. بليدة وقابلة للتحكم. سمح ذو العرف البرتقالي بكرم للاستقرار في مركز طاقته الأوسط. شعر ببطء بارتقائه يبدأ بالتغير. كانت هذه الطاقة الجديدة مختلفة بطريقة ما، بطريقة وثق بأنها ستكشف عن نفسها مع الوقت. عرف أن هذه تقنية بسيطة.
ليست إحدى طرق الارتقاء الأسطورية التي تحدث عنها أخوه، الفنون المستحيلة التي تجعل ممارسيها منيعين داخل نطاقهم. لكنها كانت تخصه. وكانت أفضل له من طريقة الروح الزرقاء. مع كل نفس، تدفقت القوة عبره. شعر بخفة في رأسه، كأنه تسلق تلك المرتفعات النادرة حيث يصبح الهواء رقيقاً. بدأ ذو العرف البرتقالي يشعر بضغط يتراكم في صدره. حدود بالكاد وعاها من قبل تبرز فجأة إلى الواجهة. لم يغضب منها، ولم يضرب جدران مركز طاقته بأمواج الطاقة الروحية كما فعل في المرة الأخيرة.
بل استمر بالتسلق، كفاً أمام الأخرى. صغرت المقابض. وتباعدت. أجهد جسده الروحي لأجل كل شاي تسلقه. لم يره المنحدر. حدود المرحلة الرابعة من تكثيف الطاقة. لكنه عرف أنها موجودة. لابد أنها كذلك. لم يملك سوى الثقة، وإجهاد أصابعه، ساعياً لخطوة أخرى. بدأت حدود مركز طاقته بالارتجاف، بطأت الطاقة في داخله، لكن ذلك كان جيداً. لقد يعني أنها رادت العودة للوطن، للاستقرار في مركز طاقته الممتلئ عن آخره.
وجه ذو العرف البرتقالي دفعته الأخيرة، مجهداً نفسه لاجتياز ذروة المنحدر، والتسلق نحو الأرض الصلبة للمرحلة التالية. رفعت أصابعه الروحية، ولم تجد سوى حجر أسود أملس. لم يتواجد منحدر ليُقبض عليه. انزلق. تحطم الاتصال. ارتد ذو العرف البرتقالي فجأة إلى الواقع، ساقطاً إلى الأمام. اضطرب معدته، كأنها خاوية ومليئة بلحم متعفن في آن واحد. تمردت الطاقة الروحية التي بدت رائعة ومؤكدة للحياة قبل لحظة فقط.
غضبت، ولم تعد خامدة وطيعة، ممزقة مساراته في اندفاع بري للهروب من جسده غير الجدير. شعر كأن الأخ هان جيان لكمه في معدته. ملأ الدم الحامض فمه. تقيأ، ثم تفل، دافعاً بكل شيء للانسكاب. طفت حبيبات أرز صغيرة في البركة الحمراء المتكتلة، كالدود في لحم قديم.
"وقح."
قال للجبل، دافعاً بالكلمة وسط لهاث دموي. لحظة توقف معدته عن إفراغ نفسها، دس ذو العرف البرتقالي حبة شفاء بين شفتيه. تبقى لديه أربع منها لبقية البطولة. لكنه استطاع صنع المزيد، بالحجارة الروحية التي أعطاه إياها معلمه. لم تكن المكونات باهظة إلى ذلك الحد— الحجارة الروحية! فحص ذو العرف البرتقالي جرابه. كان مفتوحاً. فارغاً. للحظة، ظن أن احدهم سرقه كما فعل مع ذينك التلميذين في كهف أم أربع وأربعين.
رمش، وتذكر. لم يلاحظ حتى وقت اتخاذه القرار، لكنه استهلك الحجارة الروحية الثلاث أثناء محاولته الاختراق.
"لا تقلق."
قال للجبل.
"سأحصل عليها في المرة القادمة."
لقد تسرع في النهاية. ولم يثق بقوته. بات يعلم الأفضل الآن. كانت المقابض هناك. سار ناس آخرون في هذا الدرب قبله، لذا لابد أن ممراً موجوداً. سيوصله البطء والثبات. هزت رياح الخريف، الباردة والنقية، الشجرة فوق القرد. سقطت ورقة، مستقرة برفق في بركة الدم والأرز. رفع ذو العرف البرتقالي بصره، ورأى العشرات من شقيقات الورقة يرقصن في الهواء. يا للأسف، لأن كل ورقة لن تطير سوى للحظات قصيرة في حياتها.
"توقفي."
أمر، مختاراً واحدة على غير هدى. ارتجفت متوقفة، محاطة بطاقة روحية لمعت بلون بين البرتقالي والذهب. اصطدمت بها ورقة أخرى، مرتدة دون أن تحركها ساكناً. لم يتطلب الأمر الكثير لكسر تعويذته المقيدة، لكنه تطلب أكثر قليلاً من ورقة ساقطة.
"تعالي إلى هنا."
شعر بطاقته الروحية تلتصق بالتعويذة المقيدة بطريقة لم تحدث من قبل. لم تنزلق الورقة في الهواء بأناقة. بل انطلقت نحوه كيعسوب، مفاجئة لدرجة كاد يعجز معها عن الإمساك بها. تعجب منها، وكيف أكمل تلوينها البرتقالي الناري ضوء طاقته الروحية. وتفكر فيما تغير في أساس ارتقائه ليجعل التلاعب بجسم مقيد ممكناً. لم تكن راحة الشبح الحقيقية. عرف بالفطرة أنها لن تفعل شيئاً لم يقيده مسبقاً.
لكنها كانت أكثر مما استطاع فعله من قبل. ربما لم يحتاج حتى للقفز في الهواء لو استطاع جذب سيف جيانغ يان مباشرة إلى يده. ربما كان يانغ وي قتالاً مستحيلاً له بهيئته الحالية، حتى مع هيئته الحجرية وأوهامه. بدا الاثنان أفضل بكثير للتعامل مع انفجارات لهب عشيرة شياو من ضارب رمح قوي. كانت مهارة يانغ وي القتالية مرعبة بالفعل، ولم يكن ذو العرف البرتقالي متطلعاً لرؤية مدى تحسنه.
لكن استطاع ذو العرف البرتقالي تجريده من سلاحه، فأعجبته فرصه كثيراً. قبضة بقبضة، كان متأكداً تماماً من فوزه بذلك. قال المعلم لي شون إن الارتقاء هو تعلم الشكل الحقيقي للعالم. وقال الأخ هان جيان إنه اختيار درب لسلكه، ومستقبل لاقتناص. كان الاثنان، ولا شيء منهما. وكان ذو العرف البرتقالي يتحسن في ذلك.
* * *
انزلت إصبع المارقي كاسح الدواء على قائمة البطولة، باحثاً عن اسم تلميذه. كان مزعجاً للغاية ألا تنشر الطائفة المخططات الكاملة للبطولة، بل تفرج عن كل جولة على حدة. لم يكلف الشيوخ أنفسهم حتى عناء التظاهر بعدم وضع أصابعهم على الموازين، مرتبين المباريات لأغراضهم الخاصة. رسمياً، المبرر هو رغبة الطائفة في إظهار كامل نطاق موهبتها للأجانب، لذا سعت للحفاظ على أكبر قدر منها للجولات النهائية.
لكن العملية المبهمة صعّبت عليه تخمين كيف ستحاول العيناء لو إصلاح المباريات لتصفية تلميذه. أسيحاول تعظيم طول وصعوبة الاختبار القاسي الذي سيتعين على لي هو عبوره؟ أسحقه تحت ثقل الإصابات المتراكمة؟ إن فعل، خاطر بإظهار القرد موهبة كافية لن تتيح له تبرير وضع نابغة في طريقه قبل الجولات النهائية. لكن وضع لي هو مقابل نابغة مبكراً يعني وضع كل البيض في سلة واحدة. إن فاز القرد، فلن يستطيع الشيخ لو مخاطرة إقصاء آخر قبل المرحلة الرئيسية.
وحتى إن رغب، فلن يسمح الشيوخ الآخرون بذلك. جعل عدم معرفة كيفية تصرف الشيخ لو من الصعب إعطاء لي هو نصيحة جيدة حول كيفية الأداء. إظهار مواهبه مبكراً قد يسهل مبارياته، لكنه سيجعلها معرفة شائعة أيضاً، مانحاً خصومه اللاحقين وقتاً لإعداد التدابير المضادة. كره لي شون هذا النوع الخاص من التخطيط، حيث تستحيل معرفة إن كان المرء يتخذ الخطوة المثلى يقيناً بسبب المعلومات الخفية.
أيام كانا على وفاق أفضل، اعتاد لي شون لعب ألعاب اللوحة مع المارقي حارس الرعد. كانت مبارياتهما متعادلة نسبياً، لكن حين كان كاو رينشو يسلبها منه، ففلأن لي شون لعب القواعد، بينما لعب هو اللاعبين. إن كان شقيقه المتباعد يرتب المباريات، فسيدخل بكل ما يملك مبكراً. سليل نبيل بحلول الجولة الثانية أو الثالثة على أقصى تقدير. لكن أسيحبذ معلم الرجل الخطوة ذاتها؟
"خصمك القادم هو وو يينغجي. أتعرفه؟"
سأل القرد. فكر ذو العرف البرتقالي في الأمر. وو يينغجي... بدا مألوفاً بشكل غامض، لكنه لم يسقط أي ثمرة في عقله. لقد سمع الاسم مرة أو مرتين بالتأكيد. لكن البشر امتلكوا الكثير من الأسماء المتشابهة أساساً. يينغجي وقينغئي، وجينغئي، وربما حتى قينغجي. كيف يفترض بأحد إبقاء كل هذه واضحة؟
"كلا. ربما تقابلنا."
راوغ القرد.
"لا أذكر."
"همم."
همهم معلمه، محركاً الأوراق على مكتبه، ساحباً صفحة أخرى للواجهة."لا بد أنه لم يترك انطباعاً كبيراً. إنه على قائمة فئة العصا التي أدارها التلميذ تشانغ. القائمة المحدثة للطلاب الذين اجتازوا الفئة بأكملها."
"لا بد أنه ليس جيداً جداً، إن لم أذكره."
"لا تصبح مغروراً، لي هو. في الواقع، لقد أقلعت تلك السفينة بالفعل. لا تصبح أكثر غروراً. على الأقل ليس حتى تفوز بالبطولة."
"لست مغروراً."
اعترض القرد.
"الأفضل فقط."
"قضيت ستة أشهر في الحجر. جنيت فوائد عظيمة، لكن لا يمكنك الاستهانة بمعارضتك. سيكونون قد قضوا ذلك الوقت في التدريب."
"الاعتقاد بأنني سأفوز ليس استهانة."
تذمر لي هو.
"إضافة إلى ذلك، قلت المرة الماضية إنك تعلم أنني سأفوز."
"إنه في المرحلة الرابعة، أكثر تقدماً من خصمك السابق."
تابع المارقي كاسح الدواء، متجاهلاً القرد.
"يصعب تحديد مدى تقدم ارتقاء جسدك بدقة. نظراً لقلة الاختناقات والاختراقات الصريحة لارتقاء الجسد، فالطريقة المعتادة لقياسه هي مقارنة قوة المرء بمارقي روحي. أي مستوى من التعاويذ أو التقنيات الدفاعية يمكنك اختراقه بقبضتك، أو مقدار القمع الذي يمكنك احتماله. من وصفك لموقفك مع التلميذ يانغ، أظن أن ارتقاء جسدك يعادل المرحلة الخامسة أو السادسة من تكثيف الطاقة. ما كان ينبغي لضغط يانغ وي أن يزعجك حتى لو امتلك جسدك قوة المرحلة السابعة."
"الستة أكبر من الأربعة."
لاحظ ذو العرف البرتقالي بحكمة.
"ستة زائد ثلاثة أكبر بكثير من أربعة."
"إن كنت في المرحلة السادسة حقاً. يانغ وي في المرحلة الخامسة فقط، ومن الواضح أن ضغط ارتقائه هزك قليلاً على الأقل. أعتقد أن الأرجح هو أن جسدك في المرحلة الخامسة. ولا يمكنك جمع العوالم معاً هكذا. أقف في قمة تأسيس الأساس في الجسد والروح على حد سواء، ولست متفائلاً بشأن فروسي حتى ضد مارقي تشكل نواة متقدم حديثاً. يجب أن تحظى بميزة كبرى على وو يينغجي هذا. لكن القوة في المعركة ليست مسألة عوالم مجردة. يمكن تجاوز الهوة في العوالم الكبرى، فما بالك بالتفاوت في العوالم الصغرى. لقد رأيت مارقيين يتغلبون على تفاوتات معتبرة في أساسات الارتقاء دون الاعتماد حتى على تقنيات تهز السماوات أو كنوز سحرية. في الواقع، شهدت مرة مارقياً يسقط خصماً يكبره بثلاث مراحل صغرى مجرد الاستفادة من الانجذابات العنصرية ظروف ساحة المعركة. كل القوة والقدرات الدفاعية لتقنيات الخشب لا تعني شيئاً ضد خصم يشهر لهيباً يتحرك بسرعة أسرع من أن يلتقطه خصمه."
"كنت أنت، أليس كذلك؟"
"ماذا؟"
"أشعلت النار في رجل الخشب وشاهدته يحترق."
"هذا غير مهم."
"لن يكون وو يينغجي أنت."
ابتسم المارقي كاسح الدواء، لكن صوته ظل صارماً.
"لم أكن نابغة حين تقاتلت في بطولة المبتدئين الخاصة بي. أُقصيت في مباراتي الثانية بواسطة خصم عادي. رجل كان مساره اللاحق غير مثير للاهتمام لدرجة احتجت معها لمراجعة السجلات القديمة حتى لتذكر اسمه. وجدت قوتي الحقيقية بعد سنوات. لكن المارقي اليمين الصامد كان أحد أولئك التلاميذ الذين صعدوا أعلى مما توقعه أحد. أتى من خلفية متواضعة تقريباً كخلفيتي، وعانى مأساة كبرى قبيل انضمامه للطائفة. دخل البطولة في المرحلة الثالثة من تكثيف الطاقة، وأنهاها في الرابعة. احتل المركز الخامس في عامنا، مهزماً تلميذين في المرحلة الخامسة. كان أحدهما المارقي حارس الرعد، في ربع النهائي. ساعده حجمه وذكاءه وعزيمته الراسخة بالتأكيد. لكن ما مكّنه من ذلك هو عدم أخذ أي منهم له على محمل الجد بما يكفي حتى فوات الأوان. استطاع كلا الخصمين تمزيقه إرباً لو أحضرا الكنوز الصحيحة، أو غيرا استراتيجيتهما. تظل الحصان الأسود. لكن أي خصم تواجهه قد يخفي نفس النوع من المزايا الخفية التي تمتلكها. أو، إن حظوا بتفضيل شيخ، فيكونون على علم بتلك التي تمتلكها. قد لا يعرف التلميذ العادي عن ارتقاء جسدك، لكن أي شيخ شاهد مباراتك الأخيرة سيكون قد استشعار وجوده وقوته التقريبية."
تنهد ذو العرف البرتقالي. لم يحب التفكير بالطريقة التي احتاج إليها حين كان ضعيفاً. عرف أن الجبل الأزرق يخفي وحوشاً، لكن أياً منهم لم يُسمح له بالمنافسة في البطولة. ألم يستطع الحصول على القليل من المرح على الأقل، بدل معاملة كل معركة كأن حركة خاطئة واحدة ستكون قاتلة؟ لم يجعل القلق بشأن كل كارثة محتملة القرد أكثر حرصاً في الواقع. لكنه ربما جعل معلمه يشعر بتحسن.
"وهذه المرة، حاول ألا تدمر رداءك من فضلك."
تابع لي شون.
"لم يتبق لدي سوى رداءين احتياطيين، ولا أريدك تتجول عارياً حتى نصف النهائي على الأقل."
"لما دمرت رداء لولا ارتديت رداء."
تمم ذو العرف البرتقالي بتعنت.
"الافتراضات المخالفة للواقع ليست حججاً وجيهة إن لم تعالج الفرضية الأولية لسبب تنفيذ فعل ما في المقام الأول."
"الكلمات المبهمة غش."
التقى بصر الرجل والقرد للحظة. كسر ذو العرف البرتقالي أولاً، ساقطاً على مؤخرته ضاحكاً بملء فيه.
"سيتعين علينا دخول هذه واحدة بلا معلومات."
قال لي شون، كابحاً ضحكة خاصة به.
"إن لم تتعلم شيئاً عن أسلوب قتاله بتدريبك إلى جانبه لأشهر، فأشك في قدرتي على استخلاص الكثير من الشائعات."
"نعم، نعم. استعد لكل شيء."
"سيكون جيداً لو استطعت البدء بإرساء الأساس لبعض..."
توقف المارقي متردداً، مفكراً.
"نوبات طائشة، في المباريات اللاحقة."
"ماذا؟"
"قل له بعض الكلمات السيئة. ليس بقاسية جداً. لكن متسلطة وغير مهذبة."
"أه."
ابتسم ذو العرف البرتقالي.
"كنت سأفعل ذلك على أي حال. لا يمكن للبشر تحمل إهاناتهم."