أطال دايوِست «اليَمين الثابتة»
النظرَ في النيران.
كانت «نار التهام الجبال»
أُعجوبةً بحقّ.
اقترح العجوز «شيان»
أن يأخذَها من جُناح النفائس، بعد أن نال حقّ دخوله جزاءً لخدماته في قاعة العقوبات.
سرّت «سلاسلُ الرهبان الأشوِرا»
تلميذًا أبدى استعداداً لسنوات من صناعة القيود الرادعة، فرفعوا المكافأة في الحال حين تطوّع «هان جيان»
بإنجاز طلبية التوريدات بأسرها بمفرده.
كان العمل برمّته بالنسبة إلى الشاب الذي اختار لنفسه اسم دايوِست «اليَمين الثابتة»
آنذاك مجرّدَ اختبار تجريبيّ.
مئات «الشِي»
من الوصلات الحديدية بسماكة إبهامه، وقادرة على تقييد ممارسي مرحلة تأسيس الكيان.
عُنصر أساسيّ لصناعة تعاويذ الردع التي يمنحها دايوِست «سلاسل الأشوِرا»
لمساعديه.
غير أنها أضعف بكثير من غاية «هان جيان»
الحقيقية.
كان منكَبّاً في تلك الأيام على أسر «باي شياوتونغ»
لا قتله. عنى له الأمر الكثير، أن يواجه ذلك المسخ العدالة الحقّة. أن يتذكّر الرجال نهايته، ومن خلالها الأرواح التي أزهقها لنيل ذلك المصير.
أراد «هان جيان»
أن يأخذ سلاحاً من الجُناح. رغم أنه حدّاد، لم يُفلح قطّ في صناعة نصلٍ يُعتدّ به.
وبالتأكيد لا شيء قادراً على اختراق حراشف الرجل الذي يُدعى «الأفعى البيضاء».
طالما برع في القطبين المتقابلين: امتدادات الحديد الوحشيّ العظيمة، وأعمال الفضة واليشم الدقيقة الأليق بيد صائغ رقيقة.
لكن العجوز «شيان»
لم يكن أسطورةً بلا سبب. وأيُّ تلميذ للجبال الزرقاء يَزهد في نصيحته؟
استقام الأمر في النهاية على نحوٍ لم يتوقّعه «هان جيان»
أبداً. ألقى الدايوِست بحذر بضعَ قصاصات ورق أخرى في النار. بدا تخلّيه الأخير مثيراً للاهتمام. استغرق أشهراً حتى يقرر شكل الأداة وحدها. ناهيك عن كيفية تزويدها بالخصائص المنشودة.
أبدى دايوِست «الألف عين»
اعتذاره منذ لحظة تقديمه الطلب.
وأصرّ على امتلاكه أفكاراً بديلة إن جاوز الأمر مهارة «هان جيان».
كاد الأمر أن يكون كذلك، لكن دايوِست «اليَمين الثابتة»
استطاع تبيّن شكله النهائي الآن. سيكون صُنّارةَ صيد. أقربَ شيء إلى سلاح حقيقي صنعه منذ أن صنع سلاحَ أصفاده الخاصة.
سيحتاج دايوِست «الألف عين»
إلى إيجاد شخص آخر لإكمال بقيّة العصا، ولكنّها ستشكل وحدها كنزاً قوياً لأي عرّاف.
كان التكليف استرواحاً مرحباً به عن عمله على قرعِة «لي هو»
على أي حال.
رفع دايوِست «اليَمين الثابتة»
بصره إلى القطعة المستقرة فوق الرف. لم تكن نبتة محفوظة، بل صاغ القشرة بأسرها من صفيحة نحاسية واحدة. شرع في نقش المعالم الأولى للصور التي ستزيّنها، دون أن يضع حجراً مرصوفاً واحداً بعد. زُخرفتِ القطعة الوحيدة الحقيقية في الوقت الحالي بخطّ من الحرير الأزرق السماويّ حول بطن القرعة، وهي فكرة أسهم بها أخوه.
شعر بطريقة ما، كأنّ إتمام القرعة قبل تعافي «لي هو»
إمعانٌ في التخلّي عن الأمل.
وعليه عاد دايوِست «اليَمين الثابتة»
يطعم النار النَهِمة بالأسرار. احتاج التلامذة الكثيرون الذين أسهموا بالكثير من الإقناع، قبل أن يتقبّلوا عدم وجود غاية شريرة وراء حاجته لمثل تلك الأشياء. لكن أصوات شيخين كفلا خُلقه جعلت الأمر ممكناً. صُبّ منحنى الصنّارة القاسي بالفعل، وما بقي إلا تبريدها في غايتها المنشودة. وهكذا، أحسّ بالطبع باقتراب حضور منزله ومحضنه في تلك اللحظة ذاتها. ألِمَ قلبه للألفَةِ التي يحملها.
شكّ عقله ثم صدّق ثم كره نفسه للضعفين.
لم يكن «لي هو».
يستحيل أن يكون هو.
كان الحضور أثقل من أن يكون كذلك، وتناهت وطأة خطواته في أنحاء العالم على نحوٍ لا يقدر عليه ممارس عاديّ لتكثيف طاقة «التشي».
تمتع الهواء بذلك العمق الغريب الذي يجعل العظماء الأقوياء جليّين لحواسه المعطوبة، وإن بصورة أضعف ممّا تصوّر وجودها يوماً. لكن لا بد أنه هو. كان يحمل شريط اليشم الذي صاغه. ارتعش قلبه. ما كان له أن يفرط في العاطفة هكذا. لم يكن القرد تلميذه حتى. ترك النار الثمينة تشتعل. وكومة الاعترافات المجمعة بعناية بانتظار إطعامها للنيران دون رَقيب. كان هذا أهمّ.
صاح قرد مألوف للغاية: "أيها الدايوِست اللامع الكبير!"
اختلف فرائه، ليتألق كخام معدنيّ. بدا أطول قليلاً، وأكثر عضليةً بعض الشيء. لكن صوته الحَيّ لم يكن ليُخطأ.
"أكاذيب قذرة هي إشاعات موتي!"
* * *
"أنت حيّ."
عبس القرد «ذو القنزعة البرتقالية».
"هذا ما قاله دايوِست «الذي يطبخ نفسه»."
كرر دايوِست «اليَمين الثابتة»: "أنت حيّ. لقد نجح."
تجاهل القرد الإساءة غير المقصدة. فقد رأى كم حاول أخوه بجهد. وهذا ما يستحق التقدير.
"مضى فصلان. ألا تحيةَ مزحةٍ جيدة لذي القنزعة البرتقالية؟"
"ذو القنزعة البرتقالية؟ ظننته ذا الشعر البرتقاليّ؟ أذلك بسبب-"
"لا."
قاطعه القرد «ذو القنزعة البرتقالية».
أحبّ قوته الجديدة، لكنه ظلّ يشعر بقدر أكبر من الريبة تجاه التغيّر في لون الفراء. كانت القنزعة الأهمّ، وأحبّ البقع اللامعة، لكنه سيحتاج إلى تعلّم حبّ اللون البنيّ المحمرّ الذي طغى على فرائه الآن.
"افتقرتُ للكلمة المناسبة. منحني إياها أخي. اسم أصدق من الترجمات القديمة. من أسماء مثل شعر البرسيمون."
"أرى ذلك. حسن إذن أن نتعارف كما يجب يا صاحب القنزعة البرتقالية. تعرفني باسم دايوِست «اليَمين الثابتة»، لكني وُلِدتُ باسم «هان جيان»."
يا لجدّته! ما بال اللامع الكبير؟
لم يبدو كمن عانى مثلما عانى دايوِست «الطِّب الكاشط».
أهو في مزاج جدّيّ فحسب؟
في ظلّ غياب دایهست «الوميض الشكلي»
وطلب أخيه إبقاء تعافيه سِراً عن بقية التلامذة، لم يكن هناك الكثير ليُفعل على الجبل. كان بإمعانه البحث عن الثعلب. أو صيد السمك ربما. إن توخّى السرية التامة. لكنّ أياً من أمرين لم يدعُه مثل لمّ شمله بثاني إنسان على الجبل يعرفه حقّ المعرفة. لكن إن كان هذا ما يريده من ليس أخاه تماماً الآن، فسايره القرد. لم يره البشر منذ زمن طويل. أما بالنسبة له، فكأن الأمر كان بالأمس.
تلفّظ القرد «ذو القنزعة البرتقالية»
بخشوع: "أراك يا «هان جيان». من الجيد الإحاطة باسمك السريّ."
أجاب دايوِست «اليَمين الثابتة»
بخجل: "ليس سراً في الواقع. أنا فقط لا أستخدمه بالقدر الذي يفعله الآخرون."
حدّق إليه القرد رامقاً إياه بطرف عينه.
"لا تتصرف بغرابة لمجرد غيابي لفصول."
كبح دايوِست «اليَمين الثابتة»
ضحكةً متحولاً بالزفير إلى سعال. وما لبث أن استسلم للضحكة بعد لحظة.
كان رائعاً سماع تلك الضحكات العميقة المشابهة لضحكة «المؤخرة الكبيرة».
طالما شعر القرد بالأمان عندما يضحك أخوه الأكبر على هذا النحو.
"ادخل يا «لي هو» واحتسِ بعض الشاي. أفترض أن معلّك سيحضر قريباً؟"
"أفضل بكثير."
* * *
سأل دايوِست «اليَمين الثابتة»: "وهل كنت أضخم منّي في هذه الرؤية؟"
"كثيراً. كنت الأضخم. حتى أضخم من المؤخرة الكبيرة."
"كانت هذه «المؤخرة الكبيرة» قائد قطيعك أليس كذلك؟ أهو أضخم من ملككم ومنّي؟"
"بأشواط. أطول وأضخم. والأرجح أنه ليس أقوى منك. إنه كسول. لا يرفع الثقيل إلا مجبراً. لكنه لم يرمِ قرد النيزك أبداً."
توقف القرد برهةً متفحصاً.
"أوه. يلزمك رميي مجدداً. يمكننا إحداث فوهة ضخمة."
"ألم يطلب منك معلّك تفادي لفت الانتباه إليك؟"
"لا تفسد متعتي. إنه جبل عظيم. لن يلاحظ أحد بعض الفوهات الجديدة."
أبدى دايوِست «اليَمين الثابتة»
ممانعةً: "ربما لاحقاً. هذا «المؤخرة الكبيرة» من الفصيلة نفسها التي تنتمي إليها."
وجد «هان جيان»
صعوبة يسيرة في أخذ الاسم على محمل الجد.
لكن تلك اللمحات عن هرمية جبل «يويِلو»
كانت فاتنة بالنسبة له. أدرك ذكاء الوحوش الروحية، لكن القردة حظيت فيما يبدو بمجتمع أعقد من أيّ مجتمع رآه قَطّ. اعتادت الوحوش الروحية التوحد عادة، متفاعلة مع البشر بقدر تفاعلها مع بني جنسها. وحدها التنانين عُرفت باحتوائها مجتمعات خاصة بها بمعقد صَنيع البشر.
أوضح القرد «ذو القنزعة البرتقالية»: "لا ندعوه بالمؤخرة الكبيرة لصغر مؤخرته. لكنه قرد. فماذا يعني الانتماء للفصيلة نفسها؟"
"ألم يجعلك معلّك تقرأ «موسوعة العقاقير الطبية»؟"
"آه. تلك. أقسام الحيوانات ورتبها. لا. إنه أمر بشريّ غبيّ."
"أيمكنك شرح ذلك؟"
"البشر مختلفون للغاية. أحجام وأشكال وألوان مختلفة. أيديك أكبر من رؤوس التلامذة الصغار. لبعضكم شعر كالفحم، ولآخرين كالثلج. لكن الجميع بشر في النهاية. فلِمَ يتعين على القردة أن تختلف؟"
"أرى ذلك."
لم يخضِ دايوِست «اليَمين الثابتة»
في جدال حول التصنيف العلميّ مع قرد. غيّر مجرى الحديث قليلاً، متطرقاً إلى سؤاله الحقيقيّ.
"بمعرفتك الحالية، أتظنه ممارساً غريزيّاً إذن؟"
هزّ القرد كتفيه.
"لا أدري. لا تفكر القردة على هذا النحو. تحشر الأشياء في تصنيفات إن لم تتطابق تماماً. ربما يكون ما تسمونه غريزياً. وربما يكون كبيراً وقوياً فحسب."
خفت الحديث فترة من الوقت، بينما احتسى الاثنان شايّهما.
بدا الأمر سريالياً بالنسبة إلى «هان جيان».
كأن الأشهر القليلة الماضية لم تحدث قطّ.
ولم تحدث بالنسبة إلى «لي هو»
على ما ظنّ.
سأل القرد أخيراً: "إذن، أتدرك ما يعنيه حلم حجري؟"
"لا أدري. ليس أبعد من تفسيراتك. لم أسمع يوماً عن تميّز البشر والقردة والتنانين."
سمع الكثير عن تميّز البشر والتنانين وحدهم، لكنه لن يخبر القرد بذلك. كانت قصة ساحرة. ومن المؤسف عدم امتلاكه سوى التخمين ليقدمه.
"آه، يذكرني هذا. لديّ شيء لك."
أصدر القرد «ذو القنزعة البرتقالية»
هديلاً: "أوه. هدية؟ لي؟"
"نعم."
"ممتاز! أنت دايوِست ممتاز يا «هان جيان»."
"انتظر لترى الهدية على الأقل قبل أن تكيل لي المديح. لم تكتمل تماماً."
"لا. لست الدايوِست اللامع الكبير بعد الآن. أنت دايوِست «اليَمين الممتازة». أعلم أن الهدية ستكون جيدة لأنها منك."
استردّ دايوِست «اليَمين الثابتة»
القرعة غير المكتملة من مكانها على الرف.
تقبلها «لي هو»
بعناية خاشعة، مقلّباً إياها بين يديه.
تمتم القرد: "لامعة. خفيفة جداً. أشعر كأن قرداً يستطيع الإمساك بها بذنبه. تملك حزاماً حتى! حزاماً لتُوضع على حزامي؟ سأحتاج إلى حزام لفعل ذلك..."
"ذكر «لي شون» ملاحظاتك حول حزام التلميذ «يانغ». إنه أحد ألوان الطائفة أيضاً. وظننته سيشكل حزاماً جيداً. لم أرد صياغة سلاح أو أداة لك، بل شيئاً تحافظ على حمله دائماً لتتذكر وقتك في الجبل الأزرق. خططت لتزيينها بالترصيع لاحقاً."
أومأ القرد ساهياً، وما زال مسحوراً بالقرعة. كان النحاس المصقول جميلاً. بلون نيران هادئة، أو غروب ربيعيّ. لم يتحقق إن كان أخوه يعلم أن الأطياف المتعددة للبرتقالي هي أحد ألوان القرد المفضلة، وليست مجرد لونه هو. وسواء علم أم لا، فقد اختار اللونين المثاليين. برتقالي كقنزعته، وحزام أزرق جميل. قرعة أنيقة المظهر هكذا.
"إنها ممتازة. أفضل قرعة. لكني أملك هدية لك أيضاً! إنها مثالية. وتدخل في القرعات حتى!"
خطّط القرد لإبقائها لوقت لاحق، لكن الوقت الحالي ناسبها تماماً. لا معنى للانتظار.
دفع القرد الكنز الجميل مجدداً إلى يدي الدايوِست قائلاً: "هنا. احتفظ بالقرعة وقتاً أطول. سأذهب لإحضارها."
غادر الباب قبل أن يتمكّن دايوِست «اليَمين الثابتة»
من الاعتراض.
* * *
عندما وصل دايوِست «الطِّب الكاشط»
إلى منزل أخيه، وجد القرد «ذو القنزعة البرتقالية»
بانتظاره.
صاح القرد بوجهه: "أنت حيّ!"
"ماذا؟"
"هكذا نتحيّا الآن، أليس كذلك؟"
"طريف حقاً."
أردف «لي هو»
بوقاحة: "تعال! لقد كنا بانتظارك!"
كان دايوِست «الطِّب الكاشط»
متعباً. لكنّ رؤية صديقه القديم وتلميذه الجديد يقفان جنباً إلى جنب بعث القوة في أطرافه المتألمة.
"لماذا كنتما تنتظراني؟"
"بسبب القرعة!"
أعلن «لي هو»، رافعاً هدية خاله الروحيّ فوق رأسه.
"لا أستطيع فتحها للشرب دونك! كما أننا لا نملك سوى خمر متوسطة."
تدخل دايوِست «اليَمين الثابتة»: "أملك المزيد من الخمر يا «لي هو». ومن الرائع رؤيتك يا أخي."
"أخمرك بجودة خمري؟"
اعترف الدايوِست: "الأرجح لا."
أصرّ «لي هو»
وهو يجرّ الدايوِستَين في أعقابه: "تعال، تعال!"
لم يتعالَ دايوِست «الطِّب الكاشط»
عن الاعتراف لنفسه بتمريره نظرة فاحصة على خمر روح «لي هو»
المتبقية حين كان القرد متصلّباً. فلن يعكس ذلك عواقب الحرمان طويل الأمد من طاقة التشي، لكن بضع رشفات لن تضرّ قطعاً. راودته خططه الخاصة لهذا التجمع، لكن بإمكانها الانتظار لوقت لاحق. سيكون رائعاً قضاء أُمسية أخيرة مع تلميذه وأخيه. فهو لا يدري متى تتوفر لهما تلك الفرصة تاليةً. سمح الدايوِست للأخير بجرّهما إلى مقعدين، وسكب أكواب الخمر لهما.
شعر «لي شون»
بسيلان لعابه جراء البخار المحمل بطاقة التشي المتصاعد من الإناء المفتوح. ثم فتح قرعته الجديدة، وغمسها مباشرة في الإناء الفخاري، مراقباً الفقاعات وهي تتصاعد إلى السطح.
قال دايوِست «اليَمين الثابتة»: "أخبرتك بامتلاكي قمعاً."
"لكني أردت فعلها بهذه الطريقة."
تذمر دايوِست «الطِّب الكاشط»: "سيكون هناك شعر في الخمر."
هزّ «لي هو»
كتفيه بالطريقة البشرية المعهودة التي التقطها.
"إنه مفيد لك. كما أن الخمر حوت شعراً سلفاً على الأرجح."
أعلن «لي هو»
رافعاً قرعته عالياً: "من أجل البقاء أحياء!"
تبادل الرجلان نظرة.
وردا رافعين أكوابهما الخاصة: "من أجل تعافيك."
احتسى الثلاثة الخمر بتناغم، وللحظة هادئة واحدة، تراجعت هموم العالم.
* * *
سأل دايوِست «الطِّب الكاشط»
متردداً قبل أن يسكب لنفسه الكأس الثالثة: "أمتأكد من رغبتك في مشاركتنا الإناء بأسره؟ قد تحتاج ما تبقى لاختراقك القادم."
غطّى «لي هو»
فم الدايوِست براحته: "صه. من يسأل مجدداً سيتعين عليه احتساء كأس أخرى."
أبعد «لي شون»
يد تلميذه العاقّ عن وجهه برفق، مبتسماً طوال الوقت.
هتف «هان جيان»
بسعادة متمايلاً ببطء في مكانه: "آه، لا أظنني شعرت بهذا الاحتراق لسنوات. ولا بد أنه يصنع عجائب لقنواتك الظمأى يا أخي. الخمر الروحي باهظ الثمن في السوق، ونادراً ما أستسلم لمتعته. ربما هناك ما يُقال عن وجود صانع جعة بالجوار."
"لو حظينا بواحد من قبل، لطرده الأخ «كاو»."
"لم يكن سيئاً إلى ذلك الحدّ."
قال «لي شون»
بجهامة: "أنا أفضل في الدبلوماسية منه في الاسترخاء."
"هذا صحيح. وتحدثاً عن «كاو» ومعلّمه، لمَ تواصل العمل في الجُناح الطبي؟ صُعقتُ تماماً لرؤية «لي هو» يظهر عند بابي بمفرده."
تنهد «لي شون».
ومثل هذا، عادت هموم العالم. كانت الليلة ما زالت في بدايتها، ولن يملكا طولها للاحتفال.
تابع أخوه: "حتى لو غيرت رأيك بشأن جدوى علاج التلميذ «شانغ»، فلست مضطراً لمواصلة الخضوع لجدول عمل الشيخ «لو» المستحيل. ما الذي يمسكه عليك حتى الآن؟"
"لا شيء."
"إذن لمَ؟"
"هيا يا «هان جيان». أنت تعلم اللِّم."
لم يرمش «لي شون»
حين تفتح الإدراك والألم بتزامن في وجه أخيه.
ظلّ دائماً أكثر ولاءً للطائفة من «لي شون».
وسيكون من لؤم القول إن السبب يعود لعدم ترك «هان جيان»
عائلةً خلفه عند الانضمام إليها. أو لأنه عانى قدراً أقل على يديها.
ربما ظنّ «لي شون»
أصغر سنّاً ذلك، لكنه بات أحكم من ذلك الآن.
يؤمن دايوِست «اليَمين الثابتة»
ببساطة بالرؤية الكامنة خلف الجبال الزرقاء رسوخاً أعمق.
قال أخوه بهدوء: "سيتعقبونك."
استدار «لي شون»
نحو تلميذه.
كان «لي هو»
يراقبهما بحذر، وعيناه حادتان وواضحتان رغم رشفاته المتعرضة من قرعته الجديدة.
"يا «لي هو». قلت يوماً إن ملك قردة جبل «يويِلو» سيستعد لإيوائي من غضب الطائفة. ألا زلت تؤمن بذلك."
أومأ «لي هو»
بحزم.
"لا أؤمن. أنا أعلم. لقد رأيت المسافة بيني وبينك. والملك يتجاوزك أبعد من ذلك بكثير."
لم يكن «لي شون»
رجلاً يعترف بخطئه مراراً. سيقول كثيرون إن ذلك مرده كونه رجلاً متغطرسُاً يرى الصواب لنفسه وغير قادر على الانحناء أمام الآخرين. وسيقام هو لقلة خطئه، وتوقع الآخرين منه نفي فضائله كرذائل، ليتفاجؤوا برفضه فعل ذلك.
"لم أُعاملْك بالجودة التي تستحقها يا «لي هو»."
شرع القرد الأحمق بالاعتراض: "لا-"
"أرجو أن تدعني أُنهي كلامي."
كشر «لي هو»
في وجهه، لكنه أطاع ما أُمِر به.
"حظيت بوقت وافر خلال الأشهر الستة الماضية لأتأمل. في الحادثة التي جعلتك مقيداً في الحجر، وفي مجمل وقتنا معاً. لم أُعاملك كما ينبغي للمعلم. تجاهلت كلماتك، رغم إثباتك مراراً وتكراراً لمعرفتك بما فاقت توقعاتي."
عاد عقله ليومض باتجاه دودة «الغُو»
التي كانت تنضج في ورشته الخفية حتى الآن. سيحتاج هذا السلاح المرعب الذي صاغه بنفسه لضمان سلامته وتلميذه اسماً.
نأمل ألا يعترض ملك «لي هو»
على وجوده.
قال «لي هو»
بعناد: "أنا قويّ الآن. أنت فعلت ذلك."
"النتيجة الجيدة لا تشفع للخيارات السيئة. لقد غامرت بمخاطرة فادحة معك بهدف تقويتك. ولأيّ غاية؟ كبريائي الخاص؟ لم أحاول تنقية جسدي إلا بعد دراسة الخيمياء لعقد من الزمن، وبلوغ المرحلة السابعة من تكثيف التشي. لم يوجد سبب وجيه لدفعك بهذه السرعة. لكنّ ما أكل قلبي حقاً ليس هذا."
"ممم؟"
"الخمر. خمر أم أربع أربعين خاصتك. أنا واثق الآن أنه ما تسبّب في تحولك إلى تمثال. رغم أن آليات حدوث ذلك ما زالت تفوقني."
اعترف «ذو القنزعة البرتقالية»
ببساطة: "احتسيت البعض. قبل الحمام. كان أمراً أحمق. غبياً. استهلكت تشي أكثر مما قلت. أردت الزيادة. أن أكون صائباً. ظننت الأمر سيمرّ بسلام. كنت مخطئاً. غبياً. كان يجب أن أخبرك وأسألك."
وافق «لي شون»: "كنت كذلك. وكان ينبغي."
"لكنّ هذا ليس خطأي. كان ينبغي لخمر روح بسيط أن يكون ملائماً. كانت توجيهاتي دقيقة. لا تسكر. ولم تكن مخطئاً في أن احتساء رشفة صغيرة لم يمثل خرقاً حقيقياً لها. أَتُدرك الآن الخطأ الحقيقي الذي اقترفته؟"
فكّر «لي هو»
في الأمر. وأعطى السؤال الاعتبار الجدّيّ الذي يستحقه.
شعر «لي شون»
بفيض من الفخر رغم الظروف. فهذا، أكثر من أي شيء آخر، ما سعى لغرسه في تلميذه. احترام مسعى التعلم الذي يفتقر إليه الكثير من أقرانه.
أجاب القرد أخيرًا: "لا."
"خطئي تمثل في الاستخفاف بك. وافتراض غياب أي شيء يمكنك فعله لتعطيل عملية الحمام. بدا أن الأمر نجح. لكني قَامَرْتُ بحياتك لعدم احترامي لمهاراتك. لافتراض أن إشرافي قد يعوض فهمك التام للعملية."
راقب القرد أخاه بحذر. فلم يدرِ ما يقوله إزاء ذلك. كان هماً بشرياً بحتاً، وأمراً مجرداً وبعيداً، مقارنة بالإصابة والعافية. لكن أخاه كان يحاول جاهداً فهمه، لذا تعذّر عليه تقديم أقل من ذلك.
"تقول إن ملكك قويّ وخيّر بما يكفي لإيوائنا. استبعدت الهرب من الطائفة خياراً من قبل. لكن إن كان كذلك، وإن توارينا عن الأنظار، فلا سبب لإخضاعك لبطولة المبتدئين. للمغامرة بحياتك من أجل كبريائي. إن وافقت، يمكننا مغادرة الجبل الليلة. لا يمكنني حملك بالسرعة ذاتها حين اختطفتك للمرة الأولى. صرت أثقل. وصرت أضعف. لكننا نستطيع بلوغ جبلكم قبل انقضاء فجر اليوم الثاني إن استنفدنا نحن الاثنين كامل قدرتنا من التشي عَجَلاً. بوسعنا بلوغ جبل «يويِلو» قبل أن تدرك الطائفة غيابي أصلاً. زرعت بذور كذبة الوهن اليوم في الجُناح الطبي. لن يتفقدني أحد قبل مرور يوم واحد على الأقل."
بدا دايوِست «اليَمين الثابتة»
راغباً بشدة في قول شيء ما. لكنه أمسك لسانه.
أرادها «ذو القنزعة البرتقالية».
أرادها بشدة. استمتع بحياته هنا. الدايوِستَين.
«يانغ وي»
والوميض الشكليّ. وحتى المؤخرة البدينة وسائر البشر الذين عرفهم عرضاً فقط. كل المعارف والألغاز. لكنّ عائلته الأولى والحقيقية نادتْهُ.
استطاع تخيلهم الآن، وكيف قد يتفاعلون مع منزل دايوِست «اليَمين الثابتة».
متصارعين على الخمر ومُمزقين الخزائن لرؤية ما يستقرّ خلفها.
أردف «لي هو»
أخيراً: "حظيت بخطة. لكي أقاتل."
"نعم."
"أهي خطة سيئة؟"
"لا. الفكرة ما زالت متماسكة وقابلة للتطبيق. لكنها غير ضرورية. لا مبرر لأن تغامر بحياتك من أجل سمعتي."
لم يفهَم «ذو القنزعة البرتقالية»
خطة أخيه. لقد أدركها، لكنّ الإدراك شيء وفهمها شيء آخر. أكد له أخوه أنه إن حدثت أشياء معينة، فستعقبها أخرى. لكنّ القرد عجز عن رؤية القوانين المسببة لتلك اليقينيات. لمَ استطاع سيد الطائفة السعي لمعاقبة أخيه إن غادرا الطائفة، وليس إن فعل القرد ما يُسيء لضيوف الطائفة؟ لكن كان على الإساءة أن تقع في مبارزة. ومن قرد أقوى بشكل قاطع من خصمه. ولم يكن الضيوف هم من سيسيء إليهم بشكل مباشر، بل طبقتهم الاجتماعية برمتها؟
الذين بدا أنهم أقوى من أخيه أو سيد الطائفة. لكنهم عجزوا عن الانتقام لسبب ما؟ بدا الأمر سخيفاً للغاية. هكذا لا تُدار القوة. إن أراد الأقوياء فعل شيء، فعلوه. يمكنك إلهاؤهم، التوسل إليهم، إدماء أنوفهم، خداعهم، أو الهرب منهم. ولكن إن أرادوا التهامك بنهاية المطاف، فسييفعلون. لكنّ أخاه ثق به. وهو وثق بأخيه. وعليه جلس القرد مفكراً بكل الجدية التي أبداها يوماً، في كيفية إثبات ذلك له.
سأل «لي هو»
أخيراً: "أهذا ما تريده حقاً؟"
"لا. لكنه الخيار الصائب."
أجاب «لي شون»
دون تردد.
"لن أترك الماضي يُعميني، أو أضع كبريائي فوق حياة أيّ منّا."
كرر «ذو القنزعة البرتقالية»: "لكن أهذا ما تريده أنت؟"
"ماذا؟"
ألحّ القرد: "أن تُعرف بالصائب. كشخص يفهم الطبّ. كمعلم جيد، درّب تلميذاً قوياً. أهمّ هذا بالنسبة لك؟"
اعترف «لي شون»: "نعم. لكنه أمر يتوجب عليّ كسبه بجهودي الخاصة. ليست بالسمعة التي أريدك أن تغامر بنفسك دفاعاً عنها."
تنهد القرد. لم تروقه فكرة المعلم. لم تكن فكرة قرود مميزة.
أكان «المؤخرة الكبيرة»
معلّمه؟ العيون الحمراء؟ ملك القردة؟ سريع الأصابع؟ علّمه كثيرون أشياء جديرة بالاهتمام. لكنّ المعلم لم يكن مجرد لقب. بل وعداً، يشبه لقب الأخ. للإرشاد والحماية، التعليم والاختبار. وقد كرّم أخوه ذلك الوعد. واحترم القرد هذا.
ابتسم «لي هو»
قائلاً: "أحمق. لا يسأل الإخوة إن كان الأمر خطيراً. إنه يهمّك. لذا فهو يهمّني. تمتلك خطة. وأملك القوة والمهارة. سأقاتلهم جميعاً. أهزمهم جميعاً. لأريهم كم أنا قويّ. وكم أنت معلم جيد."
حذّره معلّمه: "ستمتلكهم تقنيات. ممارسات روحية أكثر تقدّماً. فحتى مع قوتك الجديدة، ستكون المعركة صعبة."
أضاف دايوِست «اليَمين الثابتة»
عاجزاً أخيراً عن مقاومة إدراج صوته في المحادثة: "هذه السنة لا تضمّ حشداً ليّناً. فقد بلغ جميع تلامذة النبلاء المرحلة الرابعة من تكثيف التشي على الأقل. وبلغ «يانغ وي» و«شياو لونغ» الخامسة، ولا تبدو «شياو شولان» بعيدة عنهما. وهم ليسوا وحدِهم بعيداً عن ذلك. بلغ نصف دستة من التلامذة عامة النسبة المرحلة الرابعة، ودخل اثنان مؤخراً في عزلة لبلوغ محاولاتهما في الخامسة. لم يجارِ أحد رقم سيد الطائفة القياديّ بعد، فضلاً عن أي من الأقدمين، لكن هذه إحدى أكثر دفعات المبتدئين تقدماً في الذاكرة القريبة. وأكثر من نصفهم في المرحلة الثالثة، ويسرّ الشيوخ حيازة حصيلة من المواهب الواعدة كهذه."
تنهد القرد مجدداً.
«اليَمين الثابتة»
الأحمق. يجلِب الصدفة ومنطق القتال إلى حديث يدور حول أواصر الأخوة.
كان ثملاً بحقّ الآن، وقد أتى الفنّ الذي علّمه إياه «الوميض الشكليّ»
بيسر. نهض القرد، وبقي الآخر جالساً.
شهق معلّمه بهدوء، مما اثار نظرة فضولية من دايوِست «اليَمين الثابتة».
لكنه لم ينطق بكلمة. ولم يتفاجأ القرد كثيراً بقدرة معلّمه على اختراق وهمه. فهو معلّمه لسبب وجيه.
قال القرد الثابت بينما دار الثقيل متخذاً موضعه خلف دايوِست «اليَمين الثابتة»: "سياحاولون. لكن معلّمي أمرني بتعلم التقنيات. وفعلت."
"أظنها المرة الأولى التي أسمعك تشير فيها إلى دايوِست «الطِّب الكاشط» كـ-"
وثب القرد على ظهر الدايوِست. صفق براحته فوق كلّ عين، بينما قفّل ساقيه حول أعلى صدر الرجل. انحنى إلى الوراء، وتحول إلى حجر. سيعلمه ذلك التشكيك بالقرد العظيم. اهتزّ العالم. وعاد القرد إلى لحمٍ بعد لحظة. انغرس وجهه بعمق في التراب. أوه. ظنّ أنه سيسقط بالاتجاه الآخر.
نهض دايوِست «اليَمين الثابتة»
بحذر، رافعاً معه القرد الذي ما زال مقفلاً على رأسه. أبعد القرد أصابعه عن عينيه، ليدعه يستوعب رؤية القرد الثابت وهو يجلس ملوّحاً له. تلا شيئاً فشيئاً، متلاشياً في غبار ذهبيّ.
هتف «لي شون»
بأنفاس متسارعة: "وهم متحرّك، في المرحلة الثالثة من تكثيف التشي. أيّ مسخ أنت."
ذكّر القرد معلّمه بإفادة: "قرد. لهذا سيخسرون."
قفز عن رأس دايوِست «اليَمين الثابتة».
هاه. تغطى وجه الدايوِست بالتراب بدوره. لا بد أنه حاول الحفاظ على توازنه فبالغ في التعويض وسقط إلى الأمام.
أقرّ دايوِست «اليَمين الثابتة»: "أتخيل كيف قد يكسر ذلك ظهر تلميذ. لكنهم سيكونون على حذر منه، بعد المرة الأولى التي يشهد فيها أحدهم تلك الخدعة."
هزّ «لي هو»
كتفيه.
"حينها سأبتكر أفضلاً منها."
نظر القرد إلى الرجلين.
صنع له دايوِست «اليَمين الثابتة»
قرعة جميلة. أهدى هدية تلقاها القرد تفكُرًا، بلون قرد، وحزام إنسان. رغم ظنه أنه ميت ربما.
عانى دايوِست «الطِّب الكاشط»
من أجله. وقدم قوته لأجل أمل واهٍ. كان هذا مستحقاً. وسيعترف القرد به.
خطف القرد كأس «هان جيان»
من يده. وملأها من جديد من القرعة التي كانت تفرغ بسرعة.
أعلن دافعاً إياها إلى يد الرجل: "أخي."
استهل دايوِست «اليَمين الثابتة»: "أنا خالك الروحيّ تقنياً."
قال القرد: "أخي. اخرس."
التفت إلى دايوِست «الطِّب الكاشط».
«لي شون».
أخيه. معلّمه. الرجل الذي عرّفه على عالم ما تصوّر وجوده قطّ. انتزع كأس الرجل برفق من بين أصابعه. وملأها مجددة من رواسب الإناء. لم يشهد قطّ مراسم قبول تلميذ، لكنه قرأ ما يكفي عنها من الكتب العديدة التي حشها معلّمه بها. وقد قالوا إن على التلميذ البوح بأفكاره الحقيقية، بما يتوافق مع طبيعته. كان ذلك سهلاً. غرز القرد وجهه مجدداً في التراب، مادّاً الكأس الممتلئة أمامه.
"الأخ «لي شون». رأيت أن هذا القرد قد يتجاوز ما كان عليه. منحته الكلمات والأسرار. آمنت بما يمكن أن يكونه. آمن الآن، بأنه قادر على الانتصار من أجلك. ليس لأنه دَين. بل ليروك الجميع جميعاً، كما يراك هذا القرد."
أحسّ «لي هو»
بأخذ أخيه الكأس من يديه الممدودتين. فارتفع رأسه ملاقياً عيني معلّمه.
"أراك يا معلّمي."