بين الوحش والبوذا: رحلة قرد سكران نحو الخلود الفصل 33

اقرأ بين الوحش والبوذا: رحلة قرد سكران نحو الخلود الفصل 33 باللغة العربية على مانجا تايم.

استيقظ ذو العرف البرتقاليّ في الظلام. طرف جفنيه، ملاحظاً كم قَلَّ ما يراه. ولم يكن ذلك عجيباً. فهو غالباً ما يستيقظ في الظلام. فالليل طويل في أعماق الشتاء. وحدها القردة الأكثر كسلًا هي التي لا تستيقظ قبل شُروق الشمس أو ترتاد مغاورها بعد غُروبها. وذو العرف البرتقاليّ يفعل الأمرين معاً! لكنّ الظلام لم يكن قطّ بمثل هذا الكمال، حتّى في الشتاء. أفي مغارة هو؟ تحسّس المكان حوله بحذر.

صخور خشنة. صخور ملساء. أهذا... خشب؟ لم يكن أملس بذاك اللزُوجص المشؤوم الذي يشبه طلاء البشر، ولا ذاك الملمس المُطمئنّ لقشرة الشجر. بل خشباً قديماً، شبيه بما خلّفه البشر من إنشاءات عفا عليها الزمن. جافاً وأملساً، تتخلّله حُفر عميقة وتعرّجات حيث تآكلت ألياف الخشب تماماً. تابع التحسّس في الظلام. عثر على ما أيقن أنّه أثاث؛ طاولات وكراسي مقلوبة. ولمس نعومة الزجاج الباردة، ووجد أوعيةً بعضها مختوم وبعضها فارغ.

وبعضها الآخر من الفخار الثقيل الذي يُصدر خريراً عند تحريكه. أأورشيشة تشبه ورشة أخيه؟ أهملت منذ زمن طويل؟ بدا ذلك تخميناً وجيهاً كغيره. وبصفته قرداً عمليّاً، سعى ذو العرف البرتقاليّ أولاً إلى إيجاد مخرج. أو ضوء. غير أنّ هذين الأمرين طالما اجتمعا معاً. تلمّس طريقه بتوجّس وسط الظلام والركام حتّى عثر على جدار. وضع يده عليه، وأخذ يقتفي أثره، متلمّساً أيّ فرجة قد تفضي إلى باب أو نفق.

وعند هذه النقطة، لم يكن أيّ من الاحتمالين ليُفاجئه. فالمغارة، وكان واثقاً من أنّها مغارة، تعجّ بفضلات البشر. وكانت أجزاء منها ذات أرضيّات خشبيّة قديمة ومتآكلة. أمّا الجدار فكان حجريّاً، ينحني بلطف نحوه كلّما ارتفع، ممّا يُوحي بسقف لا يتجاوز ارتفاعه قامة قردين أو ثلاثة من ذوي العرف البرتقاليّ. مغارة شبه مفروشة، أُهملت لدهور؟ أطلق ذو العرف البرتقاليّ زفيراً مشوباً بفحيح، حين انكسر شيء تحت قدمه.

تحسّس المكان بأصابع قدميه. عظام متوسّطة الحجم. قفص صدريّ بحجم قرد تقريباً. بلا لحم، لكنّه ظلّ صلباً وقاسياً. جُثّة قُدِّر عمرها بالسنوات لا بالأيام أو السنين. اقشعرّ وبُره، مُدركاً أنّه لا بدّ أن هذا المكان المظلم والغريب آهِلٌ بالسكّان. فكلّ المخلوقات الحيّة تقتات، في نهاية المطاف. وهذا الكائن يقتات على ما يضاهيه حجماً. أيّ مسخ سيحطّ رحاله في مكان كهذا؟ لن يحتمل بشر الظلام والتعفّن.

قد يجمع حيوان شديد الشذوذ مثل هذه الفضلات، لكنّه لن يبنى أرضيّات خشبيّة داخل مغارة. ولم يكن ذو العرف البرتقاليّ واثقاً من قدرته على فعل ذلك، لو أنّه عزم أمره، مع امتلاكه للإبهامين ومعرفته بأدوات البشر. ماذا يبقى إذاً؟ أإنّسان هوى في جنون غريب؟ أم وحش يتخذ من عرين بشرٍ سابق مأوىً له؟ كلا. لم يبدُ أيّ من هذين الخيارين مُبشراً. كان عليه التسلّل من هنا فوراً. انحنى الجدار، فانفتح الحجر المنحوت على غرفة أخفض، أو نفق واسع.

تبعه القرد، خطى بحذر لصّ محترف. استمرّ ذو العرف البرتقاليّ في السير، إلى أن لمع ضوء في الأفق. كان ثابتاً كضوء الشمس، لكنّه يتأرجح يمنة ويسرة. ألصق القرد جسمه بالجدار بإحكام، وشرع يرقب. حتماً سيكون حامل الضوء ضرير النيران، وسيراه ذو العرف البرتقاليّ أولاً. وبإمكانه تقرير الفرار بعد إلقاء نظرة خاطفة. ومع اقتراب الضوء الوضئ، أبصر ذو العرف البرتقاليّ شابّاً بشريّاً في مركزه.

كان مبتدئو الطائفة، أولئك الذين انضمّوا في العام ذاته مع ذي العرف البرتقاليّ، مُتفاوتين في الأعمار. بعضهم قارب البلوغ، عريض المنكبين وشحيح الشعر. وقد جاوزوا شتاءهم العشرين. وأكثرهم أصغر سناً. ولا تزال تبدو عليهم آثار أشكالهم الطفليّة الأصغر حجماً وشبه الخالية من الشعر. ما بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وهي فترة ينمو فيها البشر نمواً هائلاً في الحجم والبنية.

وكان مبتدئو الطائفة مُتفاوتين في الهيئة تقارب تفاوت قردة جبل يويلو. حسبهم ذو العرف البرتقاليّ مُنافسيه في العمر تقريباً بين البشر. فالقردة تهرم بثلاثة أضعاف سرعة البشر على ما يبدو. وبدا له ذلك منطقيّاً. فالقردة أفضل من البشر بثلاثة أضعاف في كثير من الأشياء. وكان هذا البشريّ أصغر سناً بكثير. أشبه بالطفل مقارنة بأصغر المبتدئين. أهو في الثانية عشرة؟ أم الثالثة عشرة؟ يصعب تحديد أعمار الأطفال البشريّين، فقد رأى القليل منهم فحسب.

لكنّه، ورغم حداثة سنّه، كان يمشي كعارف طاويّ. مستقيم الظهر، والعيون نحو الأمام. يمسك إحدى يديه بفانوس ينبعث منه ضوء ذهبيّ بارد من خلف جدرانه الورقيّة. والأخرى خلف ظهره أثناء المشي. لم يستطع ذو العرف البرتقاليّ إلا أن يشعر أنّ الطفل يبدو كمن يتبختر أمام جمهور خفيّ. ارتدى الشاب رداءً ناصع البياض، تتخلّله خطوط عريضة من الأحمر الناريّ وأصفر الشمس. وشَدَّ الهيئة بحزام سماويّ أزرق جميل.

غير أنّ شعره كان الأكثر إبهاراً. ببريق يعادل بريق شعر ذي العرف البرتقاليّ، مع تصفيفة تماثله. تصاعد ليعقد عقدة علويّة غريبة يفضلها بعض البشر، قبل أن ينسدل حول كتفيه كستارة من المعدن المُذاب. استحسن ذو العرف البرتقاليّ المنظر. فالشابّ اليانع يمتلك حسّاً رفيعاً في الأناقة. مهما بلغت وحشيّة البشر، فإنّهم لا يأكلون القردة فيما يبدو. ولا يتركون أقفاصاً صدريّة مُلقاة في عرينهم.

إنّهم مخلوقات مُدققّة في نظافتها على هذا النحو. وبين الشابّ والهيام في الظلام، سيخاطر بالبشريّ إذن. انفصل ذو العرف البرتقاليّ عن الجدار، مُتقدّماً لكي يراه البشريّ.

قال مُحيّياً بصوت خفيض: "مرحباً أيّها البشريّ الصغير".

فأجاب الشاب بصوت عالٍ: "أنا أطول منك".

أطلق ذو العرف البرتقاليّ فحيحاً: "صه! إنّها مغارة مفترس. آكل القردة. آكل الصبيان. لا تُرهف أذنيه".

"لا تقلق، بالكاد يعلم الآخر معنى الاستعجال. لن يأتِيَنا إلا في الوقت المناسب".

لا يزال صوت الرجل عالياً للغاية.

لوّح ذو العرف البرتقاليّ بمخالبه بجنون في وجهه، مُؤدّياً الإشارات العالميّة الكثيرة التي تعني «أصمت».

بشر حمقى متكبرون. يظنون دائماً أنّ الشر لا يحلّ إلا بالحيوانات الأخرى.

فردّ القرد: "الأفضل ألا يأتي إلينا قطّ! علينا الخروج من هنا".

تنهّد الشابّ، وكأنّ ذو العرف البرتقاليّ هو من يبدي تعنّتاً غير مبرّر.

وقال، وقد خفض صوته أخيراً إلى همس معقول: "امشِ معي يا صغيري".

فرّد ذو العرف البرتقاليّ بتمرد: "أنت الصغير أيضاً".

فهو يعلم كيف يدير البشر أمورهم. فهذا البشريّ أصغر من أن يغادر منزله بمفرده. وهو قرد بالغ فوق جبل غريب، وما على هذا الطفل الصغير إلا أن يكفّ عن معاملته كصبيّ.

"أظنّنا جميعاً صغاراً، مقارنة بالخالدين".

ردّ ذو العرف البرتقاليّ: "الجميع أطفال مقارنة بملك القردة، ولا يعني هذا أنّ الطفل يماثل عريض المؤخرة".

ثُمّ صمت متفكّراً.

"مَنْ تكون؟"

"أظنّ أنه يمكنك مناداتي بهو".

كلمة بشريّة تعني قرد. بدا هذا الرجل، وهذه الوضعية بأسرها، مشبوهة إلى أبعد الحدود. لكنّ ذو العرف البرتقاليّ عجز عن تحديد موطن الريبة. ومهما قلّب حقائق هذا اليوم الغريب في عقله، ظلّ عاجزاً عن إيجاد تفسير يربط خيوطه ببعضها.

أجاب ذو العرف البرتقاليّ: "ليس جيّداً. مُربك. أنا لي هو. يمكنك أن تكون شيئاً آخر".

"أه؟ يمكنني أن أكون أيّ شيء على الإطلاق؟ إذن يمكنك مناداتي شان شينغ تيان شي".

كان ذلك طويلاً جداً بالنسبة لاسم. كائن سماويّ طيب؟ مُتغطرس جداً. وهذا ينسجم تماماً مع أفعاله السابقة، إذ يمشي بصوت عالٍ حيث ينبغي للحكيم أن يتسلّل.

"حسناً، يا شان".

نقر شان بلسانه.

"جيد بما يكفي، على ما أظن".

مشيا معاً في صمت، فيما كان ذو العرف البرتقاليّ يتسلّل في إثر شان الذي خطا بخطوات واثقة بلا خوف، ملوّحاً بفانوسه ليجعله طريدة سانحة لكل ذي عينين.

سأل القرد في نهاية المطاف: "إلى أين نحن ذاهبون؟"

كانا يبتعدان عن العظام على الأقلّ، لذا رضي بالمتابعة في الوقت الحاليّ. همهم شان.

"ليست مسألة إيواء وجهة، حقّاً. ليس هنا. فكلّ الاتجاهات سيّان. وكلّ ما يهمّ هو ما إذا كنا نتقدم للأمام، أم نقف في مكاننا".

"ليست هكذا تعمل الاتجاهات".

"أنت واثق جداً من ذلك، لشخص لم يُدرك بعدُ مَنْ أنا، أو أين أنت".

آه. اعتراف. ثمة خطب جسيم هنا. أدرك ذو العرف البرتقاليّ أنّه ما كان ليوجد هنا. لكنّه عجز عن تذكّر سبب معرفته بذلك، ولا أين تقع هذه البقعة. فبأيّ شيء يثق، إن عجز عن الوثوق بذكرياته؟

قال شان مُمدّاً يده إلى جيبه: "أتدري ما هذا؟"

استقرّ حجر صغير في كفّه. لا، بل قطعة خام، بدليل لمعانها. لقد بدا مألوفاً.

"يسمّيها البشر دمعة الحجر. أحياناً، تشهد الأرض على مأساة. وغالباً ما يُنجب هذا «غواي». مخلوقات مترنّحة ذات قوة هائلة وغاية فريدة، مُتفرّغة بغير وعي لسهرها الطويل. لكنّ الحجر ثقيل، ومُستثقل للحركة. أحياناً، وبدل أن تنهض الأرض بغضبها، تسفك دمعة واحدة، قبل أن تعود للسبات. قطعة خام أو بلُّور، مشحونة بثقل خسارة لم تشهدها السماء حتّى".

"وما أهمية ذلك الآن؟"

تابع شان حديثه كأنّ ذو العرف البرتقاليّ لم يتكلّم: "كان سيّدك ذكيّاً، لتحويل شيء كهذا إلى علاج لصقل الجسد. لربما استهلكه وحش حقيقيّ، وتأقلم مع طبيعته. ومع ذلك لكانت مسيرة بطيئة وشاقّة، ورحلة خطرة تمتدّ لأعوام. أمّا لفنون البشر، فمثل هذا الشيء أليق بالصقل ليغدو أداة أو سلاحاً. لا يطيق البشر مثل هذه القوى الغريبة بسهولة. فمثل هذا الحزن أثقل من أن يحملوه في دواخلهم ويظلّوا قادرين على الحركة".

أصرّ ذو العرف البرتقاليّ بردّ الفعل: "ليس سيّدي. بل أخي".

انتظر، مع من كان يتحدث؟

"إنكارك لا يغيّر الحقيقة".

ردّ ذو العرف البرتقاليّ عليه بالمثل: "إنكارك لا يغيّر الحقيقة".

فهذا النصل ذو حدّين.

"كيف تعلم بكلّ هذا؟"

ابتسم شان، ووضع دمعة الحجر في جيبه.

"بإمكانك المعرفة كما أعرف. والفهم كما أفهم. وأن تتبوأ مكانك الحقّ في المجد. فمثل كلّ طريق، يبدأ الأمر برمّته باختيار. بخطوة واحدة".

توقّف ذو العرف البرتقاليّ بينما واصل شان تقدّمه. خفّ ضوء فانوسه. لا، بل انقضّ الظلام، دافعاً الضوء للوراء حتّى لم يعد يضيء سوى خطوة واحدة حول الشاب. واختفت الأرض التي بدت واثقة للغاية قبل لحظة في العدم، تاركة هوجاء عمياء تفصل بينهما. رمق ذو العرف البرتقاليّ الطفل الأنيق بعيون جديدة. إنه يريد منه شيئاً. تذكّر ذو العرف البرتقاليّ. لقد غرق مرتين الآن. الثقل والرعب. الغرق على اليابسة، وسط مياه ساخنة وعاتية، بدلاً من أن تكون باردة وساكنة.

صرخات أخيه المحمومة. عينا العارف الطاويّ صابر اليمين المليئتان بالعلم والأسى.

"الحمام. لم أغادره أبداً".

"بشكل ما. لقد جُفِّفت المياه العادمة منذ زمن بعيد، لكنّها لم تكن الجزء المُهمّ أبداً".

سأل ذو العرف البرتقاليّ: "ماذا تريد؟"

لم تكن لديه أدنى فكرة عمّا يجري، لكن إن كان لا يزال محبوساً بطريقة ما في الحمام، فلن يُغيّر ذلك شيئاً. أولويّته القصوى هي الهروب. وإن وقف هذا البشريّ الصغير في طريقه، فسيجتازُه ذو العرف البرتقاليّ. تجاهل شان سؤاله.

"يعتبر العديد من الممارسين البشريّين المحنة عقاباً. غضب السماء، المسلط عليهم. فيرفعون القبضة والنصل في وجه البرق، ويسمون ذلك ارتقاءً. كأنّ نظام العالم يمكن تحدّيه بحافة سيف".

تصلّبت قبضتا ذو العرف البرتقاليّ. لقد كانت هذه الرحلة المجنونة مرعبة منذ بدايتها، لكنّها بدأت تغدو مُملّة أيضاً.

"لا يُعدّ هذا حواراً إن تجاهلتني وتفوّهت بالهراء".

"أعدك، إنّي أصل إلى نقطة محددة. النقطة الوحيدة التي تهمّ هنا. المحنة اختبار. نجاح، أو رسوب. تحدٍّ، أو سقوط. واجتياز الاختبار فعل لا ينبثق إلا عن خوضه. فتجاوز غضب السماء هو إقرار بحقها في اختبارك".

مدّ شان يده. بشرة شاحبة، وأظافر مهذّبة. لاحظ ذو العرف البرتقاليّ عرضاً أن أظفاره قد طليت لتطابق شعره.

"أنا لي هو. وأنت تعلم ذلك. تتوارى عن الوعي، لكنّك لا تستطيع طمسه. خذ بيدي، واخطُ الخطوة الأولى. صِرْ أكثر ممّا كنت عليه. أكثر ممّا كان عليه أيّ كان قبلك".

للحظة، ظنّ ذو العرف البرتقاليّ أنّه يرى رجلاً يقف خلف كتفي الطفل. طويل وقويّ، جميل بطريقة البشر الناعمة. فالرجال الجميلون كالغروب، والقردة الجميل العواصف. انسدل شعر هذا الرجل كنهر من لهيب، وتألقت عيناه الخضراوان كالماء بوعد المشاكسة. استقرّت عصا بيضاء كالعظم تتويجها وحلقتها حلقات مطروقة من الذهب على كتفيه. ورقص عرفا خوذته بافتخار في نسيم عابر. وتجمّعت ظلال الرجال خلفه، فخورين باتباع مخادع.

بطل. ملك. ابتسم له شان، فخوراً وطامعاً.

"لا".

"ماذا؟"

بدا شان وكأنّ ذو العرف البرتقاليّ للتوّ قد ركله في بيضتيه.

كرّر القرد: "لا. أنا لي هو. وأنا أنا. لذا لا يمكنك أن تكون أنا".

"جاه!"

بدا شان وكأنّه يريد اقتلاع عقدته الصغير الأنيقة.

"أتحتاج أن أهجّيها لك؟ أنا أنتَ المحتمل. مستقبل مُحتمل. خذ بيدي وحلّق بعيداً عن هذا الحلم المُكئب. واخطُ خطوتك الأولى نحو مكانك الحقّ بين السموات".

هزّ الشاب يده الممدودة بإصرار، وكأنّ ذا العرف البرتقاليّ لم يلحظ طلاء أظفاره البرتقاليّ في المرة الأولى. فكّر ذو العرف البرتقاليّ في الأمر. وتأمّله بجدّية. لم يكن مُعارضاً لكونه بشريّاً. فقد بدا أمراً رائعاً حقّاً. ليس بروعة كون المرء قرداً، لكنّه مُنافس محتمل للمركز الثاني. كطير جارح، أو دبّ. لكنّ كلّ ما في شان بدا... غريباً. إنّه ذو العرف البرتقاليّ. لي هو. ولا يحتاج للاتفاق مع نتوء مادّيّ غريب لنسخته المستقبليّة.

والأهمّ من ذلك، أن بوسعه دائماً أخذ يد الرجل لاحقاً. لا تتخذ أبداً قراراً سيّئاً الآن إن كان بإمكانك اتخاذ القرار السيّئ ذاته لاحقاً.

كرّر ذو العرف البرتقاليّ بحسم: "لا. وجدتك تحوم في الظلام. يمكنك متابعة الهيام. لقد دخلت، لذا لا بدّ من وجود مخرج".

جزّ شان على أسفاره بغيظ.

"حرفيّاً، ليس أيّ من هذه التخمينات مبنيّاً على الحقيقة".

وافقه ذو العرف البرتقاليّ: "حسناً"، مُلتفتاً للابتعاد.

"سيبكي البشر، لسماع صوتي بوضوح كما تسمعه أنت. سيخوضون الحروب من أجل مجرّد فتات من وعيِي. وأنت تتجاهلني".

كرّر ذو العرف البرتقاليّ: "حسناً"، وهو يسحب يده ملامسة الجدار.

وبعين واحدة، كان يترقّب أيّ غدر. عبارة مثيرة للاهتمام، تلك. عبارة تناقض أقواله حول كونِه جزءاً من ذي العرف البرتقاليّ أيضاً.

بصق شان قائلاً: "أنت... لا شيء. مهما كان الاختيار الذي تتخذه هنا، وأيّ طريق تسلكه، فلن تظلّ نفسك. القرد الذي أنت عليه الآن زهرة متفتحة، مآلها التعفّن. ومهما اشتدّت رغبتك في غير ذلك، فطبيعتك غير مستقرة. وسيُتَّخَذ قرار، ولن يُعجبك عواقب رفضك لتكون أنت مَن يتّخذه".

آلمته الكلمات. أخذ رأس ذو العرف البرتقاليّ يؤلمه، وعلا هدير في أذنيه. استقرت الكلمات فيها، مُترددة بصخب داخل رأسه. لبرهة، أو لأبد، لم يكن هناك سوى صخب هائل. هدير شلال محيط بالعالم. وببطء، أفسح صوت المياه الهادرة المجال للضحك. ليس صوت شان. بل كان أجشّ، وأعمق من البئر السحيقة. ضحكة هزّت الأرض ذاتها.

تمتم الرعد: "عرفت أنّه لا حاجة لي للكلام ضدّ البشر. أنت تعلم سموم طرقهم. وعبثيتها. نحن أفضل من ذلك".

فتح ذو العرف البرتقاليّ عينيه. لقد اختفى الظلام. ما زال في المغارة، لكنّها باتت مضاءة بضوء نار خافت. نار مخيم صغيرة من الأثاث المُكسّر. كانت أشبه تماماً بما تخيله في الظلام. فضلات البشر تنثر الأرض. خردوات زجاجية وأباريق خمر عظيمة، مكسورة بقدر ما هي ممتلئة. وإلى يساره، أبصر ذو العرف البرتقاليّ الهيكل العظميّ الذي داس عليه سابقاً. كانت أطرافه طويلة. أطول من أن تخصّ قرداً.

لقد كانت عظام إنسان. مرّ ظلّ فوق ذو العرف البرتقاليّ فحجب ضوء النار. استدار ببطء. أعظم مسخ جميل رآه ذو العرف البرتقاليّ قطّ كان يلوح فوقه. كان وبَره برتقاليّاً. بالبرتقاليّ الدمويّ العميق للمعدن الصدئ. تحرّكت صفائح عظيمة من العضلات تحت وبَره وهو يرمقه، متبجحة بدمار وشيك بالكاد يُكبح. وانتهت كفّاه بمخالف سميكة وحادة كنصل حديديّ. أكبر من ملك القردة، لكنّه أكثر مرونة وشراسة من عريض المؤخرة.

وتألقت عيناه بمكر مظلم، وتأججتا جوعاً. وعلى رأس قمة رأسه صعد خط من النار بافتخار. بدأ عند حاجبيه، كعرف شمس شروق. وامتدّ نحو رقبة القرد ليصل إلى منتصف ظهره، متألقاً بشكل لا يضاهى مقارنة ببقية وبَره الصدئ. وتمايلت الشعيرات الطويلة من تلقاء نفسها، راقصة في هواء المغارة الراكد. أمال القرد العظيم إبريقاً للخلف، ممسكاً بكوب ضئيل في كفّيه المرعبتين. واهتزّ حلقه الضخم مُطلقاً خريراً.

وحين انتهى، ضغط القرد بيده على الأرض الحجرية ساحباً الجرة معه، طاحناً الفخار إلى غبار.

زمجر أفظع ذو العرف البرتقاليّ: "لا نحتاج لأن نبدو مثلهم، لننال قوتهم".

وافق ذو العرف البرتقاليّ: "نعم!".

من الأفضل دائماً موافقة قرد بمثل هذه القوة. سواء أكان هو نفسه أم لا.

"وأخيراً، تكلّم الوحش".

التفت ذو العرف البرتقاليّ. لا يزال شان هنا! البشريّ الذي لم يكن بالتأكيد ذا العرف البرتقاليّ ما زال حاضراً. لقد جلس فوق أحد أباريق الخمر العديدة المنتشرة في المغارة.

تابع شان، دافعاً برفق إبريقاً فارغاً بنعله: "كنت أتسايل إن كنت قد نسيت كيف".

فردّ القرد العظيم، وقدرته السهلة على التكلم بلغة البشر تتناقض مع مظهره البهيميّ: "يبدو أنك نسيت كيف تفعل أيّ شيء آخر".

لقد تحدث باللغة بطلاقة أكبر ممّا فعل ذو العرف البرتقاليّ! عقد ذو العرف البرتقاليّ حاجبيه. لقد بدأ يجمع خيوط ما يجري هنا. لم يمنح ذلك أيّ معنى، لكنّها شكوى بشريّة. لا ينبغي لقرد أن يحتاج لتناسق كلّ شيء كي يستجيب لما هو كائن.

أشار باتهام نحو شان: "لقد أخفيت ذكرياتي!"

تنهّد شان: "أكرر، أنا أنت. أنت من أخفى ذكرياتك بنفسه".

أجاب ذو العرف البرتقاليّ باختصار: "لا".

لم يكن لذلك أيّ معنى. لماذا يكذب ذو العرف البرتقاليّ على نفسه؟ ومن يفعل شيئاً بهذه السخافة؟ الكذب أمر تفعله بالقردة الأخرى لتجعلهم يفعلون ما تريده منهم.

ردّ شان: "بلى".

طالب ذو العرف البرتقاليّ: "فسّر".

"لا".

أطلق ذو العرف البرتقاليّ زئيراً في وجه البشريّ المتأنق الأحمق المصاب بأوهام القردة.

أطلق فحيحاً باللغة الحقيقيّة: "نعم - فسّر".

أجاب بلغة البشر: "خذ بيدي، واعرف ما أعرف".

"لا".

تدخل القرد العظيم: "أانتهيت من ثغائك؟"

فزع ذو العرف البرتقاليّ. كيف لكائن بهذا الحجم والصوت أن يجيد التواري في الخلفيّة بهذه السهولة؟

"يُحيّي ذو العرف البرتقاليّ الأخ الأعظم".

"أيّها الصغير".

كان صوت القرد كريح عاتية تمزّق الأشجار. مألوف ومُطمئنّ، لكنّه خالٍ تماماً من الرعاية والخبث. فالجبل لا يحبّ من يشاركونه حياته.

"أتدري من أكون؟"

فكّر ذو العرف البرتقاليّ مليّاً. لم تبدُ مغارة الأحلام هذه مكاناً للقتال. لكنّه كان لا بدّ من قول كلمة حقّ في الأدب أمام وحش قد يسحقك كحشرة.

"أنت ذو العرف البرتقاليّ. لكن أقدم. أقوى".

تعمّد ذو العرف البرتقاليّ عدم قول الأفضل. لم يكن هذا القرد ذا مئوية أقدام، لكن مغارته لم تكن مكان بهجة أيضاً. ذو العرف البرتقاليّ الحقيقيّ يحتقر الطريقة التي يجعل بها العارفون الطاويّون مغاورهم سجوناً. ولم يعانِ هذا القرد من تلك البلوى. لكنّ ذو العرف البرتقاليّ لا يزال يستطيع رؤية سجنه. فهو بلا ملك يعلوه، ولا يعاني من وصايا البشر. حرّيته كانت تامة ومطلقة. ومثلها ستكون وحدته.

لهذا أسباب جعلت عريض المؤخرة، وليس ذو العيون الحمراء، يحكم قطيعهم على جبل يويلو. ولكي تكون ملكاً أو زعيماً، يجب أن يحكم المرء نفسه فضلاً عن الآخرين. ومثل ذي العيون الحمراء، كان هذا القرد عاجزاً، أو الأسوأ، غير راغب. حدق القرد عبر ذو العرف البرتقاليّ. ارتعش القرد الصغير تحت ثقل نظراته. وشعر ذو العرف البرتقاليّ وكأنّه يستطيع النفاذ إلى رأسه الصغير، حيث يحتفظ بتلك الانتقادات الصغيرة التافهة لنسخته المستقبليّة العظيمة.

قال القرد: "أنا كذلك. شكلك، مُكتَملاً. جوعك، مُتجسّداً. لكن ليس هذا ما أنا عليه".

ابتسم، فتخلف قلب ذو العرف البرتقاليّ نبضة.

"أنا متحدث لِما لا يحتاج للكلام. وعد".

أطلق شان شخيرًا باردًا.

"وعد بأن تنتهي كجائزة تذكارية".

أقرّ القرد العظيم: "ربما. رغبة تبرير الوجود هي صفتك أنت، لا صفتي. أنا أكون فحسب. ويمكنك أن تكون أنت أيضاً".

صاح شان، رافعاً يديه في الهواء: "هاه! هذه هي خطبتك؟"

"أنا، ويمكنك أن تكون أنت أيضاً!"

خفض شان صوته، مُقلّداً نبرة الوحش الخشنة.

"بالتأكيد تري أنني الخيار الأفضل يا ذو العرف البرتقاليّ. مخموراً ووحيداً في مغارة، يخافك كل من هم دونك، ويطاردك كل من هم فوقك؟ وتلك هي النتيجة الأفضل، لو ابتعدت عني".

جاءت ضحكة القرد بلا مبالاة وبدفعات متقطعة، كتشقق الجليد قبيل الغرق المميت.

ضحك القرد العظيم بخفوت: "نعم. البشر وحدهم تحت السموات لا يخافون شيوخهم، ولا يحتقرون الأصغر الذي يحسب نفسه حراً".

أراد ذو العرف البرتقاليّ اقتلاع شعره. لم يكن متأكداً ممّا يجري بدقة، لكنّه أدرك شكله العام. كيف يمكن لموقف أن يكون مرعباً ومزعجاً في آن واحد؟ هذان الشيئان... المتكبران! يتشاجران كأنه قطعة طريدة يتنازعان عليها. كيف لهما! إنّه هو! ليس هما!

"وأين مجدك أيّها القرد الصغير؟ ماذا سيتبقى منك عندما تتحول عظامك إلى غبار، ونواتك حبّة في جوف إنسان؟ أستتذكر الوحوش النكرة التي تتراكض عند قدميك اسمك في الأغاني؟ كم سنة ستمرّ قبل أن تُنسى؟"

"أبهذا تقيس قيمة أيامك؟ في كم شخص يتذكرها، بعد أن تنتهي؟"

"وكيف تقيسها أنت؟"

ضحك القرد العظيم.

"لماذا أقيسها على الإطلاق أصلاً؟"

"جاه! حقّاً إنّك لأكثر جوانبنا إزعاجاً!"

استشاط ذو العرف البرتقاليّ غضباً في صمت بينما كان الروحان يتجادلان. أيريدان منه اتخاذ قرار؟ اتخذ ذو العرف البرتقاليّ قراراً.