"ليست غلطتك."
ندم المنسك الناذر على كلماته منذ تلفظ بها. قد تصبح الطيبة الحمقاء قسوة بحد ذاتها. التفت المنظب الطبي إلى أقرب أصحابه. بدا وجهه قناعاً هادئاً وخالياً من أي أثر للتوتر.
قال بصوت خفيض ينضح بالسم في كل كلمة رتيبة: "إذن تظن أن لي هو فعل هذا بنفسه؟ وأثبت أنه ليس سوى تلميذ آخر يدعى تشانغ؟"
أمسك المنسك الناذر لسانه هذه المرة. لم يكن البيان ولا المواساة يوماً من خصاله. قضى القدر مراراً بأن يثأر للقتلى لا أن يحميهم أو يعزّيهم. خلت حصيلته من كلمات يأمن ألا تزيد غضب أخيه سوءاً. ولمح بطرف عينه العشب يذبل عند قدمي أخيه. تسرب غضبه الجارف بأي وسيلة أتيحت له. بقايا درب كادت تكلفه الطرد من الطائفة وتوسيمه بصفة شيطان لولا تدخل سيد الطائفة السابق. الفنون القاسية التي أنقذته ومنسك حراسة الرعد مرات عديدة.
"شيون. تحكم في نفسك."
تلقى المنظب الطبي التوبيخ بلا شكوى، وزفر من شفتين مطبقتين. ولم تبرح عيناه ذراعه حيث ظل لي هو متعلقاً بلا حراك. التفّت أصابع حجرية صغيرة حول ذراع من لحم. تحول تلميذ أخيه إلى تمثال. قرد حجري تجمّد للأبد في توسل يائس للنجدة. وبعد لحظة، كفت الأرض حول قدمي المنظب الطبي عن الذبول والموت. ارتجف المنسك الناذر. فلم تكن طبيعته الخالية من المشاعر منيعة ضد إرادة أخيه السامة.
أمر المنظب الطبي بغتة: "اكسرها".
"ماذا؟"
استحال أن يقصد— "معصمي."
رفع المنظب الطبي بصره ليلتقي بعيني أخيه للمرة الأولى منذ حلّت الكارثة.
"اكسرها. حالاً."
"انتظر، المساحة المتبقية ضئيلة لدرجة أنه لن يبقى شيء حين—"
قال أخوه: "لا وقت لدى لي هو لمحاولاتك البلهاء في الرحمة. إن كنت تهتم لأمره فأطعني. فوراً ودون جدوى من التساؤل."
مد المنسك الناذر يده برفق وضغط. تصدع عظمان. بلا أي أثر للرفق، مزق المنظب الطبي أوتاره ولحمه بأصابع. تدفق الدم بغزارة بينما كان يمرر لحم معصمه عبر الثغرة الضيقة بين أصابع لي هو الحجرية. تساقطت قشور حجرية رقيقة على الأرض بينما مزق لي شون لحمه بنفسه. ليس بفضل لي هو. شقّت قشور الحجر طريقها صعوداً على ذراع أخيه كحروق، من حيث مدّ يده بلا خوف في الحوض المتأجج.
تمتم المنظب الطبي مع نفسه: "يجب أن أعرف مدى توغل التحول. تلك هي نقطة الفصل. إن كان لا يزال مستمراً فيمكن قطعه. فطالما لم يكتمل الحال تستطيع القوى الخارجية عكسه. يحتفظ أي تحول غير مكتمل بعلامات الدار من الحالتين. لكن هل يمكننا تقوية جانبه الجسدي دون تغذية الحوض الذي تغذى عليه؟ ما كان له أن يتقدم بهذه السرعة ويتوغل هكذا. لا بد من عامل أغفلته. شظية من طبيعته القردية تجعله أكثر مرونة من البشر؟ لا، فرغم تنوع هيئاتهم، يفترض أن تكون أصناف الوحوش الروحية أقل قابلية للتحول من البشر لا العكس."
لم يملك المنسك الناذر إجابات ليقدمها. وبينما كان يفكر بصوت عالٍ، امتدت يد المنظب الطبي الباقية بغير إدراك نحو كيسه المكاني واستلت حبة دواء. دواء شافٍ أو ربما مسكن للألم. توقف بينما اقتربت الحبة من فمه ثم أعادها إلى الكيس. اتسعت عينا المنسك الناذر. هل بلغ بأخيه الإمتاع هذا المبلغ؟ أم أنه سيتجلد باحتمال إصابته الجديدة كنوع من التكفير الملتوي؟
"أنت—"
قاطعه المنظب الطبي قبل أن يتأكد المنسك الناذر مما كان على وشك سؤاله: "عليّ التفكير. قد تكون هذه الدقائق الأولى حاسمة. احمله إلى الورشة. يجب أن أجد تلك الإبر التي جعلتك أصنعها لحالة التلميذ تشانغ."
حمل المنسك الناذر القرد الحجري برفق خارج القدر المدمر. كانت أطراف لي هو مستعصية مجمدة في وضعية درامية. وشعر كأنه يحمل تمثالاً نابضاً بالحياة بشكل مخيف لا التلميذ الفضولي الذي تعلق به. مرت اللحظات الأولى بعد وقوع الكارثة كالبرق. أسرع من أن يخالطها تفكير عاقل. أطلق لي هو صرخة كتمها السائل الذي تشبث به كطيف منتقم. أخمد المنظب الطبي النار في ومضة. وكان المنسك الناذر يمد يده نحو القرد حين دفعه أخوه جانباً.
ومذكره بما قالاه قبل أن يبدءا. بأن عليه، بنواحي جوهره المعيبة وطبيعته الترابية، ألا يخاطر بلمس الحوض المفعل تحت أي ظرف. لئلا يلقى مصيراً شبيهاً بمصير لي هو. وبينما كان أخوه يعمل على استخراج القرد المتحجر بالفعل من فم النّمر، تحرك المنسك الناذر بدافع الغريزة. الألم الفظيع على وجه لي هو. والطريقة التي تشبث بها إحدى يديه بأخيه بينما عملت الأخرى بيأس على تنقية فمه. احتاج إلى فعل شيء ما.
فأمسك بالقدر من جانبي فم النّمر. ودفع أخوه جانباً بكتفه. ومزق. تمزق النحاس كالورق أمام عضلات كالحجر. أخرج أخوه لي هو من بين الحطام بسهولة. لم يعد لذلك نفع. لقد فوات الأوان. فباستثناء الجزء الضئيل الذي نخر ذراع أخيه، امتص القرد الحوض بأسره. لم تفعل كل قوته شيئاً سوى أن كبدت أخاه قدراً قد يحتاج إليه لاحقاً لشفاء تلميذه. وضعه برفق فوق الطاولة الخشبية القديمة. أنت تحت ثقل القرد الحجري لكنها صمدت.
كان أخوه يتحرك بالفعل. اشتعلت الإبر المشبعة بقر الطاقة بنور فولاذي وهي تغوص ببطء في بشرة لي هو الحجرية. تراجع المنسك الناذر وانهار على أحد مقاعد أخيه. أنين هو الآخر لكنه صمد. كانت حواسه الروحية عقيمة لدرجة أنه بالكاد استبان ما يفعله أخوه. رقصت يده السليمة كريح سماوية وهي تغرز عشرات الإبر بدقة متناهية. شعر بعجز شديد. بقوة تزلزل الجبال وما زال عاجزاً كما كان ليلة احترقت قريته.
كان فراء لي هو الحجري نابضاً بالحياة حقاً. يتجاوز أي نقش بمراحل، إذ يمكن للمرء رؤية الشعيرات الفردية التي تؤلف فراءه. بيد أن الخيوط الرقيقة التي استحال كفها لم تنكسر تحت ضغط اليد. ولم تنحنِ كالشعر المعتاد أيضاً.
قال المنظب الطبي دون أن يرفع نظره عن عمله: "قبل أشهر، قلت إنني أعيث في الأرواح فساداً. بشراً وقردة."
توقف.
"الخزانة اثنان أربعة. اكسرها إن كانت مقفلة."
كسرها المنسك الناذر. وناول أخوه إناءً خشبياً صغيراً فيه مرهم زيت أحمر بلون قرميد الفرن. وضعه أخوه على بقعة صغيرة من ذراع لي هو. لم يحدث شي. عبس المنظب الطبي.
"لقد انتهيت من اللهو. سأراه معافى. مهما تطلب الأمر."
أراد المنسك الناذر أن يبدي رغبته في المساعدة. لكن أخوه لن يقدر كذبة. لم يملك ما يقدمه له سوى مواد مخازنه الخاصة التي لن يجد نفعاً في قليل منها. وكان أخوه يعلم بالفعل أنها رهن إشارته إن احتاج إليها.
أجاب عوضاً عن ذلك: "نعم. ستفعل."
لم يلتفت رأس أخيه للنظر إليه. وتحركت عيناه بين جسد لي هو المجمد والورقة التي يدون عليها ملاحظاته بيده السليمة الوحيدة. لكن المنسك الناذر تمنى أن يكون قد قال الصواب هذه المرة.
* * *
بليپ. بلوب. بليپ. بلوب. قطرة ماء مقاطعة انتشرت للخارج وتغلغلت في فراء ببياض الثلج المتساقط. انشقت عين عن ومضة. ولونت اليوم بلون أزرق فاتح بارد كالجليد. وتطابق تماماً الضوء الخافت لأحجار الروح المغروسة في الجدران. انطبقت العين ببطء من جديد. ونبض دانتيان، واستعادت طاقة الكهف العشوائية غايتها مجدداً لتتحرك بتناغم مع ارتقاء الثعلبة. بليپ. بليپ. بليپ. بلوب. أصدرت بريق بلا شكل هحيراً، وهي مدركة تماماً الآن وقد قاطعها ارتقاؤها.
لا بد أنها تمطر في السطح. عادة ما يكون هذا المكان جافاً. مالت بظهرها للخارج ثم دفعت نفسها للأمام في تمدد عميق. سماوات بعيدة، ما أشد تيبسها. كم مر من الوقت؟ تدلى لسان الثعلبة وهي تبتج بمتعة الحركة البسيطة. وانزلقت المخالب المتخدرة من السكون على أرضية الحجر البارد. انقلبت على ظهرها ثم ركلت قدماً للأعلى تحك بها خلف أذنها. هذا أفضى بكثير. رمشت الثعلبة. لقد فاتها شيء. آه. أغمقت بريق بلا شكل عينيها مجدداً حين غمرت ومضة من نار الثعالب جسدها.
وحين انقضى الوهج، جف رأسها من جديد. الفراء المبتل هو الأسوأ. قفزت ذكرى إلى ذهنها عفواً. إحدى ذكرياتها الأولى حين كانت جروة. من الأيام الضبابية إثر بدء الصوت والرؤية بالتكشف لها. لسان أمها وهو يمر على فراءها. أثار التمريرة الأولى غضبها. أطلقت صيحة وكل شعور جاش ضخماً وجديداً على احتمالها. ثم عاد اللسان بالاتجاه المعاكس لتشعر بسلام غامر. كأن العالم صغير ودافئ. نار الثعالب لم تكن كذاك.
فحرارتها تحرق أو تبخر الماء. لكنها لا تدفئ البارد والوحيد. لعقت بريق بلا شكل كفها الأمامية لتسوي الفراء بين مفاصلها. أمها بعيدة، لكنها اليوم لما مانعت صحبة إحدى أخواتها. كادت تتمنى لو انطلقت رفقة ضوء نقي أو جوع مدفون. ألقت الثعلبة بصرها في أرجاء الكهف الذي عرفت تماماً أنه خالٍ. لم يكن لديها سوى ضيف واحد هذه الأيام، ورغم موهبته الغريبة استحال عليه الاختفاء عنها أكثر من لحظة.
لم تكن ثعلبة تغلبها العواطف. لم تفتقد عرف برتقالي. لكن معدتها لعلها فعلت. وكأنها تستمع، أنطق العضو الخائن غلبة. غرغرة حزينة مبتلة وفارغة. لقد مضى وقت طويل، طويل جداً، منذ أكلت آخر مرة. سيل لعابها تذسراً لتلك النقانق. فالطب ربما الميزة الحقيقية الوحيدة للحضارة البشرية. حسناً، هذا وفنونهم. فهم ينتجون تلك الأشياء البديعة حقاً بالنسبة للمخلوقات المسخ. أثبت تحرر الحبوب أنه أصعب مما توقعت بريق بلا شكل.
لم يكن هناك شح في الطاقة هنا، لكن العيش بلا طعام يتطلب أكثر من وفرة طاقة بحتة. ومع بقاء الحجر الحقيقي الأول لأساسها معلقاً، جلبت التقنية قوة لأطرافها دون أن تسكن ألم القضم في جوفها. كان ارتقاؤها في موضع حرج. حالة بينية بين بداياتها الغريزية والفنون التي أسبغتها عليها أمها. كانت كتاب الغفران القرمزي مفضلتها، غير أن مصيبة مشتهاة ما كانت لتمنح جراتها الكثير من تقنياتها الأسطورية لو انتظرت منهن التفرغ العميق لأي منها فحسب.
من المضحك بشكل مظلم أن حتى أمها دعت فن العيش بلا طعام تحرر الحبوب. فلم يُبنَ نظام أي ثعلبة غذائي على أساس حبوب الغلال. ومع ذلك، تسربت أفكار البشر حتى إلى اللسان الحقيقي. هذا عالم البشر. وباقيهم لا يعيشون فيه سوى عابرين. قالت أمها إن حتى التنين الجبارة تتخذ هيئات بشرية بين الملوك. ليست بشرية كاملة. فغالباً ما تحتفظ بقشورها ومخالبها. أليس هذا برهاناً كافياً؟ حتى أكثر المخلوقات تكبراً تحني رقابها أمام سيادة البشر.
تجولت بريق بلا شكل في الكهف مستمتعة بطريقة صدى صليل مخالبها في الصمت الهادئ. السكون التام الذي لا يقطعه سوى قطرة ماء متسربة من الأعلى أحياناً. فاقت هذه العزلة كونها مفيدة فحسب. وبدت كالوطن، كطفولتها في كهف أمها الخالد. هنا، لا يبدو الزمن قريباً ضاغطاً كما هو بين بشر الطرق والمدن. ولم تكن تلك الراحة الصغيرة الوحيدة التي وجدتها بين الجبل الازرق. كان التعامل مع قرد أعمى لا يدرك مدى تمام سيادة البشر في هذا العصر أمراً منعشاً.
وأكثر تفاؤلاً من حتى ألطف أخواتها. موهبة عجيبة ذات خلفية قروية لدرجة أنه لم يفقه أن ملكه المفترض الجبار يحني رأسه أمام إمبراطور فاني، فضلاً عن السماوات. ربما معاً، بمهارتها وسمها، وإيمانه الأعمى وحظه الأحمق، يستطيعان إزاحة ذلك. حلم عاطل لقرون قادمة. ولربما لن يصمد أحمق الشعر الناري ذلك كل هذا الوقت حتى. ولربما استسلم بالفعل، وتلك هي علة غيابه المفاجئ. سيكون النزول صعباً بدون عرف برتقالي.
حتى مع الحبل الذي تركه لها. لم يكن قرب المدخل ما تطمئن لتأمين حبل عليه. تستطيع المغادرة. سيكتنف الأمر صعوبة لكنه قابل للإنجاز. وسيتطلب الأمر منها ببساطة الاعتماد على استمرار وجود لي هو ونواياه الطيبة كي تتمكن من العودة. نفخت بريق بلا شكل متذمرة. ولن تفعل ذلك بالطبع. أحبت القرد الأحمق. لكن شخصاً واحداً فقط تأتمنه على مصيرها. عادت الثعلبة لخطوها نحو بقعة الجفاف بالكهف، ودارت مرتين في مكانها قبل أن تجلس مجددآ.
أنين معدتها يائساً، لكن المرتقي يستغرق وقتاً طویلآ ليجوع. ومعاناة جوع لا يقتل تشكل تمريناً مثالياً. فلا يمكن إسبغ الغفران القرمزي على معدة ممتلئة بعد كل شيء. إنه لطبيعة الثعلبة، كما قالت أمها، أن تشتهي وتُشتهى. تناظر شرير لا يولد سوى مأساة. عادت بريق بلا شكل لترقيها. لقد اقتربت الآن. بمعايير المرتقين على الأقل. شهور معدودات تفصلها. وسيدعوها البشر تأسيس الأساس. ولم تشعر بريق بلا شكل بحاجة لاستعارة كلمة أخرى منهم.
ستجلي ذيلاً ثالثاً وتخرج في غضب ومجد، أو ستموت جوعاً هنا.
* * *
سقط يانغ وي على الأرض مهزوماً. مائة وسبعة وعشرون تمرين ضغط. لم تكن شيئاً يُذكر عملياً. حاول أداء خمسمائة تمرين على الأقل من تمارينه المفضلة لليوم قبل النوم. وأراد الانتقال لنماذج أصعب كالوقوف على اليدين وتمارين الضغط بذراع واحدة والتي عرضها عمه. لكنه رفض ذلك إلى أن يتدرب بما يكفي لتغدو نظيراتها الأساسية يسيرة. كانه يكاد يسمع صوت عه في أذنه مدوياً وبهيجاً وهو يصمه بالضعف.
*"إن عجزت عن أداء تقنية وأنت منهك، فلا يمكنك الركن إليها في معركة. المحارب ينجز صغاره بفنون ماهرة. والمعارك بين الندوك تحسم دوماً في الوحل."* كان يوماً طويلاً.
نهض باكراً، منجزاً مهمة كلفته بها قاعة المهام. لقد كانت نكبة هزيلة أن تسمى مهمة، لكنه لم يأنف من رص الحجارة لإصلاح جدار. وفرت مخصصات عائلته كل ما يحتاجه، لكن يانغ وي أبى أن يأخذ أكثر مما يعطي، فتراكمت القطع النقدية في كيسه. سيُبذر مال أسرته كالماء بسعادة فور أن يقوى ليغدو عماد سند لهم. وحتى ذلك الحين، بدا الأمر عقوقاً حتى وإن كان ممنوحاً بسخاء. مع ذلك، لم يترفع عن استهلاك حجر الروح الذي يدرجونه كل شهر مع النقود.
فكان مكملاً مرحباً به للحبوب الصغيرة التي توفرها الطائفة. أمر هو الاعتماد على مواردهم ليزداد قوة. وأمر آخر إنفاقها لرفاهيته الخاصة. لم يجد يانغ وي تلميذاً حربياً كبيراً ليتبادل معه التوجيهات اليوم، فترقى حتى حصة التلميذ تشانغ. ودار بخلده أنه يتوجب عليه تكريس وقت أطول للتأمل، لكنه لم يشعر باقترابه من الدار قدر لحظة يرقص فيها بسلاح في يده. غاب كل من لي هو وشياو لونغ عن حصة التلميذ تشانغ، فلم يجد خصماً مناسباً يصقل نفسه أمامه.
حاول تحدي التلميذ تشانغ نفسه، لكن سنيوره لم يتنازل لمنازلته سوى يوم كل ثلاثة أيام. ولما عذره بالكاد. ولا شك أن التلميذ تشانغ وجد التدرب مع يانغ وي عقيماً بقدر ما وجد يانغ وي مبارزة البقية عديمة الجدوى. كم انتصاراً بلغ؟ عشرين؟ ثلاثين؟ يوم ضائع تقريباً في محاولة استبدال الجودة بالكم. لقد تعلم القليل جداً. وحتى لو اقتصر على الأشكال التي يعلمها التلميذ تشانغ، استطاع نفر قليل من التلاميذ تدبير أكثر من تبادلين معه.
اختار الكثير منهم وقفة واحدة. وحرص وحيد القرن أو القرد هذه الأيام رغم تفضيل بعض الشابات للكركي. ركزوا على الانتقالات والتركيبات داخل الوقفة، عاجزين عن إدراك كونها جزءاً من كل واحد. مما جعل تفكيكهم أمراً بالغ اليسر. لم تكن حركة قدم وحيد القرن ملائمة لاستعادة توازن هجوم مبالغ فيه. وحفظت وقفة القرد التلميذ متنقلاً، لكنها سحقت بسهولة بهجوم خاطف موقوت بدقة. جعلت القدمين متباعدتين أكثر من اللزم والعصا منخفضة أكثر من اللازم لصد وابل ثقيل من الضربات بموثوقية.
وتساءل عما سيقوله لي هو عن وقفة القرد. وقفة متوازنة تركز على التنقل والضربات المحطمة الكبرى التي لم يبدأ التلميذ تشانغ بتقديمها إلا في هذه الأسابيع القليلة الماضية. وغالباً شكوى بأنها لم تكن أول ما تعلموه، إذ ستبدو متفوقة بوضوح. لم تجلب مفاخرة القرد المتعجرفة أصدقاء كثر له بين المبتدئين الآخرين، لكن يانغ وي لم يلمه عليها. فعلى عكس يانغ وي، لم يكن يملك مبتدئين آخرين يعلنون مواهبه حتى تمل الملل.
وتمنى لو أن لي هو يعمل بجد، أيا كانت الطريقة الغريبة التي يدفع سيد القردة تلميذه لاتباعها. وود لو أمضى عاماً مع الطائفة على الأقل قبل الحاجة للالتفات إلى سنيوريه بحثاً عن منافسين. نهض يانغ وي مجدداً. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود. نزول. صعود— انهارت ذراعاه مرة أخرى. ثمة نقطة يعجز بعدها تدوير طاقته عن إعادة القوة لأطرافه المرتجفة. وما زال يملك طاقة في دانتيانه، لكن جسده استنفد تماماً عن تحويلها لقوة إضافية.
وقف يانغ وي وبدأ بتجفيف عرقه بالمنشفة. وملك منزلاً صغيراً خاصاً به وحده. ولم يكن سوى غرفة متواضعة واحدة، لكن جميع المبتدئين مولودي العامة أُجبروا على تقاسم المسكن المتواضع نفسه مع أحد أقرانهم. ترف صغير أتيح له بفضل مكانته. ترف لم يأنف منه. فكل تلميذ يستحق مكاناً يحفظ فيه ممتلكاته بلا خوف من رفيق غرفة خفيف اليدين. فتح درقاً واستل حجر روح. أحد تلك التي تفضل لي هو بالتبرع بها لغرضه عبر رهانه غير المدروس.
تتطابق الحجارة الصغيرة مع قطع مخصصات الطائفة. تساءل ممن سلب القرد إياها. واستبعد كونها من خزينة سيده. كثرت الإااعات حول المنظب الطبي وقليل منها كان إيجابياً، لكنه شك في أن الرجل المحاصر منح القرد أمواله الخاصة ليرتكن بها على تحدٍ أرعن. والأرجح أنها سُلبت من هذا التلميذ أو ذاك. ولم يظفر بالقصة الكاملة قط حول كيفية حصول لي هو على تلك الحجارة. استقر يانغ وي على وسادة والحجر مستقر في راحته المفتوحة.
فإن عجز عن التمرين، سيتعين عليه الترقي فحسب. فلم يحن وقت النوم بعد. حياة بسيطة عيشه في الجبل الازرق. وأضيق من الملاهي الكثيرة التي أتيحت لطفولته في عقار عائلة يانغ الرئيسي. لكن يانغ وي لم يكرهها. فالنقاء يكمن في سعي النمو والتجوية. وود فقط لو أتت طريقة الروح الأزرق بسلاسة الفنون القتالية لديه. وتطلع لليوم الذي يراه عمه مستعداً فيه لخوض طريقة ترقي الرمح بجدية. شرد ذهنه وهو ينشد السكون المواتي للترقي.
وتدفق عبر مسارات عدة، لكنه عاد كثيراً للقرد وسيده. تساءل عن سبب غياب لي هو رغم تفتح الربيع وتراجع الثلوج. وتساءل عما إذا كان لدى سيد القردة بصيرة في علة قدرة يانغ وي على استعادة قوة ذراعيه ست مرات فقط في اليوم قبل أن تعجز أي كمية من الطاقة عن تحريكه. وسواء أكان الأمر متعلقاً بحاجة ماسة لتقدم ترقيه، أو بوجود سبل أخرى يحسن بها تحمله ليتدرب ساعات أطول. راودت يانغ وي مشاعر معقدة حول مكانته المميزة.
وتباينت نظرة عمه وأبيه بشدة حول طبيعة النبل، وكيف ينبغي للمرء التعامل مع سفلته وأشرافه. لكن موهبة يانغ وي القتالية واسم عائلته فتحا له أبواباً كثيرة معاً، ولم يرم سبباً يمنعه من استغلال تلك الروابط لأقصى مدى. فقدَ سيد الطائفة اهتمامه به حين المح إلى تتبعه خطى عمه تماماً. لم يطئ الطاغية لو. سيسره مساعدة الشاب الطموح، لكنه بلا شك سيتوقع مقابلاً. وكان الشيخ شيون مشغولاً واسع الترحال بقدر يانغ شوي.
لكن المنظب الطبي المحاصر سيرحب غالباً برابطة نبيلة محتملة حتى إن لم يقدم وعوداً. وربما أثنى لي هو عليه. لم يكونا مقربين. لكنهما لم يكونا بعيدين أيضاً. ولن يتفاجأ لو كان الأقرب لكونه صديقاً حقيقياً للقرد بين الطائفة الخارجية. ولن يكون كذباً إن صدق العكس تماماً. وفي يوم عطلته القادم، سيلتمس منزل المنظب الطبي. ويرى ما عمل عليه لي هو. وبعد ساعتين، انفتحت عينا يانغ وي. مثير للاهتمام.
لقد صار ترقيه أيسر بفضل العزم. وربما لم يكن عقله بالأداة الصلبة والواثقة التي ظنها. ومجدداً، لمعت كلمات عمه المكرم في ذهنه.
*"ينبغي للمرء أن يكون كالرمح. مرناً عند الحاجة، لكنه يرتكن في النهاية لدعم نقطة مبدأ حاد واحد. يمكننا في السلم أن نعددي الغايات. لكن الحرب تجرد الفضائل الهزيلة لتكشف ما نتشبث به حين يسقط كل ما عداه."* ابتسم يانغ وي.
شيء آخر للعمل عليه.