بين الوحش والبوذا: رحلة قرد سكران نحو الخلود الفصل 15

اقرأ بين الوحش والبوذا: رحلة قرد سكران نحو الخلود الفصل 15 باللغة العربية على مانجا تايم.

كان رأس البرتقال يحظى بيوم عطلة. كانت فكرة غريبة استغرقت من الأخ ممحص الأدوية عدة محاولات لشرحها للقرد. كابد طويلاً كي يتخيل امتلاك يوم ليس حراً. يا لهما من مخلوقات تعيسة أولئك البشر، تسيطر عليهم طائرتهم واسيادهم تماماً. حتى أدنى مخلوق على جبل يولو يعيش حراً. بدا أن الطاوي ممحص الأدوية يعتقد أنه هو من يملي على رأس البرتقال جدوله. لم يشعر رأس البرتقال بحاجة لتبديد هذا الوهم عنه بعد.

كان أخاه معلماً قاسياً، لكن رأس البرتقال لم يعوزه قط شيء جديد يتعلمه تحت إشرافه. ما إن يشعر بالراحة أو الملام، حتى يقذف عليه أخوه كلمات أو مهام جديدة. عشر طرق للتقطيع والهرس. أعدات عجيبة تُصنع من الحجر والغصن. سوائل غريبة تستخدم لاستخلاص الجواهر أو الحفظ. كان فيضاً عظيماً من المعلومات، وبدا بعضها مفيداً حتى. كانت لدى رأس البرتقال أفكار كثيرة لأنواع جديدة من النبيذ، لكن أخاه رفض أن يتركه يستعمل محتويات أدراج الخيمياء بحرية.

زعم أن محتويات الأغلى ثمناً، وهو مفهوم بشري غريب اخترعوه لتبرير عدم استخدام الأشياء الجميلة التي يمتلكونها. من وصف ممحص الأدوية، تيقن القرد تماماً أن جذر الدود المتلوّي الذي عثر عليه كان ثميناً، لكن إن لم يأكله قط، فأي نفاذ كان سيحظى به؟ تبع ذلك محاضرة أخرى حول مفهوم البشر المعتوه للقيم والتبادل. الحق يقال، لم يصدق رأس البرتقال أخاه تماماً حين زعم أن بعض البشر يقضون ساعات يقظتهم كافة يتراكضون خلف ضرورات الوجود.

لم يكن الطعام صعب المنال إلى هذا الحد. كم فاشلين في التجمع قد يكون البشر، حتى لا يظفروا ولو بساعة واحدة خالية من صيد الطعام أو النوم؟ في أشد الفصول برودة وحدها يضطر المرء للاقتيات على القشور وإبر الشجر الدائم الخضرة والنوم. فيما عدا ذلك، كانت توجد دائماً ديدان تحت الصخور، وفوق الأشجار ثمار. وكل ما يحتاجه المرء ليدفأ هو إخوته وأخواته بالقرب منه، ومكان محمي من الريح القارسة.

طعام، دفء، نوم. ماذا قد يحتاج المرء أكثر؟ نفض القرد تلك الأفكار المظلمة عن رأسه. كان اليوم أجمل من أن يضيعه في التفكير، فبإمكانه التفكير جيداً وهو يقشر الأشياء ويقطعها. لن ينقص شيء من ذلك حين يعود. ماذا يريد بالتحديد؟ كان لديه ما يكفي من النبيذ المتخمر لدرجة جعله لا يشعر بحاجة لشن دفعات جديدة. عليه أن يشرب تلك أولاً، ليعرف ما إذا كانت قدور الفخار هذه والرقاقات الصفراء التي يسمى أخاه خميرة تساوي شيئاً مقارنة بالخشب الجيد والديدان الخضراء.

يا للمحنة، فصناعة النبيذ فن بطيء للغاية. قدم له أخوه كل طعام يتمناه، لكن مخزنه لم يشمل جبال الدنيا ومياهها كافة. استقرت الفكرة في رأسه. المياه. أراد رأس البرتقال سمكاً! كان لدى أخيه الكثير من المؤونة الشهية، لكن بلا شبوط سمين ولا ديدان نهرية لذيذة. وضعت الخطة. انطلق رأس البرتقال، وأنفه موجه نحو السماء بحثاً عن الرائحة الدالة على الماء الجاري. قرب منزل الطاوي ممحص الأدوية وجد ينبوعاً صغيراً.

تتبع مجراه المنحدر، وراقب كيف ينضم إلى المزيد من أصابع الماء الصغيرة ليصير جدولاً يستحق الاسم. انتهى ذلك الجدول في بركة عظيمة باتساع عشرة قردة، وعاء من الماء الصافي لدرجة أخجلت أواني أخيه الزجاجية العزيزة. راقب رأس البرتقال سمك الشبوط الشهي وهو يسبح بمرح في الماء، مستفزاً إياه. قريب جداً، لكنه سريع دائماً. لم تكن قردة جبل يولو تصطاد السمك كثيراً. كان عملاً شاقاً، فالسمك أشد انزلاقاً من أي دودة بمائة ضعف وأسرع.

لكن خلال أوائل الشتاء، بعد زوال الثمار، وقبل أن يثخن الجليد ويوصد البرك، كان طعاماً جيداً.

– بف.

قال القرد بغتة. لم يكن يريد سمكاً. حسناً، لقد أراد سمكاً حقاً. لكن ما أراده حقاً هو صيد السمك برفقة أحمر العينين وسريع الأصابع. لم يصطاد بمفرده قط. كانا أفضل بكثير في اصطياد السمك، وكان يجد لهما الكثير من الأطعمة الصغيرة التي يحبها السمك ليجذبها قريبة. لكن رأس البرتقال لم يظن أن البشر سيصطادونه معه. ربما أخاه، لكن على الأرجح لا. متطلب للغاية. شيطان حبوب للغاية. لعل اللامع الكبير سيذهب ليصطاد معه؟

بدا الطاوي قسم دائم أكثر عادية من أخيه. أكثر ملاءمة للعالم. كان أخوه منشغلاً دائماً بمحاولة ثني العالم ليطابق الشكل الذي يفضله ليتوقف ويقدره كما هو. نهض القرد، والتقط قطعة من الخيزران. الكثير من التفكير. لم يمسك سمكاً ولم يجد أجوبة. حكّ رأس البرتقال نهاية عصاه بصخرة، محاولاً تشكيل رمح بدائي. أراه الأخ ممحص الأدوية الكثير من الأشياء الممتعة في هذه الأيام الأخيرة، من أسلحة البشر إلى تقنيات شحذ السكاكين.

للأسف، لم يجعل حكّ نهاية الخيزران بصخرة حاداً كما تمناه. حسناً، لا بأس، ظلت عصاً جيدة. طاف بحافة البركة، باحثاً عن المكان المثالي. صخرة مسطحة كبيرة، قرب أعشاب الماء، حيث يلقي الشمس بظله لا إلى الأمام، بل إلى الوراء. وعصا غير حادة تماماً في يده، انتظر.

أطلق على الوقفة اسم «وحيد القرن يأكل السمك»، فن قردي مرعب جديد.

طعن. أخطأ. طعن. لمس الشبوط، لكنه انزلاق هارباً. استرخى رأس البرتقال، مستقراً عند الشاطئ. كانت الأسماك حذرة الآن، لكن الشبوط لم تكن مخلوقات ذات ذاكرة طويلة. لم تكن عصاه حادة، ولم تكن تمتلك أصابع. احتاج إلى تثبيت سمكة ضد صخرة، لا مجرد ملامستها فحسب. راقب شبوطاً معيناً، برتقالياً وسميناً. كبيراً بما يكفي لتجد عصاه موطئاً ضد حجمه، لتسحقه ضد صخرة فلا يطير بعيداً. فيما انتظر رأس البرتقال، ألف قصيدة.

مفهوم غريب آخر، القصائد. بدا أن البشر استخدموا كلماتهم الطيبة مثل مكوناتهم الطيبة، نادراً.

«غير مثقف»، قال أخوه.

سيُظهر له رأس البرتقال ما هو المثقف، أياً ما كان ذلك. امتزجت لسان الحق وكلمات البشر بحرية فيما تمتم به بهدوء، متذوقاً ملاءمتها لأماكنها. تركيبة كلمات لا يفهمها سوى رأس البرتقال، أو ربما ملك. لكن إيقاعاً يستطيع أي ذي أذنين معرفة أنه مبهج. القرد يصطاد وحده. أقدام مبللة. يد فارغة. عشبة ناعمة، غير مسطحة. بطن ممتلئة. الإخوة بعيدون. هناك. حزين جداً. وكأنه يستمع، اقترب طريدته.

انتظر القرد، صبوراً كالحجر. انطلق الشبوط إلى الأمام، نحو الظل. ضرب قرد وحيد القرن الصياد، خارماً إياه بعصاه. ساحقاً بقدر ما هو طاعن، محاصراً السمكة بين موتين مختلفين. تلوت، ثم سكنت. أخرج رأس البرتقال الشبوط من الماء. تفه، لقد علقت الأجزاء السيئة كلها فوق الأجزاء الجيدة. حسناً، إنه سمك كله. غض ومبلل، بلحم لذيذ، أقرب اللحوم شبهاً بالثمار. عضّه بنهم، ممزقاً اللحم الشاحب.

كان طعمه كمنزل. لم يكن بالبرسيمون والسجق والأرز عيب. لكن الشبوط والديدان والخوخ طعمها كالوطن تماماً، وقد افتقدها. سكن رأس البرتقال. كان هادئاً. هادئاً أكثر من اللازم. سكون الكمين القاتل. التقط رمح الخيزران الضعيف، مستداراً ببطء. كانت الاستدارة كذبة. استمع بأذنيه لا عينيه، منتظراً التحرك. أتم دورة كاملة، ولم يرى شيئاً.

– تغني للعزلة، ومع ذلك لا تنوي المشاركة؟

جاء الصوت من خلفه، سلسلة من النباحات والشهقات بأنماط لسان الحق الأنيقة. انتفض رأس البرتقال، واستدار، ثم نظر إلى الأسفل. ثعلب أبيض صغير، كنفخة ثلج مُنحت حياة. مخلوق ذو تباين لوني مذهل. أسنان بيضاء كفروه، لثة وكفوف كالقطران. كانت عيناه التلميح الوحيد للون الذي تحمله، كرات متقزحة تتلألأ كبحيرة تحت المغيب. أزرق عميق في لحظة، ثم فرو ذهبي لقرد مولود حديثاً، ثم القرمزي العميق لدم حياة قلب في الثالثة.

– أتجوعين؟

سأل القرد بأدب. داخل صدره، ارتجف قلبه حماسة. البشر بخير، والثعلب ليس بقرد، لكنها متكلمة! كان ذلك جيداً تقريباً مثل أحد إخوته.

– لا.

لكن صيدك يفوح برائحة زكية. ألقى رأس البرتقال ما تبقى من السمكة إليها، قبل أن يتخذ جثومه مرة أخرى. نبض قلبه أسرع. أسرع من أن يصطاد جيداً. حاول الظفر بشبوط آخر، لكنها كانت حذرة الآن، ولم يكن عقله في العمل. لم يره أي قردة فوق الجبل الازرق. ولا طيور تتكلم لسان الحق حتى. كانت لديه أسئلة كثيرة، لكنه انتظر حتى تتقاطف الثعلبة سمكته برقة.

– هذا اللمعان الخالي من الشكل يشكرك، أيها الصديق المحتمل من جنس آخر.

– رأس البرتقال قرد.

كان رائعاً التحدث بلسان الحق مجدداً. كان يحمل أناقة يفتقر إليها كلام البشر. مباشرة وصدقاً فيها.

– لمعان خالي من الشكل اسم غريب.

فروك يلمع، لكنك تمتلك شكلاً.

– أه, أسمى القردة أنفسهم لما هم عليه إذن؟

– لا.

كل القردة تصنع اسماً. لكن نعم. بماذا يمكن أن نسمي غير ما نحن عليه؟

– الثعابين مخلوقات ذكية.

أذكى أحياناً مما ينفعنا. أمتنا العديد من البنات. أعطتنا أسماء لما أملت أن نصير إليه. ما يجب أن نشتهيه.

– أكانت الأسماء الطيبة مأخوذة كلها؟

سأل رأس البرتقال، في غاية الارتباك. لم يلتق قط بثعلب يتكلم من قبل، فما بالك بمن كانت طلاقتها بلسان الحق أعظم من طلاقته. تساءل عما سيفعله الملك بها.

– أظن أنه يمكنك قول ذلك.

قالت اللامعان خالي من الشكل، وهي تضرب الشبوط الميت بكف دقيقة واحدة. قلبته، باحثة عن لحم جيد أكثر.

– آكل الأحشاء إن لم تأكليها.

دفعت اللامعان خالي من الشكل السمكة نصف المأكولة برقة مجدداً نحو القرد.

– لذيذ.

قال، وهو يقضم أحشاء الشبوط.

– الأسوأ.

ما زال جيداً.

– تفاجأت أشد المفاجأة بلقاء متكلم آخر فوق الجبل الأزرق.

كيف تنجين من الطائفة؟ ألا يصطادونك؟ عبس رأس البرتقال.

– الأمر سهل.

فقط امتلك اسم إنسان. كن تلميداً.

– أخ…

عبس رأس البرتقال. كانت الترجمة صعبة. تحول إلى لغة البشر لاسم أخيه.

– الطاوي ممحص الأدوية يعلم ويحمي ويطعم.

ليس رئيساً أو ملكاً.

– يا لحسن حظك، لامتلاك لسان يقلد كلماتهم.

– نعم.

وافق رأس البرتقال.

– الأمر سهل.

البشر يمنحون الكثير من الطعام حين يعرفون الكلمات الصحيحة.

– يا لححسن حظك.

كررت. تأمل رأس البرتقال الأمر.

– ربما.

الأخ يمقت الراحة. يجعل القرد يفعل الكثير… قطّع قطّع. ليس ممتعاً. الطعام جيد مع ذلك.

– أوب أوب؟

نبح اللامعان خالي من الشكل، مجاهدة اصطناع أصوات البشر.

– قطّع قطّع.

هو حين تأخذ نباتات ليست بطعام وتجعلها أصغر بحجر اللمعان الحاد. يصنع الأخ حبوب دواء معجزة من نباتات عديدة.

– أرى.

خيميائي. أخفى رأس البرتقال مفاجأته بحرص. معرفة فكرة كهذه بلسان الحق دلّت على أنها ليست بثعلبة عادية. كان ذلك مصطلحاً لا يعرفه سوى الملك على جبل يولو. ليست بثعلبة عادية حقاً.

– لم الجبل هادئ هكذا؟

سأل بدلاً من ذلك.

– لما تسألني ما تعرفه سلفاً؟

الكذب لا يليق بالمتكلم.

– لا أعرف.

فقط أقلق. البشر.

– نعم، البشر.

لا يشاركون. لا سلام ولا مكاناً، لا قوة ولا سيادة.

– ليس كل ذوي الشعر عراة سيئين.

فقط الكثير-الأغلب.

– ليس كل النمور سيئين.

عارضت اللامعان خالي من الشكل.

– عادل جداً.

لكني التقيت إنساناً جيداً. اثنين حتى! لم أتق قط بنمر جيد.

– مضحك.

شهقت الثعلبة. ثم كشرت، وامتلت عيناها وكلماتها بالسم.

– يمكنني قول العكس.

البشر أفضل فقط في إخفاء ظلامهم من النمور. لكل شيء في هذا العالم مكان يقولون. أتعرف ما يعتقدون مكانه هو؟ يصنعون جلوداً مزيفة منا. ليس خوفاً من الشتاء، بل لأننا لعينون ناعمون. يشتهون لحمنا الميت لأنه يزعجهم أن نجوع أو نتغوط، ونوجد بما يتجاوز كوننا زينة لهم. لذا يقطعون الجزء الذي يعيش، ويلبسون جثثنا. هز رأس البرتقال كتفيه. لم يكن يعيش في أوهام بأن البشر ليسوا خطيرين. عنيفون.

كان أسباب عنفهم وكيفياته هي ما أثار اهتمامه ورعبه.

– في أشد الشتاء برودة، يأكل القرد الثعلب إن أمسكه.

لحم نادر. مراوغ زلق، يجب الإمساك به في قطيع. كمين انتظار طويل. سحبه إلى الأسفل وتحطيمه. لكن سيأكل. نظر القرد إلى الثعلبة، ثم إلى الأعلى نحو السماء. واجهت نظرته بلا خوف، بثقة مريحة في عينيها. فضولية لتر إلى أين يذهب بهذا، لكنها واثقة أنه لن، أو لا يستطيع، أذيتها. كان رأس البرتقال قرداً صغير حجم، لكنه كان بحجم الثعلبة ثلاثة أضعاف بسهولة. ليست بثعلبة عادية حقاً.

– ليس شتاء الآن.

تابع.

– بطن ممتلئة.

نراقب الغيوم؟

– نراقب الغيوم.

وافقت اللامعان خالي من الشكل.

– الغيوم جيدة.

مثل ذكرى الأشقاء. تساءل رأس البرتقال عما إذا كان إخوته يستطيعون رؤية الغيوم ذاتها من هنا.

* * *

– أنا أبحث عن مكان.

قالت اللامعان خالي من الشكل فجأة. راقب اثناهما الغيوم طويلاً، لكن السماء صارت الآن فارغة وباهتة.

– كهف عميق البرودة، حيث الأرض قريبة، والسماء بعيدة.

واحد يزوره البشر أحياناً، لكنهم لا يسكنونه.

– أتزرعين؟

سأل رأس البرتقال. راقب بفخر المفاجأة وهي تومض عبر وجه اللامعان خالي من الشكل. كانت الزراعة كلمة صعبة للغاية لإيجادها في لسان الحق، بخاصة بلا متكلم آخر لتشاجر أو تنقيح العقل معه.

– أتعرف ما هي الزراعة؟

– أنا قرد حكيم.

أعرف أشياء كثيرة. تفاخر رأس البرتقال.

– تعرف ما هو الكهف، لكن أتعرف مكانه؟

– أعرف كهفاً جيداً.

عميق البرودة. البشر أحياناً، لكن حضور البشر فيه أقل من كهف جحر الدود العميق العظيم. كان مزعجاً أن البشر لا يتكلمون لسان الحق. كانت هناك الكثير من كلمات البشر التي تمنى استخدامها لكنه لم يستطع ترجمتها. بئر بلا قرار. ين السحيق. مع ذلك، فهمت الثعلبة قصده بوضوح.

– سأدين لك بدينين، إن دللتني عليه.

– لا ديون.

الديون أشياء بشر. أحصل على ما يكفي من هراء تجارة البشر من أخي.

– حين تكون في جبل إنسان، افعل كالإنسان.

ردت الثعلبة.

– لا.

أصر رأس البرتقال.

– افعل دائماً كقرد.

نمط وجود متفوق بموضوعية.

– أرى لم يجد البشر القردة جذابين للغاية.

أنت الأكثر شبهاً بهم، بين الوحوش كافة.

– أنا قرد.

لا أهتم إن أحببت البشر. لست إنسانًا. تبعت اللامعان خالي من الشكل القرد فيما شق طريقه مجدداً نحو الكهف الذي وجد التلميذين فيه قبل أيام قليلة. كان رأس البرتقال واثقاً تماماً من أنه ما تبحث عنه. أمل أن تصبح الثعلبة صديقة. كانت مطلعة جداً، ومع ذلك لم تعامله كموضوع كما فعل الطاوي ممحص الأدوية. سيكون جميلاً امتلاك صديقة أو أخت ليست بقردة، ولا تأمره بالقيام بما تريد. لكنه لم يكن أعمى.

كرهت الثعلبة البشر، وأرادت منه كرههم كذلك. وكانت أكثر من مجرد متكلمة، وربما حتى نوعاً من طوائف الثعابين. ليست بملك بوضوح لكنها أكثر بكثير من مجرد ثعلبة. لكن، إن أبقى البشر الجبل خالياً من المتكلمين والقردة على حد سواء، فلديه خيارات قليلة للرفقة هنا. إن وجد أن يتقاسما الأرض، فامتلاك السلام أفضل من الشقاق. ولم يعبأ كثيراً بسر الكهف. عرف أخاه كهوفاً كثيرة بوضوح. سيأخذ الطاوي ممحص الأدوية رأس البرتقال إلى آخر إن أراد من القرد القيام بزراعة أخرى.

استنتج أن البشر يشتهون ويتقاتلون حول الوصول إلى الكهوف الباردة، لكن بدا ذلك مضللاً لرأس البرتقال. استغرق الأمر ساعات قليلة فقط للقيام بزراعته الأخيرة. قضاء وقتك كله لحماية كهف لا تحتاجه سوى نادراً أمر سخيف. كان فيه عدم تماثل جعله أحمق. قد يقضي الإنسان ساعات عمره كلها حارساً لكهف واحد، لكن القرد يحتاج لفترة وجيزة فقط للوصول إلى أي كهف في الجبل. من الأفضل بوضوح أن تكون المهاجم لا الحارس.

– هنا.

الكهف. قال، بعد أن مشيا الجزء الأكبر من ساعة. كان الكهف شبيهاً تماماً بما تركه عليه. مدسوساً بعيداً في غابة كثيفة من الأشجار حيث تنثني الجرف على نفسها، كان من الصعب جداً رؤيته من الدرب. فقط حين يقترب المرء، شاقاً طريقه عبر الشوح والصنوبر المتراصين بكثافة، استطاع شعور خيوط الصقيع العفن المنبعثة من الشق النحيل في جانب الجرف. ارتجفت اللامعان خالي من الشكل.

– واعد.

لعلّك قرد حكيم حقاً.

– لا.

كنت أكذب. لكني أعرف أشياء كثيرة. تذكر أن تريني النبيذ وقتاً ما.

– النبيذ؟

– جيد.

أفضل سر.

– حسناً جداً.

مع ذلك، لا يمكنني قبول هدايا كهذه منك دون ردها. امنحني لحظة لتفقد الكهف لأرى إن كان مناسباً لزراعتي. إن كان كذلك، فسأمنحك نعمة بالمقابل. راقب رأس البرتقال الثعلبة الصغيرة وهي تقفز عبر الشق في الجرف، عائمة عبر الهواء كنفخة ثلج تدفعها الريح. بقي في الخارج. الكهوف الباردة لم تكن مريحة ببساطة. وجد بقعة مشمسة ليستريح، عائداً لمراقبة الغيوم. كانت ترفاً نادراً للغاية، القدرة على مراقبة الغيوم وهي تعبر قريبة هكذا من موسم البرد.

ترك رأس البرتقال في مزاج متأمل. تساءل عما سيحمله المستقبل. كانت المرة الأولى في حياته التي يبدو فيها كأنه سؤال ذو صلة، أن حياته قد تكون مختلفة بشكل ما في العام القادم. على جبل يولو، لم يكن هناك سوى الأفضل أو الأسوأ. سنوات وفرة وشح، مزيد من السلام أو مزيد من الشقاق. لكن الآن، بدا المستقبل أكبر من الأفق. هذا الجبل أم ذاك؟ هذا الخيار وحده سيعني حياتين مختلفتين تماماً.

ولمح الطاوي ممحص الأدوية إلى وجود أكثر بكثير من جبلين. وأن هناك خيارات أخرى، خيارات أعدى من الجبال. جعلت فكرة أماكن وحياة كثيرة هكذا رأس البرتقال نعساً. أخذت اللامعان خالي من الشكل وقتاً طويلاً. كاد أن يغفو، حين سمع ذلك. الصمت. تدحرج القرد دون تفكير. ثم صرخ بينما شق رمح من ألم حارق أبيض خندقاً في ظهره. تلاشت الحرارة العميقة في اللحظة التالية، ليحل محلها دفء يتسع ببطء لدم يتسرب إلى الفرو.

– أصبته.

– اركض.

همس صوت في أذنه. لم يحتاج رأس البرتقال لإخباره مرتين، كان يتحرك بالفعل. كشف عن أسنانه، مكشراً لإبعاد الألم.

– ارتكبت أسوأ خطأ هنا.

قال صوت، مألوف عن بعد.

– ويبدو أنك اليوم ارتكبت خطأك الأخير كذلك.

خلافاً لتقديره الأفضل، نظر رأس البرتقال إلى الوراء وهو يركض. رجلان يترصدان نحوه، منبثقين من الغابات الكثيفة. مع كل خطوة يخطوها، ابتعد القرد أكثر، ومع ذلك بدا غير مستعجلين في مطاردته. حمل أحدهم عصا منحنية في شكل غريب يبدو غير فعال، مقوسة مثل القمر المتحول. تتبعت عيناه رأس البرتقال بدقة منفصلة، مستوعبة كل حركة له مثل قرد يراقب طيوراً بعيدة. لكنه الرجل الآخر، المألوف من بعيد، ما جعل دم رأس البرتقال يتجمد.

تظاهر وجهه بالمرح، حتى مع تفتح القتل في عينيه.

– أتريد أن تكون إنساناً إلى هذا الحد، أيها القرد الصغير؟

قال بهجة جوفاء.

– إذن دعني أريك ما يعنيه تحمل مسؤولية أفعالك.

ستكون قد نفذت عظامك لتكسر، بحلول الوقت الذي أنتهي فيه منك. ركض رأس البرتقال، جامحاً على أربع مباشرة نحو كثيف الأدغال. حتى بينما تقطر دماؤه على ظهره وتصل أصابع الخوف الباردة إلى قلبه، ابتهج جزء منه. الشكوك التي التصقت به، جاعلة إياه يشكك في كل تفاعل أجبره مع ذوي الشعر العراة، تبخرت كلها كالضباب أمام شمس الصباح. قد يكون الطريد دوراً فظيعاً لتأديته، لكنه كان دوراً يعرفه.