"قرد صخريّ ينحت نفسه."
كانت الكلمات هادئة. همساً متأملاً. حاول ذو العرف البرتقاليّ بلوغ ائتلاف بين طريقَتَي ارتقاء. لكنّه وجد نفسه ينهل من مصدر ثالث. حقائق مدفونة في عمق دمائه، أيقظتها قصة رويت تحت سماء حجريّة. كان الاسم اختباراً واستكشافاً. سؤالاً أبعد من أن يكون إجابة. غير أنّه كان صائباً. تذوّق ذو العرف البرتقاليّ صحّة الاسم. لم يكن دقيقاً بالمعنى الحرفيّ. وكان ذو العباءة الذهبيّة حاسماً في ذلك.
فما من أيدٍ، بشريّة كانت أو سماوية، من بني البشر أو القردة، نحتت القرد الصخريّ الأول. لكنّ ثمة حقائق أعمق من الدقة.
تمتم ذو العرف البرتقاليّ من ذاكرته: "على قمة جبل هواغوو، حيث ترتفع منحدراته الفضيّة من قلب البحر الشرقيّ، رقدت بيضة من حجر."
"شهدتها السماوات، وغذّتها الأرض، ودفأتها الشمس، وأحبّتها القمر. وحين هبَّ الريح المبارك على البيضة، انشقت كأخدود عظيم. وبرز من البيضة قرد صخريّ، مكتمِل الحواس والأطراف الخمسة. وحين تعلّم هذا القرد الحبو، ثم المشي، وقف وانحنى لكلّ من الجهات الأربع. وفي فعلته تلك، رمى بنظراته عبر امتداد الكون الشاسع، لتستقرّ عند أقصى أعالي السماء. وانبعث شعاعان عظيمان من النور الذهبيّ من عينيه، فأفزعا الإمبراطور اليشميَّ بنفسه."
كان القرد الصخريّ الحقيقيُّ محركاً غير متحرك، لا تشكله سوى يداه. كائناً برز، كما تقول العرب، كزهرة لوتس من الوحل. وفي هذا الجانب، كان ذو العرف البرتقاليّ فاشلاً. لقد كان مُلطّخاً أشدّ التلطّخ، مديوناً للبشر والقردة على حد سواء. فقد مدّ في عمره خمس مرات أقران التقاهم، ومرّتين أخريين على الأقل أسلاف لم يلقَ قطّ. وكانت قوّته أقلّ انتساباً إليه. ومع ذلك، وجد ذو العرف البرتقاليّ.
ويقف الآن عند المرحلة الثامنة من تكثيف التشي. أكان إحسان ذي العباءة الذهبيّة ونزوة لي شون أدنى شأناً حقّاً من نِعَم السماء والأرض المُقدّرة؟ بدت صورة القرد الصخريّ في دانتيان ذي العرف البرتقاليّ ضبابيّة وغير واضحة. منقوصة بسبب قلب ذي العرف البرتقاليّ المتردد وارتقائه الناقص. كانت الصورة... مرآة شحيحة الفعل؛ تحاول عكس غير ما يقف أمامها من كائن. ومع ذلك، انعكست. أخبره دواء تنقية الطاويّ أنّ تكثيف التشي عالم ذو مراحل متفاوتة.
وقسّمت معظم النصوص المقدسة Realm إلى عشر مراحل أصغر. كانت هناك تباينات، إذ ما من صنعة بشريّة تثبت على حال، لكنّ هذه العوالم الصغيرة تقارب بعضها بين التقاليد. لم تكن معالم للطريقة بقدر ما كانت تغيّرات محددة في طبيعة التشي. لكن سرت شايعات. شايعات عن نوابغ يتحدّون السماء، وطرق ارتقاء أسطوريّة، تجاوزت الحدود التقليديّة. وقيل إنّ ممارسي الأسطورة سعوا وراء ما يصل إلى ثلاثة عشر عالماً صغيراً قبل تثبيت أسسهم، ليغدوا أساطير في ألف عالم، بلا منازع دون مرحلة التأسيس.
بدا ذلك مهيباً. وقيل إنّ قوّة أساس لا يُضاهى تواصل النمّو كلّما ارتقى الممارس أكثر. لكنّ ذا العرف البرتقاليّ لم يكن واثقاً إن كان هذا طريقه.
أراد أن يكون بلا منازع في عالمه، إن سمح له "قرد صخريّ ينحت نفسه"
بذلك. ومن لا يرد؟ لكن إن احتاج القوة لدرء كارثة، أسيتردد؟ أسيضحي بالحاضر في سبيل المستقبل؟ ما اظنّه فاعلاً. وكلّ ما عرفه القرد هو أنّه متى رأى نفسه في النحت الذي يمارسه، سيغدو مستعداً للتقدم نحو مرحلة التأسيس. لم يدرِ يقيناً كيف عرف ذلك. لقد كان أمراً شديد الخصوصية ليعلمه المرء. أمراً يجدر بالظنّ لا العلم. ومع ذلك، عرف. كانت طريقته في الارتقاء. ومن غيره يعلم؟ وهنالك أسرار أخرى بدأ يتحسّس معالمها.
ظنّ حسن طالعه استنارة. وفهمه الخاصّ، وبركات العالم. إذ وُجد أمر آخر هناك، أليس كذلك؟ لقد سمع كلمات سون ووكونغ. ورفض إحسان سلفه. ولم يجعل صورة ووكونغ محور ارتقائه. ومع ذلك، باركه ملك القردة الوسيم.
همس ذو العرف البرتقاليّ: "شكراً لك، أيّها السلف."
كانت كلمات مكرورة، لكن ما عساه يقدّم، بخوراً؟ ربّما يجدر به المحاولة. لعل ملك القردة الوسيم يشمّه، أينما حلّ. لا يزال لدى ذي العرف البرتقاليّ الكثير ليتأمّله. فقد منحته صورة عيني سون ووكونغ وهما تخترقان الكون أفكاراً لتقنيات حسيّة. لم يرغب في استنساخ ذلك الفعل بحذافيره. لكنّ فكرة دمج حواسه الجسديّة بروحانيّته كما فعل هان جيان راقته أكثر من نهج لي شون في فصل القوتين وإتقانهما فرادى.
لقد شعرت قدما هان جيان بكل تقلّب في الأرض تحتها. وتساءل ذو العرف البرتقاليّ عما قد يسمعه ويشمه، إن ارتقى بتلك القوى إلى أقصاها. خضعت طبيعة تشي القرد لعدّة تغيّرات. وعسر إيجاز أمر مبهم كهذا، لكن لو اضطر القرد لوصفه بكلمات، لقال إنه أضحى أشدّ حساسيّة ومرونة، فضلاً عن التعمّق المعتاد في حجم مخزونه. ويسّرت أنماط تدويره الجديدة انتزاع خيوط دقيقة من تشيه، ودمجها مجدداً.
وظنّ ذو العرف البرتقاليّ أنّه مع شيء من التمرّن، قد تقع كفّ الوهم في متناوله أخيراً. كم من التقنيات بانتظار الاستكشاف. لقد فرغ للتوّ من الارتقاء. لابدّ أنه استغرق ساعات. حريّ بذي العرف البرتقاليّ أن ينام، وأن يغتسل على الأرجح، ثمّ يتفقد البقيّة. لقد بلغ من التركيز مبلغاً ربّما غدا معه الغد حاضراً بالفعل. لكنّه لم يرد سوى اختبار حدود قاعدته الارتقائية الجديدة.
"مع من يتحدث؟"
وصل صوت فو داكسيان إلى ذي العرف البرتقاليّ واهناً، رغم جلاء وصوله لسمع ه. كان تمريناً غريباً من التناقضات. فقد حدّت حواسه، لكنّه غاص في باطنه عميقاً لدرجة بات معها العالم الخارجيّ خافتاً.
هسّ هونغ بو: "لا تزعجه!"
"لقد فرغ تماماً. ثمّ إنّ الوقت قد طال. ولا يقدر الرئيس على النوم طوال هذا الأسبوع أيضاً."
فتح ذو العرف البرتقاليّ عينيه. بدا الأمر غريباً بعض الشيء، كونه جسداً. لقد اعتاد الرؤية داخل دانتيانه، مراقباً بلا شكل لا يملك يديْن إلّا حين يحتاجهما لمسح الجبال.
احتجّ القرد: "لم أكن نائماً."
"بالطبع لم تكن، يا رئيس."
"الارتقاء عمل شاقّ. حتى وإن كانت عيناي مُمَضَّضتين."
"بالطبع هو كذلك، يا رئيس. لو كان سهلاً، لفعلناه."
"في الواقع، قد أستمتع بغفوة الآن."
استنشق ذو العرف البرتقاليّ رائحة نفسه. هاه. لم يكن منتناً للغاية حتى. لقد سمع أنّ كثيراً من البشر يطردون كميات هائلة من الصمغ الأسود كريه الرائحة أثناء اختراقاتهم، لكنّه نادراً ما أفرز شيئاً يُذكر. وأخبره لي شون أنه لا بدّ طرد معظم شوائبه المنخفضة المستوى خلال تنقيته الجسديّة الأولى. لي شون. لا يزال الفكر يؤلم. لكنّ الوخع بات أخفّ. تحرك ذو العرف البرتقاليّ مجدداً.
أوحى صوت فو داكسيان أنّه يخشى حقّاً أن يكون ذو العرف البرتقاليّ جاداً: "لا أظنك جاداً."
وافق القرد: "أنت محقّ. عليّ صنع المزيد من الحبوب. وممارسة التقنيات. وإيجاد كتب في الطبّ. وصناعة الخمر. النوم للمماتين. لا مجال للترف. أمامي الكثير. نمت بما يكفي العام الماضي، ويكفيني ذلك لوقت طويل."
ابتسم ذو العرف البرتقاليّ لهونغ بو. كان العجوز المكدّي يحدق به وحسب. ورأى ذو العرف البرتقاليّ بوادر مودة في عينيه، لكنها كانت الجزء الأصغر مما تحرّك خلفهما. جوع يشبه الحسد. ظلُّ خوف ما لم يدركه ذو العرف البرتقاليّ. إرهاق. بدا العجوز متعباً، على نحو لم يكن عليه في الطريق. وتعجّب ذو العرف البرتقاليّ من قدرته على رؤية هذا كله الآن، هذه الدقائق في الوجه البشريّ، حتى وإن غاب عنه كُنه معناها.
بدأ فو داكسيان: "يا رئيس... أعلم أن ارتقاءك أهمّ منا، لكنّ هذا الوكيل الصغير يرجو إرشادك. لقد ارتقيت لأسبوع زاد. وبذلنا قصارى جهدنا، لكنّ هناك أموراً تعجز أيدينا عنها. لقد استدعتك وزارة الشؤون الطاويّة لتخاطبها. وتوقف عدد من الممارسين الهائمين للسلام، وأخشى أننا لم نستقبلهم بما يليق. لقد أصاب ذلك الشبح اللعين رُو بينغ وساح غويينغ حين أفلت من قيودك. إضافة إلى أننا أفرغنا حبوب كلى الكتاب الذهبيّ تماماً. أرجوك حلّ هذه المشاكل لأتباعك، قبل أن تعود للجلوس بصمت في العتمة متمتماً بشأن جبل هواغوو."
أطرف ذو العرف البرتقاليّ. دوى الرعد في الخارج. وبدا أنّ فو داكسيان ظلّ فو داكسيان، حتّى في اعتذاره وطلبه. إذ لم يستطع مقاومة إهانة ذي العرف البرتقاليّ في النهاية.
"ماذا؟"
لمفاجأة القرد، انحنى فو داكسيان عميقاً، محجباً وجهه خلف كفيه المشبوكتين.
"الذنب كلّه ذنب هذا الوكيل الأحمق. لقد بخست السعر، ظانّاً أنّ حبة تُتناول بمثل هذا التقارب لا ينبغي أن يُغالي المرء في ثمنها الفرديّ. لم أدرك جودة عملك، ولا الطلب الذي سيوجد عليها. وما إن أبلغ الرجال عن تراجع ألم أسفل الظهر لديهم في أيام معدودات، حتى تبخّر مخزونك قبل أن أعدّل الأسعار."
ساد صمت.
أردف هونغ بو: "ربّما وُجد مشترون واجهة. كما أكل الشبح بعضاً منها."
تمتم فو داكسيان: "ما ظننته أذكى من فكّ الأقفال. كنت مشغولاً بالتأكد من عجزه عن المساس بالفضة. نملك الكثير من الفضة، يا رئيس. أدرك أنها قد لا تعني شيئاً للممارس. لكنها كومة ضخمة، تقارب مئة تايل. وكانت لتزيد، لولا بدء نفاذ المخزون."
دع ذو العرف البرتقاليّ الأمر يمرّ برمّته عليه. المال طيب. ما قيمته، ثلاثة أحجار روحيّة؟ ليس بالشيء الكثير. ولا فرن حبوب، ولا نفع جسيم لارتقائه. لكنّها بداية. وارتجف عند تفكيره في أولئك الممارسين الذين سيتعين عليه خداعهم. لكنّ ما قاله فو داكسيان في مطلع حديثه هو ما توقّف عنده القرد.
صرخ ذو العرف البرتقاليّ: "أسبوع!"
هذا هراء تامّ! لقد قضى أياماً في خلوة من قبل، لكن قطّ بلا قصد! لقد سخر من معلمه وعمه لإضاعتهما أشهراً وأعواماً في الارتقاء بلا تخاطب! أسيغدو يوماً مثلهما؟ هو ذو العرف البرتقاليّ! ولا يُفترض به تفويت أسبوع عن طريق الصدفة البحتة! انتظر.
لقد ذكر فو داكسيان "جبل هواغوو".
وتلك... على الأرجح لم تكن مثالية. أمعن ذو العرف البرتقاليّ النظر حوله. وتسلل ابتسام إلى شفتيه، لحظة لمحه أطباق الطعام غير الملموسة المبعثرة كقرابين معبد. وشمه للسلام العطنة في الركن. تسريب؟ لابدّ أن السماء أمطرت طوال الأسبوع، لو لم ينشروا تلك لتجف. الرعد والمطر... إرث الشيخ الجليل تيان... احتياطات ذي العباءة الذهبيّة... الممارسون الثلاثة الذين اصطفاهم الشيخ الجليل تيان...
ذكر معلمه العرضيّ لما فعله يانغ شوي آخر مرّة اخترق فيها ذو العرف البرتقاليّ الجبل الأزرق... آه. مرة أخرى، استنار ذو العرف البرتقاليّ. ولم يستغرق الأمر هذه المرة أسبوعاً.
فقد أدرك كنه ما يفعله حرف "وي"، تماماً كما أدرك أوان استعداده للتقدم إلى مرحلة التأسيس.
سأل ذو العرف البرتقاليّ بحياء: "منذ متى وأنتما تستمعان؟ لابدّ أنكما سمعتما ما لا يعينكما."
غادر هونغ بو ليعد الشاي بينما كان فو داشيان يلخص أحداث الأسبوع المنصرم على مسامع رئيسه. كان هناك الكثير مما ينبغي استعراضه، غير أن ذهن صاحب العُرف البرتقالي ظل عالقاً بجبل هواغوو.
أمر صاحب العرف البرتقالي: "لا تتحدث عن الجبل قط. أبداً. ولا عن ذلك الجبل. ولا أمامي حتى. إياك وأن تذكر اسمه مجدداً".
قال فو داشيان: "فهمت يا رئيس. إنه سر يخص الممارسين. ولن أفشي كلماتك السرية".
أعجب صاحب العرف البرتقالي أحياناً بمدى استرخاء فو داشيان تجاه ممارسة الروح. وبدا الأمر مزعجاً في أحيان أخرى. ذكره شيء ما في سلوكه بالخنزير غاتس. يتوارى خوفاً من الظلال، ثم يقف بلا خوف أمام الأخطار الحقيقية.
كافح صاحب العرف البرتقالي ليجد سيلة للشرح دون أن يشرح ما لا يمكن شرحه، وقال: "ليس هذا النوع من الأسرار. النوع الجشع الذي يعشقه الممارسون من البشر. إذا نطقت بتلك الكلمات في الخارج وأمام ممارسين آخرين. فلن يأتيك الرعد. بل سيأتيك البرق. سيكون التفاعل أعنف تحت السماء المفتوحة وفي حضور ممارسين. قد يسحقك الملك حيث تقف. وقد يسحق كل من سمع".
ارتفع ندب فو داشيان بطريقة جعلت صاحب العرف البرتقالي يشعر بشيء من القلق، وسأل: حقاً؟
"روى لي تلك القصة سيد قدير. أخفانا تحت جبل قبل أن يشاركنا إياها".
قال فو داشيان: "نحن نعيش حياة مختلفة للغاية يا رئيس".
"ألا؟ لقد عشنا حيوات مختلفة للغاية. أما الآن فهي متشابهة إلى حد كبير".
"أمتشابهة؟ لقد قضيت الأسبوع كله تمارس".
احتج صاحب العرف البرتقالي: "لا أفعل ذلك كثيراً".
"لقد قضيت كل وقتك في صنع الحبوب قبل ذلك".
"احتجنا إلى الحبوب ولا أحد غيري يجيد صنعها. عملنا على السطح معاً. بعت أنت الدواء بينما كنت مشغولاً".
توقف فو داشيان عن المشي. استدار وواجه القرد.
قال بحزم: "يا رئيس".
وذكره ذلك بصريقة نطق سيدِه لاسم لي هوو ذات يوم.
"أنت لست مثلنا. ولا يصبح الأمر أسهل حين تتظاهر بأنك كذلك".
"أنا لس—"
أشار فو داشيان نحو جدران المجمع وقال: "كل هذا. يختزل في اللحظة التي تشعر فيها بالملل. لا يمكننا نحن الأربعة الحفاظ على تماسكه. لقد بالكنا أن نجونا لأسبوع. وكان ذلك مجرد الجزء السهل، تقاضي الأموال مقابل الحبوب. يعرج كل من سون غويينغ وروو بينغ بسبب ما فعله بهما ذلك الشبح اللعين. هذا المكان حلمك السخيف الصغير. ومثل أي حلم، سيتبدد في شمس الصباح حين يستيقظ الحالم".
صُمم صاحب العرف البرتقالي لبُرهة. واستغل فو داشيان الصمت ليواصل سرد كل الأمور التي تتطلب إنجازاً حول المتجر.
قاطعه صاحب العرف البرتقالي: "لقد كنت تفكر في هذا كثيراً".
"ماذا؟ يمكنني الكلام كشاعر إن داعبني المزاج. لا يعني ذلك أنني جلست أفكر فيه. من المهم للمرء أن يدرك مصدر رزقه. وما قد يجعله يتبدد".
اعترف صاحب العرف البرتقالي: "أنت محق. لكنك مخطئ أيضاً. اجمع البقس. قائمة جيدة. سأتحدث إلى كل أولئك الممارسين. سأصنع المزيد من الحبوب. بعضها للبيع وبعضها لعضات الأشباح تلك. لكن هناك المزيد. سيحتاج أحدهم للذهاب ورؤية الخنازير. سأحتاج إلى المزيد من الأيدي والمزيد من المؤن وربما بعض الكتب لاصطياد ذلك الشبح".
"حاضر يا رئيس. لكن قبل أن نخوض في كل ذلك، علينا مناقشة رواتبنا".
كان سون غوييينغ رجلاً لا ينتمي إلى مكانه قط. لم يكن طاعناً في السن. فقد بلغ العقد الرابع للتو. وربما سخر أستاذ عتيق مثل هونغ بو، أو الخالد الجليل تشينغسي، من فترة كهذه. ومع ذلك، كانت اثنتان وثلاثون سنة وقتاً طويلاً ليتحمل المرء خلاله كل هذا. أراد والدا سون غوييينغ بنتاً. فرآى عضوه الذكري، ثم سمياه بالاسم الذي اختاراه مسبقاً لإبنة. وكانت تلك المرة الأولى التي يجد فيها نفسه غير مرغوب فيه، لكنها لم تكن الأخيرة بأي حال.
لم يدرك ذلك القرار قط. ولم يفهم سون غوييينغ الكثير عن والديه، مثل سبب تفضيلهما لطفلة أنثى في المقام الأول. وقال الخال هينغ إنهما أحبا بعضهما بعضاً بشراسة في ذلك الوقت. وكانا قد ضاقا ذرعاً ببعضهما بشراسة، عندما أصبح سون غوييينغ كبير بما يكفي لتذكرهما على وجه اليقين. وعندما كان طفلاً، شكّل اسم غوييينغ لعنة. ولربما استطاع صبي آخر تحمله بشكل أفضل، لكنه نشأ طفلاً حساساً ومخنثاً.
وصار مطابقاً لجنس صاحبة الاسم أكثر من بطولتها. وقليل من المخلوقات ما كانت تشم رائحة الضعف مثل الصبية الصغار. ولو كانت الحياة قصة، لامتلك موهبة عظيمة تعوض تلك النقصان. واعتقد أنه يملكها فعلاً. وليس في الزراعة الروحية. فلم يرى نفسه قط بطلاً قيد الإنشاء، لذا عندما نزل تلميذ من الجبل الأزرق ليختبره، لم يشعر بخيبة أمل حين اكتشف أنه لا يملك أي قدر مع الخلود. ولكن مقارنة بأقرانه، أثمرت فرشاة خط سون غوييينغ وروداً.
وكان بوسعه كتابة الملاحظات كالبرق، وتلقَت الرسائل التي كتبها للخال هينغ الثناء على حسن تنسيقها. واعتقد سون غوييينغ أن لديه فرصة في الامتحانات الإمبراطورية. ولم يكن يدرك مدى اتساع العالم. ولا الأكاذيب اللطيفة التي تتدفق من العاصمة. فلم يكن كافياً أن يكون موهوباً. كانت إمبراطورية شيا تمتلك ما يكفي من الرجال، ولم تكن بحاجة إلى مزيد من المواهب. ووجد سون غوييينغ نفسه كتفاً بكتف مع سليل النبلاء، وهم رجال تدربوا على الفنون الأكاديمية منذ الولادة، وحتى ممارسي الزراعة الروحية الأدنى رتبة، وجرى استبعاده إلى جانبهم.
وتقدم للاختبار أكثر من عشرة آلاف شخص في تلك السنة. وملأ الممتحنون عشرين قاعة. واختير مائة وستة وعشرون. لم يكن كافياً قراءة الكلاسيكيات. بل كان متوقعاً منه حفظها عن ظهر قلب. مئات الآلاف من الرموز، من الذاكرة. ومقالات مكتوبة بشخصية الحكماء. واستُبعد ممارس زراعة روحية أمامه بسبب بقعة حبر واحدة على ورقته. وفي الثانية والعشرين من عمره، كان سون غوييينغ من أصغر المتقدمين للامتحان.
وأدى واجبه بشجاعة. ولم تكن لديه أي فرصة قط. ولم تُقرأ مقالاته أبداً. وألقى المراقب نظرة واحدة، واستبعده لعدم كفاية إتقانه للغة الكلاسيكية، ولتكراره استخدام حرفين أو ثلاثة أحرف شائعة للتعبير عن مفاهيم يمكن نقلها برمز واحد أكثر غموضاً. وأخبره المراقب العجوز أن خط يده واعد، وعليه المحاولة مرة أخرى بعد عشر سنوات، عندما يعرف شيئاً يستحق الكتابة. ونال هذا الفتات من الثناء ضرباً مبرحاً من ممارس الزراعة الروحية المُستبعَد بسبب بقعة حبر.
وعرج في طريقه إلى المنزل متأخراً لقرابة شهر، وسط مزيج من الارتياح واليأس. وأفقرت تلك المحاولة والديه والخال هينغ. ولم يكن هناك مال لشفاء، عندما أرسلت حرب ممارسي الزراعة الروحية رياحاً نجسة تزأر صاعدة من الجنوب. ولم تناسب قطاع الطرق سون غوييينغ. فقد وُجد شبان في الرابعة عشرة يشكلون مظاهر مرعبة أكثر منه. لكن قطاع الطرق تطلب ظهره بشكل أقل، واستخدم فرشاته أكثر مما كان سيفعله كعامل زراعي.
وتطلب العمل كباحث حقيقي، أو حتى كمحاسب في متجر، علاقات حقيقية، أو رأس مال حقيقياً. ومن ثم انهار كل شيء، واجتاح الخالد حياتهما كالعاصفة. ولم يكن لدى سون غوييينغ أدنى فكرة عن مدى قوة ذلك الرجل الغريب. لكنه أطاح برجال الإمبراطورية، وبعضهم ممارسو زراعة روحية أنفسهم، كما لو كانوا بلا قيمة. وطالبهم بترك الرسميات جانباً، ومعاملته حصراً باعتباره الأعظم بينهم، ولذا بذل سون غوييينغ قصارى جهده لإرضائه.
وانحبس أنفاس سون غوييينغ. لابد أن يكون هذا من أجل غاية ما. كل هذا. فالرجال الذين نشأ معهم لديهم وظائف وعائلات وزوجات وأطفال. وهو يملك هذا، هذه التقلبة الغريبة في الأقدار. ولابد أن تعني شيئاً. وفتح فو داكسيان الباب. وأُخبرا أن الرئيس سيلتقي بهما بعد قليل، لكنهما كانا ينتظران منذ نصف ساعة الآن.
قال الرئيس العجوز بفظاظة وهو يكتم شكوى أو ما شابه بوضوح: "إنه قادم".
ولم يفهم سون غوييينغ لماذا كان يستزز ممارس الزراعة الروحية هكذا، ورفض فو داكسيان الشرح. واجتاح الخالد الغرفة برشاقة راقصة، حتى مع صرير الأرضية تحت خطواته. وشقت أكمامه الطويلة الهواء بسلاسة، وهو يضع الحبوب أمام سون غوييينغ وروو بينغ.
وأوضح الخالد: "من أجل ساقيكما. إنهما ليستَا جيدتين للغاية. ولم يكن لدي الوقت، أو النباتات المناسبة، لما هو أفضل. لكنهما يجب أن تحولا الأسابيع إلى أيام".
ونهض سون غوييينغ من مقعده، وانحنى منخفضاً. كيف يمكنه فعل غير ذلك؟ كانت نظريته أن هذا كله اختبار. الشبح. الأجر المتقطع. الاختفاء وتركهما مع العائدات. أراد الخالد معرفة ما إذا كان هؤلاء الرجال منليلي الأخلاق المتشبثين بفخذيه جديرين بالثقة، واختار هونغ بو ليكون عينيه. وأمسك الخالد بمعصميه. وكانت تلك المرة الأولى التي يتلامسان فيها. وكانت يدا الخالد خشنة. أصابع غليظة، ذات ثخنات أغلظ.
وأصرّ سون غوييينغ: "نحن لا نستحق لطفك. بوسعي التنقل بعصا لأسبوع أو أسبوعين".
وداوم الخالد بلا ملامح التحديق فيه مباشرة.
وسأل: "أتصديق ذلك؟ أنك غير مستحق؟ بعد أن عملت بكد إلى جانبي، من أجل ما يسمى بحلم فو داكسيان السخيف الصغير؟ واعتنيت به بينما كنت أمارس الزراعة الروحية؟"
وألقى سون غوييينغ نظراته حول الغرفة. لم يكن ينوي أن يصبح محط الأنظار، لكن تعابير الآخرين لم تمنحه أي توجيه.
"لقد أسأت التعبير، الرئيس ذو القبعة الكبيرة. سأقبل أي لطف تمنحه لي. وأنا أعرف مقامي تحت السماء".
وأمر الخالد: "اجلسوا، كلكم. وتلك الحبوب تناولوها. هناك الكثير مما يجب فعله، ولا يمكنني فعل كل ذلك وحدي. فهناك حدود، لقدرتي على التواجد في مكانين في آن واحد".
وأطاع سون غوييينغ، وشعر بالدفء ينتشر ببطء عبر بطنه، باتجاه أطرافه. وشعر بجفاف في فمه، وبدأت كفتاه تعرقان. وشعر بقليل من الدوار، وبدأ جرحه يختلج. وفي زمان ومكان آخر، لربما قلق. لكنه رأى مهارات الخالد. وسمع الشهادات. يعني الاختجال الشفاء. وصمت الخالد تشينغسي لبرهة. ثم نهض فجأة، ولوّح بأكمامه في الهواء. وقفز نور ذهبي متقد، ليستقر في الجدران. واختفى ضوضاء المدينة البعيدة.
وقال الخالد فجأة: "كان لي صديق ذات مرة. طلبت مني كتم سر. حتى عن أستاذي. اعتقدت أنني أعرف طبيعتها. واعتقدت أنني حكيم في التعامل مع الخطر. وحفظت سرها".
وادار الخالد وجهه ليقابل كل واحد منهما بدوره، مراقباً من خلف برقعها.
"لقد كان خطأ. وثقت بها، ومات الرجال بسبب ذلك".
وبلع هونغ بو ريقه بصوت عالٍ.
وسأل الخالد: "إذا طلبت منكم كتم سر، أستفعلون؟ فو داكسيان وه هونغ بو يعرفانه. أعتقد أن قلبي طيب. صالح. لكنها ظنت ذلك أيضاً. ولم تكن تشكل تهديداً لي. إلى أن أصبحت لا أستطيع الوقوف جانباً".
وقال روو بينغ بلا خجل، وبسذاجة، وفوراً: "أنا لست حكيماً. لقد دعوتني عبقرياً. لكنني لست كذلك. إذا كنت ترى أن علي كتم سرك، فسأفعل".
واستقرت عيون غير مرئية على سون غوييينغ.
وبدأ سون غوييينغ، دون أدنى فكرة عما يقوله: "أنا... اعتقدت أنني ذكي، ذات مرة. أنا موهوب. وما زلت أؤمن بذلك. لكنني لست نوع الموهبة التي تصنع طريقها بنفسها، مهما رمى العالم في وجهي. أنا أريد..."
أريد مكاناً أنتمي إليه. ولم يستطع سون غوييينغ نطق الكلمات. وكانت عيون الخالد أثقل من أن يتحملها. وأومأ الخالد برأسه نحوه، كما لو أنه سمعه على أي حال. ومن ثم خلع قبعته. وابتسم فو داكسيان. وتنهد هونغ بو. وأطلق روو بينغ ضحكة قصيرة، لمرة واحدة فحسب، قبل أن يلطم يداً على فمه في حالة من الخزي. وسقط فك سون غوييينغ مفتوحاً. وكان جافاً للغاية، نتيجة تأثير تلك الحبة. وكانت لديه عشرة آلاف سؤال.
كيف. ماذا يريد من البشر؟ لماذا هم؟ وماذا يكون الرئيس أصلاً؟ غواي؟ وحش روحي؟ شيطان؟ وأين تعلم اللغة والكيمياء الحيوية؟ ومن أستاذة؟ ولم يمنحه القرد الفرصة لنطق بكلمة واحدة. وبدلاً من ذلك، نهض على قدميه، وانحنى عند الخصر قبل أن يتمكن أي شخص من الإمساك بمعصميه.
وقال لسون غوييينغ: "لقد أسأت إليك. لقد أخذت ذلك الشبح باستهانة. وظننته شيئاً مضحكاً، كقط أليف. مخلوق يمكنه يومuا ما حراسة المتجر، عندما أكون غائباً. سأصحح الأمر، حتى لا يزعج أي1 منكم مرة أخرى".
"الرئيس—"
"شكراً لك".
والتفت القرد نحو هونغ بو.
"لحمايتهم. عندما كنت منغمساً في نفسي أكثر من اللازم".
"لن أجعل—"
وتابع القرد، متحدثاً فوق هونغ بو أيضاً: "أنا لست رجلاً معتاداً على المال. لست رجلاً على الإطلاق. عندما كنت أعيش مع أستاذي، لم تكن هناك حاجة إليه. وقبل أن أتي إليه، لم تكن هناك فائدة منه. وكان من الإهمال مني أن أتوقع الخدمة منكم بلا وعد بمكافأة. لقد فتح فو داكسيان عيني على هذا. وسيحصل كل منكم على ثلاثة تاهلات من الفضة شهرياً، طالما أنكم تعملون من أجلي، وأنا أملك ذلك. وأكثر، إذا وجدنا ثماراً في هذا العمل".
وكان ذلك راتباً مريحاً. ذلك النوع من المال الذي أمل يوماً ما جني كونه محاسب الخال هينغ. قبل أن يشتري فو يي ورشة نجارة خاله، بعد وفاته. ولم يكن أحد من الآخرين يتحدث، لذا حاول سون غوييينغ مرة أخرى. وأمسك معصمي القرد المنحني، لكن مهما اشتد، لم يستطع رفعهما.
"الخالد ذو القبعة الكبيرة—"
وتابع القرد: "اسمي، اسمي الأول، هو المتوج البرتقالي. وأريد لهذا المكان أن يصمد عندما أغادر. ولكي يعيش، لا يمكنني أن أكون أساسه. لقد قمتم بعمل جيد، بينما كنت أمارس الزراعة الروحية. كلكم. لكن مكافأة التقطيع الجيد هي تقطيع أكثر. تقطيع لا ينتهي".
وارتجف القرد. وبالتطلع إلى مؤخرة رأسه، نفخة الشعر البرتقالي المشتعل الصغيرة التي كانت تقف كشجرة وحيدة في سهل خالٍ أكثر من كونها عقدة شعر علوية، أدرك سون غوييينغ أنه ربما على الرغم من كل قوته، لم يكن القرد خالداً على الإطلاق. بل مجرد ممارس زراعة روحية، مثل عدائي يامين اللذين أوقعهما القرد، والرجل الغاضب ذي الفرشاة المتعجلة. يا له من عالم هذا، حيث يمكن لممارس زراعة روحية أن يكون ضائعاً تماماً مثل رجل كمثل سون غوييينغ.
وتابع المتوج البرتقالي: "لن تصدق عدد النباتات التي جعلني أستاذي أقطعها وأفرمها وأنقها وأطحنها وأهرسها. وإذا بقيتم، فستقطعون نباتات أكثر مما قطعتُ أنا. وستشترون نباتات وتبيعون حبوباً وتطعمون خنازير وتكشطون السخام من الأفران. سأعلمكم الكيمياء الحيوية. والقيام بها سهل. وكل ما يتطلبه الأمر هو الذاكرة، والتفاني. ويمكنكم تعلم الكثير منه في عام. وأما لماذا يحتاج إلى أعمار. لكن في بعض الأحيان يمكنك تعلم الكثير بالصدفة، مع المعلم المناسب".
وأقسم سون غوييينغ، وسط دفقة جامحة من الحماس غمرته فجأة: "سأتعلّم كل ما لديك لتعلّم ه. الكيفية، واللماذا".
وأعرب المتوج البرتقالي عن أسفه: "أنا لست المعلم المناسب. ولكن ربما تفعلون. وربما نتعلم، معاً".