بدأ التوتر يتصاعد بين حشد الأطفال المنتظرين ومرافقيهم حتى تكاد الغرفة تغلي. وأخيراً، قاد كاهن ثوراً إلى القاعة الرئيسية للمعبد. حمل الحيوان علامات بيضاء مرسومة بغبار لا يعرف الكهنة وحدهم معناه. شاهراً سكيناً من الحجر، نحر أحد الكهنة حنجرة الثور. وبأنين، هوى الحيوان إلى الأرض بينما جُمِع دمُه في وعاء. واحدًا تلو الآخر، اقترب الأطفال من الكاهن الشافع الحامل للدم. وبينما كان يغمغم بكلام غير مسموع، غمس إصبعَه في السائل الأحمر ورسم علامة على جباههم، سرعان ما تلاشت. مرتجفةً من الرهبة أو الترقب، وربما من الاثنين معاً، انتظرت سيف دورها. وحين لامس الدم بشرتها، رمشت بعينيها والتفت حولها؛ فقد كان الكاهن قد انتقل بالفعل إلى غيرها. عاد إلى الحشد والشاعر. "لا أشعر باختلاف". قطبت الفتاة حاجبيها. "يبدو هذا مخيباً للآمال. هل نجح الأمر حقاً؟" ابتسم الشاعر. "لقد نجح. تمتلكين موهبة الآن. أقرؤها بوضوح كوضوح النهار — مكهبة يمتلكها جميع الشعراة، وستمتلكينها أنتِ أيضاً الآن". اتسعت عيناها. "تَعني أنّني نلتها؟" ضحك وأومأ برأسه. "أهلاً بكِ في عددنا القليل من المنشدين المرحين. نعم يا بنيتي، تمتلكين [موهبة الشاعر]". "كيف تعمل؟ لا أشعر باختلاف"، أعادت قولها. "أغمضي عينيكِ. فكّري في موهبتكِ. ستظهر أمام عينكِ الداخلية كشجرة". فعلت سيف ما أُمرت به. "أراها! غريبة حقاً! حين أنظر إليها، فكأنما... تخبرني بشيء. [كلمات وفطنة]؟" "موهبتنا الأساسية. كل ما سواها يعتمد عليها. لا يمكن لمهاراتك الأخرى أن تنمو إلا بقدر نموّ تلك"، هكذا أرشدها الشاعر. "كيف يحدث ذلك؟" "حين تعيشين حياة شاعر، ستنمو شجرتكِ من بذور القوة الممنوحة لكِ". وكيف تُمنح؟ سأل متنبئاً بسؤالها التالي. "يختلف الأمر باختلاف كل موهبة. لكن بالنسبة إلينا، هي الفضول. كلما تعلمتِ أكثر، رأيتِ من العالم أكثر". "الجذور تتوهج"، قالت سيف وما زالت عيناها مغمضتين. "حسناً، لقد كنتِ قضاعة فضولية. لقد كافأتكِ موهبتكِ بالبذور بالفعل". فتحت عيناها وابتسمت. "شكراً لكَ، المعلم إيغيل، على الشرح. يسرني أنني لا أضطر لاكتشاف هذا وحدي!" حنى رأسه إقراراً، مرتسمةً على محياه ابتسامة خفيفة. "إنه واجبي أن أعلمكِ، بعد كل شيء". "أوه، هُناك هالفدان!" من قلب المجمع، خرج البيرسيركر ماشياً خلف عملاق من الرجال وأحد الكهنة الأكبر سناً. "يجب أن أخبره بأن الأمر نجح!" ودون انتظار، راحت سيف تتسلل خلال الحشد. "هالفدان، هالفدان!" توقف المحارب، ناظراً إلى سيف بتعبير غريب. "ما الأمر يا بنيتي؟" "نلت الموهبة! سأصبح شاعرة!" "أحسنتِ". على عكس حماسها، بدا هالفدان باهتاً، شبه متجهّم. نظر إلى إيغيل الشاعر. "ستعتني بها؟ أتُقسم على ذلك؟" أومأ الرجل الآخر. "سأوفي بجميع واجباتي كمعلم لها. أقسم بالسيّد". "أسرعا!" جاء الزئير من ستاركاد الواقف عند المدخل، والتفت الحشد بأكمله نحوه. وحين رأوا البيرسيركر العملاق، أشاحوا ببصرهم عنه بعمد. "يمكنكما تبادل الوداع حين تكونان ميتين!" وأتبع كلامه بضحكة خشنة. متجاهلاً إياه، نزع هالفدان الحبل الفضي الملفوف حول ذراعه ووضعه بين يدي سيف. "أجرة لمعلمكِ. تأكدي من أن يشري لكِ حذاءً جيداً". وبتفليسة أخير إلى الفتاة، ابتعد البيرسيركر ماشياً ليتبع الكاهن العجوز والمحارب العملاق إلى خارج المعبد. "غريب حقاً. ما الذي يحدث؟" سالت سيف وهي ترقبهما يختفيان. "محاربان يغادران، أحدهما في مزاج كئيب، ولا شهود سوى كاهن. إن لم تخنّي براعتي الدرامية، فأظن أن معركة تدور رحاها". "ماذا؟ لماذا؟" هز إيغيل كتفيه. "لا يمكنني الجزم. لكنه ينذر بالسوء لصديقك". "لماذا؟ إنه قوي حقاً!" أطلق الشاعر زفرة. "ليس مقارنة بالرفيع الآخر. موهبته توهجت بقوة أكبر، وليس هذا فحسب... إنه من دماء العمالقة". "ماذا يعني ذلك؟" سالت سيف بعينين مرعوبتين. "يعني أنه سيقتل رفيقك". "علينا تحذيره!" بدت الفتاة وكأنها على وشك العدو، لكنها كبحت نفسها لتنظر إلى الشاعر. "أيمكننا؟ أتعرف إلى أين ذهبا؟" "أظن أن دارت معركة بين البيرسيركر، فلدي فضول لشهدها. اتبعيني"، قال لها إيغيل. "من أجل النزال، تحتاجين إلى جزيرة. أعتقد أنني أعرف إلى أين يأخذهما الكاهن". * بدا الأمر مخيفاً، المسير عبر مدينة تغط في احتفالات، والجميع يعيشون حياتهم بأقصى درجاتها، بينما يعلم المرء أن حياته قد توشك على النهاية قريباً. أدرك هالفدان أن قوة موهبة المرء لا تقاس بمظهره، لكن حجم ستاركاد وبنيته الجسدية لابد أن يحسبا لصالحه. إن الشعور بأنه يسير نحو حاتفه منح هالفدان الفرصة ليحكم على نفسه. لقد رأى الكثير من الرجال يبكون حين يواجهون حتفهم، متوسلين الرحمة — وهي عبث حين توجه لبيرسيركر. ولرضاه، شعر هالفدان بالهدوء حيال هذا الاحتمال. وإن مات في معركة، سيما بالنظر إلى الظروف التي أدت إلى هذه المعركة، فسيتعين على أودين جلبه إلى قاعة الخالدين. صحيح أنه ترك المدينة بلا دفاع، لكن متى قدموا له أي شيء في يوم من الأيام؟ أطلق هالفدان هزّة كتفين وهمية في عقله وهو يتخطى رجلاً ملقى فاقداً للوعي في الشارع، طرحه الشراب أو اللصوص. أما بالنسبة لسيف، فبينما قبلت تحمل المسؤولية عنها، فقد ضمن لها مستقبلها ورغبتها. نعم، مضى هالفدان إلى حتفه ببال هادئ. أخذهما الكاهن خارج المدينة، كما كان متوقعاً. وبالنظر إلى ما يحدث حين يغرق البيرسيركر في غضب عارم، لم يتمكنا من خوض نزالهما وكل هؤلاء الناس حولهما. كان نهر يتدفق بالجوار، يزود المستوطنة بالمياه العذبة؛ فاتبعوه شرقاً حتى اتسع أمامهما. وهناك، تحت ضوء القمر، رأى هالفدان لسان أرض يقع كجزيرة صغيرة في النهر. المكان النموذجي للنزال، ولا شك أن الجزيرة قد شهدت وصول العديد من المحاربي لتلك الغاية ذاتها. بالفعل، خاض ستاركاد في الماء. وعلم هالفدان أنه بمجرد أن تطأ قدم كليعما الجزيرة، تبدأ المعركة، ولا عودة للضفة إلا لواحدة منها. "من الأفضل أن تبقى بعيداً أيها العجوز"، قال للكاهن. "لست عديم الدفاع". "على رأسك ما تجنيه". أطلق سراح فأسه من أحزمتها، وأخذ هالفدان نفساً عميقاً وخطا الخطوة الأولى في النهر. "هالفدان!" جعله صراخ فتاة صغيرة يتوقف ويلتفت للوراء. "ماذا تفعل هنا؟" "لا يمكنك مقاتلته! إنه من دماء العمالقة!" صاحت سيف. "مهما كان معنى ذلك..." عنى ذلك أنه يمتلك قوى لا يمتلكها البيرسيركر العادي، مثل قوة أكبر ومزايا أخرى. وعنى أنه في معركة مباشرة، فأساً بفأس، كان هالفدان هالكاً لا محالة. "أتعلمين هذا؟ أنت متأكدة؟" بجانبها، أومأ إيغيل. "رأيت ذلك بنفسي. للشاعر مهارة لمعرفة المواهب، وأراه بوضوح كوضوح النهار حين أنظر إليه"، أكد الشاعر. "[غضبه الجامح] قوي، أقوى بكثير من غضبك". "لا مزيد من التأخير أيها الوغد!" زأر ستاركاد. "اخرج وواجهني!" كان يروح ويجيء بالفعل، فأسه بيده، يخرخر ويحك الأرض كثر جاهز للهجوم. أو كخنزير بري، متلهف للنطح لدرجة أنه يخطئ الرمح الموجه لحنجرته، هكذا فكر هالفدان. أمر متوقع ممن هو أسير لـ [غضبه الجامح]. "أبعدها"، قال لإيغيل الذي أومأ برأسه وسحب سيف إلى الخلف. ودخل الماء بخطوات بطيئة، وأغمق عينيه مستدعياً شجرته. كان لديه بذرتان متاحتان للقوة، فوضعهما الاثنتان في [أسرع منهم]، مطوراً إياها أقصى ما يمكن حالياً. ستكفي المرتبة الثالثة. ومات خطا خطوة على اليابسة، دعا هالفدان بأن يكون قد حكم على عدوه بشكل صحيح. * كانت الجزيرة صغيرة. تحرك هالفدان إلى الطرف الآخر، تاركاً أكبر مسافة ممكنة بينه وبين ستاركاد، والتي لم تكن كبيرة على أي حال. عشر خطوات فصلت بينهما، ولحظة لمست فيها حذاء هالفدان الأرض، هجم البيرسيركر المنحدر من دماء العمالقة. فأسه مرفوعة فوق رأسه، أطلق ستاركاد صرخة معركة غير مفهومة وهو يجري للأمام. وبسلاحه الخاص في يده، انتظره هالفدان دون حراك. تلاشت المسافة بينهما سريعاً. وفي لحظات، هوت فأس ستاركاد بقوة كافية لشطر رجل لنصفين. مستخدماً كل سرعته وخفته، بمساعدة [أسرع منهم]، تفادى هالفدان الضربة وألقى بنفسه جانباً. وبحركة محرجة، مد مقبضه إلى حيث كان يقف؛ تماماً في مسار تقدم ستاركاد. ولم يستطع البيرسيركر العملاق التوقف في الوقت المناسب، فوقع حبيس قوة دفعه، وعالقت ساقاه بالمقبض. لم تعنه كل قوته على حفظ توازنه؛ فسقط البيرسيركر ذو دماء العمالقة على وجهه ممدداً. والآن، استلقى المقاتلان كلاهما على الأرض، لكن هالفدان هبط على ظهره لا بطنه، وكان يعلم ما ينتظره؛ فأسرع بكثير من عدوه، دار على عقبيه ليعود لقفازيه ولم يتردد. وبينما حاول ستاركاد دفع نفسه عن الأرض، وجدت فأسه مأخذاً. ولم يكن هالفدان بقوة عدوه، لكنه كان قوياً بما يكفي؛ فشق السلاح رقبة ستاركاد، مفصولاً رأسه عن جسده. يلهث طلباً للهواء، غير مدرك أنه حبس أنفاسه طوال المعركة، أرخى هالفدان كتفيه حين شعر بتدفق من القوة. وفي الأفق، أطلق غراب صرخة أجشة. * حين هدأت مشاعر المعركة، نظر هالفدان إلى خصمه الساقط. تذوق الدم على فأسه، بدافع الفضول المحض. [بيرسيركر من دماء العمالقة. غضبة جامح، قوة يوتنهايم] كان هذا كل ما يمكنه تعلمه من [تذوق خصمك] في المرتبة الأولى؛ واستنتج هالفدان أن هذه لابد أن تكون أقوى مهارات ستاركاد، تلك التي طورها. مجرد عضلات وبلا شيء آخر. نظر هالفدان إلى فأس الرجل الميت، المشابهة لفأسه. إن مزاج وعقل صاحبه، وخاصة ذوي الإرادة القوية، يمكن أن يملآ الأسلحة التي يحملونها. وبالنظر إلى مزاج ستاركاد، فلن يأتي خير من هذا، هكذا تخيل هالفدان؛ فكسر المقبض تحت حذائه وألقى برأس الفأس في النهر. كان لدى البيرسيركر الميت حلقات ذراع من فضة؛ فأخذها هالفدان لنفسه. وبخلاف ذلك، لم يرى شيئاً يستحق النهب. وعلى أي حال، كان هالفدان قد أخذ بالفعل ما أراده بشدة في اللحظة التي قتل فيها ستاركاد. مغمضاً عينيه، استدعى شجرته. وكما هو متوقع، كانت بذرة قوة جديدة ترقد متوهجة عند الجذور. وأخرى، في الواقع — فلم يسبق له أبداً أن اختبر كسب اثنتين في الوقت ذاته. ومع ذلك، لاحظ هالفدان شيئاً غريباً على الفور. لقد رأى الشجرة تعرض موهبته لا يعد ولا يحصى. كان يعرف كل عرق، كل ورقة. ومع ذلك، نما فرع جديد، من العدم. وحين تفحصه هالفدان، أتاه مغزاه. [موهبة الأعور] ما معنى هذا؟ تصفحت عينا هالفدان الداخلية شجرته بأكملها حتى رأى أنها تغيرت بطرق أكثر، خفية في البداية، لكنها واضحة له الآن. [موهبة بيرسيركر مبارك من أودين] أي جحيم هذا؟ وكأن الأمر لم يكف، زادت دهشة هالفدان إلى آفاق غير مسبوقة، حيث ظهرت رسالة في النجوم المتوهجة فوق شجرته. [مهمة: السفر إلى بئر أورد] ماذا؟ * على ضفة النهر الضحل، شاهد ثلاثة متفرجين المعركة، على قصرها. ورؤية هالفدان يقطع رأس عدوه بسرعة، تفاعلوا بطرق مختلفة. بدا الشاعر مذهولاً، وصفقت الفتاة بيديهما في مفاجأة مبهجة، واكتفى الكاهن بالابتسام. حين خطا البيرسيركر عبر الماء نحوهما بنظرة غاضبة، تراجع اثنان منهما؛ وبقي الكاهن في مكانه. "ما معنى هذا؟" بصق هالفدان بمجرد وقوفه أمام كاهن أودين. "ربما إن خفضت سلاحك، يمكننا التحدث كرجال متحضرين"، جاء الرد الجاف. نظر هالفدان ليرى فأسه محمولاً بكلتا يديه؛ ويزأر، خطا على اليابسة الصلبة وجعل المقبض ينزلق حتى لامست نهايته الأرض، ولم يعد مستعداً للضرب. "فسّر". "تلقيت مهمة، أظن"، أجاب الكاهن. "ومباركة"، تدخل الشاعر. "لقد فزتَ!" صاحت سيف. "لا أريد هذا"، أعلن هالفدان. "أخبر ملكك أن يبحث عن شخص آخر. كان عليه أن يذهب مع ذلك الرفيق". رمى برأسه في اتجاه الجزيرة. "كان يريدها". "أَتظن الملك العالي يقدر القوة الغاشمة وحدها؟" سأل الكاهن بلا توقف. "لا، إنه يفضل الدهاء. تهانينا، أيها البيرسيركر. أنت بطل أودين". "أرفض القيام بأمره"، سخر هالفدان. إن القيام بمهمات للبشريين يبدو متعباً بما يكفي؛ ولم يكن له رغبة في فعل الشيء نفسه لكائن خالد. "هذا خيارك. لكن المباركة قد تقلب لعنة في لحظة"، حذره الكاهن، وأصبح صوته شريراً في نبرته. "سيتقلص عقلك، وسيهيمن الدب حتى تحكمك الغريزة. ستصبح حيواناً، تُطارد ولا يُذكر إلا كقصة تحذيرية". جز هالفدان على أسنانه بإحباط؛ دائماً ما يلوحون بهذا فوق رأسه، مهددين بتحويل موهبته إلى مرض وتسمم منبع قواه. "هناك شرف في الخدمة، والواجب"، تابع الكاهن، وقد تحول صوته ليهدئ. "أبو الكل بحاجة إليك. النالأت التي جادت بك إلى أودينسفي حقيقية. أنت مطلوب، أيها البيرسيركر، من الملوك والبشر على حد سواء". "تخيل الأغاني التي سيكتبونها عنك"، قاطع إيغيل الشاعر. "سأغنيها أنا!" أعلنت سيف. "تخيل المجد الذي ينتظرك في قاعة الخالدين، جالساً عن يمين أودين لخدمتك"، أضاف الكاهن. أطلق هالفدان زفرته، متخلياً عن محاولات الاعتراض. وإن كان لا بد له من الخدمة، فقد يثبت ملك الملوك أنه سيد أكثر مكافأة من الكاهن في الوطن برانداروس. "أين بئر أورد؟" ابتسم الكاهن. "سأريك الطريق. تعال. يجب أن نعود إلى المعبد". وشرع في التحرك، يتبعه عن كثب بيرسيركر متذمر. فتحت سيف فمها لتتكلم، لكن إيغيل وضع يداً على كتفها قبل أن ينحني. "درس لكِ"، قال بهدوء. "في مواقف كهذه، لا تلفتي الانتباه إليكِ. كوني كطائر، يراقب من بعيد". وأضاف بابتسامة، "الطيور الهادئة لا تُطرد من الغرفة". بخطوات خفيفة، مضى الشاعر خلف الآخرين، متخلفاً ببضع خطوات. * لم تهدأ الاحتفالات في المدينة بعد. وستستمر حتى الفجر؛ وبالنظر إلى مدى مبكر شروق الشمس، فربما بعد تلك الساعة أيضاً. طوال الرحلة، رغم قصرها، بدت مرعبة لهالفدان. لقد مشى في هذا الدرب بالضبط قبل وقت غير بعيد، مقتنعاً بأنه يمضي نحو حتفه. والآن، لا يزال يحتفظ بحياته، لكنها انقلبت رأساً على عقب. وفي حين بدت المهمة الموكلة إليه بسيطة بما يكفي، علم هالفدان أن الكثير يكمن وراءها؛ وإلا لما كانت هناك حاجة لبيرسيركر لتنفيذها. تمتلك الملوك الكثير من الخدم؛ رجال ونساء مكرسون لهم وتُمنح مواهبهم مقابل ذلك. اختيار أودين لمحارب بدلاً من كهنته يعني أحد أمرين: أخطار تنتظرنا تتطلب فأساً للتعامل معها... أو أن شخصاً يمكن الاستغناء عنه مفضل على خادم مفضل للمهمة. لم يمنح أي من الاحتمالين هالفدان ثقة فيما ينتظره. على عكس بقية أودينسفي، بدا المعبد هادئاً. لقد انتهت مراسم الإيقاظ. كان خادم شاب ينظف الأرضية من الدماء؛ ورفع رأسه حين رأى كاهنه الأعظم، وبيرسيركر، وشاعراً، وفتاة يدخلون، لكنه لم يسأل أسئلة. قاد الكاهن الأعظم الجميع إلى الفناء داخل المعبد، حيث تجمع البيرسيركر في الأصل. "تقع بئر أورد خارج العوالم"، شرح. "لا توجد سوى طريقة واحدة للوصول إليها. يجب أن تعبروا من حيث يكون الحاجز رقيقاً. الماء الراكد على اليابسة". ومد يده نحو البركة. قطب هالفدان جبينه. "ماذا تعني؟ الماء؟" وثق البيرسيركر بموهبته والفولاذ الجيد؛ وبدَا هذا كَسحراً يفوق إدراكه، وهو ما لم يكن يؤيده. أشار الكاهن مرة أخرى بتعبير من الضيق الطفيف. "فقط اخطُ في البركة". سرت سخرية على وجه هالفدان، لكنه فعل ما أُمر به. وحين حاصرت المياه كلا حذائه، غمغم الكاهن بكلمات بينما كان يحمل حجرًا منقوشًا بالرون، وبدأ السائل يتألق بلون فضي. استدار هالفدان بعيدًا عن الآخرين، وضرب قلبه فجأة بشكل أسرع عند تفكير في المجهول الذي ينتظره؛ وفي اللحظة الأخيرة قبل اختفائه، شعر بكتلة خلفه تقفز فجأة إلى الأمام، هابطة على ظهره.
درب البيرسيركر الفصل 5
اقرأ درب البيرسيركر الفصل 5 باللغة العربية على مانجا تايم.