⟦1pkl⟧ رفعا أسلحتهما وولجا قاعة هيل. أربك البناءُ هالديفان مجدداً. كان يتوقع فناءً تحيط به مبانٍ خلف السياج تماماً مثل ضيعة محصنة. لكن البوابة أفضت مباشرة إلى مبنى واحد شغل المساحة بأكملها داخل التحصينات. ساروا في ممر يفوق طوله قامة أي رجل بأضعاف مضاعفة مع أن البوابة لم تبدو بذلك الارتفاع قط. مروا بغرفة تلو أخرى وبدت جميعها متشابهة وخالية. والأكثر غرابة...
"أين الجميع؟"
سأل هالديفان.
"بالنظر إلى عدد البشر الذين قضوا نحبهم تاريخياً، كنت أتوقع أن تكون هيل أكثر صخباً".
"الأمر غريب حقاً"
أقرّت فريديس. بدا تنفسها شاقاً لكنها لم تبد أسوأ حالاً مما كانت عليه حين وطأ كلاهما هذا العالم.
"لعلهم يختبئون من الأحياء أو يتربصون بنا".
"أشباح أو أموات أحياء، يمكننا التعامل معهم"
أعلنت سيف بثقة فرمقها هالديفان بابتسامة سريعة.
"مع ذلك، الأفضل أن نبقي حذرنا. لا بد أن ثمة ما هو أسوأ من مجرد مخلوقات ميتة حية"
حذر ممسكاً بمطرقته باستعداد. أشعل النار حول رأسها مجدداً لتساعد في إنارة المكان إلى جانب الضوء المخيف المنبعث من مصابيح خفية. لم يحدث ذلك فرقاً كبيراً لكنه شعر بارتياح لوجود مصدر ضوء ملموس وحقيقي وإن بدا باهتاً وشاحباً مقارنة بالنار الحقيقية.
"أشك في أن أياً منا نوى التخلي عن يقظته"
علقت فريديس.
"أرى أحداً يشعر بتحسن كافٍ لإظهار بعض الشجاعة"
تمتم المقاتل الهائج بسخط مصطنع؛ وسرعان ما سرّه سماع حدّة كلماتها التي أعادت إلى الأذهان أوقاتاً خلت وصحة أفضل.
"ما هذا؟"
قاطعتهما نبرة سيف. ظهر شكل في نهاية الممر الغريب. بدا بعيداً للوهلة الأولى ثم مثل فجأة أمامهما. ميت حيّ لا شبح، يرتدي ثياباً ويقبض على فأرسة ضخمة.
هتف هالديفان مذهولاً: "يلفا!".
* * *
غمرت هالديفان موجة ذنب عند رؤية جثتها. استعاد لحظاتها الأخيرة وأدرك أيضاً أنه لم يمنح خياراً فطرد ذلك الإحساس من عقله.
"آه، إذن تعرفني. ليس الأمر كأنك منحتني أي تفكير طوال هذه السنين".
كانت نبرة المقاتلة الهائجة مليئة بالعتاب رغم أنها بدت كما كانت عليه أيام حياتها.
"ماذا، هل يمتلك الأموات طريقة لقياس الأفكار الموجهة إليهم؟ أم كنت تنتظرين صلوات؟"
سخر هالديفان. تفاجأ لكونها لم تلمه على نهايتها، وإن كانت هذه شكواها الوحيدة فسيكون بمقدوره ردها بسهولة.
"حرصت على دفنك بمراسيم تليق بك على محرقة. كوني غفورة لأنك لست شبحاً في هذا المكان".
"أكون غفورة؟ أنا التي علمتك كل ما تعرفه؟ ومنحتك قواك؟ أين امتنانك أيها الفتى؟"
ضحك هالديفان بلا تصديق. أين ذنبها فيما اقترفته بحقه؟
"أتصدقين هذا؟"
سأل متجهاً نحو رفيقيه فلم يجد لهما أثراً.
* * *
حدقت فريديس في الشكل الماثل أمامها.
"أفترض أنه لا مفاجأة في رؤيتك هنا بالنظر إلى المكان الذي أرسلتك إليه".
رمقها الرجل الواقف أمامها المرتدي ثياباً فاخرة مطرزة بالفضة مع حليّ بابتسامة احتقار.
"هذا ما فعلتِ. لا نهاية مشرفة في معركة لي، بل موت مخزٍ على يد امرأة!"
وبصق بغير لعاب.
* * *
"كيف لك أن تموت بشرف وأنت لم تعش قط بشرف؟"
سألت ببرود.
"يا طفلي، يا طفلي".
بسطت المرأة الموجهة نحوها سيف ذراعيها فخطت الفتاة بسعادة إلى حضنها.
"أمي!"
"يا طفلتي المسكينة"
تحدثت بنبرة مهدئة وهي تربت على شعر سيف.
"كل ما عانيته".
تراجعت الفتاة قليلاً متلفتة في الممر لتكتشف أنها وحيدة مع المرأة الميتة.
"أين البقية؟"
"لا أعلم يا عزيزتي. جل ما أعلمه أنني افتقدتك. تبدين مروعة وكأنك مررت بكل أنواع الأهوال!"
أسندت سيف رأسها إلى حضن أمها مجدداً.
"لا أعلم من أين أبدأ".
* * *
حدقت يلفا في تلميذها السابق بازدراء.
"أبهذا تكرم الهدية التي منحتك إياها؟ والمعرفة التي شاركتك إياها؟ لست سوى أداة للملوك تؤدي أعمالهم القذرة لتنبذ متى فرغوا منك!"
ضيق هالديفان عينيه وشعر بغضبه يتأجج.
"ما طلبت هذا قط! فرض أودين هديته عليَّ ووضعني على هذا الدرب! تماماً كما فعلت أنت! أخذ طفل يتيم بلا نصير يدافع عنه وتحويله إلى نسختك!"
"صحيح أيها الفتى، كنت يتيماً بلا مستقبل!"
صاحت يلفا.
"لولا أنا لكان السؤال الوحيد هو ما إذا كان البرد أو الجوع سيقتلك أولاً!"
"ما أردت هذا قط!"
صرخ هالديفان بالمقابل. وانقبضت أصابعه بقوة حول مقبض سلاحه.
"جعلت مني منبوذاً! قتلت صديقي الوحيد بسبب ما فعلته بي!".
* * *
"لن أسمح لشامة قتلت سيدها الشرعي بأبشع الطرق الجبانة أن تشكك في شرفي"
سخر الإيرل.
"كان حريّاً بهم ترك الكلاب تذيك حين تعقبوك!"
ابتسمت فريديس.
"ربما. لكنك أنت من مات ككلب يئن بينما يتدفق الدم من جرحك وتتوسل لينقذك موتك لكن الحروف استعصت على شفتيك".
بملامح مفعمة بالازدراء، استل سيفه.
"الآن دورك".
لم تكلف نفسها عناء الرد سوى بتوجيه طعنة سريعة برمحتها.
* * *
"أعذار".
ضحكت يلفا باحتقار.
"ما زلت ذلك الطفل الخائف الرعديد. تخشى فعل أي شيء وتتطلب الدفع والوخز لتخطو خطوة واحدة".
"لقد قطعت كل هذا الشوط"
رد هالديفان بغضب بارد.
"واجهت مسوخاً ووحوشاً أسوأ بكثير مما تتخيلين. سافرت عبر العوالم ونجوت من أفظع ما ألقته في وجهي. لقد تجاوزتك منذ زمن طويل".
"المزيد من الكلمات".
رفعت الفأرسة في يديها.
"أثبت ذلك".
"بكل سرعة!"
بخطوة سريعة ألغى هالديفان المسافة لتتحدث مطرقته نيابة عنه.
* * *
"ما الذي يجري؟"
التفتت سيف حولها.
"سمعت صوت قتال".
"شؤون الكبار"
أجابت أمها.
"هذا كل ما نفعله يبدو لي أحياناً. نقاتل ونتجادل".
"كل هذا خدعة أليس كذلك؟"
رفعت بصرها إلى المرأة.
"لأعود أدراجي. أو أستسلم".
"لا أعلم يا طفلتي"
جاء الاعتراف.
"هذه الأمور تفوقني. لقد قطعت شوطاً طويلاً يتجاوز بكثير ما تخيلته لك. أنا فبورة بك".
"شكراً يا أمي"
شمت سيف وابتسمت.
"لن أسأل إن كنت بأمان لأنني أعرف الإجابة. لكن هل أنت برفقة أناس صالحين؟"
"أجل، لا تقلقي. سيعتنون بي. وأنا أعتني بهم".
ربتت أمها على شعرها مجدداً.
"هكذا يجب أن يكون الأمر".
* * *
تجنبت فريديس السيف المهاجم بمهارة متراجعة للخور لتكسب مسافة وتستغل مدى سلاحها. امتلك خصمها السلاح الأقل ملائمة لقتال بهذه الشروط لكنه حاز مهارة عوضت النقص. تفادت كل هجوم بمهارة لكن قصر مدى سيفه منع من الرد بالمثل. وبوجه مشوه بالغضب، ضربت فريديس مجدداً مستهدفة ساق الإيرل لتسقطه على ركبتيه.
* * *
رسم هالديفان ابتسامة قاسية وهو يقيم يلفا. بدت يوماً مهيمنة ومهابة لفتى غرير ينشأ في ظلها. أما الآن ومواجهتها كبالغ، أدرك أنها لا تساوي شيئاً مقارنة به. فاقت قواه خاصتها بكثير في كل جانب تخيله. لن تملك أي حظ. سددت فأرستها لكن مهارة [أسرع منهم] مكنته من تفاديها بسهولة؛ فأياً كانت القدرات التي تمتلكها في الموت فلا يمكنها مجاراة مقدرته. مزق ألم حاد أفكار هالديفان. ظهر خط دم على طول ساقه.
جرح سببه قطع سريع. لكن سلاح يلفا لم يقترب من ساقه ولن يخلف فأر بهكذا زخم إصابة طفيفة كهذه. تحركت للأمام مجدداً مستغلة ارتباكه، ومع أن إنهاء القتال بسحق رأسها كان أمراً سهلاً، إلا أن هالديفان تعلم الوثوق بغرائزه. تراجع عوضاً عن الرد ليوفر الوقت. ولمحت عيناه رمشتين أنفق خلالهما بذرتين ليرفع [غضب المقاتل] أولاً ثم مهارته التابعة [عدو السحر]. وحين حدق في يلفا الآن، أزعجه أمر ما تماماً كالتحديق في انعكاس مشوه على صفحة ماء.
استعاد القتال في المخبأ السفلي بيوتونهايم حيث واجه صورة مرآته.
"توقف!"
نادى. كان الحل هناك هو الكف عن القتال فحسب، لكن هذا الاستدعاء واصل تقدمه نحوه.
"ابق بعيداً! فريديس، سيف!".
* * *
"كم سيستمر هذا؟"
سأل سيف بينما ما زالت أمها تحتضنها.
"ليس طويلاً يا طفلتي"
اعترفت أمها.
"كانت هذه لحظة مسروقة على الدوام. ورفاقك ينادونك. أسمعهم يهتفون باسمك".
"أثق في ذلك. لا يمكنهم فعل الكثير دونهما بالفعل"
أعلنت الشاعرة. تراجعت لتنظر إلى أمها للمرة الأخيرة.
"أفتقدك يا أمي".
"أعلم يا عزيزتي".
داعبت وجه ابنتها.
"أن يفتقدنا أحدهم هو طريق بقائنا أحياء حتى في الموت".
مررت سيف كمها على وجهها وتنحنحت قبل أن تبدأ الغناء. مراثي فقدان منسوجة بألم عميق للمغادرين وهي تؤفع سحرها على الأحياء والأموات معاً. وبابتسامة حزينة، مسحت أمها دمعة وتلاشت ببطء.
* * *
تبقت لهالديفان بذرتان مكنتاه من ترقية [عدو السحر] أكثر. لم يجد خياراً آخر للهروب من أي وهم أُسقط عليه، مع تخوفه في الوقت ذاته من ألا يكفي ذلك. وإن كانت هذه خدعة استدعتها هيل بنفسها، وجب أن تكون قواها أعظم بكثير من مقاومته. تخلل تأملاته تلاشي يلفا أمام عينيه. رمش لا لينفق بذرته بل حيرة فحسب. وبعد لحظات، اختفت معلمته القديمة. وعوضاً عن ذلك، حدق في فريديس وهي تلوح برمحتها بينما وقفت سيف على مسافة منهما لتنهي ترنيمتها التي اخترقت الحجاب.
"ماذا - ماذا حدث؟"
سالت فريديس. ومع انتهاء مجهودها، حاولت التنفس بعمق لتستند في النهاية إلى الجدار.
"بالطبع. كانت مجرد ألاعيب".
"تستخدم ذكرى الأموات ضدنا"
تمتم هالديفان.
"أأنت جرحى؟"
سأل باهتمام.
"لا، متعبة فحسب. لكن أنت - ساقك"
تنفست بصعوبة.
"ستكون بخير".
نظر باتجاه سيف.
"وأنت؟ أأذاك أحد؟"
"عكس ذلك تماماً. أنا بخير"
أعلنت.
"ألم تتعرضي لهجوم؟"
"ليس بالطريقة التي اختبرتها، لا".
قطبت الشاعرة جبينها بتفكر.
"أعتقد أننا واجهنا ما نحمله معنا. كلاكما قاتل أحدهم على ما يبدو. أنا لم أفعل".
"رأيت يلفا، معلمتي القديمة. التي صنعت مني مقاتلاً هائجاً".
"ليست لم شمل سعيدة؟"
سالت فريديس.
"ليس تحت هذه الظروف. ربما يساورني قليل من الغضب حيال الأمر برمته. من يدري؟"
"وما أمرك أنت؟"
سألت سيف ناظرة إلى المرأة.
"من رأيت؟"
"لا أحد يستحق الذكر".
استقامت فريديس مستخدمة الرمح عوضاً عن الجدار لتدعم نفسها.
"لننطلق. إن كان هذا أفضل ما يملكونه، فلا أخشى ما ينتظرنا"
أكدت. اعتقد هالديفان أنه يعرفها بما يكفي ليدرك أنها تظهر شجاعة زائفة ربما لأجل سيف أو لنفسها. لكنه لم يجد حاجة لتبديد هذا الوهم.
"حسن القول. هذه الأشباح، سواء أكانت حقيقية أم متخيلة، لا تشكل خطراً علينا".
"كنت لتقاتلهم إلى الآن لولا استخدامي أغنيتي"
تمتمت سيف.
"حسناً، فلنحتفظ لكل ذي حق حقه"
أقر هالديفان.
"لقد قطعت شاعرتنا الصغيرة شوطاً طويلاً".
رسم ابتسامة تناسب كلماته خفيفة الظل ليخفي بها الخوف المتنامي في صدره. لم يستطع تخيل ما قد يواجهونه من قوى هيل أو كيفية مقارعتها، لكنه وبعينين موجهتين نحو فريديس أدرك أن الوقت ينفد.
"حسناً. ساقي بخير الآن. وإن كنا جميعاً قطعة واحدة فعلينا المضي".
ومأوا رفيقاه برأسهما موافقين وتابعا المسير.