بقي هالفدان وحده فالتقط المقبض المعدني المتبقي من سلاحه المكسور. سيصلح هراوة أو عصاً قصيرة. إنه بديل هزيل لما خسره لكنه أفضل من العُري بلا سلاح. رفقة أفكاره وحدها جعلت شكوكه تتضخم مع كل لحظة تَمُر. لقد سمح لنفسه بخسارة أكبر ورطين له: مطرقة الرون وعنصر المفاجأة. وسمح لسيف بالعودة إلى خاطفها. وها هو ينتظر متروكاً بلا قدرة على الفعل. كان هذا الشعور الأخير أكثر ما يؤلمه.
يستطيع هالفدان التحلي بالصبر عند الحاجة. يمكنه احتمال المسيرات الطويلة والجوع والعطش. بشرط واحد. أن يدرك أن الأمر يستحق، وأنّه يقترب من هدفته. حينها يثبت ذلك الصبر قيمته. أمّا هنا، فربّما تفكك كل شيء بالفعل ولن يعرف بذلك إلّا فوات الأوان. راح يخطو ذهاباً وإياباً في الغرفة الضيقة التي لا تحيط بها سوى حجارة ميتة. قرر الانتقال في النهاية. إن كان هذا كله خطأ فلن يرضى بالقبض عليه واقفاً في المكان نفسه.
أدرك ضرورة البقاء بالقرب لتتمكن سيف من العثور عليه مجدداً. لكن إن طُلب منه الصبر فليُظهر شيئاً من الحذر أيضاً. سار في الممر معثوراً على مخبأ آخر. ما زالت [بركة الأعور] تساعده على الاندماج في الظلال. فرغم طوله الفارع الذي يتجاوز ست أقدام، بدا صعب الملاحظة بشكل ملحوظ. أدرك هالفدان في قرارة نفسه أن هذا ربّما لا يهم. لم تبدو العمالقة مستخدمة للبصر في توجيه نفسها على الإطلاق.
بل بالاهتزازات في الأرض أو الصوت المنتقل عبر الهواء. لم يحمه مهارته. بل إعاقة العمالقة بفضل تشكيل الأقزام لهذا المكان بأسره. مع ذلك، أدرحه هالفدان شعوراً بأنه يترجم شيئاً ما، أي شيء، وخفف ذلك من قسوة الانتظار قليلاً.
* * *
لم يملك هالفدان أي دراية بطول فترة انتظاره وسط إحاطة من الصمت والظلام التامين. أطلق زفرة حين سمع وقع خطوات خفيفة ومترددة. اقترب الثنائي الغريب، العملاق والطفلة، وكادا يصلا إليه حين خرج من مخبأه.
قال لهما بهدوء: "أنا هنا"، وأشار إليهما بالانضمام إليه داخل الغرفة بعيداً عن الممر.
تجاوزت سيف ذعرها وتبعتْه، ومثلها رمبل.
هتفت بابتسامة: "نجحت! أعرف ما يبحث عنه لوكي. مطرقة. مطرقة سندري".
"لأي غرض؟"
تبهت تعابير سعادتها.
"لا أعرف".
ثم عاد المرح إلى وجهها.
"لكنني أعرف أين توجد!"
"أحقاً؟ وكيف؟"
ابتسمت سيف متسعة الشفتين هنا.
"ظنّ لوكي وجود بوابة تؤدي إلى ورشة سندري السرية. عثر على واحدة ليست بعيدة من هنا وجعلني أنقش حجراً ينشطها. لكنها ليست البوابة الصحيحة!"
ضحك هالفدان: "هكذا دخلتُ المدينة خفيةً إذن! إن كان قاصداً تلك فهنالك خيبة أمل كبرى بانتظاره! لكن أين المكان الحقيقي؟"
"توجد بوابة أخرى. لم يلاحظها أحد لأنكم جميعاً طِوال القامة".
ابتسمت سيف بانتظار الظفر.
"توجد كوة شديدة الانخفاض بجوار المجرى. وبوابتها منقوشة على سقفها".
حدق هالفدان في الشاعرة بافتخار: "هاه، ذكيّة".
تابعت قائلة: "وقد أوحى لي هذا بفكرة. نعبر البوابة ونستحوذ على المغفر ونغادر".
صفع البيرسيركر شريط المعدن في يده على كفه المفتوحة. أراد توجيهه إلى وجه لوكي، لكنّه رأى حكمة الفكرة. المعركة ضد الخداع وفرايديس وأي عدد من العمالقة لم تكن في صالحهم.
"نغادر عبر البوابة الأكبر إلى ميدغارد. لنتركه عالقاً هنا بلا مطرقة وتتحطم خططه".
أو, ما هو أفضل، أن يرسل سيف عبر البوابة بالسلاح بينما ينصب كميناً للوكي المبعد عن حلفائه. لكنه عرف أن الفتاة لن توافق على هذا فاحتفظ به لنفسه.
"بالضبط! لكن علينا الإسراع. أنا متأكد من أن لوكي في طريق عودته بالفعل".
"حسناً".
رفع هالفدان بصره إلى العملاق الواقف خلف سيف صامتاً حتى ذلك الحين.
"وما أمرك أنت؟ ألن تقف في طريقنا؟"
"همم. لا".
ابتسمت سيف مرة أخرى: "لنذهب".
* * *
عبر الاثنان المجمع وهالفدان يقتفي أثر الباقين متخفياً في الظلال بخطوات متأخرة. لم يلقَ أحداً. ما زال العمالقة يزيلون الممرات المنهارة في مكان آخر، وبدت ورشة الحراسة فارغة. وما إن بلغوها حتى توجهت سيف إلى الكوة وجلست تشير إلى الأعلى بابتسامة. انحنى هالفدان لدرجة كادت توقعه، ورمق الداخل ليرى حلقة الرون على السقف.
"أنا لعين حقاً. لكن كيف ننشطها؟ أتفظلين الكلمات؟"
أومأت سيف: "أفعل. لكن المكان لا يسعنا جميعاً لنعبر معا".
نظر هالفدان إلى الكوة الصغيرة. كاد بالكاد يحشور نفسه وحده فيها فما بالك بغيره.
"دعينا أجلس في الداخل".
خرجت سيف وتسلّق هو للداخل. اضطر للاستلقاء بركبتيه القريبتين من ذقنه، لكن الأمر نجح. غادر سريعاً ممدداً ظهره.
"لن أفعل هذا أطول من اللازم. لكن إن تسلقتُ للداخل، أتستطيعين تنشيط البوابة وإرسالي عبرها؟"
سألت سيف: "وكيف ستعود؟ أظن بإمكاني التسلق خلفك".
قال هالفدان مسرعاً: "لا. لا ندرك ما يوجد في الجانب الآخر. قد تكون محتضنة بالفخاخ بسهولة".
فكرت الشاعرة: "حسناً، يمكنني نحت رمز لك".
ونظرت إلى العملاق: "يا رمبل، أتسمح لي بحجر؟"
"همم. تطلبين إيذاء الصخر الحي، همم، همم".
"ستستعيده فور انتهائنا منه. يمكنك تطهيره في النهر المشتعل، أليس كذلك؟"
"همم. أظن ذلك".
أخرج العملاق طرفاً من جذعه وأسقط حجراً مستديراً أملس في يدي سيف.
قالت وهي تربت على المخلوق الصخري قبل التقاط إزميل: "شكراً لك، أنت الأفضل. سأشحنه بقوة كافية ليعمل مرتين لتبدأ نحت الرونات. لتتمكن من استخدامه للعودة".
"جيد".
حدق هالفدان فيها وهي تعمل. عجز عن تصديق افتقارها للسحر قبل أسابيع قليلة وحملها لسحر الرون الآن. وعجز عن تصديق عدم تفوهه بكلمة لها قبل أشهر ومستعد الآن لإحراق العوالم بنيران موسبيهايم إن مسّ طفلته أذى.
تنحنح: "أنت، أيها العملاق الصخري. يا رمبل. إن لم أعد سريعاً فخذ هذه الفتاة وبلغها إلى البوابة الكبرى. تأكد من وصولها إلى البيت".
احتجت سيف: "لن أتركك".
"اعدني بهذا".
"همم، همم. أحمي الطفلة، همم. أبلغها البيت، همم، همم".
سيكفي هذا. انحنى هالفدان ومدّ يده لقبول الحجر. رمق سيف بابتسامة خافتة أخفت قفزة القلق المفاجئة في أفكاره. ترددت كلمات النورن في ذهنه بلا انقطاع. بعد ورشة سندري لم يكن ينتظره سوى قاعة هيل.
بجرع لعابه، انتزع تلك المشاعر من صوته إن لم يكن عقله: "أراك قريباً".
أحاطت الفتاة عنقه بذراعيها في معانقة محكمة. وحين تراجعت أخيراً، عكست تعابيرها تعابيره ولم ينطق اثناهما بحرف. أخذ هالفدان نفساً عميقاً، تسلق الكوة الصغيرة مرة أخرى ورفع الحجر في يده ليضغط على دائرة الرون المنقوشة في السقف. وفي ومضة ضوء، اختفى.
* * *
أحاط الظلام المألوف بهالفدان. وكرحالة بوابات مخضرم الآن، عرف ما ينتظره. طالما امتلك أرضاً صلبة تحته بدلاً من الغرق في الماء، عدّ نفسه محظوظاً. لقد افتقد مطرقته الرونية التي تستطيع بكلمة إنارة المكان؛ فكان مقبضها المعدني في يده اليمنى تذكرة مؤلمة. لم يلمع شيء هنا أسفل. وإن أضاءت رونات البوابة أثناء نقله، فقد اختفت أسرع من أن تترك أي أثر.
راودته فكرة فنطق بصوت عالٍ محمل بالقوة: "سول".
وتوهج فانوس بجواره فابتسم هالفدان لنفسه جزاء تخمينه. حتى الأقزام احتاجوا إلى حد أدنى من الضوء، ولم يمتلكوا شيئاً فجاجاً كالمشاعل أو المصابيح طالما توفرت لديهم قوى أفضل. التقط هالفدان مصدر الضوء. كان فانوساً صغيراً نحيفاً إذ لم يحتج لمساحة لشمعة داخل ألواحه الزجاجية. بل تكون ببساطة من أربعة جوانب منقوشة برموز تولد التوهج وحلقة بالأعلى لحمله بها. رفعه عالياً متفحصاً محيطه.
انتابه شعور بوجوده في مكان ضيق ومكتظ. امتلأ الهواء بالغبار، ومع عجز الفانوس عن إنارة الغرفة بأسرها، بدت محاطة ومغلقة. ملاذ صغير لصانع الأقزام الشهير، وأعظم الحرفيين قاطبة. أخبرت سيف هالفدان قليلاً عن سندري حين ذكر اسمه للمرة الأولى. ولم يلقِ البيرسيركر بالاً كبيراً، لكنه أدرك صنع أدوات لا تصدق بيده. وافتراض هالفدان مطاردة لوكي لعنصر مفقود، سلاح غالباً، ذا قوة مذهلة.
بدا غريباً معرفة كونه مطرقة سندري على ما يبدو، لا سلاح حرب بل أداة خلق. لكن من يدرك أي قوى عجيبة امتلكتها؟ ومع هذا، لن يسمح هالفدان بوقوعها في يدي لوكي. استمر هالفدان في استكشاف المخبأ ليرى جزءاً مشغولاً بالأثاث. منضدة وكرسي أمامها. وأكثر من ذلك، جلس أحدهم على الكرسي. اقترب بحذر منحنياً ببطء ليرى الشخص من الأمام. استقبلته جمجمة هيكل عظمي مبتسم. قللت معرفة ما ينتظره من الصدمة لكن هالفدان ارتعش بخفة ضئيلة مع ذلك.
وبعد زوال انزعاجها، أُعجب بكيفية ارتداء القزم لملابس لم يتحلل منها مثقال ذرّة. بدت أيدي الأقزام قادرة على صنع أشياء تعيش لدهور. لكن أجسادهم لم تحظَ بذات المتانة على ما يبدو. افترض هالفدان كونه سندري، هارباً إلى ملاذه ليموت فيه. واستدار من الكرسي إلى المنضدة رافعاً الفانوس مجدداً لتفحص محتوياتها. احتوت أدوات كتابة مع رسالة أو ملاحظة مدونة على رق، كأن الصانع جلس لكتابة رسالة ومات من شدة الجهد.
وما أُهِمّ، رقدت مطرقة بجوارها. بدا المقبض قصيراً، أقصر من أن يُستخدم كسلاح بيد واحدة في المعركة. وعلى العكس، بدت الرأس ثخينة ومكتظة، أكبر وأثقل مقارنة بالتصميم الأنيق والنحيل المفضل للقتال. كانت أداة صانع صاغ سندري بها أعظم الآثار. طاردها لوكي، لكن هالفدان وجدها. بابتسامة عريضة، وضع البيرسيركر الفانوس على المنضدة ومدّ يده لانتزاعها. قاطعه صوت كشط، كشخص يجر حافة معدنية على أرضية حجرية.
استدار هالفدان فوراً رافعاً هراوته المعدنية بكلتا يديه. وتساءل للحظة عما إذا كانت مهارة [حدة الحواس] قد خذلته لتستحضر أصواتاً وهمية. أوحت له كل المؤشرات بوحدته وعدم دخول أي شخص هذه الغرفة لقرون، منذ موت القزم على الكرسي. الهواء العفن، الغبار المستقر، صعوبة الوصول، المطرقة الثمينة المتروكة بلا مساس. دلّت كلها على كونه الزّائر الأول منذ سقوط المدينة في أيدي العمالقة.
ومع استمرار صوت الكشط، أدرك هالفدان الحقيقة بعد فوات الأوان. لا تحتاج كل الأشياء إلى طعام أو ماء أو حتى هواء. تتحلل اللحوم لا ما تصنعه أيدي الأقزام. ومع وجود الفانوس على المنضدة خلفه، حجب هالفدان وصول الضوء إلى الغرفة. وحين تحرك جانباً، سقط توهجه أخيراً على حارس ورشة سندري.