خطا هالفدان خطوة أخرى واسعة بين التوابيت الحجرية والتفت برأسه في كل اتجاه. أحسّ كأنه يشارك في لعبة طابور الألواح، غير أنه لم يكن اللاعب بل قطعة على الرقعة، تتحرك وفق شبكة مربعات حتى تطيح بها قطعة معارضة. بدت حلقة الضوء المنبعثة من مطرقته صغيرة وضعيفة، كأن الظلام ذاته عدوه، يهدد بابتلاعه وإغراقه. ارتطمت قدم هالفدان بشيء فنظر إلى الأسفل. جثة متفحمة. قزمٌ، قياساً بالحجم، وهو المتوقع.
شاب ذَكَر، استدلالاً بما تبقى من لححيته. انحنى المحارب الهائج لتفحص الرفات. بدت قميص سلاسله ممزقة في مواضع عدة، مما يشي بسلاح حاد قادر على اختراق الفولاذ. تكسرت ساقه بضربة تشبه ما تنجزه مطرقة هالفدان. توفرت رؤية جروح أخرى كثيرة، وبالمجمل، أعطت الانطباع لمحارب فاقد التكافؤ دُمّر تماماً على يد خصم متفوق. بلغ هالفدان صوت معدن يحكّ حجراً فوقف بسرعة. أنبأه [إرهاف الحس]
بالاتجاه فاستدار نحوه. تعجب من مقدرات هذا الحارس؛ من الواضح أنه قوي، لكن التخفي لم يبدُ بين مهاراته. لم يقاتل قط خصماً مصطنعاً؛ يُفترض أنها لا تمتلك هبات بالطريقة التي تمتلكها الكائنات العاقلة. بالنظر إلى الطريقة التي أردى بها هذا الوحش الفولاذي القزمَ عند قدمي هالفدان، لم يكن بحاجة إليها أصلاً. استمر الكشط. مدّ هالفدان عينيه فرأى حركة في السواد. فولاذ رمادي، بالكاد يتبين، لكنه ما إن دنا منه حتى أخذ شكلاً كأنه مسبوك من الظلام نفسه.
شامخاً فوقه، علا بناء بطول ثمانية أقدام، مصنوع برمته من معدن. حُفرت رُنى على الأسطح. خلا من رأس، واقتصر على جسم وأربعة أطراف. ساقان تتيحان الحركة، وذراعان، وإن انتهت إحداهما عوضاً عن اليد بنصل طويل، والأخرى بمطرقة. أمعن هالفدان النظر في هذا المسخ حانياً رقبته فسبّ. وفي اللحظة التالية هجم. * بالنسبة لرجل من معدن، تحرك الوحش بسرعة. بخطوة واحدة، سريعة وطويلة، وقف الحارس أمام هالفدان وضرب بكلتا ذراعيه.
جاءت المطرقة منخفضة والنصل مرتفعاً. لم تكن لدى هالفدان رغبة في ارتياد الدفاعات أو الصد ضد ضربات خصم كهذا؛ شاكراً [أسرع منهم]، قفز إلى الوراء خارج دائرة الأذى. أدرك فوراً أن هذا سيحسم النقال على الأرجح. نظرة واحدة إلى جثة القزم أخبرته بأنه لا يستطيع توقع النجاة من ضربات هذا الخصم. يستطيع المحارب الهائج المصاب مواصلة القتال، مهما تفاقمت جروحه، غير أن المحارب الهائج الميت لا يستطيع.
لحسن الحظ، كان قتل العمالقة الجبابرة والمتصيدين مجزياً. طرْفاً، أضاف هالفدان إحدى بذوره المتاحة إلى المهارة، رافعاً إياها إلى الرتبة الرابعة؛ وهي الأعلى التي يمكن بلوغها الآن حتى يرفع جميع المهارات الأخرى التي تعتمد عليها. تراجع خطوة، متخذاً مكاناً عند تقاطع الصفوف، مما أتاح له مساحة في كل اتجاه للمناورة.
تمتم: "تعال إليّ إذن أيها الألفع الضخم".
لبّى الحارس الطلب. تجول هابطاً بين الأعمال الحجرية التي تحتضن ملوكاً أمواتاً منذ أمد بعيد، شاقراً أسلحته لضربة. وما إن بات في المدى حتى هجم بكليهما. تفادى هالفدان وردّ الضربة، محطماً المطرقة بمفصل مرفق ذراع السيف. حظي بنجاح يتزايد تدريجياً أكثر مما حققه خصمه؛ وفي حين سحق الحارس بلاط الأرضية فحسب عوضاً عن اللحم، أحدث هالفدان انثناءً طفيفاً في المعدن. دار مدافع القبر حول نفسه بسرعة أكبر مما ينبغي أن تكون ممكنة، واستناداً إلى كيفية رفعه لكلا الطرفين لضربة أخرى، لم يتأثر بتاتاً بضربة هالفدان.
متراجعاً إلى الوراء، اشترى المحارب الهائج بعض الوقت بينما أخذ يفكر. استغلال غضبه قوة إضافية بدا أمراً مستبعد الفائدة. وحتى لو استعمل كامل القوة المتاحة له، استبعد أن تحدث ضرباته ضرراً كافياً ضد خصم مصفح لهذه الدرجة، فالقتال في غضب أعمى سيوصله إلى حتفه لا محالة. حاول مجدداً، متفادياً هجوم عدوه بينما سدد ضربة أخرى نحو النقطة ذاتها. وفي الضوء المرتجف المنبعث من سلاحه، عجز عن تبين ما إذا كانت الضربة الثانية قد أحرزت تقدماً ملحوظاً، سيما وأن الحارس لن يجيبه بالبقاء ساكناً لإتاحة فحص أفضل.
باستمرار، تراجع هالفدان، متحركاً في دوائر مربعة لتفادى ضربة مميتة. استطاع فعل هذا لساعات، بيد أنه لم يبدُ أمراً حكيماً؛ إذ توجب عليه التحرك بإتقان في كل مرة لتفادي الحارس، في حين احتاج الحارس إلى الاصابة لمرة واحدة فقط لتعجيز هالفدان. سيترك ذلك [غضب المحارب الهائج] خياراً وحيداً له لمواصلة القتال، لكنه كان قد أسقط هذا الخيار بالفعل. محاولاً دراسة عدوه، بحث هالفدان عن مواضع ضعف أخرى.
بدت المفاصل نقطة الضعف الوحيدة؛ أما البقية، بقية أطرافه وجذعه، فبدت متساوية ومتينة. ولكن أي سحر بعث فيه الحياة؟ متفحصاً حركاته، ومحافظاً على مسافته، لاحظ الرُنى المحفورة على بشرته المعدنية. استبعد أن تكون زخرفية، نظراً لما تعلمه هالفدان عن الأقزام واستعمالهم لهذه الرموز. مخاطراً بهجوم آخر، انتظر هالفدان، وتفادى، وتحرك قريباً بالقدر الكافي لتحطيم الحارس على درع صدره.
أحدث انبعاجاً، وبدا عدوه للحظة مترنحاً متعتعاً. رغم ذلك، التفت لمواصلة القتال؛ وشعر هالفدان، بعدما تحرك خطوة أقرب من اللازم للإفلات بنظافة، بيد المطرقة تهوي على رأسه لتسحقه. أنقذت الخوذة حياته، بلا أدنى شك، غير أنها ظلت كافية لرميه طائراً نحو أقرب تابوت. تغيم بصر هالفدان، وسمع طنيناً، ولم تُبقِ يداه متمسكتين بأسلحته سوى الغريزة. صرخت خبرته القتالية في وجهه ليتحرك، عالماً أن تحول محارب معجز إلى محارب ميت لا يتطلب سوى لحظة، ولن يضيع عدوه تلك اللحظة.
تراجع دحرجتاً، تماماً اللحظة التي شق فيها نصل موضِع بطنه بينما سحقت مطرقة الحجر حيث استقر رأسه. عائداً على قدميه، تراجع هالفدان أكثر، لأجل أي شيء يشري له وقتاً. كاد يتعثر وهو ينتقل إلى تابوت حجري آخر. وما زال الحارس يقبل عليه، لا يكل، والمعدن يحكّ الأرض كلما رفع قدماً. مع عودة حواسه، ثبت هالفدان نفسه. واصل التراجع، محاولاً دراسة تجسيد الفولاذ والموت المرعب الذي يطارده.
أدرك أن هجومه الأخير قد غير شيئاً. ومع كل حركة من تلك الأطراف المعدنية، توهجت الرُنى بقوة أكبر؛ فرأى خطوطاً ممتلئة بضوء خافت، شبيهاً بسحر البوابة وهي تملأ كل فرع من شجرة العالم التي تشابهها. ومما يسترعي الانتباه، بدت جميع الرُنى متصلة بجذع هذا الوحش عديم الرأس. لقد أحدثت ضربة هالفدان ضد درع الصدر انبعاجاً كافياً للكشف عن ضوء يسطع من خلفه. كان هذا كخلْق أقيم في فرن لا مولوداً، لكن صانعه من لحم ودم وكان عليه استمداد الوحي من مكان ما.
غذّى السحر هذا الكيان، وبدا أنه على الرغم من صنعه من فولاذ، فإنه يمتلك قلباً على أي حال. هكذا أمل هالفدان على الأقل؛ فالاقتراب بالقدر الكافي لتسديد ضربة أخرى واكتشاف الأمر بدا أمراً مرهقاً، بالنظر إلى أن المحاولة الأخيرة كادت ترديه قتيلاً. غير أنه لم يستطيع الفرار في دوائر حول هؤلاء الأقزام الهالكين إلا طوال وقت محدود. ولم يغب عنه ألا يستهين بعدوه. حين دنا ليضربه، تماسك هالفدان وانتظر حتى اللحظة الأخيرة.
انحنى إلى الوراء استجابة لطعناته، متیحاً للمطرقة والنصل الاجتياز مجتازين إياه، وهجم بضربة أخرى مباشرة صوب درع الصدر. وما إن أحس بالارتطام حتى تراجع. تحرك بسرعة كافية لتفادى المطرقة التي هددت بتحطيم جمجمته، وتفادى النصل كذلك – إلا أنه أساء التقدير، وفي حين أفلت جسده من أي أذى، لم يفعل سلاحه. وحين سحبه، شق سيف الحارس المقبض. طار رأس البرونز في الهواء ليحط على تابوت، وما زالت ناره تشتعل.
رامياً بعيداً شظية الخشب عديمة الفائدة بينما يتراجع، قبض هالفدان على المطرقة الأخرى من ظهره. فكر مطولاً: لهذا السبب تمتلك احتياطياً، محافظاً على مسافته بينما يقيم الضرر الواقع. لم يتعرض درع الصدر للانبعاج فحسب، بل تشوه الآن، وإن ظل في مكانه. سيكفي ضربة أو اثنتان أخريان. ضارباً مطرقته الجديدة بحافة تابوت بغرض التجربة، لاحظ هالفدان برضى أن سلاحه حطم الحجر إلى مسحوق.
هذا سيؤفي بالغرض. تحدث في ذهنه: والآن تعال إليّ مجدداً، أيها النذل المعدني، عارفاُ أنه سيستجيب لرغباته. وقد فعل، متحركاً بسرعة لا تُكلّ ولا تلين ليضرب طاعناً إياه. تفادى هالفدان وتحرك مقترباً – متأخراً أدرك أنه فعل بالضبط ما زعم أنه لن يفعله. استهان به، ظاناً إياه قطعة درع عديمة الروح تكرر النمط ذاته من الحركات. وحين رأى سلاح المطرقة يغير اتجاهه، أدرك غلطته – متأخرًا عن التفادي.
مجدداً، اصطدم بدرع رأسه المنبعج، مشققاً الفولاذ. منعت زاوية الهجوم المحرجة الحارس من استخدام كامل قوته، غير أنها أثبتت كفايتها. مذهولاً، عجز هالفدان عن الإفلات في الوقت المناسب حين اخترق الطرف المنصل عظم قصّه ليغرز فيه، مخترقاً الدرع واللحم حتى برز الطرف من ظهره. بقوة بلا رحمة، رفعه الحارس في الهواء، وسيفه مغروس في جسده. لاهثاً بحثاً عن هواء لن يجيء، محاولاً عبثاً السعال دماً، أدرك هالفدان بوضوح تام أن الموت قد أتاه.
أسرع من مدى عواء ذئب أو صراخ غراب، سيموت. لن ينقذه [غضب المحارب الهائج] من هذا. لم يستطع الغضب الأعمى حرمان الموت حقه. لذا فعل هالفدان الشيء الوحيد المتاح له. مد يده ليقبض على درع الصدر المشوه ويزيحه. كشف عن قلب الحارس الحجري، المحشور في جسمه كجوهرة مثبتة في خاتم ومغطاة برُنى لتمدّه بالطاقة. مادّاً يده إلى أقرب تابوت، قبض هالفدان على رأس مطرقته المحطمة حيث كان مستلقياً.
ظل يشتعل بنار الرُنى التي منحها إياه، ومع كون [معرفة الرُنى] الخاصة به أعلى بمراتب من [الضحك في وجه النار] أو [عدو السحر]، أحرق يده حتى صار سوداء. مخنوقاً بالألم مسبقاً، تجاهل هالفدان الأذى الذي لحق بيده. غرز رأس المطرقة المشتعل في قلب الحارس الحجري وراقب الرُنى تشرع في الصراع. امتزج نتن لحم محترق برائحة معدن ساخن. لو امتلك الحارس وجهاً، فلربما أظهر دهشة. وبدلاً من ذلك، فقدت أطرافه أجمع القوة، وسقط إلى الوراء، ذراعاه ممدودتان.
شمل ذلك هالفدان، الذي ما زال مغروساً في نصله. وبأنفاسه الأخيرة وبطرفة عين، استعمل بذوره، القديمة والمسلمة حديثاً لهذا الانتصار، لزيادة متتالية سريعة لـ[الغضب الجامح]، ثم [الحس الحنيف]، وأخيراً كآخر السلسلة، [أصلح جروحك]. مستخدماً رجليه، ركل الجسم المعدني ليدفع نفسه بعيداً، شاهراً النصل ينزلق من أمعائه. وبعدما أنجز كل ما بوسعه، ترك هالفدان قبضته الواهية على الوعي وسمح للظلام بابتلاع عقله.
كآخر شيء، خبت نيران الرأس البرونزي. * ركضت سيف بأقصى ما تستطيعه رجلاها. أدركت أنه حتى مع تقدمها بانطلاقة، استبعد أملها في التفوق ركضاً على فرايديس. لكنها أدركت أيضاً أن هالفدان في طريقه لإنقاذها، مما يعني أنه لابد مطاردٌ لهما، مقتفياً الأثر ذاته؛ ومع قليل من الحظ، كان قريباً بالقدر الكافي لتبلغه سيف أولاً قبل أن تبلغها فرايديس. راكضة عبر المشهد الغريب، ألقت سيف نظرة عبر كتفها فلم ترَ سوى مدينة الأقزام وهي تتلاشى في الظلام البعيد.
ما زالت تتعلم كيف يعمل غالدراؤها؛ فالفرص ضئيلة لتجربته. بيد أنها امتلكت فهماً بديهياً بأنه مع الوقت، سيسعها فعل ما هو أكثر بكثير ضد أعدائها مقارنة بالإعجازه المؤقت الذي استعملته ضد فرايديس. عرفت سيف أن الأمر لن يدوم طويلاً، لكنها أملت أن يستغرق الأمر من الكاهنة المخادعة بعض الوقت على الأقل للتعافي. كل لحظة تقضيها على ركبتيها تمنح سيف وقتاً للعثور على هالفدان. بلا إنذار، ظهرت ذراعان حول سيف لتحتضناها وترفعاها.
طافية من الظلال، غطت فرايديس فم السكالد بيد واحدة.
"يكفي! كفّي عن المقاومة! أترين ما سيفعله لوكي لو اكتشف محاولتك الهرب؟"
لم يأتِ جواب سيف الوحيد من لسانها، بل من أسنانها، إذ عضت يد فرايديس. مفزوعة، سحبت الكاهنة يدها بدافع الغريزة، مانحة السكالد فرصتها. وكما تقول المهارة، [غالدرا يُسمع]. جلب الصراخ المروع فرايديس إلى ركبتيها مجدداً، مطلقة قبضتها عن سيف، التي لم تضيّع لحظة في الفرار. لم تقطع سوى تسع خطوات قبل أن يظهر آخر من الظلام. ممسكاً بها، وضع لوكي الفتاة في خنق محكم. انبعثت أصوات خرساء من حنجرتها، غير أن أي هواء لم يعبر في الاتجاه الآخر، ولم تستطيع استخدام مهاراتها.
مرت رمال الساعة الرملية، الواحدة تلو الأخرى، بينما أبقيها المخادع في خنقها حتى غاب عقل سيف في النسيان أخيراً. ملقياً الفتاة فاقدة الوعي فوق كتفه، حدق لوكي في كاهنته وشرع عائداً نحو حصن الأقزام.
"على قدميك."تمتمت متعافية فقط لتسرع خلفه: "نعم، يا سيد. اغفر لي."
"لست مهتماً بالغفران."
"بالطبع لا، يا سيد."
تنهد.
"فرايديس، لقد فعلتِ كل ما طلبته، وأطلقتِ سراحي من سجني. لست ناكراً للجميل. لكن المهمة الماثلة أمامنا... لا مكان فيها للفشل أو لأن يلين قلبك. أيمكنني الاعتماد عليك بعد؟"
"نعم، يا سيد، تستطيع."
"جيد، إذ لديَّ مهمة أخرى لك. المراقب عند البوابة ميت، لكن المتصيدين لا يعلمون مكان وجود محاربنا الهائج، مما يعني أنه ذهب إلى أراضٍ قزامية."
"ما تأمر به؟"
"تعاملي معه. نحن نعرف اقترابه، آتياً من موطن الأقزام. سيعلم المتصيدون تقدمه حالما يصير في الأراضي الحية مجدداً. اجعليهم يشغلون المحارب ويقتلوه."
حنت رأسها، ماشية بجانبه.
"سيكون كما ترغب."
"لا أتوقع سواه."