أمعن هالفدان النظر في الفتحة المظلمة. لم تستطع مخيلته تصور ما ينتظره هناك، لكنه لم يملك الكثير من الأمل وسط ما خاضه حتى الآن في يوتونهايم.
التفت مستطلعاً محيط التل الجنائزي وقال: "علينا إحضار شعلة أخرى".
تناولت فريديس الشعلة التي بحوزتهما.
وقالت: "لنبحث عن بعض الحطب".
سألت سيف: "أترانا نسلك هذا الطريق حقاً؟ ما كان لوكي ليأتي هنا قط".
نظر هالفدان إلى حطام العرش المتناثر الذي يخفي المنحدر التابع له.
وقال: "ربما سلك طرقاً خفية. أو ربما عبر بوابة أخرى تماماً. وهذا سبب أرجح لدفعنا إلى المضي".
واحتفظ بأرقى أسبابه لنفسه؛ فلو عثرا على البوابة والطريقة التي تشغلها، لاستطاع إرسال سيف إلى ميدغارد بصحبة فريديس.
سألت الفتاة: "ألا يمكننا الانتظار هنا بالأعلى؟ لعلّه يعود من هذا الاتجاه".
سأل هالفدان شارداً بينما يفتش عما يمكن تحويله إلى شعلة: "ألا تخافين الظلام؟"
أجهشت الفتاة بدموعها: "أخشى ما يخفيه أكثر".
ثم شمت قائلة: "أظنك كنت محقاً يا هالفدان".
"همم؟ فيما يخص ماذا؟"
اعترفت: "ما كان لي أن أجيء. أنا... أنا خائفة حقاً يا هالفدان".
التفت هالفدان ليراها، فرسم الخوف ملامحه واضحة على وجهها. وأدرك أنها كانت تكتم مشاعرها طوال هذا الوقت وتتظاهر بالبسالة.
وقال: "يا بنيتي، الأمر بخير. لا عار في ذلك".
تابعت سيف والكلمات تتساقط كالشلال بينما غمرت الدموع عينيها: "أحاول التحلي بالشجاعة مثلك، لكن الخوف يساورني طوال الوقت. أرتجف من الذئاب والحيوانات المفترسة والموتى الأحياء، والجثث بلا رؤوس والأفاعي العملاقة".
ركع أمامها ومرر يده على وجنتها.
وقال: "ألا تعلمين يا بنيتي أنك أشجع مني بكثير؟"
شمت قائلة: "هذا هراء، لا أحد أشجع منك!"
هز المحارب هازّ الغضب رأسه نفياً.
وقال: "أبداً. حين أقاتل، يستبد بي الغضب ولا يترك سوى الغريزة. لا أشعر بالخوف، لكن ذلك يرجع إلى هبتي لا غير. ولا شجاعة في الأمر. أما أنتِ يا صغيرة"، وتابع وهو يغمزها في صدرها، "فتواجهين أهوالاً تجعل الرجال الأشداء يبللون ثيابهم".
صدر عنها صوت مخنوق يقع بين الشجي والضحك.
"أنت أشجع إنسان عرفته".
نظرت إليه.
"أحقاً ما تقول؟ أتعهد لي؟"
أومأ برأس وقور.
"أعدك بأنه الحق".
اقتربت منهما فريديس ممسكة بشعلة في كل يد. وناولت هالفدان إحداهما.
وقالت مضيفة عهدها إلى عهد هالفدان: "لن ندع شيئاً يضرك"، ورغم أن كلامها لم يوجه إليه، إلا أن موجة دفء سرت في صدره.
وسألته هو بالذات: "أتتقدمنا؟"
ثم تابعت: "تكون سيف في المنتصف، وأنا أسير في المؤخرة".
أومأ هالفدان.
"نجل. لا وقت لنضيعه".
وبهذا الترتيب الذي اقترحته الكاهنة، هبطا في أعماق يوتونهايم.
* * *
قادتهما درجات سلم ضيقة، لا تكاد تفوق السلم الحبلين. سار هالفدان منحني الرأس حتى كادت كتفاه تحتكان بجداري الممر من الجانبين. أمسك بفأسه في يد وبشعلة في الأخرى، لكنه عجز عن تلويح السلاح لو نشبت معركة. ورغم أنه لم يعرف الخوف، فقد أَلِف تماماً شعوراً عميق الأصول بعدم الارتياح. وحين اتسع الممر بعد مئة خطوة، تنفس الصعداء بارتياح خفيف. وما لبث هذا الشعور أن زال حين أدرك سبب اتساع النفق.
اصطفت على الجانبين حنايا جدارية ضمّ كل منها جثة. أو هكذا ظن هالفدان؛ فلم تكن الأجسام متحللة. ولم تنبعث منها رائحة التعفن، بل رائحة الغبار والهواء الجاف. ربما ظن المرء أن سحراً ما حفظها، وأنها نائمة عوضاً عن كونها ميتة، بيد أن شحوبها دلّ على الموت. وحمل كثير منها جروحاً، ورغم خلوها الواضح من آثار الدماء، إلا أنها روت حكايات فرسان سقطوا في ساحة الوغى. ووضعت أسلحة فوق صدورها أو بجانبها أجمعين.
حدق هالفدان أمامه؛ إذ اختفى ضوء الشعلة دالّاً على امتداد النفق لمسافة مجهولة.
وقال محدثاً نفسه: "مقبرة تحت الأرض".
سألت فريديس من الخلف عاجزة عن رؤية ما أوقف هالفدان: "ما الذي وجدته؟"
مضى يتقدم شارحاً: "لم تكن التلال الجنائزيّة سوى رأس الحربة. لعل هذا موضع دفنهم لموتاهم في سالف الأزمان".
أقرت الشاعرة المرافقة لهما: "لا علم لي بهذا المكان. لا يحضرني عنه شيء".
تمتمت فريديس: "يحرم ارتياد هذا المكان لأكثر من سبب. لا موضع هذا للأحياء".
سألت سيف: "أيعودون إلى الحياة؟"
حدث هالفدان نفسه: «بحظنا العاثر، حتماً».
ثم قال بصوت مسموع: "لا أظن ذلك، طالما تجنبنا إزعاجهم أو انتهاك مثواهم. لنتابع السير في هدوء واحترام".
أومأ البقية موافقين، وأبدت الفتاة حماسة بالغة، فاستدار هالفدان ليتابع التوغل في دهاليز السراديب.
* * *
لم يلبث هالفدان أن أخطأ عدّ خطواته. وراوده أمل قريب بوجود البوابة المنشودة، لكن خاب ظنه جلياً. استغرق الأمر مئات الخطوات قبل أن يتبدل المسار مجدداً. ولم يقتصر الأمر هذه المرة على الاتساع، بل تحول الممر إلى حجرة مستديرة رحبة. التفت هالفدان يمنة ويسرة، فلم يجد حنايا أخرى، بل أبصر نقوشاً محفورة على الجدران؛ وبينما تقدم، وقع ضوء الشعلة على المنتصف حيث ينتصب عرش. شغله رجل فارق الحياة كالبقية، وإن بدا بمنأى عن التحلل.
وحلّ حول المقعد عشرون جثة أخرى بدت كحرس شرف نيام. قشعر بدن هالفدان، لا ارتياباً من وحشة المكان المحاط بالجثث، بل من البرد القارص المنبعث من الموتى.
همست سيف بصوت تردد صداه في الفضاء كدقات الناقوس: "من هذا؟"
أجابت فريديس: "لا يهم. علينا المتابعة".
وافقها هالفدان الرأي. ولم يغِب عن بملك وجه الشبه مع الحجرة العلوية، مثوى رونغنير الأخير. واستناداً إلى رد فعل الجثة بلا رأس على وجودهما، انتفى أي رغبة لديه في اختبار ترحيب مماثل هنا. وبخطى حذرة، يحسب حساب كل خطوة كي لا يطأ شيئاً، شرع هالفدان يدور حول العرش وشاغله المجهول. فات الأوان. أو ربما كان مقدراً للأمر أن يقع على هذا النحوَ دائماً. فتح يوتون الموتى الجالس على العرش عينيه المشتعلتين كالجمر الأزرق.
وقال: "من يجرؤ على دخول المثوى الأخير لريمنير؟"
شرع الأحياء جميعاً يتراجعون للخلف.
قال هالفدان بلا حماس: "معذرةً. لا نبتغي إساءةً".
وقعت العينان المشتعلتان على المحارب.
"أثق بذلك. ولو الأمر بيدِي لطلبت انصرافكم وحسب. غير أننا جميعاً المرقدين هنا أقسمنا في الحياة يميناً يجب الوفاء به في الممات".
وبدا الندم جلياً على وجه ريمنير، إن صحت للجسد الميت مشاعر.
"وكان القسم قضيّة صدّ الدخلاء. وها قد دخلتم، لذا وجب علينا الانصاعت".
وحين نهض اليوتون عن عرشه، تردد صدى حركته في الأرجاء كافة. وفي كل جانب، نهض الموتى شاهرين أسلحتهم.
* * *
لوح هالفدان بفأسه ليجزّ رأس دراغر لحظة نهوضه. وحين نظر حوله، رأى الوضع مهولاً؛ فقد تفوق العدو عدداً وصار الهجوم يأتيهم من كل زاوية. وربما نجا المحارب من الضربات والطعونات التي لا مناص من تلقيها، بيد أن رفيقيه لن ينجوا. ولن يستطيعوا التراجع من حيث أتوا، حيث تتدفق صفوف الدراغار هابطة عبر الممر.
صرخت فريديس واضعة يدها على كتف سيف: "تعمقوا في الداخل!"
وألقت بشعلتها، فبدت الكهنة كأنها تنكمش داخل الظلام، ورغم مرافقتها لفتاة، فقد تفادت الهجمات بخفة ودائت حول العرش. أدرك هالفدان قصدها؛ إذ علقت فريديس أملها على ممر محتمل ينفذ إلى جوف المجمع، وربما يخلو من أفواج الدراغار اللانهائية. ولم يملك خياراً سواه، فتبعها ملوحاً بفأسه ليشق طريقاً لنفسه، رغم تلقيه طعنات عدّة. أثبتت مهارة [احتقار الفولاذ] جدارتها؛ فلم تحتفظ النصول القديمة بحدتها، وقليل منها استطاع النيل منه.
وربما أمكن كسب هذه المعركة حقاً إذا تحسّن وضعهما التكتيكي. مرت السهام صفيرية بجانبه، فشتهم هالفدان قاطعاً ذراع دراغر قبل أن يطرحه أرضاً ويمضي. وتدفق المزيد من الموتى الأحياء في الفراغ الواقع بينه وبين الممر المؤدي للعمق؛ ركّز بعضهم عليه بينما قصد آخرون فريديس. ورغم قلة براعة رمحها في إعادتهم إلى المرقَد، إلا أنه أبقى العدو على مسافة، وواصل فأْس هالفدان عمله. وانتفت الحاجة للمزيد من التواصل؛
فهمت فريديس الموقف ودفعت بسيف أمامها نحو الممر، ثم دافعت عنه حتى بلغهم هالفدان. فتراجعت متيحة له اتخاذ وضعيته في المقدمة. ضرب بفأسه ليسقط خصماً مع كل ضربة؛ وخلفه، استخدمت فريديس رمحها لحماية جانبيه المكشوفين. جعل خوض القتال بلا غضب المعركة أشد قسوة، لكن هالفدان لم يحتج إليه. أبقته مهارة [احتقار الفولاذ] بمنأى عن الإصابات البليغة، وبفضل [قوة الجسد]، لم يلحقه التعب من التلويح بالفأس.
ولم يحتاج إلى الغضب للمواصلة أو إلى [تحويل الألم إلى قوة] لتأجيج ضرباته. تداعت جدران الأعداء حول هالفدان مع تراكم الدراغار الساقطين فوق بعضهم. وعاق ذلك الهجمات أكثر، وبدأ المحارب يتيقن من النصر؛ حتى إنه تجرأ على الابتسام حين أطاح فأسه برأس آخر عن عنقه. ظل ريمنير يراقب ببرود محاولة إخوانه الموتى احتضان الموت مجدداً. وحين خبا ألق الاعتداء، تقدم أخيراً. تشكلت شظية جليدية في كفه حتى رماها نحو هالفدان.
تحرك دراغر ليعترض طريقها، فاخترقت الشظية رأسه؛ وعلاوة على ذلك، دفعت قوة الاندفاع الجثة الميتة مجدداً إلى الأمام، فطرحت هالفدان أرضاً. أدرك هالفدان لدى رؤيته مشهد الجليد المروع أن هذه المعركة لا تشبه سواها.
صاح وهو يستعيد وقوفه: "اهرولوا!"
ولم يلتفت خلفه، واثقاً من انصياع رفيقيه للأمر. تراجع الدراغار الآخرون مفسحين الطريق لتقدم ريمنير. ورفع يديه لتتكون الشظايا فيهما معاً، ثم قذفها مجدداً. رفع هالفدان فأسه حاصراً إحداهما برأس السلاح، لكن الأخرى أصابت ذراعه فمزقت اللحم. وعض المحارب على نواجذه مجزاً رأس دراغر حظي بجرأة الاقتراب أكثر من اللزوم. ظل دخول حالة الغضب خياراً قائماً دائماً؛ لكن ليس الآن؛ فهذا نوع مغاير من الأعداء يقاتل بأساليب لم يألفها هالفدان من قبل.
ومع حشود الدراغار، ازدادت تكتيكات الموقف تعقيداً. لذا احتفظ المحارب بأقوى سهامه لآخره. حين أطلق ريمنير شظاياه مجدداً، شكر هالفدان رتبه الثلاث في [أسرع منهم] وتفادى الهجمات مقترباً بالقدر الكافي ليهوي بفأسه مباشرة بين كتف ريمنير وعنقه. وشق النصل طريقه ببراعة، مدفوعاً بمهارة [عمق القطع]. وكما توقع المرء من خصم ميت، لم يطرف لريمنير جفن. وقبل أن يتيح لهالفدان سحب سلاحه، سرى الصقيع من الجرح الخالي من الدماء ليغلف الفولاذ.
وبصوت تصدع مهول، تحطم رأس الفأس في شتى الاتجاهات. وتناثرت الشظايا لتصيب وجه المحارب، عدا عينيه لحسن الحظ؛ فمهارة [تضميد الجروح] تنتهي حدودها حيث تقف. ممسكاً بالمقبض، وقد تحول إلى مجرد عصا، حدق هالفدان بريمنير للحظات. وأدرك حينها سر استعداد الدراغار للاشتباك القريب رغم هجماته بعيدة المدى. إنه يوتون صقيعي ذو قوى عجز عن تصورها. ولم يتبقَ سوى أمر وحيد بفعله، وهو ما لم يرتكبه المحارب قط من قبل.
تراجع هالفدان متعثراً، واستدار، وولى هارباً عبر الممر.
* * *
عنى ترك الشعلة الاندفاع عميقاً في الظلام. وما خفف الوقع هو انتهاء السراديب عند حجرة ريمنير، ما يعني غياب الأعداء في الأمام؛ أو هذا ما أمله هالفدان. أفقده ضياع فأسه صوابه؛ فذلك ممتلكه الأثمن، وهويته كمحارب، ووسيلته الحقيقية الوحيدة للدفاع عن نفسه. وبالالتفات خلفه، وسط الضوء الخافت المضيء للمقبرة التي هجرها، أبصر الدراغار يتقدمون نحوه. وسط مشاعر شتى تضاربت برأسه، واقترانها بفراره العجل، استغرق هالفدان لحظة ليدرك مصدر النور حوله.
فمع ركضه للأمام، أضيفت أضواء على الجدار جانبياً؛ وبدا الأمر استجابة لوجوده. وبنظرة إلى الأعلى، رأى نقوشاً متوهجة في الظلام، رغم افتقاره لصفاء الذهن أو بحبوحة الوقت لقراءتها. ميزة ذكية لمن لا يحمل شعلة، غير أنها فضحت مكانه في الآن ذاته. ولحسن الحظ، دلت أيضاً على جدار مباشر أمامه كاد يصطدم به لولاها. وبدلاً من ذلك، تشعب الطريق يمنة ويسرة. وعجز المحارب عن تبيّن الدرب الواجب سلوكه، كما عجز عن رؤية أي شيء.
لكنه احتاج إلى الفرار من نور النقوش الجدارية والاختفاء؛ فالتفت خلفه، وابصر عيني ريمنير الزرقاويين المشتعلتين للحظة قبل أن يبتلع الظلام الدراغار موارياً إياه الآن. بلا هادٍ يهديه، ودون غراب أو فأر، أو أثر أو درب، سلك هالفدان اليسار، متضرعاً أن تظل الملوك في صفه.