سارا في طريقهم فلم يجدوا ما يسدّ رمقهم، لكنّهم ظفروا بجدول ماء جارٍ روى غلتهم.
قال هالفدان لسيف بعد أن شربا حتى ارتويا: "عليك البحث عن حجارة".
هزّت الفتاة رأسها وأفكت تفتش عن صخور تصلح للمقلاع.
وتابع وهو يلتفت إلى فرايديس: "وذراعك بحاجة للتنظيف".
اقترحت باعتياد نصف ابتسامة: "أستطيع فعل ذلك بنفسي".
أطلق هالفدان ههمة وقطب حاجبيه، ثم أشار إليها أن تقترب منه عند الجدول. فكّ الضماد الأحمر المتيبس بحذر؛ فانكمشت الكاهنة ألماً لكنّها لزمت الصمت. صبّ هالفدان الماء على ذراعها مطهراً الدم قدر استطاعته دون أن يعبث بآثار المخالب العميقة التي مزقت لحمها.
"هذا الجرح بحاجة للخياطة، لكن لا إبرة لدينا ولا خيط".
وعدته الكاهنة: "سيلتئم على ما يرام. أنا أصلب مما أبدو عليه".
"هذا حسن، فإنّك تبدين بصلابة ظبية وليدة".
ضحكت بغتة، فذكر صوتُها هالفدان بنسيم عليل يهز أوراق الشجر. غمر الصمت الفراغ بينهما بينما واصل عمله.
قالت أخيراً، ربما لتصرف أنظارها عن الألم: "لا أصدق أننا نتبع طائراً".
أطلق هالفدان ضحكة خافتة هذه المرة، فقد ردت صدى أفكاره. وجعله ذلك يفكر في رحلتهما ووجهتهما، وفيما تفادى التفكير فيه حتى الآن. فما عدا سؤاله لسيف مرة عن موقع سندري، كتم هالفدان ما أخبرته به النورن عند بئر أورد، دافعاً به بعيداً عن بملك. لقد شكك في العجوز العجفاء في البداية؛ فمن السهل التكهن بمصير رجل إن كنت أنت من يدفعه إليه. وإن كان كهف لوكي فارغاً وخالياً من سجينه، فما الذي يجعله ذا أهمية له أو لحياته؟
لكنّه نظر إلى فرايديس فرأى عينيها الخضراوين تجولان محاولة تشتيت انتباهها، فخشي هالفدان أن يكون قد أدرك الحقيقة. لقد خبأ له القدر شيئاً في ذلك المكان حقاً؛ وتغير مساره بلا رجعة. وهو ما يعني أن بقية نبوءة النورن ستتحقق أيضاً. سيجد نفسه في سندري، وبعد ذلك، لن ينتظره سوى هل — نهاية رحلته. وهذا أدعى لضمان وجود شخص آخر مستعد وقادر على إعادة سيف إلى موطنها.
قال هالفدان أخيراً: "نحن لا نرحل اعتماداً على إشارة من منقار أسود الريش وحده".
وفرغ من تطهير الجرح وشرع في وضع ضماد جديد.
"هل تعرفين سندري؟"
"أعرف الاسم. أشهر صانعي الأقزام. هذا كل ما في الأمر".
"يقال إنه في ميركهايم. وهناك يتجه لوكي. في الواقع، نظراً لانطلاقته المبكرة، فلن أتفاجأ إن كان قد غادر هذا العالم بالفعل وبلغ ميركهايم".
"عالم الأقزام؟"
"لكن لا داعي للقلق بشأن تتبع فريستنا أو إيجاد حلفاء يعينوننا في العثور عليه. علينا إيجاد بوابات تعبر بنا العوالم".
رفع هالفدان بصره إلى الغراب المحلق فوقهما.
"أظن أنه يأخذنا إلى هناك".
بعد أن ضمّدت جروحها، سحبت فرايديس ذراعها من قبضته.
"كيف عرفت هذا؟"
"قل إن طائراً الصغير أخبرني بذلك".
عادت سيف وقد ملأت جرابها بالحجارة المناسبة للمقلاع. شربا جميعاً ما يكفيهما من الماء واستأنفا السير. عندما أفل النهار، تحولت المستنقعات إلى مراج، ثم إلى حقول غارقة في إزهار الصيف. هبطت الشمس أمامهما ملونة الحبوب الذهبية.
علق هالفدان: "لقد بلغنا أراضٍ مسكونة. فرصة للمؤونة وربما لمعونة أخرى".
حذرت فرايديس: "علينا توخي الحذر. قد تكون موهبتي خفية، لكنّ أي شخص يملك القدرة على قراءة مهاراتي سيعلم من أخدم. والملوك لا تجد لها أصدقاء يذكرون في هذه الأرض، سواء وافقوا على مهمتنا أم لا".
عقب هالفدان ببساطة: "سنحتاج إلى الطعام على أي حال".
لاحت في الأفق مزرعة؛ منزل طويل، وحظيرة، وإسطبل، وكل ما تتطلبه المزرعة. كان العمال هنا وهناك منشغلين بأعمال متفرقة. وأما الغراب الذي هداهم، فطار مباشرة نحو المباني.
أعلنت سيف: "سفارتي يريد منا الذهاب إلى هناك".
رمقها هالفدان بنظرة.
"أسميت الطائر؟"
هزت الفتاة كتفيها.
"حسناً".
أخذ الفارس الهمجي نفساً عميقاً.
"لنرَ ما سيحدث. وغني عن القول إن أصدرت الأمر..."
أتمت سيف كلامه: "نهرب ونختبئ. نعم، غني عن القول".
وما إن اقتربوا من الساحة حتى توقف عمال المزرعة عن عملهم والتفتوا يحدقون بهم. أبقى هالفدان فأسه مربوطة إلى ظهره، وبسط كيديه محاولاً أن يبدو غير مُهدد.
"أين سيدكم؟ نحن رحالة متعبون ونلتمس ضيافته".
أومأ أحد العمال وسرعان ما شق طريقه نحو المنزل الطولي، مداساً رأسه داخل الباب. وبعد هنيهة، ظهر على عتبة الباب جُتُون ذو لحية رمادية. كان يرتدي ملابس شبيهة بملابس عماله، قميصاً كتانياً بسيطاً، لكن قميصه خلا من أثار البلى أو العمل.
"من يأتي إلى بيتي؟"
"أنا هالفدان، وهؤلاء رفاقي".
لم يذكر أسماءهم خشية أن تحيل إلى الملوك، مما قد يجعل الجُتُون يناصبهم العداء؛ ومن الأفضل تجنب اختلاق الأكاذيب ما لم تكن هناك ضرورة، خاصة عند الاحتكام إلى رباط الضيف والمضيف.
"نلتمس ضيافتك. مأوى لليل، وماءً من بئرك، وقليلاً من الطعام إن تيسر".
تفحصهم سيّد المنزل ثم أومأ برأسه أخيراً.
"طالما أنكم أتيتم بسلام، فسأسدي الضيافة بحقوقها وواجباتها لكللينا".
وضع هالفدان يده على قلبه وحنى رأسه.
"هذا مرضي للغاية".
"إذن، أهلاً بكم في دار هيتستير. اشربوا من البئر ما شئتم وانضموا إلينا في المنزل الطولي. سيُقدم الطعام قريباً".
عاد الجُتُون إلى الداخل، واستأنف العمال أعمالهم. أمسكت سيف بكمّ هالفدان وتذبته بخفة.
"كان سفارتي محقاً!"
"ماذا تعنين يا بنيّة؟"
"هيتستير هو أبو تور! أحد الملوك! إنه في صفنا!"
رمق الفارس الهمجي نظرة مشككة.
"يبدو هذا غريباً. أظن أنك أسأت فهم شجرة العائلة".
هزت الفتاة رأسها بقوة.
"إنها موهبتي، مهارتي. ما إن سمعت اسمه حتى تيقنت من صحة الأمر".
تدخلت فرايديس قائلة: "السّكالد مباركون من براغي ليشاركوه معرفته. يبدو أن لكل منا ملكاً يهمس في أذنه، وإن كان الأمر أقل وضوحاً عند البعض".
قطب هالفدان جبينه في حيرة.
"لكن كيف يكون لملك من الآيسير أب من الجُتُون؟"
عقّبت فرايديس: "كانت الأمور أبسط في الأيام الخوالي. قبل الحرب مع الفانير، وقبل أن يبني الملوك السور ويختبئوا في أسغارد".
"تبدين متشككة حيال الملوك بالنسبة لكاهنة".
"ليست كل الملوك من الآيسير، كما أخبرتك. سيدتي وُلِدت من الفانير، وهم يتذكرون الأيام القديمة خلافاً لما يرويه أودين".
استدارت الكاهنة نحو المنزل الطولي.
"على الأقل نحن نضمن وجبة طعام".
روى المسافرون غلتهم من البئر قبل التوجه إلى المنزل الطولي. وما إن انتهى عمل النهار حتى انضم إليهم العمال لتناول العشاء. كانت وجبة بسيطة، حساء عصيدة حبوب، وهو أمر متوقع؛ ولم تكن لهالفدان شكاية ما دام سيقيم أوده. التفت إلى مضيفه، وما زال يجد صعوبة في تصديق أن الجُتُون أنجب ملكاً. فالمزرعة والناس والمنزل الطولي نفسه، بدا كل ذلك مزرعة عادية تماماً يمكن العثور عليها في كل أرجاء ميدغارد.
سأل هيتستير طالباً الأجر المعتاد الذي يقدمه المسافرون مقابل الضيافة: "أي أخبار تحملون؟"
أجابت فرايديس بحذر، بينما راقبا معاً رد فعل الجُتُون: "نأتي من الشرق".
علق مضيفهما: "ليس هناك سوى المستنقعات والوحوش الضارية. لغز عجيب أن ترتحلوا من هناك".
"هناك مكان واحد يثير الاهتمام. كهف".
تسمرت نظرات هالفدان. توقف هيتستير عن الأكل ونظر إلى ضيفيه.
"أنتم لستما مجرد مسافرين عاديين".
هز الفارس الهمجي رأسه.
"أُوكلت إلينا مهمة لسلامة العوالم أجمع".
ادعى الجُتُون: "أستطيع تخمين من تخدمان. حسناً، لن تلقيا شراً مني ولا من أهلي".
تابع هالفدان: "إذن سيحزنك أن تعلم أن الكهف فارغ".
جلس هيتستير صامتاً وقد تجمدت ملامحه. ثم نهض أخيراً.
قال لقومه: "اخرجوا".
احتج البعض على مقاطعة عشاءهم، لكنهم سكتوا سريعاً. وبإشارات نفاد صبر، طرد سيّد البيت الجميع إلى الخارج ثم عاد. جلس على المقعد المقابل لضيفيه مرة أخرى.
"كيف حدث هذا؟ رقى وحمايات صنعها سادتكم تحصن ذلك الكهف لإبقائه سجيناً لألف عام وألف عام أخرى".
قالت فرايديس ببساطة: "ومع ذلك، فر المخادع من قيوده. ونحن نقتفي أثره".
أسهب هالفدان: "أعتقد أنه ينوي الهرب إلى ميركهايم. وربما قام بالرحلة بالفعل. نحتاج إلى القدرة على اللحاق به".
حك هيتستير لحيته الرمادية.
"لا توجد في هذه الأراض سوى طريقين يمكن للمرء أن يرتحل بهما بين العوالم. شمالاً من هنا يقع موطن سيدي، جوتون-لوكي".
طرف هالفدان عينيه ظاناً أنه أخطأ السمع. والتفت برأسه إلى فِأسه المسندة إلى الجدار.
"أخدمه؟ الرجل ذاته الذي نطارده؟"
"لا".
رفع هيتستير يده بحركة مهدئة.
"يتشاركان الاسم ولا شيئاً سواه. يُدعى جوتون-لوكي بيننا، ووتغاردا-لوكي عند أمثالكم. وهو ندّ للمخادع القديم في الدهاء والمكر، ولن يستطيع ذاك خداع جوتون-لوكي أبداً أو إقناعه بفتح بوابة".
تذمر هالفدان متسائلاً عن الأحمق الذي يمنح طفله اسماً سيئ الصيت كهذا. تعقيد بلا داعٍ.
"إذن ما هي الطريق الأخرى؟"
"غرباً من هنا يقع درب قديم مد الجسور بين العوالم، بناه الأقزام. استخدمه ابني في الأيام الخوالي حين كان لا يزال يزورنا. حين كانت أمه حية بعد".
تحدث هيتستير بصوت هادئ، ولم تكشف ملامحه عن أي مشاعر؛ ومع ذلك شعر هالفدان بوخز إبرة من التعاطف.
"البوابة لا تحتاج إلى شعوذة الجُتُون لتفتح، وإن كانت لا تزال تعمل بعد كل هذا الوقت... يقولون إن صنعة الأقزام متينة".
أعلن هالفدان: "إن كانت تلك هي الطريقة الوحيدة لبلوغ ميركهايم، فهناك سنذهب".
التفت إلى فرايديس فأومأت برأسها قليلاً. أما سيف فبدت كأنها تصارع النوم بعد يوم شاق من المسير وغيرها من المشاق.
حذرهم هيتستير: "احذروا. حين نشب الخلاف بين بني جنسنا والآيسير، أُغلقت البوابة، وجعل سيدي المنطقة محرمة على الغرباء تحت طائلة الموت. وليس لأنه احتاج إلى ذلك. فقد دفنا موتانا في التلال لقرون، والموتى يحرسون المكان".
أنّ هالفدان في باطنه متذكراً لقاءه السابق بالدراوغر.
"وعلاوة على ذلك، لا شك عندي أن سيدي حصن المكان بسحره لإبقائه مخفياً وآمناً".
نظر الجُتُون إلى الفارس الهمجي والكاهنة تباعاً.
"سيكون من الحكمة أن تطلبوا عونه. ليس بين بني جنسنا من هو أقوى منه، وهو ليس صديقاً للمخادع".
أشارت فرايديس: "ولا صديقاً للآيسير".
"أقر لكم بذلك. لكن إن دخلتم الخراب بغير إذنه فلن يكون صديقاً لكم أيضاً".
قاطعهم هالفدان: "نشكرك على نصيحتك وعلى الضيافة التي أبديتها".
والتفت إلى سيف التي دفنت رأسها بين ذراعيها على الطاولة.
"علينا أن ننام. فأمامنا أيام طويلة".
"بالطبع. في الحظيرة قش يصنع فراشاً أفضل من الأرض الباردة. مأوى بسيط، لكن السقف سيحميكما من البلل".
"لا نحتاج إلى ترف".
أومأ الجُتُون العجوز لنفسه وجمع الخبز وغيره من المؤن.
"لرحلتكم. استريحوا الآن قدر استطاعتكم. يجب أن أنذر جوتون-لوكي بهروب المخادع".
"جزيل الشكر".
وحين قبل هالفدان الطعام، هزت فرايديس سيف برفق، وغادر الثلاثة المنزل الطولي. ورافقهم هيتستير لمخاطبة عماله الذين عادوا إلى الداخل لإنهاء عشاءهم، باستثناء أحدهم الذي جلب حصاناً لسيده. كان فراشهم لتلك الليلة كما وصفه المضيف، بسيطاً لكنه كافٍ. كانت سيف قد استلقت في القش وغطت في نوم عميق. وضع هالفدان فأسه جانباً وكان على وشك فعل الشيء نفسه لولا أن أوقفته فرايديس.
"يجب أن نغادر في هذه اللحظة بالذات".
سأل هالفدان مذهولاً: "لماذا؟"
"لأن وتغاردا-لوكي سيعلم قريباً بأمر وجودنا ومهمتنا ووجهتنا. وليس هناك عدو للآيسير أشرس منه في جوتونهايم أجمع".
احتج هالفدان: "لكننا لسنا أعداءه، والجوز العجوز وعدنا بالضيافة. نحن نسعى للقبض على لوكي — الشرير"، موضحاً وما زال منزعجاً من التباس الأسماء.
"لماذا يتدخل هذا اللوكي الآخر؟"
"لأنه لا يحتاج إلينا للتعامل مع هذا، نظراً لكل ما يملكه من قوة. أو هكذا قد يظن. وإن استطاع فوق ذلك أسر خادمين للآلهة..."
حدقت فيه فرايديس ملياً.
"لا يمكننا المجازفة. إنه يعلم أين نرتحل. يجب أن نُسرع ونبلغ المكان أولاً".
"لقد سمعت كلام الرجل العجوز. الدراوغر وغيره من الأخطار تنتظرنا. ألا يجدر بنا طلب كل عون وحليف ممكن؟"
رمقته فرايديس بنظرة حادة: "أن نسلم أنفسنا ليد جُتُون متعطش لمعاقبتنا على خطايا سدكم؟ ما عساك تظن أنه فاعل بسيف؟"
نظر هالفدان إلى الفتاة النائمة.
"تكهنت قبل قليل بأن لوكي قد فر بالفعل إلى ميركهايم. وهذا أدعى لنسرع الخطي. وإن تتبعناه سنغادر جوتونهايم وأخطارها وراءنا - بما في ذلك كل الجُتُون الذين يبقرون بطوننا لسبب أو لآخر".
أذعن هالفدان وقد أنهكته حجتها: "حسناً. سنذهب الآن".
انحنى ليوقظ سيف.
قترحت فرايديس: "يمكننا امتطاء الخيول لتسريع مسيرنا".
رمقها هالفدان بنظرة قبل أن يحمل سيف فوق كتفيه.
"لا. لم يُظهر لنا مضيفنا سوى الود. لن نخرق قانون الضيافة".
وحين مالت الفتاة إلى الأمام مستندة إلى رأسه، التفت نحو باب الحظيرة.
"علاوة على ذلك، ستتعب الخيول قبل أن يتعب الفارس الهمجي. هذه مقترحتك أيتها الكاهنة — حان الوقت لتثبتي قدرتك على مواكبة المسير".
أمسكت رمحها وبقية أمتعتها.
"تقدّم يا كثيف الفراء".