الفصل السادس عشر: وحش يأكل بني جنسه
"اهدأ. لا داعي للقلق، فلن أذيك"، قال دانيال بابتسامة مريرة.
لماذا كان يشعر وكأنه شرير في هذه اللحظة؟ بالنظر إلى تعبير لوناريل الخائف، بدا حقاً وكأنه كذلك.
"كيف تتوقع مني أن أاهدأ؟ أيها البشري اللعين، أتخطط لقتلتني أنا أيضاً؟ اللعنة، أنتم البشر أكثر توحشاً حتى من الشياطين!" صرخت لوناريل باشمئزاز وغضب.
لم تسمع قط بأي أمور جيدة عن البشر، لكنها لم تتوقع منهم أن يقتلوا الآخرين بلا سبب.
"إن كنتِ لا تقتنعين بكلامي، فانظري إلى الماء الذي بجانبك، ذاك الذي كدْتِ تشربينه. أنتِ من الإلف. وأنا متأكد من أنك قادرة على تمييز الفارق"، قال دانيال وهو يرفع يديه في إيشارة تدل على السلام.
عقدت لوناريل حاجبيها وألقت نظرة على الإناء الخشبي الممتلئ بالماء.
"لا تقترب"، حذرت وهي تلتقط الإناء وتشمه.
استطاعت أن تدرك أن الماء غير عادي. وبواسطة مهارته الخاصة عيون العالم، نظرت بعمق أكبر لتري أن الماء كان مسموماً حقاً.
"أأنت من سمم هذا الماء؟" كانت تلك هي الفكرة الأولى التي خطرت ببالها.
وعندما رأت كاثري مغشياً عليها، افترضت في البداية أن الطعام هو المسموم، لكن بدا الآن وكأن هذا البشري قد سمم الماء بالفعل.
"لم أكن أنا. بل هي"، قال دانيال مشيراً إلى كاثري.
"ولماذا عليّ أن أصدقك؟" قطبت لوناريل حاجبيها بعمق. لماذا قد ترغب فتاة الشياطين هذه في تسميمها؟ ومتى أتيحت لها الفرصة لفعل ذلك أصلاً؟
"لا أعرف ما هي رتبتها أو قدراتها، لكني رأيتها تخلق ناراً من العدم. وحين ذهبت لأطلب منها المساعدة في إشعال نار للطهي، ضبطتها وهي تزيد شيئاً ما إلى ماء الشرب الذي وجدته".
"ساورني الشك وقررت استخدام خطتها ضدها. سكبت مائي على فطرها وعبأت الإناء من جديد بماء عذب".
غرقت لوناريل في التفكير بعد سماع تفسير دانيال. في هذه الغابة، لا ينبغي أن يكون هناك أي شيء قادر على إفقاد شخص وعيه.
على الأقل، لم تكن هي على علم بأي نباتات قادرة على النمو تحت الثلج وإحداث مثل هذا التأثير.
سارت نحو كاثري وتنهدت. ورغم أن والدتها كانت قد أخبرتها ألا تستخدم مهاراتها للتجسس على الآخرين، إلا أنها لم تملك هذه المرة أي طريقة أخرى.
ركزت عينيها على كاثري لتتألق ومضة داخلهما.
"أرى الأمر بوضوح..." زفرت بعمق.
"ما الأمر؟" التقط دانيال قطعة الخشب التي ألقت بها لوناريل وسأل بحيرة.
"آسفة على ما قلته سابقاً"، نظرت إليه لوناريل بابتسامة مريرة وعيون جرو، بينما غمرها الشعور بالذنب بسبب كلماتها القاسية.
"أوف، قلبي"، شعر دانيال وكأن دمه يغلي للحظة.
كيف لكائن حي أن يكون بهذه الجمال؟ أدرك الآن لماذا يُطلق الناس على الإلف لقب أجمل الكائنات في العالم.
"إذن، ما الذي رأيتِه بالضبط وجعلك تصدقينني؟" سأل وهو يغرز ظفره في طرف إصبعه ليفيق من ذهوله. أصبح هو الآن من يرفع حذره.
"حسناً، أمتلك مهارة تتيح لي رؤية حقيقة الأمور، شريطة أن تكون في حدود مستواي. تلك الشيطانية تنتمي إلى سلالة فرعية من الشياطين السامة. دماؤهم تشبه السم. وما سكبته في الماء لم يكن سوى دمائها الخاصة".
"مع مستوياتنا ومستواها، لا يمكن لدمائها أن تقتلنا، لكنها تستطيع إفقادنا الوعي لفترة"، أوضحت لوناريل.
"فهمت"، أومأ دانيال برأسه.
مع ذلك، قفزت العديد من الأسئلة إلى ذهنه. لماذا لم تستخدم مهارتها في وقت مبكر؟
وهل استخدمتها عليه هو الآخر؟ لم يكن يعتقد ذلك.
لانه لو كانت قادرة على معرفة حقيقة كل شيء، لكانت قد استطاعت اكتشاف رتبته، وقد يشكل ذلك خطورة بالغة عليه.
'أأقتلها؟' مرت الفكرة برأسه.
لكنه لم يكن قاتلاً متسلسلاً يمكنه قتل الناس بهذه السهولة.
'سأنتظر الآن'، فكر في قرارة نفسه. ما زالا في الطابق الأول من البرج، وكان متأكداً من وجود طريق طويل ليقطعاه قبل اجتيازه.
"إذن... ماذا سنفعل الآن؟" سالت لوناريل فجأة، لانتشال دانيال من أفكاره.
"لقد اقترب الليل، وسيعثر علينا ذلك الكائن قريباً"، قال دانيال وهو يلتفت إلى لوناريل ليسا عما إذا كانت تمتلك أي معلومات دقيقة بخصوص الشتاء ذي العين الواحدة.
فكرت لوناريل لبرهة، ثم شاركت ما تعرفه. وباسثناء بعض النقاط، كان دانيال على علم بمعظم معلوماتها مسبقاً.
اتضح أن وحش الفساد هذا كان في الواقع كائناً فريداً للغاية. في الواقع، كان الشتاء ذو العين الواحدة يصطاد في الغالب وحوش فساد أخرى.
ولهذا السبب تم نبذه من قبل وحوش الفساد الأخرى.
"لم أكن أتوقع ذلك"، تمتم دانيال. لم يكن هناك أي ذكر لهذا الأمر في منتديات النقابات عبر الإنترنت، أو على الأقل لم يكن متاحاً له الوصول إليه.
زئير!
"همم؟ يبدو أنه قادم"، قال دانيال ناظراً نحو الجبل.
كان الظلام قد حل بالفعل. وبدا هذا الجبل الثلجي بأكمله الآن وكأنه نطاق سيطرة الوحش. خطأ صغير واحد، وسيكونان في عداد الموتى.
"لنذهب"، قال للوناريل، ثم حمل جثة كاثري واتجه بها إلى النهر المتجمد، واضعاً إياها فوق الجليد.
ألقى نظرة حوله، ولما لم يَرى أي خطر، أخرج أحد العناصر الأساسية للفخ: سائل غريب يسمى الذهب الأسود. سكبه على سطح النهر بأكمله.
"رائحته كريهة حقاً"، تذمرت لوناريل. لقد كانت فكرتها هي استخدام الذهب الأسود، لكنها بدأت تشعر بالندم الآن.
"لا تنسي استخدام ذلك النبات الذي ذكرتِهِ"، نادى دانيال من الضفة الأخرى للنهر.
"نعم نعم"، تنهدت لوناريل ووضعت عدة أوراق من نبات يُسمى ورقة الضباب في زوايا النهر الأربع لتغطية الرائحة وتجنب إثارة حاسة الخطر لدى الشتاء ذي العين الواحدة.
وما إن أصبح كل شيء جاهزاً، نظر دانيال إلى عملهما بفخر.
"أنا عبقري".
"عفواً؟ أنا متأكدة تماماً من أنني وجدت كل ما نحتاجه لهذه الخطة، وأنا من كنت أعرف ماهيتها أصلاً!" نفخت لوناريل وجنتيها وحدقت فيه بغضب.
كان هذا البشري يحاول سرقة كل الفضل لنفسه.
"آسف، لكن إن كنت أتذكر جيداً، فأنتِ اكتفيتِ بالوقوف هناك وإصدار الأوامر طوال الوقت".
"أنت!" ضربت لوناريل الأرض بقدمها وأدارت وجهها بعيدا.
رسم دانيال ابتسامة مغرورة على وجهه ورفع نظره إلى السماء المظلمة.
"وفقاً لنظام الأم... علينا فقط البقاء على قيد الحياة لمدة أربع وعشرين ساعة"، همس لنفسه. لم يكن يعرف بعد ما إذا كان الهدف هو الهرب من هذا الوحش أم مواجهة مسخ آخر.
لكنه كان يرجو أن تكون مكافأة القضاء على هذا الوحش جديرة بذلك.
زئير! زئير!
فجأة، ملأ أصوات تحطم الأشجار والزئير المرعب الغاضب أرجاء السماء.
"لقد أتى"، قالت لوناريل بينما كانت أذناها ترتجفان.