يمشي ليو جين ويمشي ويمشي ويمشي. تغرب الشمس وتشرق ثم تغرب وتشرق مرتين أخريين. وطوال ذلك الوقت، يتعقّبه لِي كُونغ من خلفه. لا ينبس بكلمة، وكذلك ليو جين. بل إن ليو جين لا يبدو مهتماً بوجود لِي كُونغ أصلاً، ولا يبدو مهتماً بالعالم من حوله. ولا يتوقف ليو جين نهائياً إلا عندما يصادفان تشكيلة صخرية ضخمة. يمشي نحوها، ويجلس تحت ظلها، ويغمض عينيه عن العالم. تمضي الساعات. تمضي الساعات ويبقى لِي كُونغ هناك، يراقب بصمت.
ينتظر وينتظر. يفعل ذلك إلى أن يعجز عن الاحتمال. —سيّدي... —لا أذكر أنني منحتك الإذن لمخاطبتي بهذه الطريقة. تُلقى الكلمات بلا نبرة. ولا يتغيّر تعبير وجه ليو جين ولو للحظة واحدة. ولا يكلف نفسه عناء فتح عينيه حتى. ومع ذلك، لا خطأ في التوبيخ الحاد في كلمات ليو جين. وأمام هذه السلبية، يومئ لِي كُونغ —رغم أن ليو جين لا يراه— ويفتح فمه ليحاول مجدداً. —أيّها الرّ... يتوقف لِي كُونغ، وتتعلق الكلمات في حلقه.
لِي كُونغ في المراحل المتأخرة من مرتبة الحقيقة. ولا يمكن وصفه بالضعف بأي حال. إنه جندي يتمتع بخبرة قتالية وفيرة. وإن احتقره أحد في الماضي، فبسبب الحال المزرية لمسارات طاقته. ولي كُونغ ليس قط شخصاً يمكن الاستخفاف به. وفي الشؤون القتالية، يتفوق بكثير على ليو جين. ومع ذلك، وأمام النظرة الغاضبة على وجه ليو جين، وأمام العنف المنبعث من طفل صغير كهذا، لا يسع لِي كُونغ إلا أن يشعر كأنه فأرة أمام أفعى.
—إياك. —يتمتم ليو جين بغضب.— أن تناديني بذلك. يغلق لِي كُونغ فمه، وتصدر أسنانه نقرة مسموعـة أثناء فعله، ويومئ، عاجزاً عن إبعاد نظراته عن العينين الحمراوين الباردتين اللتين تسبران روحه. تغلق العينان مجدداً، ولا يسع لِي كُونغ إلا أن يتنهد بارتياح. هاتان العينان لا تنتميان إلى طفل، وبالتأكيد لا تنتميان إلى معالج. إنهما تربكان لِي كُونغ، وهذا بحد ذاته أمر مقلق. مهما نظر إلى الأمر، فالواقف أمامه طفل، طفل موهوب للغاية إذا ما أخذنا في الاعتبار كيف قاتل الجنود في مدينة الميناء الشرقي، لكنه يظل طفلـاً.
ومع ذلك... يهز لِي كُونغ رأسه ويحاول طرد الأمر من تفكيره. لا ينفع إشغال ذهنه بأمور لا فائدة منها. ليس ذلك واجبه. واجبه هو خدمة الطفل الواقف أمامه. ينتظر لِي كُونغ حتى تبدأ الشمس في الغروب نحو الأفق ويحاول مجدداً. —إذا كان بإمكاني السؤال بجرأة، ما المشكلة يا ترى؟ —أتساءل.
هل من جدوى لبدء سؤال بعبارة «إذا كان بإمكاني السؤال بجرأة»
إن كنت لا تنتظر حتى الإذن قبل المتابعة؟ ليست نبرة ليو جين ودودة بأي شكل، ومع ذلك يعتبر لِي كُونغ الأمر نصراً لبقاء عيني ليو جين مغمضتين. —أوه، حسناً. لا بأس. بغض النظر عن غرائب التعبير، ألا تجد سؤالك بلا جدوى البداية؟ أنت تعلم تمام العلم ما المشكلة. فقد كانت لك يد في صنعها، بعد مزيد من الكلمات. هذا أكثر ما تكلم به ليو جين منذ أيام. يشحذ لِي كُونغ عزيمته ويمضي قدماً.
—ما أود قوله هو... —يعبس لِي كُونغ، محاولاً صياغة أفكاره بأفضل طريقة.— أرى أن سيّدي يتأمل. ينكمش لِي كُونغ استعداداً للثورة الحتمية ويسرّه عدم حدوثها.
يبدو أن «سيّدي»
طريقة مقبولة للمخاطبة. —أرى أن لديك عينين. وما بعد ذلك؟ —سيّدي يتأمل. هذا صحيح، لكن... لا أظن أن سيّدي يمارس الارتقاء. ليس نادراً أن يجد بعض الممارسين أماكن في مناطق مقفرة ويبقون فيها لسنوات لممارسة الارتقاء. ومع ذلك، لا يبدو أن هذه هي حال ليو جين. بالكاد يستطيع لِي كُونغ شعوره وهو يمتص أي طاقة محيطة. —توفر هذه التشكيلة الصخرية ظلاً ممتعاً، لكن هذا كل ما تقدمه. لو كان الارتقاء قصد سيّدي، لكنا واصلنا المسير حتى نعثر على عرق تنين مناسب.
وبالمثل، لو كانت الراحة الجسدية ما يبغاه سيّدي، لكنا واصلنا المسير حتى نعثر على غابة أو بلدة. لماذا رأى سيّدي أنه مناسب التوقف هنا للتأمل؟ —لأنني غاضب. يحدق لِي كُونغ. يحدق لفترة، منتظراً أن يشرح ليو جين نفسه أكثر، لكنه لا يفعل أبداً. —سيّدي، أرجو المعذرة، لكن من الطبيعي أن تغضب بعد كل ما حدث. لكان الأمر مثيراً للقلق البجار لو لم تغضب قط. —ويبدو أن هذه هي المشكلة. يفتح ليو جين عينيه وينظر إلى لِي كُونغ بتجرد تام، لدرجة تكاد تجعل لِي كُونغ يقنع نفسه بأنه أصبح غير مرئي.
يبدو الأمر كأن ليو جين ينظر من خلاله لا إليه. —أنا غاضب، —يصرح ليو جين بلا أي مشاعر حقيقية.— أنا غاضب من الكثيرين، وأنا غاضب منك. كان يجب أن أصرخ، أو أغضب، أو أحاول جاهدة بلا فائدة إيذاءك. بصراحة، فكرة إيذاءك تروق لي بعض الشيء. لا أعتقد أنني شعرت بغضب أشد من هذا، ومع ذلك يبدو هذا الغضب بعيداً عن متناولي إلا في الأوقات التي يفيض فيها. يميل ليو جين برأسه إلى الجنيه.
—في ظروف أخرى، لكنت قلت إنها تجربة ممتعة. أما الآن، فهي تسبب لي القلق فحسب. مهما مرّ من وقت، لا أستطيع السيطرة على نفسي على ما يبدو. كنت أمل أن يساعدني التأمل، لكنه بدا أملاً أحمق. يشرح ليو جين هذا كله بصوت رتيب ومجرد. إنه أمر مربك. ليو جين الحالي مربك حقاً. تلك هي أخلص أفكار لِي كُونغ. —سيّدي، أظن أن لدّي فكرة عما يضنيك، —يقول لِي كُونغ مع ذلك، باذلاً قصارى جهده لملاقاة عيني ليو جين.
يرفع ليو جين حاجبـاً. ويميل رأسه من اليسار إلى اليمين. —تفضل بالحديث. —بناءً على ما تصفه، أعتقد أن روحك وجسدك في حالة اضطراب يا سيّدي. ما لم تكن حواسي تخدعني، فسيّدي في مرتبة النشوء بالفعل. ربما في مستواها الأول فحسب، لكنها مرتبة النشوء مع ذلك. —وماذا في ذلك؟ —حين يبلغ الممارس مرتبة النشوء، يبدأ في إدراك روحه بشكل أكبر. في طريق الارتقاء، هي خطوة مهمة بلا شك. ومع ذلك، مثل كل الخطوات، لا تخلو من المخاطر.
لم تعد روحك مجرد محتواه داخل جسدك. بل أصبحت الآن شيئاً يمكنك التحكم به. ومثل مولود جديد يكتشف ساقيه، ربما رفس سيّدي دون قصد. وأمام هذا الشرح، يغلق ليو جين عينيه مجدداً. لا مجال لإنكار شعور قوي بالكره يتصاعد داخله كلما تحدث لِي كُونغ. وبإغلاق عينيه، يسعى ليو جين إلى الحكم على كلمات لِي كُونغ بناءً على جدارتها بدلاً من تشويش منظوره بربطها بوجه لِي كُونغ. وهو ينجح في ذلك بنصف نجاح.
—أنت تقول إنه بسبب... ما حدث في مدينة الميناء الشرقي، لقد... حركت روحي؟ والآن، أصبحت غير متناسقة مع جسدي؟ —بالمعنى المجازي، نعم، —يقول لِي كُونغ منحنيـاً برأسه. يفتح ليو جين عينيه ويعبس. يبدو التعبير ملائماً في هذا الموقف. —إن كان أمر كهذا ممكناً، فلمَ لم أسمع به من قبل؟ لا يكون ليو جين صادقاً تماماً. فهو يتذكر أن شياو نان ذكر شيئاً عن الروح ومرتبة النشوء قبل زمن طويل.
ومع ذلك، هناك هوة واسعة بين ذلك وبين ما يحدث له الآن. ألم يكن هذا شيئاً سيذكره العجوز جيانغ أو أبوه بعد بلوغه مرتبة النشوء؟ —لا يُفعل ذلك عادة يا سيّدي. يجب أن تفهم أن الروح ليست موضوعاً سهل الشرح. تخيل، على سبيل المثال، أن عليك تعليم شخص كيف يحرك أذنيه. يصعب شرح كيفية تحريك عضلات لا يدرك معظم الناس وجودها. ويمكن قول شيء مشابه عن الروح. الأفضل الانتظار حتى يدرك الممارس روحه بوتيرته الخاصة وبجدارته.
وإلا، فمن الممكن خلق وضع يسعى فيه الممارس جاهداً للتلاعب بروحه فضولاً، أو سوء فهم للإحساس الجديد القادر عليه الآن. يتوقف لِي كُونغ ويبعد نظره. —بالطبع، حالة سيّدي استثنائية بالتأكيد. ليست شيئاً رأيته بعيني من قبل، رغم أنني سمعت بأمور مشابهة. كانت صدمة ما حدث في مدينة الميناء الشرقي أكبر من يتحملها العقل. ولا عار في ذلك. حتى المحنكون الأشداء سيجدون صعوبة في التعامل مع مأساة كهذه.
لقد... انكمشت روح سيّدي ببساطة. يبقى ليو جين صامتاً لبرهة. —لنفرّض أنني أصدقك، —يتكلم ليو جين أخير. —روحي وجسدي في حالة اضطراب الآن. كيف أصلح ذلك؟ كيف أستطيع إعادة روحي إلى تناسقها السليم؟ —للأسف يا سيّدي، لا أظن أنني أستطيع تقديم الكثير من المساعدة. التلاعب بالارواح ليس شيئاً تجرأت على محاولته يوماً. وحتى لو امتلكت بعض المهارة في ذلك المجال، لا أظن أن سيّدي يثق بي بالقدر الكافي ليسمح لي بمساعدته.
—هذا صحيح. —في تلك الحال، كل ما يمكن سيّدي فعله هو الانتظار. كلما نمت مهاراتك، ستتمكن من تناسق جسدك وروحك بالشكل السليم. بالإضافة إلى ذلك، ومع مرور الوقت، سيتمكن سيّدي من معالجة مشاعره طبيعياً. سيساعد هذا أيضاً. يفرك ليو جين أعلى أنفه. —بعبارة أخرى، أنت تخبرني أنني لا أستطيع فعل أي شيء الآن. خياري الوحيد هو الانتظار حتى يحل هذا الوضع نفسه بنفسه. —... تلك إحدى الطرق لتفسير كلماتي يا سيّدي.
يخور ليو جين بسخرية وهو يمد يده داخل رداءيه. —في تلك الحال، يبدو أنني أضعت وقتي. رغم أن ذلك ربما كان للأفضل. لا أظن أنني أستطيع وصف أفكاري الحالية بالصافية، لكنها بالتأكيد أصصفى مما كانت عليه حين استيقظت. تتسع عينا لِي كُونغ بينما يسحب ليو جين كيسـاً ويمد يده بداخله. وتختفي ذراعه بالكامل في داخله. —كيس مكاني! —هذا صحيح. إنه قيّم إلى حد ما. أستقتلني وتسرق محتوياته؟ يطرح ليو جين السؤال بلا مبالاة تامة.
ولا حتى ينظر إلى لِي كُونغ. ومع ذلك، لا يمكن أن يكون الأثر الذي يتركه السؤال على لِي كُونغ مختلفاً أكثر. يرتد الشاب عن ليو جين كأنه تعرض لضربة. —مستحيل! —يصرخ منحنيـاً. —يا سيّدي، لا يمكنني فعل شيء كهذا قط. —أرى ذلك. وغير متأثر إطلاقاً بكلمات لِي كُونغ، يسحب ليو جين خريطة ويفتحها على حجره. يتتبعها ليو جين بإصبعه، وضغطت شفتاه إحداهما على الأخرى. —لا أظنك تذكر الاتجاه الذي ركضت نحوه حين غادرت مدينة الميناء الشرقي؟
—الجنوب، —يجيب لِي كُونغ.— الاختباء داخل إمبراطورية تنين العاصفة لم يبدُ حكيماً. —أرى ذلك، —يقول ليو جين، ناظراً هذه المرة إلى لِي كُونغ، وبعينين فضوليتين نوعاً ما. ورغم ذلك، لا يدوم الأمر. يعود اهتمامه سريعاً إلى الخريطة. —لقد مشينا لأيام غير قليلة بعد ذلك. بالنظر إلى موقع النجوم، لابد أننا في هذه المنطقة. ينقر ليو جين على بقعة في الخريطة. —إلى أين نبغي الذهاب من هنا يا سيّدي؟
—إلى أين نبغي الذهاب؟ —يضحك ليو جين بخفة.— أتسلءل. يرفع ليو جين نظره إلى السماء، لكنه ليس القمر أو النجوم ما يطالعه. كل اهتمامه مُنصبّ للداخل. إلى أين ينبغي له الذهاب؟ لا، ربما هذا السؤال الخاطئ. بدلًا من السؤال عن بوصلة رحلته، يجدر به مساءلة نفسه عما يلزمه إنجازه وما تشتهيه نفسه. ماذا يريد أن يفعل؟ أن يمتنع عن الحركة لمئة عام. ماذا يلزمه أن يفعل؟ ... يتنهد ليو جين. تُطوى الخريطة، ويُحكم ربط الكيس حول خصره قبل أن يقف.
—لقد قررت. —إلى أين يا سيّدي؟ —مدينة الخفافيش الخمس. أنا ذاهب إلى مدينة الخفافيش الخمس. السماء مظلمة، والفجر لا يزال بعيداً. يخطو ليو جين خطوته الأولى.