يصرخ جاره بينما يعيد ليو جيانغوو ساقه إلى وضعها. في ظروف أخرى، لكان صوت الطقطقة الحاد جعل المحيطين به ينكمشون هلعاً. غير أن هذه الليلة لا تعدو كونها واحدة من أصوات مؤلمة كثيرة. تحول الشارع خارج منزل ليو جيانغوو تدريجياً إلى مستشفى ميداني بينما يحضر الناس جرحاهم إليه من كل حدب وصوب. هناك خمسة صفوف من المصابين ممددة على الأرض، وهي تزداد طولاً ثانية بعد ثانية. يحظى بعضهم بالاستلقاء على البطانيات.
بينما يضطر آخرون للاستسلام لأرض القذرة الباردة. أصبح صوت ليو جيانغوو أجشّ من كثرة إعطاء الأوامر، محاولاً إحفاء شيء من النظام في حشد الوافدين إليه أملاً في إنقاذ أصدقائهم وأحبابهم. سبعة عشر شخصاً جلبوا إليه بإصابات طفيفة. وسبعة وأربعون يعانون من كسور، أو حروق متوسطة، أو كلينا. واحد وعشرون لن ينجوا في الدقائق العشر القادمة. قد يجد كثيرون منظر هذا العدد الهائل من القتلى والجرحى مفزعاً، لكن ليس ليو جيانغوو.
لقد رأى ما هو أسوأ بكثير من هذا. لقد تسبب في ما هو أسوأ بكثير من هذا.
قال ليو جيانغوو وهو يعطي حبة للرجل الذي للتو أعاد ساق، وهي إحدى الحالات الأسهل التي تعامل معها الليلة: "ابتلع هذا. ستساعدك في تخفيف الألم ونزيف الدم".
قالت زوجة الرجل، بينما بدا زوجها أوهن من أن يتكلم: "شكراً لك أيها الطبيب! شكراً لك!".
بالكاد سمعها ليو جيانغوو. كان يتحرك بالفعل نحو المريض التالي. لو كان ليو جيانغوو في أوج قوته، لما دعت الحاجة إلى تلك الحبة. لو كان ليو جيانغوو في أوج قوته، لما احتاج حتى إلى لمس الرجل لجبس ساقه. وبمجرد فرقعة أصابعه، لكان قادراً على شفاء كل فرد حوله. إنه أحد الأسباب وراء النجاح الهاع لجيش ليو جيانغوو. بغض النظر عما يحل برجاله، كان دائماً قادراً على إعادتهم إلى حالتهم القتالية، وغالباً بين عشية وضحاها.
من منظور العدو، لم يكل جيشه قط، ولم يمت رجاله قط. لقد كان حشداً من الوحوش الخالدة التي لا يمكن إيقافها. نعم، لو كان ليو جيانغوو في أوج قوته، لتمكن من منع كل هؤلاء البشر من الموت. في الواقع، لما أصيب هؤلاء الأناس بأذى من الأساس. لكان ليو جيانغوو قد لاحظ الهجوم سريعاً قبل أن يضرب المدينة. ولكان أيضاً قد أصلح الفوضى السياسية المتمثلة في العلاقة بين طائفة شيا وطائفة يون منذ زمن طويل.
ولسقطت إمبراطورية السحاب القرمزي بعدها جلياً. الصراع الرباعي بين الطائفة الأربع مع وقوع العائلة الإمبراطورية في الوسط هو أمر لا يمكن بحال السماح باستمراره لفترة أطول. منذ البداية، لم تكن حالة مستدامة قط. وبعد ذلك — تنفس. تذكر نفس، ليو جيانغوو، أن هناك سبباً وراء إعاقته لنفسه. بعض الناس أهل للثقة بالسوة. وهو ليس منهم. مع ذلك، حين يجد نفسه محاصراً في وضع كهذا، لا يسع ليو جيانغوو إلا أن يلعن افتقاره للقوة.
وليست هذه المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك، ومثل كل مرة، يبدأ في التفكير كم ستكون الأمور أفضل لو استعاد قوته القديمة. أحياناً، يشرع عقله الخائن حتى في ابتكار طرق لإصلاح مساراته. إنه فخ مغر، وفخ يجب ألا يسمح لنفسه بالوقوع فيه أبداً. إنه ليو جيانغوو، أبو ليو جين، طبيب متواضع عاجز عن استخدام الطاقة. لا يستطيع إنقاذ إمبراطورية. لا يستطيع قيادة دولة. ومثله لا ناقة له ولا جمل حتى في التفكير بإنقاذ مدينة.
ما ليو جيانغوو إلا رجل بسيط ضعيف لا يملك سوى مساعدة النفر القليل حوله. هذا كل ما في الأمر. تتيح هذه الفكرة ليو جيانغوو استعادة توازنه. يأخذ نفساً عميقاً ويعود إلى عمله. تلك هي نيته على الأقل. يطيحه الانفجار الذي هز سماء المدينة أرضاً تماماً مثل أي شخص آخر. وبالنسبة له، يبدو الأمر أسوأ لعدم قدرته على استخدام الطاقة. يشعر ليو جيانغوو بانقضاض أحد أضلعه حين يصطدم بالأرض.
وحين ينهض، يكون الناس يهربون مذعورين. يلمح ليو جيانغوو من بعيد جزءاً من الأسوار وقد دُمِّر. يعقد حاجبيه. كلا، ليس السوار وحده. قد يترع التعرف على الأمر من موضعه، لكن أثراً هائلاً من الخراب شق طريقه عبر المدينة. من المركز وصولاً إلى الأسوار. تيقن ليو جيانغوو من ذلك. نوع الهجوم هذا... أليس شيئاً فعله بلا حصر في الماضي؟ هتف أحدهم من فوق الأسطح، وغالباً كان هناك لمراقبة الوضع بشكل أفضل، رغم عقم تلك اللفتة.
لكان ذلك الشخص أفضل حالاً لو فر هارباً، وإن بدا ذلك عقيماً أيضاً في هذه المرحلة.
صرخ الرجل السابق: "إنهم يمتطون الخيول داخل المدينة!".
يستمر في الثرثرة، بينما لا يسمع له ليو جيانغوو صوتاً. رغم أنه لم تقع عيناه عليهم بعد، فإن قلب ليو جيانغوو يعرف جيداً شكل الغزاة. دروع بسواد أعتى سحب العواصف. ريش أزرق على خوذاتهم يوحي بلون البرق. إنهم مخالب وأنياب تنين العواصف. على الأقل، هكذا كان مفترضاً أن يكونوا. يطلق ليو جيانغوو ضحكة قصيرة وحادة بينما يبذل الناس قصارى جهدهم للفرار بجرحاهم. حقاً، تجعل السماوات من الجميع حمقى!
جزء منه لا يملك إلا أن يجد الموقف ملائماً. ويشعر جزء آخر بالذنب متسائلاً عما إذا كان حضوره قد جلب هؤلاء الرجال إلى المدينة. ويخبره جزء ثالث بأن الأمر سيان في الحالتين. إنه يعرف بالفعل ما يجب عليه فعله. وربما لهذا طلب من ليو جين إحضار الحقيبة الحمراء بدلاً من أي شيء آخر. يسقط أحد المرضى الذين عالجهم محاولاً الهرب. متجاهلاً ألمه، يتجه ليو جيانغوو إليه ويساعد الرجل على الوقوف.
صاح ليو جيانغوو، آملاً أن يعلو صوته ليسمعه الجميع: "توجهوا إلى الميناء! ربما حاصروا ما تبقى من المدينة! الميناء هو فرصتكم الوحيدة!".
يأمل ليو جيانغوو أن تزال هناك بعض القوارب التي لم تحرقها نيران الهجوم السابق.
"لا تضيعوا الوقت في محاولة الاختباء! اذهبوا!".
"أيها الطبيب، ماذا عنك؟".
لا يجيب ليو جيانغوو. كان يركض بالفعل. باتجاه صوت خيول الجنود.
يتساءل ليو جيانغوو، وهو يقبض على الحبة الوحيدة التي أخذها من الحقيبة الحمراء: "هل من جدوى في فعل هذا؟ هل سيحدث أي فرق إن حاولت أن أكون مجرد إلهاء؟ حتى في أفضل السيناريوهات، من المستبعد أن ينجو هؤلاء الناس بحياتهم. في هذه اللحظة، تعتمد المدينة على قدرة شيا زينغ على هزيمة من وراء هذا الهجوم من عدمها. حتى لو فعل، فمن المؤكد أن سكان الأحياء الخارجية لن ينجوا من هذه الليلة".
وهل تراه يصرخ في وجه الجنود كالأبله الذي طالما نعت به الماستر، محاولاً جذب انتباههم بعيداً عن الفارين إلى الأمان؟
"أيها الكلاب عديمو الشرف، ها هو ليو جيانغوو يتحدى الهجوم!".
آه، كم مضى من الوقت منذ أن قال تلك الكلمات؟ التفكير في أنه كان قادراً على قول ومقصد أمور كهذه في الماضي. يا للخزي. ينطلق الفرسان نحوه مشحذين، ومع ذلك لا يظهر ليو جيانغوو أي بادرة على إيقاف اندفاعه الجنوني باتجاههم. لا يمكن للنتيجة أن تكون سوى واحدة. يخترق رمح خاصرة ليو جيانغوو. يطير جسده في الهواء ويصطدم بالأرض، لتتجمع حوله بركة من الدماء. التفكير في أنهم استهدفوا نقطة مئوية بمثل هذه الدقة.
من درّب هؤلاء الرجال قام بعمل جيد. تنزلق هكذا فكرة عديمة الفائدة في ذقن ليو جيانغوو بينما تتسرب الحياة ببطء من جسده. تنفجر حبة السم التي أمسكها بقوة في كفه. تبتلع سحابة سم سوداء داكنة كل شيء في نطاق ياردات قليلة حول ليو جيانغوو. يسعل الجنود حوله ويسقطون، مفارقين الحياة بعد ثوانٍ معدودات. يا للغرابة، يقتل الناس مجدداً في أواخر عمره. نأمل أن يساعد هذا الآخرين على بلوغ الميناء بأمان.
"أبي!".
آه. رغم أن ليو جيانغوو بالكاد يرى ويسمع في هذه اللحظة، فمن المستحيل أن يعجز عن تمييز صوت ابنه. من المستحيل أن يخطئ عيني ليو جين الحمراوين، المليئتين بالدموع التي لا يستحقها رجل مثله. التفكير في أنه سيموت بين ذراعي ابنه. يا لها من بهجة. إنه ليو جيانغوو، دودة بشرية بائسة تلقت نِعماً تفوق الحصر. إنه ليو جيانغوو، الأب الفخور بتنين لن يضاهيه أحد.