يسطع ضوء الشمس ساطعاً بينما يبتعد ليو جين والشيخ جيانغ عن مدينة المرفأ الشرقي. الخروج كان لجمع الأعشاب. وبالنسبة إلى ليو جين، الفرصة سانحة لمناقشة الأحداث الكثيرة التي جرت في بلدة القمر الجديد مع معلمه.
— هوه، يبدو حقاً أنك قضيت وقتاً ممتعاً.
ممتع هي إحدى الطرق لوصف الأمور. لو كان ليو جين شخصاً أقل سيطرة على أعصابه، لأطلق سخريته. لكنه عوضاً عن ذلك يبقى صامتاً بانتظار حكم لا يأتي أبداً. يبدأ ليو جين الكلام بعد أن يطول الصمت أكثر من اللازم: — يا معلّم، ألا تشعر بخيبة أمل مني؟ ينظر إليه الشيخ جيانغ وكأنّه قال للتو شيئاً غبياً للغاية.
— وما الدعوة التي قد تجعلني أشعر بذلك؟
يحاول ليو جين الشرح: — تعاليمك، لقد اسأت استخدامها. أثناء القتال ضد القائد الخامس لمجموعة الدب الأسود، استخدم ليو جين معرفته بنقاط الوخز للقتال لا للشفاء. ومهما يكن الأمر مخزياً للاعتراف، فالطب كان أبعد ما يكون عن ذهنه في تلك اللحظة. يلوح الشيخ جيانغ بيده نافياً: — لا تبالِ بمثل هذه الصغائر. ما علمته لك بات ملكك. وكيف تستخدم تعاليمي ومتى فهذا يعود إليك وحدك ولا لأحد سواك.
إن أردت استخدامها للشفاء فلا بأس. وإن أردت استخدامها للقتال فلا بأس بذلك أيضاً. ما يعنيني هو أن تتعلم، وأن تنقل تلك المعرفة عندما يحين الحين إلى شخص تراه جديراً بها. أشياء كثيرة يريد ليو جين قولها ردّاً على ذلك، لكن الشيخ جيانغ يتابع حديثه.
— توبيخك هو أبعد ما يكون عن ذهني أيها التلميذ.
بل يسعدني أنك نجحت في استخدام تلك التقنية بينما كنت تقاتل في سبيل حياتك. يحاول ليو جين التقليل من شأن إنجازه: — لقد كانت مرة واحدة فقط، لكنه صحيح حقاً أن هذا التلميذ استخدم فن اللص الجوّال أثناء القتال. يكبح ليو جين قشعريرة تسري فيه وهو يستذكر قتاله ضد القائد الخامس لمجموعة الدب الأسود. وعلى الرغم من أن التقنية لم تساعده على الفوز، فمن المؤكد أنه كان سيلقى حتفه لو لم يقدر على استخدام تلك الحركة.
— مقارنة بتلك النزرة من الحظ، ما زال عدد الإبر في جسد هذا التلميذ تسع إبر فقط.
تسع إبر. منذ اليوم الذي أخذ فيه الشيخ جيانغ تلميذه لرؤية ملك الأفعى ذي الرؤوس التسعة، وليو جين يسيطر على السم داخل جسده مستخدماً الإبر لتغيير مسار طاقته. وبينما يحميه هذا من سم ملك الأفعى ذي الرؤوس التسعة، فإنه يعيق زراعته بشكل بالغ أيضاً. ومنذ تلك الليلة المشؤومة، لم يتقدم خطوة واحدة حتى. ومع مرور الوقت، استطاع ليو جين إزالة عدد من الإبر من جسده بفضل تحكمه المتزايد.
وحالياً، لا توجد في جسده سوى تسع إبر طوال الوقت. ومع ذلك، وبهذا المعدل الذي يسير به، يكاد يكون مؤكداً أنه لن يتمكن من إزالة الإبر جميعها قبل انقضاء السنوات الثلاث. تلك حبة مرّة سيتعين عليه ابتلاعها، لكن ليو جين سيبقى في المستوى الأول من النّطاق الداخلي حتى ذلك الحين. يقول الشيخ جيانغ، دون أن يبدو منزعجاً بشكل خاص: — هذا أمر متوقع فحسب. ونجاحك في استخدام فن اللص الجوّال في ظل تلك الظروف يشي بالخير عنك.
بغض النظر عن هذا، احرص على مواصلة التدرب عليه. وإن أمكن بأي شكل، فأفضل أن تنجح في استخدام الخطوة الأولى دون عناء قبل انقضاء العام. فن اللص الجوّال. على الرغم من أن اسم التقنية يبعث على الريبة بلا شك، فقد أكد له معلمه أن إتقانها أمر حيوي لليو جين.
— أهذه التقنية مهمة إلى هذا الحد حقاً؟
بالتأكيد، لقد أنقذت التقنية حياته في مواجهة القائد الخامس. ومع ذلك، ففن اللص الجوّال مجرد تقنية حركة لا علاقة لها بالطب، وهي معقدة بلا داعٍ أيضاً. ولو حاول ليو جين، فهو واثق من أنه سيكون قادراً على استخدام حركة انكماش الأرض التي أرتها إياها شيا نان في طريقهما إلى بلدة القمر الجديد وذلك بعد أسابيع قليلة من التدرب فحسب. وفي هذه الأثناء، ظل ليو جين يحاول إتقان فن اللص الجوّال لأشهر دون نجاح يُذكر.
وإذا أخذ وقته في التركيز، فبإمكانه تدبر أمر استخدام التقنية. ومع ذلك، فالاستعانة بها أثناء القتال معقدة للغاية ببساطة. إنه لأمر عجيب أنه تمكن من ذلك خلال تلك المعركة. يُردد الشيخ جيانغ صدى كلماته: — أمهامة هي حقاً إلى هذا الحد؟ يا تلميذي الأحمق، من بين أشياء كثيرة علمتك إياها، يُعدّ فن اللص الجوّال من أهمها على الإطلاق. يكاد ليو جين يتعثر بحجر.
— حقاً؟
يرفع الشيخ جيانغ إصبعاً ويقول: — فكر ملياً. لقد أخبرتك مراراً وتكراراً أن الكثيرين سيقتلون لمعرفة أسراري. بل الحقيقة، إن علم الأشخاص الخطأ أنك تلقيت تعليماً على يدي، فسيبذلون قصارى جهدهم لانتزاع تلك المعرفة من رأسك. سيلقون القبض عليك ويعذبونك. ولهذا السبب يُعدّ فن اللص الجوّال بهذه الأهمية. أنا أعلمه لك لكي تتمكن من الاختباء عمن سيحاولون سرقة تلك المعرفة. بمعنى آخر، فن اللص الجوّال موجود لحماية حياتك وتعاليمي.
يرمش ليو جين. أهذه التقنية مذهلة إلى هذا الحد حقاً؟ يرى الشيخ جيانغ نظرة الدهشة على وجه ليو جين وقد خمن أفكاره بسهولة بالغة، فيقول: — بالطبع هي كذلك! أنا عجوز محتضر، ولست أعمى. يجعل تذكير صحة معلمه ليو جين يتقبض ألماً. ولا يبالي الشيخ جيانغ بالأمر بل يتابع الكلام: — لفن اللص الجوّال سبع خطوات. وفي الوقت الحالي، بالكاد تستطيع استخدام الخطوة الأولى منها، وهي قراءة مسار الطاقة للتسلل إلى المنطقة العمياء لخصمك.
ومقارنة بتقنيات الحركة الأخرى التي تكتفي بتعزيز سرعة مستخدمها، تُعدّ هذه التقنية أكثر تعقيداً بكثير كما أظنك لاحظت. يومئ ليو جين برأسه. فحتى حين تقاتل مع شيا دونغ، الذي كان قريباً من مستواه، لم يكن قادراً على استخدام التقنية بحرية.
— في البداية، قد لا تبدو التقنية جديرة بالعناء، ولكن...
حسناً، ربما يجدر بي أن أريك إياها. ثم يختفي المعلم. يُترك ليو جين رامشاً بعينيه قبل أن يلتفت فجأة يمنة ويسرة بحثاً عن معلمه. وعلى الرغم من أن المنطقة المحيطة بمدينة المرفأ الشرقي تتألف في الغالب من سهول ليّنة، فلا أثر لمعلمه في أي مكان. يفكر ليو جين لحظة في أن يسأل العجوز الواقف بجانبه إن كان قد رأى معلمه. لكن الفكرة تتبدد سريعاً من ذهنه. لا داعي لإزعاج العجوز.
— أنا هنا يا بني.
وهكذا تماماً، ينفك السحر. وهكذا تماماً، يتعرف ليو جين على معلمه مجدداً. يشعر ليو جين وكأن دلو ماء بارد قد أُفرغ عليه. إنه لا يصدق أنه عجز للحظة عن التعرف على معلمه. يقول معلمه بابتسامة متغطرسة: — هذا... ما يمكن للمرء فعله عندما يُتقن الخطوات السبع جميعها. كيف تعتقد أني هربت من الأشخاص الذين حاولوا قتلي؟ كيف تعتقد أن شخصاً يقف في نطاق الإمبراطور ظل خافياً عن أنظار الجميع طوال كل هذا الوقت؟
يكافح ليو جين للعثور على الكلمات المناسبة: — هذا... ظننت أنك تكتفي بإخفاء طاقتك فحسب. هل كنت تستخدم... تلك التقنية؟
— إخفاء طاقتي لم يكن ليخفيني بالقدر الكافي أبداً.
أجرؤ على القول إن بعض الأشخاص من طائفة يون تلك كانوا ليكتشفوا أمري لو أنني اكتفيت بذلك. الطريقة التي يذكر بها واحدة من أقوى الطوائف في المدينة تتسم بازدراء تام. بالطبع، معلمه قوي بالقدر الذي يكهله للحديث عنهم بهذه الطريقة. يضيف معلمه: — لكن لا، لم أكن أستخدِم الخطوة السابعة طوال هذا الوقت. فمثل هذا الأمر سيكون معقداً حتى بالنسبة إليّ. الخطوة الرابعة أكثر من كافية لتحقيق أغراضى.
إذن، فمعلمه يستخدم تلك التقنية كل يوم؟ مذهل. مذهل تماماً. يُقسم ليو جين بحماس متجدد: — سأبذل قصارى جهدي لإتقان التقنية يا معلّم! يومئ إليه الشيخ جيانغ بموافقة: — حسنٌ. احرص على فعل ذلك. والآن، لنتحدث عن الشيء الذي أريتني إياه. يراقب ليو جين الشيخ جيانغ وهو يمد يده إلى كيسه المكاني ويخرج جرة. إنها الجرة ذاتها التي خزّن فيها الكتلة السوداء التي خرجت من جسد شيا هنغ. وقد أعطاها لمعلمه في الليلة السابقة، رغم أنه لم يتسنَّ لهما وقت طويل للحديث عنها.
السحر المؤقت الذي وضعه ليو جين على الجرة قد استُبدل بآخر أحدث، مما يشير إلى أن الشيخ جيانغ أخرجها لدراسة الكتلة السوداء.
— يجب أن أعترف بأنني لم أرَ شيئاً كهذا منذ فترة طويلة.
— أأدركت ماهيتها بالفعل يا معلّم؟
يتوق ليو جين لمعرفة الإجابة. ولولا كل ما حدث في بلدة القمر الجديد، لكان على الأرجح قد أمضى أيامه كلها في العبث بالكتلة السوداء.
— إنه شخص.
يرمش ليو جين ببطء.
— ماذا؟
يُكرر الشيخ جيانغ وهو يرفع الجرة باتجاه الشمس: — إنه شخص. أو لكي أكون أكثر دقة، كان شخصاً.
— كيف يكون ذلك ممكناً؟
لا ينتظر الشيخ جيانغ حتى إيماءة ليو جين ليتابع: — قلت إن هذا كان داخل صبي، أليس كذلك؟ من المرجح أن الصبي كان جزءاً من توأمين. غير أن التوأم الآخر مات في الرحم، أو هكذا ما كان مفترضاً أن يحدث. يتحرك بصر ليو جين ببطء نحو الكتلة السوداء. وبشرته شاحبة.
— إذن فهذا...؟
يعجز عن نطق الكلمة. الأمر مرعب للغاية بكل ببساطة.
— هذا ما تبقى من ذلك الشخص، رغم أن تسميته شخصاً يعد مبالغة كبيرة.
في الظروف العادية، كان ينبغي له أن يموت، لكنه لم يفعل. وعلى الرغم من أنه لم يشكّل قط دماغاً أو قلباً أو رئتين، فقد ظل حياً كمجرد كتلة من اللحم. حسناً، لكان قد مات على الأرجح لو لم يكن هناك مصدر طاقة آخر قريب جداً منه. يُخرج ليو جين أنفاسه: — شيا هنغ.
— صحيح.
لقد تعلق بجسد أخيه حتى أثناء نموه ونجا بتلك الطريقة. يبتسم الشيخ جيانغ. لم أرَ شيئاً مثيراً للفضول هكذا منذ زمن بعيد. يسأل ليو جين وهو يرمق الكتلة السوداء بنظرة مختلفة: — أيمكن فعل شيء من أجله؟ أينبغي لنا مساعدته يا معلّم؟ ألا يعاني؟
— هذا؟
يعاني؟ لا. يهز الشيخ جيانغ رأسه. إنه يفتقر إلى الوعي اللازم للمعاناة. الشجرة التي عثرتم عليها في بلدة القمر الجديد أقرب لكونها بشراً من هذا. ذكره لشجرة الهمس المخادعة يجعله يقطب حاجبيه.
— آه يا معلّم.
بخصوص تلك... يقول معلمه: — لا داعي للقلق بشأنها. الأشجار المتحدثة والأشياء المتحدثة حقيقة واقعة في الحياة. وليس كل منها سيتحول إلى شياطين. بل إن أغلبها لا يفعل. وأما عن هذا... ينظر الشيخ جيانغ إلى الجرة بلا مبالاة. يمكنك محاولة العثور على جسد ملائم له إن رغبت.
— جسد ملائم؟
— جسد بأعضاء تعمل ويفضل ألا تكون له إرادة ذاتية كبيرة.
خذ. يطلق ليو جين صيحة خافتة بينما يرمي الشيخ جيانغ الجرة نحوه. احتفظ به. قد تجد له فائدة في نهاية المطاف. اعتبره مشروعاً، مع التأكد من التركيز عليه لاحقاً. في الوقت الحالي، أنا واثق تماماً من أن لديك أموراً أهم لتشغل بها بالك. فعروسك ستكره حقاً أن تكون في المرتبة الثانية بعد جرة. آه، الزفاف. يرسم ليو جين تعبير امتعاض على وجهه وهو يفكر في الأمر. يقول: — يا معلّم، ما رأيك في هذا الزفاف؟
— يسرني أن يكون لدي تلميذ حريص إلى هذا الحد على رفع معنويات معلمه بتقلبات حياته.
بالطبع يسره ذلك.
— يا معلّم أرجوك.
تلميذك يطلب إرشادك بتواضع. ينظر الشيخ جيانغ إلى ليو جين الجاد ويتنهد: — حسناً، سأمنحك بعض الحكمة أيها التلميذ. الصفقة ليست سيئة بالنسبة لك بشكل خاص. إن كانت آفاقك تقتصر على هذه البلدة، فالزواج من طائفة شيا ليس فكرة سيئة. فبالتزوج من ابنة شيا تشنغ، ستحظى بمكانة رفيعة داخل طائفة شيا. وفي المقابل، تحظى طائفة شيا بك. من الواضح أنهم الطرف المستفيد الأكبر من الصفقة، لكنه ليس خياراً سيئاً إن كنت تنشد حياة هادئة.
— ماذا؟
ينطق ليو جين بالكلمة بلا تفكر. ومرة أخرى، أوقعه معلمه في مفاجأة كاملة.
— معلّم، ألتوّك قلت إن طائفة شيا هي المستفيد الأكبر من هذه الخطبة؟
النظرة التي يرميه بها الشيخ جيانغ تنطق بالنفاد: — أهوه، يا تلميذي الأحمق. من بين كل عيوبك، عجزك عن إدراك قيمتك هو ما يؤرقني أكثر من أي شيء آخر.
— لكن يا معلّم، ما زلت في النطاق الداخلي فحسب!
يقول الشيخ جيانغ: — أذلك مهم؟ صحيح أنك ما زلت في النطاق الداخلي، وستبقى على حالك لعام آخر. ولكن، ماذا بعد؟ بمجرد اجتيازك للاختبار، ستتمكن من الزراعة مجدداً. وأجرؤ على القول إنك ستفاجأ بمدى سرعة تقدمك بمجرد أن تبدأ طاقتك بالتدفق بالشكل السليم مرة أخرى. وهناك معرفتك أيضاً لتؤخذ بالحسبان، أم أنك تقول لعل تعاليامي لا تساوي شيئاً؟ يهز ليو جين رأسه بجنون: — لا يا معلّم!
لن يفكر هذا التلميذ في مثل هذه الأفكار قط!
— حسنٌ، إذن أدرك أنك أنت من يرث كل ما يمكنني تعليمه.
هذا يجعلك أثمن من هذه المدينة بأكملها. لا يملك ليو جين ما يرد به على ذلك.
— اعرف قيمتك بنفسك أيها التلميذ.
فالرجل الذي لا يعجز عن تبين قيمته يبيع نفسه بثمن بخس.