كانت قاعة العقاب مبنى متوسط الحجم من طبقة واحدة وطابق سفلي وحيد. لا شيء مريع يحدث هناك رغم الاسم. كان المبنى مجرد جدران تضم عشرات الزنازين المخصصة لتأديب التلاميذ المخالفين لقواعد طائفة شيا. وتُعد العقوبة هناك خفيفة مقارنة بغيرها. إذ يقضي التلميذ المخالف يوماً أو أكثر في الزنزانة حسب حجم الجرم. استغل الحكماء هذا الوقت للتركيز على الزراعة الروحية. وهو خيار لم يكن متاحاً لليوي جيانغوو بالطبع.
حُبس ولي ولي في زنزانتين صغيرتين متجاورتين في الطابق السفلي. وضمت كل زنزانة كومة قش وفوقها بطانية للنوم. وخلت الزنازين من النوافذ تماماً، ولم ينبعث الضوء إلا من الشموع الخافتة خارجها. مرّ نصف يوم منذ اقتيادهما إلى هنا حسب تقدير ليوي جيانغوو. انشغل ليوي جيانغوو بابنه الذي تركه مع العجوز غاو بدل الاكتراث لنفسه. وكانت هذه أطول مدة يفارق فيها ليوي جيانغوو ابنه منذ أن حمله بين ذراعيه أول مرة.
فلم يالف الطبيب هذا الوضع ولم يتقبله قط. حرص على ترك تعليمات صارمة للعجوزين حول ما يجب فعله، ولكن يا للرعب! ماذا لو استيقظ ابنه باكياً في منتصف الليل ولم يجدْه بجانبه! ماذا لو مرض ابنه؟ يفتقر العجوز غاو إلى المعرفة بفنون العلاج. قطّب ليوي جيانغوو جبينه وتزاحمت في ذهنه عشرات السيناريوهات، تراوحت بين الممكن والمستحيل، وتعامل مع كل منها بأقصى درجات الجدية.
قال: "أريد الاعتذار".
رمش الطبيب حين أخرجه صوت لي من مخاوفه الخيالية المتصاعدة. التفت نحو جانبه عبثاً، فقد حجبت جدران الزنزانة رؤيته للي.
"لا أذكر أنك اقترفت ما يستوجب الاعتذار".
ملأ ضحك لي المكان الخارجي وشابه مرارة.
"أرى أن حسّ الفكاهة لديك يا طبيب ليوي لا يزال رائعاً، لكن أرجوك، ليس هذا وقت المزاح. لا يمكن إنكار أن هذا التلميذ الأحمق هو من توسل إليك لتأتي إلى هنا. ولولاي لكنت مع ابنك الآن. أنا... كنت أعلم أن الأمور قد تنتهي على هذا النحو، لكنني آمنت حقاً بأن كل شيء سينصلح".
بدا الندم واضحاً في صوت لي، وبدا من منظور ما أن الموافقة تليق بكلامه. غير أن...
"خلافاً لما تعتقد، لا أعتاد المزاح"، أجاب ليوي جيانغوو وهو يجلس على كومة القش ويستند إلى الجدار.
"أنت شاب، وتظنك مسؤولاً عن أفعالي وهذا يوضح الأمر جلياً. أنا هنا لأنني اخترت ذلك. لا أكثر ولا أقل".
"لكنني أصررت مراراً وتكراراً!"
"فعلتَ"، وافق ليوي جيانغوو بلا أي غضب أو مرار في صوته.
"أزعجتني بذلك مراراً وتكراراً. وكان الأمر مزعجاً للغاية".
"إذن يمكنك أن ترى..."
"لكن"، قال الطبيب بنبرة هادئة وحازمة: "لم أوافق على مرافقتك لأتخلص من إزعاجك. شرحت لي أسبابك ووافقت عليها. هذا كل ما في الأمر. لم تجبرني على المجيء. أنا هنا بمحض إرادتي. ولا داعي للشعور بالذنب حيال خيارات اتخذتها بنفسي".
بدا الأمر مضحكاً تقريباً. لو حدثه أحد بهذه الطريقة في الماضي، لما آلت الأمور إلى ما آلت إليه. بيد أن ليوي جيانغوو لم يمتلك وقتاً لافتراضات الماضي. لم يعد ذلك ممكناً.
"كما توقعت، الطبيب ليوي رجل مذهل حقاً"، قال لي بعد برهة.
"لا عجب في أن السماوات حرمت الطبيب ليوي من استخدام طاقة تشي. فمن الظلم البين أن يجتمع لعالم واحد القدرة والحكمة معاً".
ضحك ليوي جيانغوو. لم يستطع منع نفسه. ضحك طويلاً وعالياً. وتردد صدى صوته بين الزنازين الخاوية.
"الطبيب ليوي؟"
"اغفر لي"، قال وهو يواصل الضحك ويمسح دمعة من عينه.
"الأمر وما فيه... لم أتعمد توقع قول كهذا. القدرة مقابل الحكمة؟ أهكذا تراني؟"
ربما كان لي أصاب كيداً أكثر ممّا يعلم.
"مسلٍّ"، قال الطبيب.
"الحياة مسلية حقاً".
"حسناً، حسناً"، قال أحدهم.
"أراكم تقضون وقتاً ممتعاً. ألا تعلمون أن هذا مكان للعقاب؟ ينبغي بكم إظهار التوبة على الأقل. يحب الشيوخ ذلك حقاً".
"السيد الشاب شيا نان!"
ارتفعت حاجبا ليوي جيانغوو حين رأى الصبي يترجل أمام زنزانته حاملاً صينية طعام.
"تحياتي"، قال ليوي جيانغوو وهو يحني رأسه.
"عليّ الاعتراف بمفاجأتي. لم أظن أننا أهلا لزيارة شخص بمكانتك".
"لستم كذلك"، ردّ شيا نان بلا تردد.
"لكنني معاقب مثلكما".
أنزل الصينية وفتح القفل أثناء حديثه. ودُفع طبق الطعام في اللحظة التالية.
"أجزم بعلمك أن حتى المزارعين الضعفاء يطيقون العيش ليوم أو يومين بلا طعام"، شرح شيا نان دون أن يكلف نفسه عناء إغلاق الباب.
فلم يكن بحاجة لذلك. إذ عجز ليوي جيانغوو عن الهرب بوجود شيا نان في طريقه.
"باستثناء التلاميذ الذين اقترفوا من المخالفات ما يستوجب بقاءهم هنا لأشهر، فلا داعي لإحضار الطعام إلى هنا. غير أنك مقعد، ولذا تحتاج إلى الطعام للبقاء حياً".
"أنا أدرك ذلك".
"عادة، نكلف خادماً بإحضار طعامكم، لكن العم والشيوخ غاضبون مني"، قال شيا نان وهو يهز كتفيه كأن الأمر لا يعنيه.
"ولذا، يقدم وجبتكم اليوم شيا نان بالذات. استمتعا بعبثية وضعنا أرجوكما".
"لك جزيل الشكر يا سيد"، قال ليوي جيانغوو وهو ينحني ليحمل طبقه ويبدأ في الأكل.
أرز و لحم ببعض البهارات. ربما لم يكن طعاماً فاخراً بمعايير طائفة شيا، لكن الوجبة الجيدة تظل جيدة. لم يغادر شيا نان بعد أن أنهى مهمته، بل وقف متقاطع الذراعين ومستنداً إلى الجدار. وأسكت حضورُه الثقيلُ ليَ، لكن ليوي جيانغوو أكل بهدوء. مرت الدقائق في صمت. ومع ذلك لم يتحرك شيا نان من مكانه. وتكلم بعد برهة.
"أكنت تقول الحقيقة؟"
توقف ليوي جيانغوو عن الأكل ونظر إلى الطفل.
"إذا كان السيد الشاب لطائفة شيا يسألني عن صحة ما قلته بخصوص وضع الباراماونت زينغ، فالجواب نعم. وإذا سألني عن حقيقة طريقة علاجه، فالجواب نعم أيضاً".
ضاقتا عينا شيا نان.
"وكيف لي أن أثق بأنك لا تكذب؟"
"الطبيب ليوي لن يجرؤ..."
"اصمت!"
كلمة واحدة حاسمة كفت لتسكيت لي. ولم تحِد عينا شيا نان عن ليوي جيانغوو قط.
"أكرر سؤالي. كيف أعرف أنك لا تكذب؟"
"لا يمكنك ذلك"، أجاب ليوي جيانغوو.
"هاه؟"
"لا أظن أن ثمة طريقة سهلة لأقنعك سوى بالسماح لي بعلاج عمك"، شرح ليوي جيانغوو.
"لا لوم عليك في ارتيابك بي. فأنا في النهاية مقعد. ويصعب تصديق امتلاكي لمعرفة تفوق أعظم أطباء هذه المدينة. والأرجح لك أن تظنني مشعوذاً يائساً يحاول تجنب الموت".
"أتعلم"، قال شيا نان وتلعثمت عينه اليسرى.
"لا مفترض بك الاعتراف بمثل هذا مباشرة. بل عليك التذلل والتوسل لفرصة تثبت بها جدارتك لي".
"لو توسلت وتذللت، لرأيتني يائساً لا أُؤتمن"، أشار الطبيب بهدوء.
"لا توهم نفسك. أنا لا أرغب في الموت، وأؤمن أن كسب ثقتك سيساعدني على البقاء حياً. لكني أستبعد وجود طريقة سهلة تجعلك تثق بي فجأة. بوسعي علاج عمك. هذا صحيح، لكنك قد تراني أدعي قيادة جيش عرمرم أو إمارة أجنبية".
تنهد شيا نان ومرر يده على شعره.
"لا وقت لدي لهذا. لا أملك وقتاً حقاً".
راح الصبي يطوف حول الزنزانة دون أن يفكر بمغادرتها. وزم شفتيه وقبض كفيه.
"ما حدث ما كان ليكون لو استعان العم بالطوائف الأخرى! إنه والشيوخ يعاندون بلا مبرر!"
تنفس الطفل بصعوبة بعد خرخسة صراخه. راقب ليوي جيانغوو وجهه الغاضب باهتمام.
"لا أدعي معرفة كل شيء"، قال، "لكنني أعتقد أن الباراماونت شيا زينغ اتخذ القرار الصائب في هذه المسألة".
سكن شيا نان. وأدار رأسه ببطء نحو ليوي جيانغوو.
"أهلاً؟ ألديك ما تقوله؟"
"إن سمحت لهذا الحقير بمشاركتك أفكاره، أظن أن فهم أسباب شيا زينغ يبدو سهلاً".
لوح شيا نان بيده في وجهه بغضب.
"تكلم إذن!"
"باراماونت الطائفة شخص مسؤول عن سلامة طائفته بأكملها واستمرارها، وليس عن حياته وحدها. وإذا لم يطلب الباراماونت شيا زينغ المساعدة، فذاك لأنه يخشى أن يعرض ذلك طائفة شيا لخطر جسيم".
بدا شيا نان كمن يريد المقاطعة ثم تراجع. وأومأ ليوي جيانغوو موافقاً.
"عليك أن تدرك يا سيد الشاب أن العلاقات بين الطوائف ليست أفقية أبداً. إنها علاقات تفوق ودونية في جوهرها. وأنا واثق من تماثل الأمور في مدينة الميناء الشرقي. ففصائل عديدة تتبع طائفة شيا. أليس كذلك؟"
"بالتأكيد!"
قال شيا نان بنفاذ صبر.
"فكل فصائل المدينة تتبع إما طائفة يون أو طائفتنا. وما علاقة هذا بالأمر؟"
ثم قطب جبينه فجأة.
"انتظر... أتريد القول...؟"
"الأمر كما تفترض يا سيد الشاب"، أومأ ليوي جيانغوو قائلاً.
"قد تحظى طائفة شيا بمكانة عليا في جميع علاقاتها داخل حدود مدينة الميناء الشرقي، لكن هذا لا ينطبق على علاقاتها مع الطوائف خارج المدينة. كقصر الجليد الإبدي ووادي الجحيم المستعر مثلاً".
شعر ليوي جيانغوو بارتجافة لي بمجرد نطق تلك الأسماء رغم عجزه عن رؤيته. وأظلم وجه شيا نان.
"تلك معرفة واسعة لامرئ مثلك. تبدو مطلعاً للغاية لشخص مقعد".
"هذا لا شيء يا سيد الشاب. فهاتان الطائفتان هما الأقرب لمنطقتنا بين الطوائف الرئيسية الأربع في الإمبراطورية. ومعرفة أسمائهما بديهية كمعرفة الشمس والقمر"، أجاب ليوي جيانغوو.
"على كل حال، لا يمكن إنكار أن العلاقة بين طائفة شيا وهاتين الطائفتين تفتقر إلى تفوق طائفة شيا. حين تتحدث عن طلب المساعدة من طوائف خارجية يا سيد الشاب، تقصدهما أليس كذلك؟"
كان هذا الاحتمال الوحيد المنطقي. فلا طوائف أخرى تضمن امتلاك الموارد اللازمة لتشخيص علة شيا زينغ وعلاجها.
"وماذا لو قصدتهما؟"
سأل شيا نان دفاعياً.
"ما العيب في ذلك؟"
"المشكلة تكمن في شاسع الفارق بين القوتين"، أجاب ليوي جيانغوو.
"سيد الشاب، أقوى فرد في طائفة شيا هو الباراماونت شيا زينغ. وهو الوحيد في مستوى الإمبراطور في مدينة الميناء الشرقي بأسرها. لكن بمجرد مغادرتك هذه المدينة، ستكتشف وجود مزارعين كثر في مستوى الإمبراطور. وتتأكد هذه الحقيقة بوضوح في أماكن كقصر الجليد الإبدي أو وادي الجحيم المستعر".
ولن يفاجأ ليوي جيانغوو بوجود عشرة أشخاص على الأقل في مستوى الإمبراطور داخل كل من هاتين الطائفتين. ولا تقارن طائفة شيا بهما البتة.
"حسناً إذن! لنفترض أنك محق"، قال شيا نان باحتدام مقترباً من ليوي جيانغوو.
"ما العيب في طلب المساعدة منهما؟"
"سيضع ذلك طائفة شيا في دين لا يُسد يا سيد الشاب"، أجاب ليوي جيانغوو ممعناً النظر في عيني الطفل بثبات.
"لتحافظ طائفة شيا على علاقتها بأي من الطائفتين، يتوجب عليها إدارة مكانتها الدونية بحذر. وإذا أظهرت طائفة شيا ضعفا مبالغا فيه، فلن تفيدهم في شيء. وإن غرقت طائفة شيا في الديون تجاههما، فسيهيمنان عليها تدريجياً حتى تفقد هويتها كطائفة شيا. ربما لم تفكر يوماً في هذه الأمور يا سيد الشاب، لكنها بديهيات لمثلي من المقعدين. فأنا شخص محكوم بالبقاء في أدنى المراتب دائماً. وإن لم أحسن إدارتها، فسأثقل بديون أعجز عن سدادها".
"أتزعم أن إنقاذ حياة العم سيجر ديوناً كهذه؟"
"أستطيع الجزم على الأقل بأن الباراماونت شيا زينغ والشيوخ يعتقدون ذلك"، أجاب ليوي جيانغوو.
"قد ينقذ طلب المساعدة من طائفة كبرى حياة الباراماونت شيا زينغ، غير أن هذا الإنقاذ قد يضع طائفة شيا بأكملها تحت سيطرة طائفة أخرى".
"إن كنت مصيباً"، قال شيا نان عابساً.
"فلماذا لم يصارحني أحد بذلك؟"
"أرجح أن لا أحد يرغب في الاعتراف بالضعف"، أجاب ليوي جيانغوو حانياً رأسه.
"إنها لتجربة مريرة. ولا يريدون إثقال كاهل سيد الشاب بتلك المعرفة".
"إثقال كاهل؟"
ضحك شيا نان بمرارة.
"أشعر أنني مغفل الآن".
"اعتذاري الشديد".
لم يرد شيا نان فوراً. وبقي صامتاً ومستغرقاً في التفكير لفترة.
"هي!"
سبرت عيناه الزرقاوان غور عينيه الحمراوين.
"أيمكنك علاج العم إن توفرت لديك تلك المكونات؟"
"كررت ذلك مراراً، وأكرره الآن: نعم".
"أرى ذلك".
ألقى شيا نان نظرة أخيرة وغادر مغلقاً الباب وراءه. ~~~ كان الوقت متأخراً من الليل حين استيقظ ليوي جيانغوو على وقع فتح باب زنزانته.
"انهض"، قال صوت شيا نان المميز.
"أريد منك إثبات أقوالك".
"السيد الشاب شيا نان"، قال ليوي جيانغوو ناهضاً برشاقة لا تليق بمن قُطع نومه لتوّه.
"بأي فضل أستحق هذه الزيارة؟"
ارتدى شيا نان ملابس داكنة على عكس زياراته السابقة. وأمسك كيساً قماشياً وضعه أرضاً بعجالة.
"أحضرت ما طلبت".
اتسعت عيناها ليوي جيانغوو. يا للهول العزيز.
"أهذه..."
"ثلاث ريشات طائر الفينيق، زهرة دم التنين، ولسان النار الكاسح"، قال شيا نان مستخرجاً المكونات من الكيس واحداً تلو الآخر.
"ألم تقل إن هذه حاجتك؟ حسناً، ابدأ التحضير. حتى أنني جلبت عشب القمر المسحوق وجذر الروح الزرقاء. ولن يسعفنا الوقت قبل أن يدرك الحراس اقتحام المستودع. وما إن يلاحظ الشيوخ المسروقات حتى يقصدوا هذا المكان".
سرق هذا الطفل من طائفته. اقتحم هذا الطفل المستودع وانتزع المكونات التي ذكرها في اليوم السابق. ولم تكن جرأة كهذه لتُحتمل. لابتسم ليوي جيانغوو لولا إدراكه لمدى خطورة موقفه. فلا وقت للتردد الآن. وكان عليه تجهيز الدواء بأقصى سرعة.
"حسن، لكنني سأحتاج أيضاً إلى..."
"أحضرت فرناً"، قال شيا نان استباقاً لقوله.
واستل فرناً مزخرفاً صغيراً من الحقيبة.
"هذا ما يستعمله أطباؤنا. لست متأكداً من صلاحيته لكن..."
"سيفي بالغرض"، قال ليوي جيانغوو متعرفاً على جودة القطعة.
"ليس مثالياً، لكنه يكفي لغرضنا".
وشرع ليوي جيانغوو في التجهيز فوراً. فترتيب المكونات وشرع في تسخين الفرن. لتسهل الأمور كثيراً لو امتلك طاقة تشي، لكنه مضطر للتعامل مع المتاح. طحن زهرة دم التنين ولسان النار الكاسح بالهاون والمدقة. وركز في عمله حتى غابت الغرفة عن ناظريه شيئاً فشيئاً. وما إن اطمأن للنتيجة حتى شرع في وضع المكونات داخل الفرن.
"تكتفي بريشة فينيق واحدة؟"
لاحظ شيا نان ذلك.
"الأخيرة تُضاف لاحقاً"، قال.
"وعلينا انتظار تحول الدخان إلى اللون البنفسجي".
حينها يحين الأوان. وكل ما يستطيع فعله الآن هو الانتظار وتمني عدم اقتحام أحد المكان. نفَس واحد. خمسة أنفاس. خمسون نفساً. وامتد الوقت بينما تحول البخار من الرمادي إلى البرتقالي ثم البنفسجي.
"صار بنفسجياً. أضفها".
"صبراً. أحتاج مساعدتك في هذه الخطوة"، قال ليوي جيانغوو وهو يهوي بالمروحة على اللهب بحذر.
"عليك إخراجي فور إضافتي الريشة الأخيرة".
"انتظر، ماذا تقصد؟"
اتسعت عينا شيا نان حين ألقى ليوي جيانغوو الريشة في النار لا بين المكونات الأخرى. وسرعان ما اختطف الطفل ليوي جيانغوو خارج الغرفة. وما إن مرت ثانية حتى انفجرت النيران حول الفرن، محولة كل ما في زنزانة ليوي جيانغوو إلى رماد ومذيبة القضبان نفسها. ولم تدم النار سوى لحظة، لكن حرارتها دفأت الطابق بأكمله.
"أجننت؟"
صرخ شيا نان.
"من يضع ريشة فينيق في النار مباشرة؟!"
"الوسيلة الوحيدة لبلوغ درجة الحرارة المطلوبة لصقل الدواء بفعالية. وإلا لخرجت النتيجة دون المستوى"، شرح ليوي جيانغوو بلا أي اكتراث باقترابه من الاحتراق حياً قبل ثوانٍ.
"ولحسن الحظ، سارت الأمور كالمتوقع".
تلألأ الأمل في وجه شيا نان.
"إذن... انتهى؟"
أومأ ليوي جيانغوو.
"انتهى الأمر. والحبة التي يحتاجها عمك جاهزة".
وفي تلك اللحظة اقتحم الحراس المكان.