أَسدلَ الليلُ ستولَه على مدينةِ السحابِ الإمبراطوريّةِ قبلَ ساعاتٍ. لم يكنِ الوقتُ مُناسباً لعقدِ أيِّ عشاءٍ عائليّ، ولما تفاجأَ أحدٌ لو جرى إلغاءُ اللقاءِ بأسْرِه على ضوءِ أحداثِ اليومِ. وما كانت لوسي مِي لتتذمَّرَ بالطبعِ. بيدَ أنَّ عشيرةَ فينغ عنيدةٌ إلى أقصى حدّ. تجتمعُ العائلةُ في الغرفةِ الأطولِ ضمنَ أملاكِ عشيرةِ اللهبِ الأبديّ. يَترأسُ السيدُ فينغ غوي الطاولةَ جَالساً في رأسِها، ويقابِلُه شقيقُه السيدُ فينغ شانغ.
تجلسُ السيدةُ لينغ عن يمينِ السيدِ فينغ غوي، ويفينغ زهي عن يسارِه. يتركُ هذا الوضعُ الأمَّ وربيبَها متقابليْنِ في نظراتٍ مُباشرة، وهو أمرٌ لا يمكنُ أن يكونَ مريحاً لأيِّ منهما. وتعتبرُ لوسي مِي نفسَها أنجحَ حظّاً في هذا الجانبِ. فعلى جانبِها من الطاولةِ، تجلسُ السيدةُ فينغ وفينغ ژوو متقابلينِ. وكان يفترضُ أن يكونَ المقعدُ المقابلُ لها من نصيبِ فينغ هاو، إلا أنَّ والدتَه نجحتْ في إعفائهِ من الحضورِ.
سمعتْ لوسي مِي الأصغرَ من آلِ فينغ يتذمَّرُ قَبلاً، غيرَ أنَّه لا يدري كم هو محظوظٌ لعدمِ وجودِهِ في هذه الغرفةِ. على أيةِ حالٍ، تشكُّ لوسي مِي في أنَّ السيدةَ فينغ ستحدِّقُ في فينغ هاو بذاتِ الشراسةِ التي تُحدِّقُ بها بها الآنَ. وطبعاً، يظلُّ هذا أهونَ من شعورِ التفوّقِ المتغطرسِ على وجهِ السيدةِ لينغ. وكيفَ لأنثى مثلِها وللس السيدِ فينغ غوي أن يُنجبا ولداً بطيبةِ خلقِ فينغ هاو؟
إنه لغزٌ تامّ.
قال السيدُ فينغ غوي بنبرةٍ ودودةٍ وهو يطوفُ بنظراتِهِ حولَ الطاولةِ: "عائلتي الأعزّ. أظنُّها المرةَ الأولى التي نتجمّعُ فيها هكذا جميعاً. أنا وشقيقي، وزوجتُه وزوجتي، وطفلي وأطفالُه".
ارتجفَتِ السيدةُ فينغ رِجفةً طفيفةً، لكنَّ السيدةَ لينغ لحظتْها بوضوحٍ، ودلَّ على ذلكَ الابتسامُ المفترسُ المرسومُ على شفتيها. وعليها أن تُنصفَ عَمَّها. فبالنسبةِ لناظرٍ عاديّ، لبَدَتِ الكلماتُ بريئةً تماماً، لكنَّها لم تكنْ سوى تذكيرٍ لاسعٍ بخيانةِ أبيها البيولوجيّ. فلوسي مِي ليست ابنةً شرعيةً للسيدِ فينغ شانغ، ومع ذلكَ مُنحتْ مقعداً على هذه الطاولةِ. لا بدَّ أنَّ الأمرَ يُمثُّلُ الإهانةَ العظمى للسيدةِ فينغ.
قال السيدُ فينغ غوي وهو يُشابكُ أصابعَه: "أردتُ نقاشَ أمورٍ كثيرةٍ بالأصلِ. لقد مرتْ عشيرتُنا فينغ بهزّاتٍ عديدةٍ هددتْ وحدةَ عشيرةِ اللهبِ الأبديِّ خلالَ السنواتِ القليلةِ الماضيةِ. غيرَ أنَّنا تجاوزْنا ذلكَ، ونحنُ على شفا عهدٍ جديدٍ وأفضلَ".
لم يتحرَّكْ ساكنٌ للسيدِ فينغ شانغ. مع ذلكَ، أحستْ لوسي مِي أنَّه، رغمَ غيابِ الغضبِ، لم يكنْ مُستمتعاً البتَّةَ باستعراضِ السيدِ فينغ غوي.
استطردَ السيدُ فينغ غوي: "مع الأسفِ، طرأَ أمرٌ أكثرُ إلحاحاً. وأفترضُ أنَّكم جميعاً شاهدتمْ قتالَ الإمبراطورِ الشابّ؟"
أظلمَ وجهُ السيدِ فينغ شانغ، بينما سادَ الارتباكُ بقيّةَ الغرفةِ. وحتى فينغ ژوو، أخوها غيرُ الشقيقِ والواثقُ بشكلٍ مزعجٍ، بدا غيرَ مُتيقّنٍ بعضَ الشيءِ.
تكلَّمَ فينغ ژوو: "يا عَمّ، لم يكنْ هذا السؤالُ بحاجةٍ ليُطرحَ. لقد كنا جميعاً هناكَ. بيدَ أنَّ الظاهرَ أنك وأبي قد رأيْتُما شيئاً لم نره. لقد كان قتالُ صِهْرِنا مخالِفاً لطباعِهِ المعتادةِ، غيرَ أنَّ شيئاً ممَّا حدثَ في الحلبةِ ما كان ليخلقَ كلَّ هذا القلقَ بينَ رجالٍ أشداءَ بمثلِ تلكَ القوةِ. أرجو أن تُنيروا بصائرَنا لنستطيعَ المشاركةَ الفعليّةَ في هذا النقاشِ".
حافظتْ لوسي مِي على جمودِ وجهِها، لكنَّها أُعجبتْ بأخيها غيرِ الشقيقِ، وما كانت وحدَها في ذلكَ. كان الإعجابُ بائناً بجلاءٍ على وجهِ فينغ فينغ زهي. فلم يقتصرْ أمرُه على مطالبةِ السيدِ فينغ غوي بالدخولِ في صلبِ الموضوعِ، بل تعمَّدَ الإشارةَ إلى تشين جين بوصفِهِ صِهْرَه، مُعترفاً بالرابطِ بينهما رغمَ الموقفِ المشحونِ من حولِهِ.
أجابَ السيدُ فينغ شانغ نيابةً عن شقيقِهِ: "يُدعى فنَّ اللصِّ الهائمِ".
رَمشَ فينغ ژوو.
سألَ مستنكراً بنبرةٍ تكادُ تنطقُ بعدمِ التصديقِ: "تقنيةُ الحركةِ هي سببُ كلِّ هذا؟ أُقرُّ بأنَّها كانت مبهرةً لمستواهِ، لكن لا شيءَ فيها يستحقُّ..."
قاطعَه السيدُ فينغ شانغ ليخرسَ ابنَه فوراً: "لو أنَّه أتقنَها تماماً، لكان جَالساً ههنا دونَ أن يدركَ أيٌّ منَّا حضورَهُ".
أردفَ السيدُ فينغ غوي كمنْ يتلو نصّاً محفوظاً: "لفنِّ اللصِّ الهائمِ سبعُ خطواتٍ. حينَ تُقطعُ الخطواتُ السبعُ، ستنسَاكَ حتى السماواتُ. إنَّها حكايةٌ تناقلتْها الأجيالُ، حدَّثَنا بها أبونا. كان اللصُّ الهائمُ شخصيةً عظيمةً في خضمِّ الحربِ بينَ البشرِ والشيابين، وصارَ في المطافِ الأخيرِ جزءاً من المائةِ والثمانيةِ. لم يخلفْ وراءَهُ أيَّ نسلٍ دمويّ، لكنَّ تقنيتَه وجدتْ طريقَها بطريقةٍ ما إلى أفرادٍ مزعجينَ على نحوٍ فريدٍ".
ضحكَ فينغ ژوو بخفةٍ. ونخرَ فينغ زهي. وحتى لوسي مِي عجزتْ عن كبحِ ابتسامةٍ.
"المزعجونَ على نحوٍ فريدٍ"
كانت إحدى الطرائقِ لوصفِ جين الخاصِّ بها.
قال السيدُ فينغ شانغ: "الأمرُ ليس مبعثاً للضحكِ. أحدُ آخرِ مستخدمي هذه التقنيةِ عُرفَ باهتمامٍ بالغٍ من قِبلِ أولئك الموجودينَ على الضفةِ الأخرى من السهولِ الميتةِ".
عقَّبَ فينغ ژوو: "أهلاً؟ لم أكنْ أعلمُ أنَّنا على درايةٍ وثيقةٍ بهم لدرجةِ أن يُطلعونا على اهتماماتِهم".
قالتِ السيدةُ فينغ لابنِها: "يا بنِي، لستَ أحمقَ فلا تتقنْ دورَهُ. إنَّ أولئكَ الموجودينَ على الضفةِ الأخرى من السهولِ الميتةِ لا يتدخلونِ عادةً في شؤونِنا، لكنَّ الطوائفَ الأربعَ الكبرى تحظى بأهميةٍ تفرضُ الحفاظَ على قَدْرٍ من التواصلِ".
ردَّ السيدُ فينغ غوي بابتسامتِه المعتادةِ: "قَدْرٌ من التواصلِ. أظنُها طريقةً ديبلوماسيةً لوصفِ علاقتِنا بهم، عزيزتي زوجةَ أخي. يُرسلونَ إلينا توجيهاتٍ غامضةً مرّةً كلَّ قرنٍ، ونحنُ نتوقعُ أن نذعنَ لها بخنوعٍ. والآنَ وقد أعلنَ الإامبراطورُ عن إتقانِهِ للتقنيةِ على الملأ، أتوقعُ أنَّ الأمرَ مسألةُ وقتٍ ليس إلا حتى يبلغَ علمُهم بالأمرِ إنْ لم يكونوا قد علموا بالفعلِ. لن يصدروا أوامرَ صريحةً، لكنَّ المفترضَ ضمناً هو تفضيلُ تأمينِ الإسلامِ بطريقةٍ أو بأخرى. يضعُنا هذا في وضعٍ معقَّدٍ بشكلٍ فريدٍ مقارنةً بالبقيةِ. فالإمبراطورُ تشين جين حليفٌ عزيزٌ لنا، بعدَ كلِّ شيءٍ. ومن جهةٍ أخرى..."
توقَّفَ عن الكلامِ وأومأَ لشقيقِهِ مُشيرًا إليه بمتابعةِ الحديثِ.
تنفسَ السيدُ فينغ شانغ الصعداءَ وقالَ: "ومن جهةٍ أخرى، الإمبراطورُ تشين جين حليفٌ لنا. إنَّه عضوٌ في عشيرةِ اللهبِ الأبديِّ، ونحنُ من وقفَ خلفَ حصولِهِ على إمبراطوريةِ تنينِ العواصفِ. وإذا ما أخذْنا هذه الحقائقَ بعينِ الاعتبارِ، فإنَّ ادعاءَنا بعدمِ معرفتِنا بخلفيتِهِ سيَبدو كاذباً. سيعتقدونَ أنَّنا كنَّا نخفيه طوالَ هذا الوقتِ. والخطواتُ التي سنخطوها منذُ هذه اللحظةِ فصاعداً ستدحضُ تلكَ النظريةَ... أو تُعزِّزُها".
أعقبَ ذلكَ صمتٌ مشحونٌ. ورغمَ وفيرةِ الطعامِ على الطاولةِ، لم يمددْ أحدٌ يدَه إليه، وبدا أنَّ ذلك لن يتغيرَ قريباً. خيَّمَ شعورٌ بالرهبةِ في الأجواءِ بينما تَنقلتِ العيونُ في محاولةٍ لسبرِ أغوارِ مواقفِ الحاضرينَ حيالَ هذه الأزمةِ. فمن يبدأْ بالحديثِ يكَشفْ عن أوراقِهِ ويُعرضْ نفسَه لضرباتِ الآخرينَ. وبالطبعِ، كان فينغ ژوو هو من بادرَ بذلك.
حوَّلَ فينغ ژوو نظراتِه بينهما وقالَ: "يا عَمّ، يا أبي، اغفرَا لي جرأتي، لكنَّ الخيارَ محسومٌ هنا تماماً. لقد علَّمتُماني معاً أنَّ عشيرةَ اللهبِ الأبديِّ يجبُ أن تفرضَ أسمى آياتِ الاحترامِ. وأيُّ احترامٍ سنفرضُه إنْ نحنُ تصرفْنا كأتباعٍ عاديِّين؟"
زجرتْه السيدةُ لينغ قائلةً: "احذرْ لغتَك أيُّها الفتى. استدعاءُ غضبِ من هم على الضفةِ الأخرى من السهولِ الميتةِ حماقةٌ. هذا ليس وقتَ تحدِّيِهِم".
ليس الوقتُ المناسبُ. تفككتِ العبارةُ سريعاً في ذهنِ لوسي مِي. أخبرَها تشين جين يوماً أنَّ السيدَ فينغ غوي يخططُ لتحدِّي أولئكَ الموجودينَ على الضفةِ الأخرى من السهولِ مستقبلاً. وغالباً أنَّه شاركَ خططَهُ مع السيدةِ لينغ، وهذا الحادثُ يُهددُ بتقديمِ موعدِ خطتِهِ إلى أمدٍ أبعدَ ممَّا تراه حكيماً.
قال فينغ زهي وسطَ نظرةٍ حاقدةٍ من السيدةِ لينغ: "فينغ ژوو محقّ. لديَّ مشكلاتٌ كثيرةٌ مع الإمبراطورِ تشين جين، لكنَّه يظلُّ فرداً من عشيرةِ اللهبِ الأبديِّ وصاحبَ إنجازاتٍ جليلةٍ. تسليمُه يعني خيانةَ أحدِ تلامذتِنا. فأيُّ وجهٍ سنملكُه بعدَ ذلك؟"
قاطعتْهما السيدةُ فينغ: "لقد كذبَ الإمبراطورُ تشين جين منذُ اللحظةِ التي وطئتْ فيها قدمُه بواباتِنا. أيمكنُ اعتبارُ شخصٍ مماثلٍ تلميذاً لعشيرةِ اللهبِ الأبديِّ بحقّ؟"
سألتْ لوسي مِي: "وهل يوجدُ شخصٌ واحدٌ على هذه الطاولةِ يخلو من الأسرارِ؟"
رمشتِ السيدةُ لتوِها نحوِها بعينينِ تمتلئانِ غضباً، لكنَّ لوسي مِي أاعتادتِ الكراهيةَ أكثرَ من أن تمنعَها عن الكلامِ.
"قيمةُ التلميذِ تكمنُ فيما أنجزَهُ لعشيرةِ اللهبِ الأبديِّ. جيني الخاصُّ منحنا إمبراطوريةً بأسرِها".
علَّقتِ السيدةُ لينغ: "حسنُ القولِ يا عزيزتي، لكنَّك منحازةٌ بشكلٍ يائسٍ".
أقرَّتْ لوسي مِي بلا مناورةٍ: "بالتأكيدِ أنا منحازةٌ. فاستحالَ عليَّ الوقوفُ ضدَّ زوجي كما استحالَ عليكِ أو على السيدةِ فينغ الوقوفُ ضدَّ زوجَيكُما. مع ذلكَ، كنتم تعلمونَ هذا قبلَ دعوتي إلى هذه الطاولةِ. ولِمَ أنا هنا إنْ لم يكنْ لأتكلمَ؟ لو لم تكنْ آراؤنا تعني شيئاً، لكان الأمرُ حُسمَ بينَ أبي والسيدِ فينغ غوي".
رافقتِ النظرةَ القاتلةَ التي وجهتْها السيدةُ فينغ حينَ أشارتْ إلى السيدِ فينغ شانغ بأبيها نوايا قتلٍ صريحةٌ، ولم تتوقفْ إلا حينَ تلقتْ نظرةً من السيدِ فينغ شانغ نفسِهِ. ضحكَ السيدُ فينغ غوي.
"هذا صحيحٌ! هذا صحيحٌ يا ابنةَ أخي! لم يكنْ هناكَ سببٌ لدعوتِكِ أو دعوةِ ابني إلى هنا. وحتى حضورُ فينغ ژوو لم يكنْ ضرورياً، لكنَّنا دعوناكُما على أيِّ حالٍ! أنا وشقيقي أردْنا معرفةَ رأيِ الجيلِ الصاعدِ".
لأولِ مرةٍ، فُتِحتْ زجاجةُ النبيذِ الموضوعةُ على الطاولةِ. صبَّ السيدُ فينغ غوي لنفسِهِ كأساً. ثمَّ وبقرعةِ أصبعٍ، تدفقَ السائلُ من الزجاجةِ ليملأَ كُلَّ كأسٍ.
تابعَ السيدُ فينغ غوي حديثَه: "يكفي أن أقولَ إنني مسرورٌ. لا يَغُرَّنَّكم الظنُّ. القرارُ اتُّخِذَ. وشقيقي وأنا في لحظةِ توافقٍ نادرةٍ. الإمبراطورُ تشين جين طفلٌ مزعجٌ بلا حدودٍ".
كانت الكلماتُ مقلقةً، إلا أنَّ الابتسامةَ الحانيةَ على وجهِ العَمِّ بثتِ الطمأنينةَ في نفسِ لوسي مِي.
واستطردَ السيدُ فينغ غوي: "مع ذلكَ، نحنُ عشيرةُ اللهبِ الأبديِّ. لسنا شعلةً هزيلةً تُطفأُ أو تشتعلُ حسبَ الأهواءِ لمن هم على الضفةِ الأخرى. نحنُ جحيمٌ هادرٌ يحترقُ بلا نهايةٍ. لقد آن الأوانُ ليدركَ أولئكَ الذينَ على الضفةِ الأخرى ذلك".
بدتِ السيدةُ لينغ قلقةً لكنَّها لم تجرؤْ على معارضةِ زوجِها علناً. أمَّا السيدةُ فينغ فلم تعانِ من مثلِ هذا الترددِ.
قالتْ: "يا زوجَ الشقيقِ. غضبُك من الضفةِ الأخرى مُبررٌ، لكني أرجو أن تمارِسَ الحذرَ. لا يمكنُنا إثارةُ غضبِهم بتهوّرٍ".
قالَ السيدُ فينغ شانغ: "يا زوجتي، لقد فاتَ الأوانُ لمثلِ هذه المخاوفِ. منذُ اللحظةِ التي اختيرَ فيها شقيقي لخلافةِ أبي، غدا هذا التصعيدُ حتمياً. فطريقُه لا يحتملُ أيَّ شيٍء آخرَ... وكذلكَ طريقي".
لم تكنِ السيدةُ فينغ وحدَها من رمقَ السيدَ فينغ شانغ بارتباكٍ.
هتفتْ: "زوجي؟"
"لقد أُجِّجتِ النيرانُ بالفعلِ. إخمادُها مستحيلٌ. يمكنُنا فقط تقريرُ كيفيّةِ انتشارِها".
أنهى السيدُ فينغ شانغ كلامَه دافعاً شقيقَه للضحكةِ. الداو. يُدمرُ السيدُ فينغ غوي في سبيلِ البناءِ. وفي مُنعطفٍ مماثلٍ، يستحيلُ عليه التراجعُ أو التصرفُ بخنوعٍ. بيدَ أنَّ داو السيدِ فينغ شانغ ظلَّ لغزاً. وظنتْ لوسي مِي، ككثيرينَ، أنَّ له صلةً بالتوازنِ، لكنَّ الأمرَ لا يبدو كذلكَ.
قالَ السيدُ فينغ غوي: "نُدرةٌ هي اللحظاتُ التي تتوافقُ فيها طرقُنا، ممَّا لا يتركُ سِوى مسألةٍ واحدةٍ يجبُ حسمُها".
تحولتْ نظراتُه نحوِ فينغ زهي ولوسي مِي. فابتعدَ الاثنانِ غريزياً عن الرجلِ.
"أيُّكما يظنُّ قدرته على هزيمةِ الإمبراطورِ تشين جين؟"
~~~ يُقبلُ اليومُ الثاني من البطولةِ، وتخطو غان نانفينغ إلى الحلبةِ رافعةً رأسَها حينَ نادى المعلقُ باسمِها.
"شيا شوانغ من قصرِ الجليدِ المقدسِ في مواجهةِ غان نانفينغ من عشيرةِ اللهبِ الأبديِّ!"
لأكونَ صادقةً، فكرتْ غان نانفينغ في الاستسلامِ قَبْلَ بدءِ النزالِ. لقد جعلَ أداءُ شيا شوانغ بالأمسِ الفارقَ بينهما جلياً للغايةِ. كانت تتمنى بلوغَ المراكزِ الستةَ عشرَ الأولى على الأقلِّ، لكنَّها ستضطرُّ للرضا ببلوغِ المراكزِ الاثنينِ والثلاثينَ الأولى فحسبْ. وتلكَ إنجازٌ عظيمٌ بالفعلِ. لكانت سعيدةً بذلك. لكنَّ بان تشيو كان عليه حينئذٍ أن يتوقفَ عن الجبنِ لمرةٍ واحدةٍ فحسبْ.
رؤيةُ الرجلِ الذي اتخذَ الاختفاءَ أسلوبَ حياةٍ وهو يقفُ بنديةٍ أمامَ أحدِ أقوى المقاتلينَ في البطولةِ بَدا أمراً مهيباً ومزعجاً بالقدرِ ذاتِه. تستطيعُ غان نانفينغ التعايشُ مع حقيقةِ عجزِها عن مجاراةِ أمثالِ الأخِ الأكبرِ جين و السيدِ الشابِّ فينغ زهي. بل ويمكنُها قبولُ عدمِ بلوغِها قوةَ مجانينَ كالأخِ الأكبرِ بي هونغ أو الأخِ هوانغ شينغ. لكنَّها ترفضُ تماماً أن تكونَ أدنى من بان تشيو!
تصاعدتْ طاقةُ التشي الخاصةُ بها بقوةٍ تكفي لخلقِ موجةٍ صدميةٍ اصطدمتْ بالحاجزِ. وتطايرَ شعرُها، وتألقَتْ عيناها بالقوةِ. استطاعَ الحضورُ بأسْرِهم استشعارُ القوةِ الكاملةِ لممارسِ قوىً في المستوى الرابعِ لعالمِ الأرضِ ينبعثُ منها. وهو مستوى يعجزُ جلُّ الناسِ عن بلوغِهِ طوالَ أعمارِهم. وتحقيقُ ذلك في أقلَّ من عشرينَ ربيعاً يوسمُها بموهبةٍ استثنائيةٍ تتيحُ لأيِّ طائفةٍ الحظَّ بضمِّها.
تدخلُ شيا شوانغ الحلبةَ فيتلاشى كلُّ ذلكَ. تحدقُ غان نانفينغ في عيني شيا شوانغ الزرقاوينِ، لتتجمدَ شجاعتُها وتتحطمَ. امتدتْ يداها بغريزتِها نحوِ عنقِها. كلُّ شهيقٍ تأخذُه يؤلمُ حلقَها ويجرحُ رئتيها. ارتجفَ جسدُها بأسْرِهِ واهتزَّ تحتَ وطأةِ حضورِ شيا شوانغ. بردٌ. شديدُ البرودةِ. لِمَ الجوُّ باردٌ هكذا؟ ولِمَ هو مظلمٌ هكذا؟ المستوى الثامنُ لعالمِ الأرضِ؟ لا، بل أعلى من ذلك بكثيرٍ.
لا تستطيعُ التنفسَ! تهوي غان نانفينغ على ركبتَيها. وما عادتْ طاقتُها التي كانت فخورةً بها سوى شعلةٍ ضئيلةٍ تترنحُ في قلبِ عاصفةٍ ثلجيةٍ. وتجمدتِ الدموعُ في عينيها.
"أنا..."
يؤلمُ! يؤلمُ! يؤلمُ! هذه الفتاةُ... هذا الوحشُ سيقضي عليها بمجردِ حضورِهِ! سيتحجرُ جسدُها بالكاملِ! سيتحطمُ جسدُها بالكاملِ! ينبغي أن تفرَّ! ينبغي أن تنجوَ! ينبغي أن...
صرختْ بأقصى طاقةِ حنجرتِها: "أنا أستسلمُ!"
أُعلِنَتْ شيا شوانغ فائزةً فوراً، غيرَ أنَّ أيَّ هتافٍ لم يُسمعْ. راحتْ كلُّ العيونِ ترقبُ بشفقةٍ الفتاةَ التي تحتبسُ عبراتُها في قلبِ الحلبةِ.
~~~ "ما الذي فعلتَهُ؟!"
لقد مضى وقتٌ طويلٌ منذُ أن غضبَ شيا فانغ منه حقاً. ولم يستطعْ ليو جين القولَ بأنَّه اشتاقَ لذلكَ. كما لم يستطعْ إنكارَ استحقاقِهِ له.
صرخَ شيا فانغ وهو يمسكُه من ياقَةِ ردائةِ: "أنا أُسائلُكَ!"
وترددَ صدا صوتِهِ في الممراتِ الخاليةِ لاستادِ السحابِ القرمزيِّ.
"ماذا فعلتَ؟"
قال ليو جين: "أنا آسفٌ".
ومَهْمَا اشتدتْ رغبتُه في إبعادِ بصرِهِ عن نظراتِ شيا فانغ المُتهمةِ، فإنَّ ذلكَ يُعدُّ جُبناً مفرطاً. مواجهةُ عدائيته وجهاً لوجهٍ هي أقلُّ ما يمكنُه فعلُه.
زأرَ في وجهِهِ شيا فانغ: "ليس هذا ما سألتُك عنه! لقد فعلتَ شيئاً ما! قد لا أدري ما هو، لكني لستُ بالغباوةِ التي تمنعُني عن ملاحظِة تحولِ أقوى الممارسينَ في الإمبراطوريةِ إلى عجائزَ يتناقلنَ النميمةَ. لقد بدأَ كلُّ ذلكَ منذُ لحظةِ انتهاءِ قتالِك!"
أومأ ليو جين موافقاً: "لقد فعلتُ شيئاً".
فتوترَ شيا فانغ.
"لكن لا يمكنُني إخبارُك..."
قاطعَ شيا فانغ ليو جين دافعاً إياه بقوةٍ اصطدمَ إثرَها بالحائطِ لدرجةِ ظهورِ عدةِ تصدعاتٍ عليه.
سأله ونبرتُه تشبهُ زمجرةَ وحشٍ بريّ: "لمَ لا؟"
أجابَ ليو جين: "لن تكونَ في مأمنٍ".
تكهنَ شيا فانغ: "شيا شوانغ تعلمُ بالأمرِ. لهذا السببِ... أختي قويةٌ لكنَّها طيبةٌ وحنونةٌ أيضاً! قد تغضبُ لكنَّها لا تقسو قطُّ. ما حدثَ قبلَ قليلٍ هناكِ... لم يكنْ هي! كان... بارداً".
لم تكنْ مبالغةً في كلامِ شيا فانغ. فرغمَ أنَّ استعراضَ الأمسِ بدا أبهرَ من الناحيةِ البصريةِ، إلا أنَّه عجزَ عن مضاهاةِ عُمقِ البرودةِ في هالةِ شيا شوانغ اليومَ. لم يكنْ هناكَ أيُّ أثرٍ للشعورِ. لا غضبٌ. لا سعادةٌ. لا شيءَ. مجردُ برودةٍ. لقد سُحقتْ غان نانفينغ كلياً تحتَ وطأةِ تلك البرودةِ.
"أنا... لم أتوقعْ أن تردَّ فعلَها على هذا النحوِ. أنتَ تعلمُ أنني لن أؤذي شيا شوانغ أبداً".
"لقد فعلتَ بالفعلِ".
انتفضَ ليو جين. كان يعلمُ أنَّ أفعالَه ستخلفُ عواقبَ. وكان يعلمُ أنَّ المقرَّبينَ منه لن يسلموا من التأثرِ، لكنَّه وثقَ تماماً بأنَّهم لن يُستغلوا كرهائنَ ولن يُساءَ معاملتُهم. فلوسي مِي وشيا شوانغ تتمتعانِ بقيمةٍ عاليةٍ للغايةِ ولا تملكانِ من المعرفةِ ما يُتيحُ لطوائفهما السماحَ بوقوعِ سوءٍ عليهما. لم يتوقعْ قطُّ أن تتفاعلَ شيا شوانغ بذلكَ الحدِّ التطرفيِّ. يا له من أحمقَ.
قال ليو جين: "لقد فعلتُ. ولا أملكُ من الاعتذاراتِ ما يكفي. أعدُك بأنَّني سأُصلحُ الأمورَ".
بدا شيا فانغ كمنْ يرغبُ في لكمِهِ. وفعلَ ذلكَ بالفعلِ. دوى أثرُ الصدمةِ الخافتةِ في أنحاء الممرِّ. ولم يبذلْ ليو جين أدنى محاولةٍ لتفاديها.
قال شيا فانغ وهو يخلي سبيله: "لكي تصلَ إلى شيا شوانغ، يلزمُك عبوري. أنا خصمُك القادمُ، ولستُ هنا لأخسرَ أمامَك أيُّها الغبيُّ".
أطلقَ ليو جين ضحكةً واهنةً.
"يا لها من مصادفةٍ. لستُ هنا لأخسرَ على الإطلاقِ".
"جيدٌ. فلن أجنيَ أيَّ رضا من تفريغِ هذا الإحباطِ في شخصٍ يسعى للتطهرِ عبرَ قبضتي".
~~~ عادتْ شيا شوانغ أدراجَها نحوِ غرفةِ الانتظارِ التابعةِ لقصرِ الجليدِ المقدسِ. وكان ينبغي أن تصلَها منذُ وقتٍ طويلٍ، غيرَ أنَّ خطواتِها بَدتْ هائمةً. ولم يكنْ عقلُها مركزاً، وتكونَ الصقيعُ على الجدرانِ حيثما خطتْ قدماها.
"أختي الصغرى، لقد كنتُ أبحثُ عنكِ!"
رمشت شيا شوانغ ببطءٍ. كانت فو ليهوا تقفُ أمامَها. ولم تكنْ قد لاحظتْ حضورَها.
سألتْ ببرودٍ: "لماذا؟"
أشارتْ فو ليهوا بذراعيها نحوِ السماءِ مُستغربةً: "لماذا؟ انظري إلى حالِكِ أختي الصغرى! أنتِ لستِ على ما يرامُ! تعالي معي. سأصحبُك إلى القصرِ. نزالُكِ قد انقضى. وما من سببٍ لبقائكِ هنا. فورَ أن تنالي قسطاً من الراحةِ، ستكونينَ..."
قاطعتْها شيا شوانغ بصقيعٍ لاسعٍ: "بخيرٍ؟ أتظنينَ أنَّ الراحةَ والنومَ سيجعلانني أشعرُ بحالٍ أفضلَ؟"
تكلَّمتْ فو ليهوا بحزمٍ أكبرَ هذه المرةِ: "أختي الصغرى، أنا..."
قاطعتْها شيا شوانغ مجدداً: "أنتِ لا تفقهينَ شيئاً على الإطلاقِ".
تصاعدتْ طاقةُ التشي الخاصةُ بفو ليهوا جراءَ وقاحتِها، بيدَ أنَّ هالةَ شيا شوانغ وازتْها قوّةً. وتصارعَ البردُ مع البردِ، لتتصدعَ الجدرانُ الحمراءُ تحتَ ضغطِ طاقتيهما المندمجتينِ. وفي المطافِ الأخيرِ، تراجعتْ فو ليهوا. ولم يكنْ ذلك لضعفٍ فيها، بل لأنَّها أدركتْ كم سيكونُ طائشاً تصعيدُ الأمورِ.
قالتْ فو ليهوا بصوتٍ خافتٍ: "أنا أُحبُّ الأميرَ. لن يُصدقني أحدٌ، لكنَّني أُحبُّه. وكلُّ يومٍ أجدُ نفسي مجبرةً على الموازنةِ بينَ ولائي لقصرِ الجليدِ المقدسِ وحبي للأميرِ. ثقي بي أختي الصغرى. أنا أتفهمُك".
أغمضتْ شيا شوانغ عينَيها. وهدأتْ طاقتُها.
"أيتها الاخت الكبرى، أنتِ طيبةٌ ومُحبةٌ، ومحظوظةٌ أنا بالاستماعِ إلى مشورتِك".
تجاوزَتْها في مشيها.
"لكنَّكِ تسيئينَ فهمَ الموقفِ".
ما الذي تدريه فو ليهوا عن التنشئةِ في العزلةِ؟ وما الذي تعلمُه عن مدينةٍ بأسرِها تُبادُ في ليلةٍ وضحاها؟ وعن عائلةٍ تختفي؟ وعن أبٍ لن يضمَّها إليه ثانيةً؟ وعن أخٍ لم يرَها قَطُّ؟ وعن زوجٍ غابَ عن الوجودِ؟ وعن ابنِ عمٍّ يُظنُّ ميتاً؟ وعن ليالٍ بلا نومٍ في ترقبِ الأخبارِ؟ ومع ذلكَ، استعادة شيا شوانغ معظمَ تلك الأشياءِ شيئاً فشيئاً. فقبلَ أيامٍ معدوداتٍ، كانت تجتمعُ بأخيها وزوجها!
كانا يضحكانِ! وكانَا سعيدينِ! فكيفَ للسمواتِ أن تهمسَ بتهديدِ سلبِ كلِّ ذلكَ منها بمثلِ هذه السرعةِ!
"...خطيرٌ..."
"...فنُّ اللصِّ الهائمِ..."
"...هدفٌ... اغتيالٌ..."
ومضتْ كلماتُ الاجتماعِ بِمُعلِّمِها والسيدةِ باي في ذهنِها. وكان حجمُ ما ناقشوه أضخمَ من أن يستوعبَهُ عقلُها كاملاً، لكنَّها أدركتْ أنَّ حياةَ ليو جين في خطرٍ داهمٍ. ولن تسمحَ بوقوعِ ذلك. فلن يُنتزعَ الدفءُ الذي استادتْهُ منها كائنٌ مَنْ كان، وستجلبُ البردَ والصقيعَ على كلِّ من يُهددُ بسلبِ ذلكَ الموقدِ.
نادَتْها فو ليهوا: "أختي الصغرى!"
أجابتْ شيا شوانغ: "لا بأسَ أيتها الاخت الكبرى. سأفعلُ كما قُلْتِ وأعودُ إلى القصرِ لأتأهبَ لنزالي القادمِ".
يجبُ عليها حمايةُ ليو جين. وممنوعٌ على أيِّ أحدٍ الوقوفُ في طريقِها. ولا حتى ليو جين نفسِه.