يسحق ليو جين قطعة من الحلوى المنفوشة أحضرها له أحد التلاميذ الجدد من مدينة الجمر. يعدّها معظم الناس شديدة الحلاوة، لذا فهي مثالية لذوق ليو جين. كلما زادت حلاوة الشيء، كان أفضل. تلك حقيقة أدركها ليو جين منذ زمن بعيد. مع ذلك، ربما نسي المعنى الكامن خلف ذلك الإدراك. لمرّة أراد ليو جين ألّا يفقد بصرَه عن الأمور الأبسط في الحياة. شيء تعلّمه بشكل غير مباشر من الأخ الأكبر شيا نان.
بصفته الموهبة الأولى لمدينة الميناء الشرقي، لا بدّ أن شيا نان كان يقع تحت ضغط هائل، ومع ذلك لم يشعر قطّ بأنه فقد بصرَه عن العالم المحيط به. اراد ليو جين محاكاة ذلك. رغم ذلك، لم تكن الإجابات التي وصلا إليها تختلف أكثر من ذلك. بلغ الأخ الأكبر شيا نان الفراغ، وهو... بلغ الفراغ. ينكمش ليو جين ألماً. مجرد التركيز على الكلمة يبدو وكأنه يظلم العالم من حوله. حتى الحلوى في فمه لم تعد بنفس الحلاوة التي كانت عليها قبل قليل.
في حين يشير فراغ الأخ الأكبر شيا نان إلى الحالة الضرورية قبل أن يأتي شيء إلى الوجود، فإن فراغه هو حكم مفروض على العالم بأسره. فراغ شيا نان مليء بالاحتمالات وبلا حدود في الإمكانات. فراغه هو... ليس كذلك. فبعد كل شيء، كيف يمكن لشيء أن يكون حلواً وكلّ ما عداه مرّ؟ كيف يمكن لشيء أن يحمل أملاً وكلّ ما عداه قاتم؟ الأقوياء حريصون على الانغماس في القسوة، والضعفاء لا خيار لهم سوى تحمّلها.
لمَ لا يحتقر عالماً كذاك؟ ... أكان يؤذي نفسه بفعله ذلك؟ تمتع تقريباً كلّ الأباطرة الذين التقى بهم ليو جين بثقة وبيقين يفتقر إليهما ليو جين. إنهم متصالحون مع أنفسهم بطريقة لا يملكها هو. تتردد كلمات الشيخ شون داخل رأسه. لقد ملأ نفسه بأشياء لا يريدها حقّاً. كلّ الأشياء التي تعلّمها ومارسها منذ سقوط مدينة الميناء الشرقي هي أشياء ستساعده في تحقيق أهدافه. مع ذلك، أهذا كلّ ما في الأمر؟
أقد بلغ الأمر حقّاً لدرجة أنه فقد بصرَه عن ملذات الحياة الصغيرة؟ يأكل ليو جين حلوى أخرى. ما زالت ليست حلوية.
تقول لو ميه وهي تفتح باب غرفته: "كنت أتمنى أن أجدك هنا. أأمور سارت على ما يرام مع—أمف!"
تعجز لو ميه عن إتمام جملتها. تتّسع عيناها حين يختم ليو جين شفتيها بشفتيه لكنها تطبقهما بسرعة وتذوب في القبلة. يُغلق الباب بقوة، ويسقط اثنان على السرير في زوبعة من الحركة.
تقول لو ميه عندما تنتهي قبلتهما أخيراً: "لا أقول إنني أتذمّر".
إنها محشورة تحت جسد ليو جين. وجهها محمرّ وتنفسها ثقيل.
"لكن ما الذي دفع بهذا؟"
"تحدثت إلى الشيخ شون."
"من الواضح أنك بحاجة لجعل الأمر عادّة."
يبتسم ليو جين.
"أخبرني أنه من المهم العثور على ما يجلب لي الإشباع. وجدت أنه من المعقول استعراض كل الأمور التي أستمتع بها."
"خيار معقول جداً."
تلف لو ميه ذراعيها حول ظهر ليو جين وتجذبه أقرب.
"إن كان لمصلحتك، أظن—"
يقرع أحدهق الباب. لا تعبس لو ميه ولا تلعن. من دون أن تفقد الابتسامة عن وجهها لمرة واحدة، ترسل موجة من النية المخيفة نحو الباب قوية بما يكفي لجعل المزارعين الأضعف يغشى عليهم. يزداد الطرق علواً. عرف ليو جين ولو ميه أنه سيحدث. بإمكانهما تمييز تشي الشخص الطارق. لم تكن محاولة إخافته لتنجح أبداً.
تُهمس لو ميه: "لماذا؟"
وبصوت أعلى، تصرخ: "اغرب!"
يُركَل الباب مفتوحاً.
ينظر بي هونغ إليهما ويسخر باحتقار: "حقّاً؟ إنه منتصف الصباح! أليس لديكما شيء آخر تفعلاه؟"
تتنهد لو ميه بينما ينهض ليو جين عن السرير. تعدل ثوبها وتحدق في بي هونغ.
تسأله لو ميه: "ألم تكن حريّاً بك أن تضرب وجهك بالصخور وتسمّي ذلك تدريباً؟ ويفضل أن يكون ذلك في مكان بعيد عن هنا؟"
يقول بي هونغ: "تمنيت ذلك، لكنني هنا في مهمة رسمية".
ثم يضيف: "مع ذلك، مقاطعتكما ممتعة جداً".
يقول ليو جين ونبرته تبدو منزعجة قليلاً: "من الجيد رؤيتك، أخي بي".
التقى ليو جين ببي هونغ لأول مرة أثناء امتحان القبول. جنباً إلى جنب مع هوانغ شينغ ولو ميه، خاض الأربعة تجارب مختلفة معاً. السبب الوحيد لعدم مرافقته لهم إلى إمبراطورية التنين العاصف هو أنه اختار إعطاء الأولوية لتدريبه العزل، وهو شيء أثمر بوضوح. لقد نمى بي هونغ ثلاثة بوصات أخرى على الأقل منذ آخر مرة رآه فيها ليو جين. ومع ذلك، التغيير الحقيقي هو قوته. لم يدخل بي هونغ العالم الحقيقي فحسب بل بلغ مستوياته العليا.
يسأل ليو جين: "أي عمل رسمي لديك معنا؟"
يُجيب بي هونغ: "أعطاني الشيخ فا رسالة لك".
يسبب اسم الشيخ على الفور توتر لو ميه ويو جين. يُدير بي هونغ عينيه.
"استرخيا. أعني حقاً مجرد رسالة. ليست طريقة غامضة للتلميح إلى العنف، على الرغم من أن ذلك قد يكون أكثر متعة ربما بعد انتهاء هذا—"
تزأر لو ميه في وجهه: "ادخل في صلب الموضوع!"
"حسناً!"
يدخل بي هونغ يده في جيبه ويخرج ورقة. يطرف ليو جين بصره حين يبدأ بي هونغ في قراءتها.
"إلى الإمبراطور المعظم تشين جين، حاكم إمبراطورية التنين العاصف، جالب النظام، وحليف عشيرة اللهب الأبدي. بقدر ما يشرفنا زيارتكم، يتوجب علي الاعتذار عن ترحيبنا الباهت. بصفتي رئيس قسم العلاقات الخارجية، سيكون يسرّني مناقشة أمور شتى معك..."
يستمر الأمر هكذا لعدة فقرات أخرى. بمجرد الانتهاء من القراءة، تتحول يد بي هونغ إلى ذهب. يسحق الورقة ويطحنها بين أصابعه حتى لا تصبح سوى غبار عند قدميه.
يقول بي هونغ: "ذلك الرجل يحب حقاً سماع صوت نفسه وهو يتكلم".
تقول لو ميه: "غالباً ما يفعل عديمو التأثير ذلك، لكن لماذا أنت من يسلم رسالته؟"
يسأل بي هونغ: "من غيري كان سيقوم بذلك؟ أنا عضو في قسم النزاعات الداخلية، وهو القسم الوحيد الذي تربطه علاقة طيبة نوعاً ما بالعلاقات الخارجية. كما أنني على علاقة طيبة بما يكفي معكِ لأسمح لي بالتواجد هنا، لكنني لست مقرباً لدرجة أن أكون جزءاً من انقلابك. هكذا يرى الناس الأمر على الأقل، وأنا منزعج قليلاً من ذلك، إن كان لزاماً علي أن أكون صادقاً".
تشير لو ميه إلى ذلك قائلة: "أنت من أراد البقاء هنا".
"لأنني لم أكن أعلم أنه سيكون هناك انقلاب!"
يتمتم ليو جين: "لم يكن من المفترض أن يكون انقلاباً".
يقول بي هونغ: "سمّه ما شئت. ذهبت إلى هناك، وقتلت الكثير من الناس، ونصبت نفسك إمبراطوراً. كان يمكن أن يكون ذلك ممتعاً. كل ما أملكه هو مكاسب التدريب العزل وحبوب الزراعة التي رشاني بها الشيخ فا".
يسأل ليو جين: "أخذت رشوة من الشيخ فا لتسلم رسالته؟"
"بالطبع فعلت. ليس الأمر وكأنك ستلتقي به، أليس كذلك؟"
يُجيب ليو جين: "لم أكن أخطط لذلك".
يلتفت إلى لو ميه.
"ما رأيك؟"
تتفكر في الأمر لحظة.
"إنه شيخ من عشيرة اللهب الأبدي، لذا فأنت ملزم نوعاً ما بمنحه بعض الاحتمال. أشك في أنه سيحاول حقاً قتلك في اجتماع عام".
تتوقف للحظة قبل أن تضاف: "مع ذلك، إنه الشيخ فا. يعلم كل من يهمهم الأمر مسبقاً أنه كان يعمل مع كتاب صياغة الموت. طوقه لكي تلتقي به يشي بيأسه. الشيء الوحيد الذي يمنعه عن الهرب هو وجود الشيوخ الآخرين".
يتثاءب بي هونغ.
"نعم، نعم. إذن باختصار، يمكنك تجاهله دون أن تشعر بالسوء حيال ذلك".
تسأل لو ميه: "لماذا ما زلت هنا؟ أتعامل مع القمامة كثيراً كفاية. ينبغي أن تفهم بالفعل أنه من الأفضل لو أنها عرفت كيف تتخلص من نفسها".
يرد بي هونغ، عاقداً ذراعيه: "لست ذكياً بما يكفي لأمتلك رداً بارعاً، لكني أعلم أن بقائي هنا من باب العناد سيجعلك غاضبة".
يرفع ليو جين صوته متجاوزاً الجدل الدائر: "شكراً لتسليم رسالة الشيخ فا. ماذا ستفعل الآن؟ أتخطط للبقاء في قسم النزاعات الداخلية؟"
"لم لا؟"
يهز بي هونغ كتفيه الكبيرتين.
"لقد فاز السيد فينغ غوي، لذا لا يهم حقاً من يقف في صف من بعد الآن، والنزاعات الداخلية تناسبني أكثر. إلى ذلك، يكون الشيخ دانغ مضحكاً حين يغضب. مع ذلك، من الأفضل لك أن تدعوني في المرة القادمة التي توشك فيها على القيام بحيلة كبرى".
"اجعل نفسك منتخباً لبطولة السحاب القرمزي القادمة وسأفعل".
يضحك بي هونغ، ثم يدرك أن ليو جين جاد.
يقول بي هونغ بابتسامة تكشف عن أسنانه كلها: "آه، أنت رجل مزعج حقاً. حسناً. أنا لست ممن يتراجعون عن التحدي".
يتمتم ليو جين، وغالباً لنفسه: "أنت تحب القتال حقاً، أليس كذلك؟"
"بالطبع. لمَ لا تجرب الأمر في المرة القادمة؟ دع نفسك على سجيتها واضرب بقوة. قد تستمتع حقاً لمرة واحدة".
ينظر ليو جين إلى السقف للحظة، ممعناً النظر في أمور شتى قبل أن يتخذ قراراً.
"حسناً جداً. أستقاتلني، أخي بي؟"
"ماذا؟"
كانت لو ميه، لا بي هونغ، هي من صرخت مندهشة. تنقلت نظرات الفتاة بين ليو جين وبي هونغ، محاولة تجميع ما حدث للتو. أمّا بي هونغ... فلا حاجة لذكر إجابته.