للكائن أربع قوائم. تحدث كلما وطأت الأرض زلزلة خفيفة. يتحرك بلا عجلة. لكن حجمه الهائل يقطع مسافات شاسعة بخطوات بطيئة ومتثاقلة. كلما اقترب، اتضح ضخامة خلقه بجلاء. تنمو على رأسه قرون صفراء طويلة. وتبرز من فمه أنياب طويلة أخرى. نصف جلده متعفن. والنصف الآخر يكسوه جلد سميك ضارب إلى الخضوع. يبدو كميتة عثر عليها طافية في مستوقد مياه راكدة. مع أن فنغ تشي لا يعلم بوجود مستنقع عميق بما يكفي ليحتوي هذا المخلوق.
لا يثير منظره قلق فنغ تشي. ولا حتى جيش الأموات المتحلق حوله. ف حفظ الجثة وتحريكها لا يعجز ممارساً يمتلك المهارة المناسبة. رأى فنغ تشي أموراً شبيهة من قبل. عندما كان أصغر سناً، أوقف رفقة فنغ زو ممارساً بث الرعب في مدينة صغيرة حين أوهم أهلها بأن روحاً منتقمة لقاطع طريق شهير عادت لتثأر منهم. واجه فنغ تشي أيضاً عدة تلاميذ من طائفة الجبل اللامتناهي. كانوا قادرين على خلق كائنات ضخمة من الصخر والحديد تقاتل بالنيابة عنهم.
بل إنه حارب دمى غامضة تتبع فرقة مسرح الغابات الوحشية. هذا ليس شيئاً من ذلك كله. تفتقر طاقة تشي التي يشعر بها تنبعث من هذا الوحش وتلك المخلوقات السائرة في ركبه إلى أي أثر للحياة. يريد أن يصفها بأنها منتمية لقطب الين لكنه يتردد في ذلك لأن هذا الوصف يعد إهانة لكل ممارس ين التقى به يوماً. هذا الكائن نجس ومحرف و... ميت. طاقة تشي هذه ميتة. يتدفق الوصف إلى ذهنه بعفوية. ومع ذلك يعاني عقله لادراكه و يصارع للتوفيق بين ما يراه وما يعرفه عن طاقة تشي.
قال شي مو وهو يرفع يده إلى فمه كمن يهم بالتقيؤ: "ما هذا بحق الجحيم؟"
لا يبدو وضع فنغ تشي أفضل بكثير. تلاشى العداء بينهما في مواجهة هذا التهديد الجديد. وقفا جنباً إلى جنب رغم أنهما كانا على بعد ثوان معدودة من الاشتباكة.
تذكره فنغ تشي قائلاً: "ما فائدة السؤال؟ لقد قلت للتو إنك تفوقني مرتبة في الممارسة. إن كان الأمر كذلك فينبغي أن تكون قادراً على استشعاره."
رد شي مو بحدة: "أعلم أنها جثة! أعلم أنها ميتة! تلك ليست المشكلة!"
لم يجب فنغ تشي. فهو يدرك جيداً ما يقصده شي مو. المشكلة لا تكمن فقط في خطيئة هذا الكائن المترسخة في كينونته. فهو عاجز عن تحديد مدى قوة هذا الجيش من الموتى. يعلم فنغ تشي أن أمامه كائنات متعددة. يشير الحجم وحده إلى أن الجثة الأكبر لابد أنها كانت في عالم الحقيقة قبل موتها. ومع ذلك، مهما حاول فنغ تشي، لا يستطيع تمييز مرتبة ممارستهم. لا يقدر حتى على استشعار الموتى كأفراد مستقلين.
إنها طاقة تشي ميتة واحدة تطوق المكان بأكمله وتزحف على جلده كألف نملة. وكلما اقترب الجمع، ازداد الشعور سوءاً. بينما كان فنغ تشي يحدق في الجيش المتقدم، تصدرت ذاكرة قديمة واجهة عقله.
أخبره والده وهو يرفعه على كتفيه: "كل ما تراه، إلى أبعد نقطة تبلغها الأفق، يخص عشيرة اللهب الأبدي. ومع ذلك، ثمة أراض أبعد من ذلك بكثير."
"أخبرني معلمي عن هذا! أبي يتحدث عن بقية أعضاء الطوائف الكبرى الأربع، أليس كذلك؟"
لهول ما أتاه، هز والده رأسه نافياً.
"بل أبعد من ذلك يا بني. صحيح أنه حتى خارج إمبراطورية السحاب القرمزي، قلة من ينافسون بأس الطوائف الكبرى الأربع. لكن هذا صحيح فقط فيما يتعلق بهذا الجانب من السهول الميتة. أما الجانب الآخر فالقصة مختلفة. لا سلطان للطوائف الكبرى الأربع هناك. بل تحكم تلك الأراض قوى ثلاث عظمى. يؤلمني قول هذا، لكن كل واحدة منها تفوق عشيرة اللهب الأبدي قوة."
"أهي أقوى منك حتى يا أبي؟!"
"أقوى مني حتى يا بني. أصغِ جيداً ولا تنسَ أسماءها قط. قمة السيف السماوي الفذ، ومعبد الظلال الألف، و..."
"أبي؟ ما اسم الأخيرة؟"
"مخطوطة تشكيل الموت."
كثيراً ما يقال إن والده رجل عاطفي. غير أن تلك الذاكرة تمثل إحدى المرات النادرة التي رأى فيها فنغ تشي والده منزعجاً حقاً بشأن أمر ما. فعادة ما يكون والده مسيطراً تماماً على نفسه. يكون شهوانياً بالقدر الذي يشتهيه، غاضباً بالقدر الذي يشتهيه، ومتهللًا بالقدر الذي يشتهيه. كل نزواته اندفاعات متعمدة. وهذا ما يجعل التعامل معه أمراً يثير الجنون. لكنه في ذلك الوقت بدا منزعجاً رغم أنف إرادته.
مخطوطة تشكيل الموت... يحمل العرض الماثل أمام فنغ تشي طابع الموت بكل تأكيد. ومع ذلك، مازال الوقت مبكراً لإطلاق الأحكام. فقد يكون هذا مجرد شذوذ طبيعي نادر في السهول الميتة. لكن... إن كانت هذه الظاهرة مرتبطة بإحدى القوى القادمة من وراء السهول الميتة، فهل من الحكمة معاداتها؟
قال فنغ تشي أخيـراً: "لا يهم الأمر."
"يا سيد الصغير؟"
قال فنغ تشي وهو يشرع في التقدم نحو الجموع: "لا يهم ما هذا أو كيف ظهر."
تومض شرارات في يديه.
"ما يجب علينا فعله لا يتغير!"
[موجة اللهب المبهجة]
تنفجر أفران اللهب الأزرق من يدي فنغ تشي وتجتاح الأرض كنهر هادر. يتحول العشب إلى رماد في الحال. وتذوب الأرض تحت وقع قوته. يشتعل كل ما في مساحة مئات الياردات أمام فنغ تشي بنيران زرقاء متأججة. لا تطلق جموع الموتى صرخة واحدة. تواصل تقدمها حتى وهي تحترق وتتحول أجسادها إلى رماد. الألم حكر على الأحياء. وهذه الكائنات، أياً كانت، ربما لا تدرك حتى أنها تتعرض للأذى. بحين أوقف فنغ تشي تقنيته، كانت المخلوقات الأصغر قد تلاشت تقريباً إلى رماد.
ومازال الكبار يواصلون المسير. أما الوحش العملاق الذي يهز الأرض فلا تكاد النار تلسعه. أعاد فنغ تشي تقييم تقديره لقوة الوحش حين كان حياً فوراً. هاجم شي مو بعده. قفز تلميذ النواة إلى الأمام وهوى بيده في حركة قاطعة. على عكس هجوم فنغ تشي الذي غطى مساحة شاسعة، كانت النيران المنبعثة من أطراف أصابع شي مو نحيلة كحد السكين. اخترقت الأرض في لمح البصر وبلغت الجثة العملاقة. أدت النيران الملتهبة إلى تقرح جلدها فوراً.
ومع ذلك، كان هذا كل ما فعلته. عجزت عن اختراق جلده. وعجزت عن وقف تقدمه. واصل العملاق حث خطاه قدماً عبر النيران. نقر شي مو بلسانه وأوقف تقنيته.
"إنه في عالم الأرض إذن. شيء مزعج."
صحح له فنغ تشي: "إنه في عالم الأرض على الأقل. سأتكفل بالجانب الأيسر."
لم ينتظر رد شي مو، بل اندفع فنغ تشي كالطيف نحو الكائن العملاق. وحين فعل، هاجمته الوحوش المتبقية المحيطة بالمخلوق. كانت كائنات قبيحة ومشوّهة بعظام وأنسجة عضلية مكشوفة. بعضها مازال مشتعلاً. وصلت رائحة التعفن واللحم المحترق إلى أنف فنغ تشي وهي تحاول محاصرته. اخترق صفوفها في ومضة. تجسدت طاقة تشي الخاصة به على هيئة هالة من النيران تحرق أي شيء يقترب من مسافة خمسة أقدام منه.
ترك مساره أثراً من الرماد، والجثث المحترقة، والصخور المنصهرة. خلال الوقت الذي يستغرقه طائر الطنان لرفرفة جناحيه، كان فنغ تشي قد بلغ العملاق بالفعل. قفز في الهواء حتى صار أمام وجهه وأطلق نيران غاضبة من قبضته.
[اللهب المبهج]
رد الوحش العملاق الهجوم. لم يتحرك للاشتباك مع فنغ تشي المحلق في الهواء بقرونه الكثيرة وأنيابه. ليس بالطريقة التي توقعها فنغ تشي على الأقل. نما رأسه رأساً آخر. التوى لحمه واضطرب بينما اخترقت القرون جلده نفسه. تحور اللحم وارتجف، فانفتح عن فم مليء بالأسنان الحادة وتقعر إلى تجاويف عينين فارغتين يحدق بهما في فنغ تشي. وجد السيد الصغير لعشيرة اللهب الأبدي نفسه مذهولاً للحظات من بشاعة المنظر.
تحطمت القرون على جسده، وبال بالكاد تمكن فنغ تشي من تركيز طاقة تشي لحماية نفسه. قذفه الاصطدام عدة ياردات للخلف. جز فنغ تشي على أسنانه وأطلق دفقة من اللهب ليقاوم بها قوة اندفاعه. كان بإمكانه الشعور بالكدمات تتشكل على ذراعيه، تماماً كما شعر بتجدده وهو يتولى أمرها شبه فوري. في الجانب الآخر من الوحش، كان شي مو يواجه المشكلة ذاتها. نما رأس آخر ليصبح المجموع ثلاثة. راحت الأفواه الثلاثة تقضم الهواء بشراسة بالغة، كأنها عاجزة عن حسم أمرها وأي من الاثنين تقصد.
لكن المشكلة لم تطل. مزق الوحش العملاق نفسه بنفسه أمام أعينهم، لينمو لكل رأس جسده الخاص. التوت المخلوقات الزاحفة تحتها ونمت لها أجنحة مشوهة مكنتها، بطريقة ما، من التحليق في الأجواء. وجد فنغ تشي نفسه محاطاً فجأة بمخلوقات مجنحة قبيحة بينما انقض أحد الوحوش العملاقة الثلاثة نحوه. واندفع الآخر هائجاً نحو شي مو. وبدأ الثالث يتحرك باتجاه الكهف الذي يختبئ فيه فنغ هاو.
"لقد اكتفيت... تماماً!"
انفجر اللهب الذهبي، اللهب الأبدي، حول فنغ تشي. احترقت المخلوقات المجنحة المحيطة به وتلفت رماداً. التفت النيران الذهبية حول فنغ تشي كعباءة ودفعته باتجاه الوحش العملاق كنار شهاب. اخترقه مباشرة. لم يحظَ المخلوق بفرصة إطلاق أي نوع من زئير الموت. دخل فنغ تشي عبر فمه، وأحرق حنجرته، وخرج من حيث تفترض رئتاه أن تكونا. مهما بلغت صلابة جسد هذه المسوخ، فلا طاقة له بمقاومة اللهب الأبدي.
وما إن شق فنغ تشي طريقه خارجاً من الوحش الأول، حتى اصطدم مباشرة بالمتجه نحو الكهف وأطلق انفجاراً هز الأرض على امتداد أميال. ومع خمود الانفجار، وجد فنغ تشي نفسه يحلق في السماء، مدفوعاً بنيرانه الخاصة. لمع العرق على جبهته، وخرجت أنفاسه لاهثة وثقيلة. ورغم ذلك، بدا حاله أفضل بكثير من الجثة المحترقة تحته. لم يكن فنغ تشي قادراً على الحفاظ على اللهب الأبدي طويلاً نحو النهاية، لكنه أدى ما كان عليه فعله.
وما إن جال بخاطره ذلك، حتى انبعثت أصوات بشعة من الجثث الساقطة. مستحيل. هذا ليس ممكناً. المسخ الذي عبر من خلاله للتو ينهض. ليس ذلك فحسب، بل إنه يعالج نفسه أيضاً. كان الأمر الأول متوقعاً. أما الثاني فينبغي ألا يكون ممكناً. اللهب الأبدي ليس من النوع الذي يمكن للمرء التعافي من آثاره. لو كان أمراً عادياً هكذا لما كان استخدامه شاقاً إلى هذا الحد! ورغم ذلك، وأمام عينيه مباشرة، ينهض المسخ.
ويحدث الشيء ذاته مع الآخر. التوى اللحم والعظام لتتخذ شكل خيوط قبيحة أمام عينيه متجهة نحو الوحش الأول، لتندمج معه وتعالجه. لا. ليس علاجاً، أدرك فنغ تشي بينما يندمج الوحشان العملاقان في كائن قبيح ذي رأسين. هذا ليس علاجاً على الإطلاق. إنه إعادة تشكيل. لم يكن لديه متسع من الوقت للتفكير في التداعيات. أومضت طاقة تشي غاضبة من خلفه. إنها قوة لا يخطئها. اللهب الأبدي. فنغ هاو. استدار فنغ تشي واندفع نحو الكهف، مدفوعاً بنيرانه الخاصة.
في تلك اللحظة الحاسمة، تخلى عن حذره ودفع ثمن ذلك. اصطدم به الكائن ذو الرأسين. أفرغت القرون العملاقة الهواء من رئتيه ودفعته لسعال الدم. ورغم حدتها، كانت ضخمة لدرجة تبدو معها كأنها ضربة بكتلة عظمية هائلة. جاءت الأنياب تليها. استدار الرأسان الكبيران نحو فنغ تشي ليضرباه بتلك الأسلحة المدمرة. أوقفها فنغ تشي. توقفت طاقة الاندفاع الكامنة خلف الهجومين بفضل يدي فنغ تشي العاريتين.
كانت النيران المحيطة بجسده ضعيفة، وكان الدم ينزف من جبهته، بيد أن قبضته على أنياب الوحش كانت راسخة لا تزل. أيزن هذا الكائن أنه قادر على منعه من حماية أخيه؟
زأر فنغ تشي: "أنت... تسعى للموت!"
انطلقت النيران الذهبية مجدداً لتفور حوله. استدعى فنغ تشي كل قوة يستطيع جسده تحملها بل وأكثر. صرخ جسده بينما غلفت هالة ضخمة من النيران الذهبية جسد الكائن ذي الرأسين بالكامل. أشرق كشمس ثانية يمكن رؤيتها على امتداد أميال. وحين خمدت النيران، هوى فنغ تشي إلى الأرض، متعباً ومجروحاً من فرط الإجهاد. أما الكائن ذو الرأسين فلم يبقَ منه أثر. ضحك ضاحك. لم تكن ضحكة صاخبة، ومع ذلك ملأت فراغ السهول.
ارتعش فنغ تشي غريزياً، لكنه أبى أن يظهر ضعفاً. أمر جسده بالوقوف وطالب قدرته على التجدد بالإسراع.
"تلك... هي الفكرة."
صدر الصوت من داخل الوحش المتبقي. لم يكن مرهباً، ومع ذلك ملأ قلب فنغ تشي بالرهبة.
أعلن فنغ تشي بينما يحاول جاهداً العثور على طاقة تشي الخاصة بفنغ هاو دون جدارة: "المتحكم."
كيف لأخيه أن يخفي طاقته بتلك البراعة حين كانت تشتعل سطوعاً قبل لحظات معدولة. تراءت عشرات السينات في ذهنه، بعضها أفظع من أن يحتمل التفكير فيه.
"أهلاً ومرحباً بالقادمين من الجانب الآخر. عرض... رائع."
سأل شي مو بينما يظهر إلى جانب فنغ تشي، وقد توقف قتاله مع الكائن المتبقي مؤقتاً: "آه، لكننا لا نكنّ لك عداوة، فلماذا تهاجمنا؟"
"حقاً، لكننا نكنّ... عداوة. هذا اللقاء ليس مصادفة يا زوار الجانب الآخر."
"أهكذا إذن؟"
تجمد فنغ تشي وشي مو في مكانهما. لم يصدر ذلك الصوت قبل قليل من أي منهما. ولم يكن من فنغ هاو أيضاً. التفتا ببطء نحو الشخص الذي اقترب بهذه القرب دون أن يشعرا به. لا، لم يكن الأمر أنه تسلل إليهما. كان سريعاً لدرجة أنهما لم يدركا قربه إلا وهو يقف جوارهما مباشرة.
قال: "وددت لو سمعت المزيد."
وصل شون هووين.