أعدّ ليو جين الغرفة بأفضل ما أوتي من طاقة. كرّس وقته الفراغ لصناعة تعاويذ الحماية منذ أن أدرك أنه سيطلب من لو مي فعل هذا. والنتائج واضحة للعيان. الباب والجدران والأرضية وحتى السقف تكاد تغطيها التعاويذ بالكامل. ولن تحتوي هذه الشعلة الأبدية إن خرجت عن السيطرة. مرة مع فنغ تشي. ومرة مع لو مي. ومرة مع الشيخ شون. شعر ليو جين بقوة الشعلة الأبدية ثلاث مرات. وحسبه هذا ليفهم أن الشعلة الأبدية تفوق واقعه الحالي بأشواط.
تضمن التعاويذ التي تملأ الغرفة ألا يشعر أحد بتجربتهما ولا يقاطعهما. بيد أنها لا تملك إلا القليل للسيطرة على الشعلة الأبدية أو احتوائها إن خرجت عن السيطرة. فإن حدث هذا فقد خسرا حقاً. ولا يهم أن لو مي لم تقترب من المراحل المتأخرة من عالم الروح إلا بعد وقتها في السهول المقفرة. فقوة الشعلة الأبدية لا تحدها قوة لو مي. أو بالأحرى تحكم قوة لو مي وحدها كمية الشعلة الأبدية التي تستطيع توجيهها بأمان قبل أن تغمرها.
تحتاج لو مي إلى الغوص في الشعلة الأبدية أعمق من أي وقت مضى لتجد فنغ هاو. واحتمال فقدانها السيطرة عالٍ. ومع ذلك لا يبدو الأمر قاصياً تماماً. فالمعبد بمواد بنائه المتينة يناسب ما يوشكان على فعله بأضعاف ما يناسبه جناح الطب. وبذلا وسعهما للاستعداد لهذا بخلاف المرة الأولى التي ساعد فيها ليو جين لو مي مع الشعلة الأبدية حيث اضطر الاثنان إلى الارتجال بمعظمه. وهما أقدر بكثير مما كانا عليه في ذلك الحين.
ولا يعني هذا أنهما لا يشعران بأي توجس إزاء الأمر.
قال: "أأنت مستعدة؟"
قالت: "لا".
قال: "جيد".
وحاول ليو جين الابتسام.
"وأنا كذلك".
جلس ليو جين ولو مي وجهاً لوجه على الأرضية المغطاة بالتعاويذ. وقد تقاطعت ساقاهما وتشابكت أيديهما. غرقت الغرفة في ظلام دامس ولكن هذا لن يدوم طويلاً.
قال ليو جين عارضاً: "ليس علينا فعل هذا الآن. يمكننا الانتظار".
هزت لو مي رأسها وابتسمت. ابتسامة فخورة وقوية وتكاد تكون متعجرفة.
"لو قلت نعم لعرضتَ عليّ الرغدة نفسها غداً ولتقبلتها بالسرعة ذاتها. لا. سنفعل هذا الآن".
أمال ليو جين رأسه. تشابكت طاقاتهما وانكشفت مشاعرهما تماماً أحدهما للآخر. أحس بالتوجس الكامن خلف ابتسامة لو مي المغرورة. وأحس بالعزم أيضاً.
"كما تشائين".
ثم حلّت النار. ~~~ عمّ الهدوء الكهف الذي يضم فنغ تشي وفنغ هاو. ولم يعد فنغ هاو يحاول طيشاً تجاوز فنغ تشي، ولم يعد فنغ هاو يخضع أخاه بسهولة كلما حاول. جلس الأخوان على طرفين متعاكسين من الخط المرسوم على الأرض، ولم يحول أي منهما عينيه عن الآخر. أول من يطرف بعينيه سيخسر. حاول فنغ هاو استخدام الشعلة الأبدية مرتين الآن. كانت الأولى حادثاً. وكانت الثانية متعمدة وأسقطه أخوه مغشياً عليه لجرأته على المحاولة.
وما زالت كدمة تلك المرة بلا برء. ويفهم فنغ هاو أن المرة الثالثة يجب أن تكون مثالية. ولا يهم أن فنغ تشي في المستوى الأول من عالم الأرض بينما لم يبلغ فنغ هاو عالم الروح بعد. فطالما وجه الشعلة الأبدية بحق فسيسع فنغ هاو خلق ثغرة للهرب. ويعرف فنغ تشي هذا أيضاً.
قال فنغ تشي بنبرة نافذة وكأنه لم يطرف منذ أيام: "أخي الصغير، اكفف عن هذه الحماقة فوراً".
رد فنغ هاو محتدّاً: "سأكف عن حماقتي حين تكف عن حماقتك".
وتوترة عضلاته مستعدة للوثب غير أن الأوان لم يحن بعد. عليه انتظار الفرصة المثالية ولا شيء دونها. أمال فنغ تشي رأسه. لم تكن هذه الثغرة التي ينتظرها فنغ هاو ولكن الحركة جاءت مفاجئة.
قال: "ألتو نعتّني بالأحمق؟"
تجمّد فنغ هاو وتردد ثم حسم أمره وقال: "نعم، فعلت".
ظهر طيف ابتسامة على وجه فنغ تشي.
"لقد أصبحت جريئاً. من أين لك بهذا؟... لا، ربما لا داعي للسؤال. فأنت تحيط نفسك بالكثير من السيئي التأثير".
صاح فنغ هاو بينما حاول باطنياً معرفة من يعنيه أخوه: "إنهم ليسوا سيئي التأثير!"
أخذ فنغ تشي نفساً عميقاً. وبدا مرتاحاً بهذه الحركة غير أن الحقيقة بعيدة كل البعد عن هذا. واستطاع فنغ هاو تبين أن أخاه لم يخفض حذره البتة.
قال فنغ تشي: "تريد إثبات نفسك. وهذا أمر طبيعي. كنت مثلك في سنك. بيد أن هذا ليس المسرح المناسب. الأوان ليس مناسباً بعد يا أخي".
جزّ فنغ هاو على أسنانـه.
"إن لم يكن الآن فمتى؟!"
قال فنغ هاو بنبرة خلا فجأة منها القسوة: "ستكون هناك بطولة سحاب قرمزي أخرى بعد أربع سنوات. وبموهبتك تستطيع بسهولة بلوغ قوة تكفي للمشاركة حينها. وإن بدا حتى هذا طويلاً فهناك مهام عدة تستطيع إنجازها من أجل عشيرة الشعلة الأبدية. أظن أنني كنت في سنك حين قصدت حقول الرماد للمرة الأولى. ولا أظن أن الأب سيرفض منحك الفرصة. وإن لم تعترض والدتك فقد نكون هناك بمفردنا نحن الاثنين".
أخوه يكلمه ويعرض قضاء الوقت معه. فرصة مغادرة بيئة عشيرة الشعلة الأبدية المفرطة في حمايتها والخונقة. فرصة رؤية العالم واختبار نفسه أمام أناس لن يتراجعوا بسبب مكانته. لتقبل فنغ هاو الأمر دون تردد ولو قبل شهر واحد فحسب.
"أنت تساوم".
"ماذا؟"
كرر فنغ هاو: "أنت تساوم. تحاول استرضائي. لا أعلم أصدقُ أنت أم كاذب ولكنك لما فعلت هذا إن لم تظن أن ثمة فرصة لاستطاعتي الهرب!"
تحدث فنغ هاو بنبرة ظافر وكأنه ركب لغزاً معقداً أخيراً. ومحا الجمود وجه فنغ تشي.
قال فنغ هاو بصوت فقد دفأه: "أنت تبالغ في تقدير نفسك يا أخي الصغير. لست بخائف من هروبك. بل أخاف مقدار ما سيطال إيذاؤك لمنعك من فعله. اكفف عن هذا".
صاح فنغ هاو رافعاً قبضته: "إجابتي لم تتغير يا أخي! ولو فهمت بح حقاً ما أبتغيه لكنت أرشدتني بدل محاولة احتوائي".
صاح فنغ هاو محتدّاً واهتزت طاقته من حوله: "أنا أحاول إرشادك! أنت لا تفهم ما يقتضيه استخدام الشعلة الأبدية! تماماً كما لا تفهم مدى خطورة ما هو في الخارج!"
وضاع رد فنغ هاو حين أخذ الكهف يهتز فجأة. ولم يحدث الارتجاج بسبب حركات الأرض التكتونية بل بسبب الطاقة الضاغطة التي غطت المنطقة بغتة. عالم الأرض، المستوى الرابع.
"السيد الشاب فنغ هاو! السيد الشاب فنغ تشي! كنت أبحث عنكما!"
لم يكن المتكلم داخل الكهف معهما. وبقدر ما استطاع فنغ هاو تبينه فهو يقف على بعد نحو أربع مئة ياردة من المدخل مقترباً. وانتقلت كلماته بوضوح تام عبر طاقته.
هس فنغ تشي: "شي مو! أسرع! اخفض طاقتك يا فنغ هاو!"
نادى الصوت ذاته: "أتحاول خفض طاقتك؟ لا جدوى من ذلك الآن أيها السيد الشاب! لقد كنت مهملاً. يستطيع أي كان ضمن أميال مربعة ثلاثة استشعارك! ألا تفضل الخروج فوراً؟"
جزّ فنغ هاو على أسنانه وحول بصره عن فنغ هاو. وتلك هي الفرصة التي انتظرها فنغ هاو غير أن محاولة اغتنامها الآن لا تبدو حكيمة.
قال فنغ تشي: "ابقَ مكانك".
وما إن همّ فنغ هاو بالرد حتى أحدث تلويح يد فنغ تشي جداراً من النيران بينهما. واختفى فنغ تشي بعد لحظات قليلة قاصداً لا محالة لقاء شي مو. وبقي فنغ هاو شاخصاً ببصره إلى النار. ذهب أخوه أخيراً. وما يقطع طريقه سوى النار التي صنعها ممارس في عالم الأرض. وبينما لا يوقف فنغ هاو انتباهه عن الهالات المتصادمة في الخارج والمعركة التي يعلم أنها لن تبدأ إلا بعد ثوانٍ معدودات، كرّس جلّ مداركه العقلية لتفكيك تقنية أخيه.
جدار النيران هذا قوي. وقوي للغاية عليه. وحوّل فنغ هاو بصره ببطء نحو جدران الكهف. وبدأت فكرة تتشكل. إن استخدم الشعلة الأبدية، فحينئذ... ~~~ اشتعلت هالة فنغ تشي من حوله حين خرج من الكهف. ولم يكن هذا لمجرد الغضب. بل كانت طريقة لإخفاء فنغ هاو أيضاً. فلن يستطيع شي مو استشعار أخيه بسهولة إن سطعت هالته بقوة زائدة. وهذا أمر لا جدوى منه بالطبع إن قرر أخوه استخدام الشعلة الأبدية.
سأل فنغ تشي بغضب حقيقي: "ما معنى هذا يا شي مو؟"
ولم يستسغ أي جزء البتة من هذا الوضع.
رماه التلميذ الأساسي بنظرة خيبة أمل وقال: "المعنى؟ لا تسأل مثل هذه الأسئلة التي لا جدوى منها أيها السيد الشاب. نحن في خضم مسابقة يُعد فيها وجود أخيك عنصراً رئيسياً. لقد بحثت عنه في كل شبر من السهول المقفرة. وما إن استشعرت طاقتك حتى هرعت إلى هنا لأضمن عدم تعرضه لأي أذى".
عبس فنغ تشي.
"ومن قال إن أخي هنا أساساً؟"
"لا تهن عقلي أيها السيد الشاب. أين سيكون السيد الشاب فنغ هاو إن لم يكن إلى جانبك؟"
قال فنغ تشي دون تأكيد كلام شي مو أو نفيه: "فلنفرْض أن أخي هنا حقاً. فلماذا أصدق أنك تضمر مصلحته؟"
سأل شي مو: "وأي دافع لي للكذب؟"
وخطا خطوة واحدة للأمام لتدوي طاقة فنغ هاو رداً. وتنهد شي مو.
"لا داعي للعدائية أيها السيد الشاب. لن يستطيع اللورد فنغ شانغ الفوز إن مات السيد الشاب فنغ هاو. وما من سبب لرفض مساعدتي".
تصاعد الدخان من جسد فنغ تشي.
"لا سبب تقول؟ العم هو من أطلق الكلب المسعور شون هووين ليقتل أخي. كيف لي أن أثق به بعد هذا؟"
"كان هذا... مؤسفاً، ولكن-"
"لهذا السبب، كيف لي أن أعلم أنك تتصرف حقاً بما يحقق مصلحة عمي؟"
عبس شي مو.
"أرجو ألا تكون بصدد التشكيك في ولائي أيها السيد الشاب؟"
"أما كان يجدر بي ذلك؟ ألست أنت من أُسقط مغشياً عليه مبكراً في بطولة السحاب القرمزي؟ ومن يثبت أنك لم تخسر تلك المعركة عمداً لتُظهر عمي بصورة سيئة؟"
توقف شي مو لبرهة.
"لمَ قد..."
ثم تابع: "أتوحي بأنني خربت على اللورد فنغ شانغ لصالح والدك؟"
طرح السؤال ببطء وريبة وكأنه لا يصدق أن فنغ تشي قد يوحي بأمر كهذا.
قال فنغ تشي: "أليس هذا احتمالاً قائماً؟ وإن كان كذلك، فلماذا أثق بك على حياة أخي؟"
"أيها السيد الشاب، أهنت عقلي أولاً. وها أنت تهين ولائي الآن".
"لا أعبأ باثنين".
"إن كنا نساير النظريات الغريبة، فلمَ يُؤمن على سلامة السيد الشاب فنغ هاو رفقتك أنت بالذات؟ ولماذا أفترض أنك تمني النفس بالخير لمن أخذ مكانك منك أيها السيد الشاب؟ يعلم الجميع أن اللورد فنغ غوي يفضل السيد الشاب فنغ هاو عليك. وما لك من حلفاء يُذكرون في الطائفة بعد وفاة والدتك. بيد أن مات السيد الشاب فنغ هاو فستعود فجأة الابن الأول لأبيك، أليس كذلك؟"
وانفجرت طاقة فنغ تشي لتغمر المنطقة بضيائها المشتعل.
"أتجرؤ!"
بيد أن شي مو لم يتحرك.
"قد تكون اعتدت خضوع الناس أمامك أيها السيد الشاب، ولكن تذكر من تخاطب الآن".
وارتفعت طاقة شي مو لتضاهي طاقة فنغ تشي. بل لم تقتصر على مضاهاة طاقة فنغ تشي فحسب. بل فاقتها.
"اختيرت لأذهب إلى بطولة السحاب القرمزي. ولم تُختَر أنت. قد تنتمي إلى دماء فنغ، لكني أفضلك في الممارسة".
قال فنغ تشي: "لقد عكست الترتيب! قد تفوقني في الممارسة، لكني أنتمي لدماء فنغ!"
وبدأت الأرض ترتجف مرة أخرى، ولكن لا بسبب أي منهما.
صاح فنغ تشي حين أحس باقتراب طاقة ضخمة: "علمت أنك لم تأتِ وحدك! أتظن أنك قادر على أخذ ما تشاء بالقوة؟ فلتجرب!"
بيد أنه لم يجد على وجه شي مو سوى الحيرة. وانكمش وجه شي مو باشمئزاز.
"أيها السيد الشاب، لم أصحصح أحداً معي. تلك... ما هذه؟"
وصارع فنغ تشي شعوره بالاشمئزاز. وكلما استشعار طاقة اقترابهما ازدادت غرابة. ولم يستطع حتى تمييز أهي قوية أم ضعيفة. كانت مجرد... خطأ. فظهر حيوان ضخم في الأفق. وزحف نحوهما بخطوات بطيئة، غير أن حجمه الهائل جعل كل خطوة تقطع مسافة مديدة. كان متفختاً. وكان ميتاً. ولم يكن وحدها. فظهرت دزينات بل المئات من المخلوقات إلى جانبه، ومع ذلك لم يستطع فنغ تشي سوى استشعار طاقة فريدة تنبعث من الحشد.
"ما هذا؟"
ولم تقدم الجثث أي إجابات. ~~~ تلاشت آخر جمرة متوهجة من الغرفة لتترك الشخصين داخلها غارقين في الظلام.
"الغرب؟"
"الغرب."