شَوَوُ الدُودَةَ عَلَى نَارِ المُخَيَّمِ. لَيْسَ كُلَّهَا طَبْعاً. جُثَّةُ دُودَةِ الالتِهَامِ الكُلِّيِّ جَبَلٌ مِنَ اللَّحْمِ. بَلْ أَكْثَرُ مِنْ جَبَلٍ حَتَّى. أَكْلُهَا بِأَسْرِهَا فَوقَ طَاقَتِهِمْ بِمَرَااحِلَ. كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ شَهِيَّةً بِالضَّرُورَةِ. لَكِنْ لَا وُجُودَ لِوَجْبَاتٍ سَيِّئَةٍ لِلْمَعِدَةِ الجَائِعَةِ، وَدُودَةُ الالتِهَامِ الكُلِّيِّ تُقَدِّمُ وَجْبَةً غَنِيَّةً بِالقِيمَةِ الغِذَائِيَّةِ عَلَى نَحْوٍ اسْتِثْنَائِيٍّ.
قَدْ يَكُونُ لُبُّهَا قَدْ تَدَمَّرَ، وَتَلِفَ مُعْظَمُ طَاقَتِهِمْ، لَكِنَّ لَحْمَهَا يَظَلُّ لَحْمَ مَخْلُوقٍ مِنْ عَالَمِ الأَرْضِ. وَبِالنِّسْبَةِ لِأُنَاسٍ بِمِثْلِ هَذَا الإِرْهَاقِ، فَلَا مَصْدَرَ لِلتَّقَوِّي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا. سَيَكُونُونَ أَغْبِيَاءَ إِنْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْ ذَلِكَ. وَبِالفِعْلِ، تَبَيَّنَ أَنَّهَا الدَّفْعَةُ الأَخِيرَةُ التِي يَحْتَاجُهَا بَعْضُهُمْ لِدُخُولِ عَالَمِ الرُّوحِ.
صَاحَ أَحَدُ التَّلَامِيذِ بِفَرَحٍ إِثْرَ تَقَدُّمِهِ: "لَنْ أُهِينَ النَّشْرَ مُسْتَقْبَلًا بِمُنَادَاتِهِمْ بِالدُّودِ!"
هَمَسَ آخَرُ: "اصْمُتْ! لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ هَكَذَا".
وَكَانَ مُحِقّاً فِي ذَلِكَ. السُّهُولُ المُصَدَّأَةُ لَمْ تَعْدُ خَالِيَةً. تَجَمَّعَتْ حَشْدٌ حَقِيقِيٌّ مِنَ الوُحُوشِ الرُّوحِيَّةِ حَوْلَ جُثَّةِ الدُّودَةِ لِلإِفْطَارِ. نَامَ تَلَامِيذُ طَائِفَةِ اللَّهِبِ الخَالِدِ فَوْقَ الدُّودَةِ المَيْتَةِ وَاسْتَيْقَظُوا لِيَجِدُوا أَنْفُسَهُمْ مُحَاطِينَ. لِحُسْنِ الحَظِّ، لَمْ تَْبْدُ الوُحُوشُ الرُّوحِيَّةُ عَدْوَانِيَّةً.
جُثَّةُ الدُّودَةِ وَفَّرَتْ طَعَاماً وَفِيراً لَا يَسْتَدْعِي النِّزَاعَ عَلَيْهِ. مَعَ ذَلِكَ، لَا يُرِيدُونَ اخْتِبَارَ حُدُودِ هَذِهِ الهُدْنَةِ بِجَذْبِ الأَنْظَارِ إِلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ.
حَسَمَ لِيُو جِينِ الأَمْرَ مُبْتَدِئاً بِالبَدِيهِيَّاتِ: "لَا يُمْكُنُنَا البَقَاءُ هُنَا طَوِيلًا. المَزِيدُ مِنَ الوُحُوشِ الرُّوحِيَّةِ سَتَجْذِبُهَا الجُثَّةُ. وَبَعْضُهَا سَيَكُونُ أَكْثَرَ عُنْفاً مِنَ البَقِيَّةِ. هُوَ وَقْتٌ فَقَطْ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِمَ أَحَدُهَا".
وَرَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ كَثِيراً، إِلَّا أَنَّهُ نَالَ انْتِبَاهَ التَّلَامِيذِ الحَاضِرِينَ فَوْراً.
أَضَفَى قَائِلاً: "تَمَكَّنَّا البَارِحَةَ مِنْ رُؤْيَةِ النُّجُومِ. نَعْرِفُ الاتِّجَاهَ الشُّمَالِيَّ الآنَ. هَذَا سَيُسَاعِدُنَا فِي إيجَادِ طَرِيقِنَا نَحْوَ عَيْنِ السُّهُولِ".
أَشَارَ فَانْ بِنْغْبِنْغْ: "فَقَدْنَا بَعْضَ المُؤَنِ أَثْنَاءَ قِتَالِ الحَشَرَاتِ. هَذَا سَيُصَعِّبُ رِحْلَتَنَا".
سَأَلَ تِلْمِيذٌ دَاكِنُ الشَّعْرِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الجُثَّةِ التِي يَقِفُونَ عَلَيْهَا بِعُيُونٍ حَذِرَةٍ وَيَرْتَجِفُ: "الحَشَرَاتُ... تِلْكَ... مَا زَالَتْ هُنَاكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ أُوَافِقُ الرَّأْيَ الأَخَ قِينِ. عَلَيْنَا مُغَادَرَةُ هَذَا المَكَانِ قَبْلَ خُرُوجِ تِلْكَ".
طَمْأَنَهُ لِيُو جِينِ: "لَدَيْنَا بَعْضُ الوَقْتِ قَبْلَ حُدُوثِ ذَلِكَ. لِنَسْتَرِحْ وَنَجْمَعِ المَزِيدَ مِنْ لَحْمِ الدُّودَةِ قَبْلَ الرَّحِيلِ. سَنُسَافِرُ لَيْلاً حَتَّى نَجِدَ مَأْوَى".
سَأَلَ تِلْمِيذٌ أَقْلَعُ: "ظَنَنْتُ أَنَّنَا سَنَذْهَبُ إِلَى عَيْنِ السُّهُولِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ؟"
جَاءَ تَدَخُّلُهُ مُتَرَدِّداً، كَأَنَّهُ غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ مِمَّا إِنْ كَانَ مَسْمُوحاً لَهُ بِالكَلَامِ.
رَدَّ لِيُو جِينِ: "لَنْ نَصِلَ إِلَى عَيْنِ السُّهُولِ إِنْ لَمْ نَتَعَافَ تَمَاماً. السُّهُولُ المَيْتَةُ مَمْلُوءَةٌ بِكُلِّ أَنْوَاعِ المَخَاطِرِ".
وَمَا إِنْ نَطَقَ بِذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ حُضُورٌ جَدِيدٌ نِطَاقَ إِدْرَاكِهِمْ. لَمْ يَكُنْ هُجُومًا مُفَاجِئاً مِنْ دُودَةِ الِالتِهَامِ الكُلِّيِّ. كَانَتْ تِلْكَ الطَّاقَةُ عَلَى بُعْدِ أَمْيَالٍ. وَرَغْمَ صِغَرِهَا، بَدَتْ تِلْكَ الهَالَةُ أَكْثَرَ تَحْكُماً، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى دَرَجَةٍ أَعْلَى مِنَ الذَّكَاءِ.
تَكَلَّمَ: "قَرَّرَ هَذَا الدُّوقُ وَجْبَتَهُ القَادِمَةَ. أَنْتُمْ مُرَحَّبٌ بِكُمْ بِأَخْذِ بَعْضِ اللَّحْمِ مَعَكُمْ، لَكِنَّ هَذَا الدُّوقَ لَيْسَ لَدَيْهِ رَغْبَةٌ فِي الأَكْلِ بِجَانِبِكُمْ".
شَحَبَ كُلُّ وَجْهٍ حَوْلَ لِيُو جِينِ. حَتَّى تَعْبِيرُ فَانْ بِنْغْبِنْغْ المُعْتَادُ عَلَى الثَّبَاتِ تَشَقَّقَ مَعَ وُصُولِ طَاقَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ أَمْيَالٍ بَعِيدَةٍ لِإيصَالِ رِسَالَتِهِ. وَلَمْ تَتَعَامَلِ الوُحُوشُ الرُّوحِيَّةُ مَعَ الأَمْرِ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ. استَدَارَتْ وَهَرَبَتْ فَوْراً، مُتَخَلِّيَةً عَنْ مَصْدَرِ طَعَامِهَا. تَمَ سَحْقُ وَقَتْلُ الكَثِيرِ مِنْهَا فِي التَّدَفُّقِ الهَائِلِ الذِي تَلَى ذَلِكَ.
حَاوَلَ التِّلْمِيذُ الأَقْلَعُ الكَلَامَ: "دُو..."
لِيَخُنْقَهُ صَوْتُهُ بَعْدَهَا. وَمَنْ يَلُومُهُ؟ الطَّاقَةُ التِي ظَنُّوهَا أَصْغَرَ مِنْ طَاقَةِ دُودَةِ الِالتِهَامِ الكُلِّيِّ بَدَتْ هَكَذَا فَقَطْ بِسَبَبِ المَسَافَةِ وَسَيْطَرَةِ المُسْتَزْرِعِ. وَالآنَ بَعْدَ أَنْ غَمَرَتْهُمْ هَالَتُهُ، أَدْرَكُوا بِدِقَّةٍ مَا يُوَاجِهُونَهُمْ. عَالَمُ المُتَرَمِّلِينَ، المَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ. أَحَدُ المُحَارِبِينَ المَجَانِينِ الكَثِيرِينَ الهَائِمِينَ فِي السُّهُولِ المَيْتَةِ.
نَهَضَ لِيُو جِينِ قَائِماً: "نَرْحَلُ. الآنَ".
لَمْ يَتَعَافَوْا تَمَاماً بَعْدَ المَعْرَكَةِ دَاخِلَ الدُّودَةِ. وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُثَبِّتْ مَقَامَهُ بَعْدَ اخْتِرَاقِهِ. التَّوَغُّلُ أَكْثَرَ فِي السُّهُولِ سَيَضَعُهُمْ فِي خَطَرٍ كَبِيرٍ. لَمْ يَعْتَرِضْ فَرْدٌ وَاحِدٌ. هَرَبَ تَلَامِيذُ طَائِفَةِ اللَّهِبِ الخَالِدِ نَحْوَ الأُفُقِ. ~~~ أَوَّلُ مَأْوَى صَالِحٍ وَجَدُوهُ كَانَ كَهْفاً عَلَى بُعْدِ أَمْيَالٍ قَلِيلَةٍ.
تَجَاوَزُوهُ. كَانَ قَرِيباً جِدُّواً مِنْ مَكَانِ المُتَرَمِّلِ لِيُرْضِيَ حَذَرَهُمْ. اسْتَغْرَقَهُمْ يَوْمٌ كَامِلٌ مِنَ المَشْيِ لِإيجَادِ مَكَانٍ آخَرَ يُلَبِّي حَاجَاتِهِمْ. لَمْ يَكُنْ هَذَا كَهْفاً، بَلْ تَشْكِيلًا مِنْ صُخُورٍ حَمْرَاءَ نَحَتَهَا الرِّيحُ إِلَى مَا يُشْبِهُ قَوْسًا تَقْرِيباً. وَفَّرَ سَقْفاً بِدَائِيًّا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَنَقَلُوا بَعْضَ الصُّخُورِ المُتَنَاثِرَةِ لِتَكُونَ جِدْرَاناً.
الحِمَايَةُ التِي قَدَّمَتْهَا لَمْ تَكُنْ مِثَالِيَّةً لَكِنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ مَعَ ذَلِكَ. كَانَتِ السَّمَاءُ تُمْطِرُ طُوَالَ السَّاعَاتِ المَاضِيَةِ. تَهْطُلُ الأَمْطَارُ بِغَزَارَةٍ حَتَّى صَنَعَتْ سِتَاراً سَمِيكاً مِنَ المِيَاهِ يُقَلِّلُ الرُّؤْيَةَ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ. تَدَفَّقَتِ المِيَاهُ المُتَسَاقِطَةُ عَبْرَ الأَرْضِ، مُكَوِّنَةً أَنْهَاراً عِدَّةً فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ السُّهُولِ المُصَدَّأَةِ، وَمُغَيِّرَةً مَنْظَرَ المَكَانِ بِكَامِلِهِ.
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قَسْوَةِ الهَطُولِ وَسُرْعَةِ جَرَيَانِ الأَنْهَارِ فَوْقَ الأَرْضِ الحَارَّةِ، كَانَ الدَّاخِلُ فِي مَأْوَاهُمُ الصَّغِيرِ صَامِتاً تَمَاماً تَقْرِيباً. ارْتَجَفَ كَثِيرٌ مِنَ التَّلَامِيذِ، لَكِنْ لَيْسَ بِسَبَبِ البَرْدِ.
وَأَخِيراً، تَكَلَّمَ أَحَدُهُمْ: "لَا أُصَدِّقُ أَنَّنَا اصْطَدَمْنَا بِمُتَرَمِّلٍ".
بَدَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ هُوَ الشَّرَارَةَ. فِي لَحْمَظَاتٍ، صَارَ التَّلَامِيذُ يَتَكَلَّمُونَ جَمِيعاً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
"لَمْ أَرَ مُتَرَمِّلاً مِنْ قَبْلُ قَطُّ!"
"ظَنَنْتُ أَنَّ أُكْلَ يُؤْكَلُ كَانَ أَسْوَأَ شَيْءٍ حَدَثَ لَنَا هُنَا!"
"فَقَدْتُ عُقُوداً مِنْ عُمْرِي! أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ مِنْ ذَلِكَ!"
"ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَأْكُلُنَا!"
تَعْلِيقُ الأَخِيرِ جَلَبَ العَدِيدَ مِنَ النَّظَرَاتِ الغَرِيبَةِ اتِّجَاهَ المُتَكَلِّمِ الذِي احْمَرَّ وَجْهُهُ فَوراً.
رَدَّدَتْ فَانْ بِنْغْبِنْغْ: "يَأْكُلُنَا؟"
رَمَشَتْ مَرَّتَيْنِ بِبُطْءٍ مَقْصُودٍ تَقْرِيباً.
"لِمَ تَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَأْكُلُنَا؟"
"لِأَنَّ... هَذَا مَا يَفْعَلُهُ المُتَرَمِّلُونَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟"
تَلَفَّتَ التِّلْمِيذُ حَوْلَهُ، مُحَاوِلًا وَفَاشِلًا فِي إيجَادِ أَيِّ دَعْمٍ.
"هُمْ مَجَانِينُ... أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَمْ أَظُنُّ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ حَتَّى!"
قَالَ لِيُو جِينِ: "طَبْعاً، يَسْتَطِيعُونَ الكَلَامَ. جُنُونُ عَالَمِ المُتَرَمِّلِينَ لَا يَحْدُثُ فَوْراً. إِنَّهُ عَمَلِيَّةٌ تَدْرِيجِيَّةٌ يُمْكِنُ لِلْمُسْتَزْرِعِ تَجَاوُزُهَا بِالصَّلَابَةِ العَقْلِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ. وَإِلَّا، لَمَا كانَ لَدَيْنَا أَيُّ أَبَاطِرَةٍ".
قَالَ لَهُ تِلْمِيذٌ أَقْلَعُ: "اغْفِرْ لَهُ جَهْلَهُ، الأَخُ قِينِ. هُوَ مِنْ طَائِفَةٍ صَغِيرَةٍ، لِذَا فَتَعْلِيمُهُ لَيْسَ الأَفْضَلَ".
انْتَفَضَ وَجْهُ التِّلْمِيذِ: "صَغِيرَةٌ؟ طَائِفَةُ الشَّبَحِ السَّاطِعِ هِيَ الأَعْظَمُ فِي أُمَّةِ غَابَةِ اللَّيْلِ!"
سَخِرَ التِّلْمِيذُ الأَقْلَعُ: "كَوْنُكَ الأَفْضَلَ فِي بَلَدٍ لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَعْنِي شَيْئاً. حَقِيقَةُ أَنَّكَ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ تَعْكِسُ صُورَةً سَيِّئَةً عَنْكَ".
وَبَيْنَمَا بَدَأَ التِّلْمِيذَانِ يَتَشَاجَرَانِ، أَوْلَى لِيُو جِينِ بَعْضَ الِاهْتِمَامِ لِلْعُضْوِ السَّابِقِ فِي طَائِفَةِ الشَّبَحِ السَّاطِعِ. لَمْ يُلَاحِظْ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، لَكِنَّ شَعْرَهُ مَائِلٌ لِلزُّرْقَةِ قَلِيلًا وَسِمَاتُهُ تُشْبِهُ سِمَاتِ وَنْغْ شُوو بِمِزَاحٍ غَرِيبٍ. لَعَلَّهُ قَرِيبٌ بَعِيدٌ؟
قَالَتْ فَانْ بِنْغْبِنْغْ: "بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ، الأَخُ قِينِ مُحِقٌّ. العَقْلُ لَا يُفْقَدُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ عَالَمِ المُتَرَمِّلِينَ. الشَّخْصُ الذِي دَخَلَ حَدِيثاً عَالَمَ المُتَرَمِّلِينَ لَنْ يَخْتَلِفَ كَثِيرًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ".
لَاحَظَ تِلْمِيذٌ آخَرُ: "نَحْنُ نُرْسِلُهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِلَى نِهَايَةِ المُحْرَقَةِ".
رَدَّتْ فَانْ بِنْغْبِنْغْ: "لِلسَّلَامَةِ، وَلَيْسَ لِأَنَّهُمْ خَطَرٌ فَورِيٌّ. المُتَرَمِّلُونَ الَّذِينَ لَا يَضِلُّونَ طَرِيقَهُمْ نَادِرُونَ لِلْغَايَةِ، لَكِنَّهُمْ مَوْجُودُونَ. وَالَّذِي التَقَيْنَا بِهِ للتَّوِّ كَانَ عَلَى المَرْتَبَةِ الخَامِسَةِ مِنْ عَالَمِ المُتَرَمِّلِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَبْدُ أَنَّهُ فَقَدَ عَقْلَهُ".
قَالَ لِيُو جِينِ: "كَانَ عَاقِلًا بِمَا يَكْفِي لِيُحَذِّرَنَا مِنَ الابْتِعَادِ عَنْهُ، عَلَى الأَقَلِّ".
طَمْطَمَ وَهُوَ يَنْظُرُ أَعْلَى وَيُدَلِّكُ ذَقْنَهُ: "لَقَدْ سَمَّى نَفْسَهُ دُوقاً".
سَأَلَ التِّلْمِيذُ أَزْرَقُ الشَّعْرِ: "هَلْ تِلْكَ عَلَامَةُ جُنُونٍ؟"
هَزَّ لِيُو جِينِ رَأْسَهُ نَفْياً.
"إِنَّهَا مَحْضُ طُرْفَةٍ غَرِيبَةٍ. أَخْبِرْنِي، أَيُوجَدُ دُوقَاتٌ فِي أُمَّةِ غَابَةِ اللَّيْلِ؟"
بَدَا التِّلْمِيذُ أَزْرَقُ الشَّعْرِ مُتَفَاجِئاً لِلَحْظَةٍ، إِذْ لَمْ يَتَوَقَّعْ أَنْ يَسْأَلَهُ لِيُو جِينِ سُؤَالًا.
وَمَا إِنْ زَالَتِ الصَّدْمَةُ حَتَّى نَفَخَ صَدْرَهُ، سَعِيداً بِفُرْصَةِ الحَدِيثِ عَنْ وَطَنِهِ: "لَا، هَذَا اللَّقَبُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَرْضِنَا، رَغْمَ أَنَّنِي أُخْمِنُ أَنَّ أَعْضَاءَ مَجْلِسِ الغَابَةِ الكَبِيرِ هُمُ المُكَافِئُونَ لَهُ. آهِ! مَجْلِسُ الغَابَةِ الكَبِيرِ هُوَ احْتِلَافُ..."
قَاطَعَهُ التِّلْمِيذُ الأَقْلَعُ: "لَا أَحَدَ يَهْتَمُّ. نُقْطَةُ الأَخِ قِينِ هِيَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِمَّنْ يُمْكِنُهُمُ ادِّعَاءُ أَنَّهُمْ دُوقَاتٌ".
أَضَافَتْ فَانْ بِنْغْبِنْغْ: "أَلْقَابُ النُّبَلَاءِ مَوْجُودَةٌ دَاخِلَ إمْبِرَاطُورِيَّةِ السَّحَابِ القَانِئِ، لَكِنَّهَا كُلَّهَا مَحْفُوظَةٌ لِلطَّوَائِفِ الكُبْرَى. لَقَدْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ لِأَجْيَالٍ. البَاتْرِيَارْكُ فِيِنْغْ يَمْلِكُ لَقَبًا نَبِيلًا، لَكِنْ مَا لَمْ يَكُنْ يَزُورُ الإمْبِرَاطُورَ، فَلَنْ يُكَلِّفَ أَحَدٌ نَفْسَهُ عَنَاءَ اسْتِخْدَامِهِ. كَوْنُ المرءِ بَاتْرِيَارْكَ طَائِفَةِ اللَّهِبِ الخَالِدِ يَتَفَوَّقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ".
يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّهُ يَتَفَوَّقُ عَلَى كَوْنِ المرءِ إمْبِرَاطُوراً. لَا يُوجَدُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ إمْبِرَاطُورَ إمْبِرَاطُورِيَّةِ السَّحَابِ القَانِئِ أَقْوَى مِنَ البَاتْرِيَارْكِ فِينْغْ تشانغ.
"بِمَعْنًى آخَرَ، ذَلِكَ الرَّجُلُ الذِي قَدَّمَ نَفْسَهُ كَدُوقٍ يَعْنِي أَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مَكَانٍ لَا يَزَالُ اللَّقَبُ فِيهِ يَحْمِلُ مَعْنًى. أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ذَاتَ يَوْمٍ".
فَبِالنِّهَايَةِ، هُمْ لَا يَعْرِفُونَ مُدَّةَ بَقَاءِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي السُّهُولِ المَيْتَةِ. قَدْ تَكُونُ سِنِينَ. قَدْ تَكُونُ عُقُوداً. رُبَّمَا قُرُوناً حَتَّى.
قَالَ التِّلْمِيذُ الأَقْلَعُ: "هَذَا لَا يُضَيِّقُ النِّطَاقَ كَثِيرًا، الأَخُ قِينِ. إِنْ كَانَ الأَمْرُ سِيَّانَ لَدَيْكَ، فَأَنَّا أُفَضِّلُ عَدَمَ التَّفْكِيرِ فِي ذَلِكَ المُتَرَمِّلِ بَعْدَ الآنَ. تِلْكَ الأُمُورُ لَيْسَتْ جَيِّدَةً لِصِحَّتِي".
نَظَرَ لِيُو جِينِ إِلَى الوُجُوهِ المُتَجَمِّعَةِ حَوْلَهُ. وَحْدَهَا فَانْ بِنْغْبِنْغْ بَدَتْ مُنْدَمِجَةً فِي الموضوعِ. بَقِيَّةُ التَّلَامِيذِ كَانُوا بِدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ مِنَ العَدَمِ الارتِيَاحِ.
"أَفْهَمُ. يَبْدُو أَنَّنِي كُنْتُ غَيْرَ مُبَالٍ".
"آهِ! لَا! لَيْسَ البَتَّةَ، الأَخُ قِينِ!"
لَوَّحَ التِّلْمِيذُ الأَقْلَعُ بِيَدِهِ بِجُنُونٍ أَمَامَهُ.
"الأُخْتُ فَانْ"، التَفَتَ لِيُو جِينِ إِلَى الفَتَاةِ المعنيَّةِ.
"أَتَسْتَطِيعِينَ العَزْفَ لَنَا؟"
اتَّسَعَتْ عَيْنَا فَانْ بِنْغْبِنْغْ قَلِيلًا جِدّاً قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ابْتِسَامَةٌ طَفِيفَةٌ عَلَى وَجْهِهَا. رَفَعَتْ يَدَهَا، كَاشِفَةً عَنْ خَاتِمٍ مَكَانِيٍّ فِي إِصْبَعِهَا، فَنَقَرَتْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لِإِخْرَاجِ آلَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ مُسَطَّحَةٍ ذَاتِ سَبْعَةِ أَوْتَارٍ، غُوقِينْ. وَضَعَتْهَا فَوْقَ حِجْرِهَا.
قَالَتْ فَانْ بِنْغْبِنْغْ: "أَفْتَرِضُ أَنَّنِي أُسَلِّيكُمْ".
عَزَفَتْ بِضْعَ نَغَمَاتٍ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ تَصْفِيَةِ الآلَةِ تَمَاماً.
"عَادَةً، كُنْتُ سَأَبْدَأُ بِعَزْفِ شَيْءٍ مِثْلَ الأَوْرَاقِ المُتَسَاقِطَةِ أَوْ انْعِكَاسَاتِ الثَّلْجِ، لَكِنَّ تِلْكَ كَئِيبَةٌ قَلِيلًا لِظُرُوفِنَا. هَلْ لِأَحَدٍ طَلَبٌ مَا؟"
مَرَّةً أُخْرَى، تَكَلَّمَ تَلَامِيذُ طَائِفَةِ اللَّهِبِ الخَالِدِ مَعاً دَفْعَةً وَاحِدَةً، رَغْبَةً مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي سَمَاعِ أُغْنِيَتِهِ المُفَضَّلَةِ أَوَّلًا. ابْتَسَمَ لِيُو جِينِ وَاسْتَنَدَ إِلَى الصُّخُورِ مِنْ خَلْفِهِ. هَذَا جَيِّدٌ لِلآنَ. ~~~ سَارُوا عَبْرَ السُّهُولِ المُصَدَّأَةِ لليَوْمَيْنِ التَّالِيَيْنِ. وَخِلَالَ ذَلِكَ الوَقْتِ، وَاجَهُوا عَاصِفَةَ رَمْلٍ ضَارِيَةً لَمْ تَدَعْهُمْ يَرَوْنَ أَبْعَدَ مِنْ طَرَفِ أُنُوفِهِمْ، وَحَرارَةً مُحْرِقَةً تُشَوِّهُ الهَوَاءَ حَوْلَهُمْ وَتَخْلُقُ السَّرَابَ.
كَذَلِكَ وَاجَهُوا بَعْضَ اللِّقَاءِاتِ العَرْضِيَّةِ مَعَ الوُحُوشِ الرُّوحِيَّةِ البَرِّيَّةِ. وَلِحُسْنِ الحَظِّ، حَتَّى القِلَّةُ التِي فَاقَتْ قُدْرَتَهُمْ عَلَى القِتَالِ لَمْ تَفُقْ قُدْرَتَهُمْ عَلَى الهَرَبِ مِنْهَا. فِي فَجْرِ اليَوْمِ الثَّالِثِ، بَدَا وَجْهُ وُصُولِهِمْ أَمَامَهُمْ. كَأَنَّ خَطًّا رُسِمَ عَبْرَ الأُفُقِ. مِنْ طَرَفٍ، السُّهُولُ المُصَدَّأَةُ.
لَا شَيْءَ سِوَى أَرْضٍ حَمْرَاءَ بِغِطَاءِ نَبَاتِيٍّ ضَعِيفٍ. وَمِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، سِجَادَةٌ خَضْرَاءُ تَمْتَدُّ عَلَى مَدِّ البَصَرِ. تِلْكَ هِيَ عَيْنُ السُّهُولِ.
قَالَ التِّلْمِيذُ أَزْرَقُ الشَّعْرِ: "لَقَدْ وَصَلْنَا!"
رَفَعَ قَبْضَتَهُ فِي الهَوَاءِ وَابْتَسَمَ عَلَى وَسْعِ وَجْهِهِ.
"قَرَّرَ هَذَا الدُّوقُ تَقْدِيمَ تَفْسِيرٍ".
كَانَ خَلْفَهُمْ مُبَاشَرَةً. تَجَمَّدَ تَلَامِيذُ طَائِفَةِ اللَّهِبِ الخَالِدِ. كَانَ هُنَاكَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئاً حِيَالَ ذَلِكَ. وَرَغْمَ أَنَّ كَلِمَاتِهِ تَمَّ إيصَالُهَا بِهُدُوءٍ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ كَلِمَاتِ مُتَرَمِّلٍ، وَحَمَلَتْ مَعَهَا هَالَةَ مُتَرَمِّلٍ. فِي مِثْلِ هَذِهِ المَسَافَةِ القَرِيبَةِ، سَقَطَ الأَضْعَفُ بَيْنَهُمْ عَلَى رُكَبِهِمْ فَوْراً.
كَانَتْ وُجُوهُهُمْ بَيْضَاءَ مِنَ الرُّعْبِ. وَبِالنِّسْبَةِ لَهُمْ، اسْتَحَالَ الحَرَكَةُ حَتَّى. لَكِنَّ لِيُو جِينِ تَحَرَّكَ. استَادَرَ وَسَقَطَ عَلَى رُكْبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَبَدَا أَنَّ ذَلِكَ يُمَثِّلُ إِشَارَةً لِلْبَاقِينَ. قَلَّدَ القَادِرُونَ مِنْهُمْ حَرَكَاتِهِ.
قَالَ: "أَيُّهَا الدُّوقُ المُبَجَّلُ. لَقَدْ شَرَّفْتَنَا بِحُضُورِكَ مَرَّةً أُخْرَى".
رَدَّ المُتَرَمِّلُ: "إِنَّهُ لَشَرَفٌ حَقِيقِيٌّ لَكُمْ أَنْ تَقَعَ أَعْيُنُكُمْ عَلَيَّ، شَرَفٌ أَعْظَمُ بِمِثْلِ مَالَا تَسْتَحِقُّونَهُ أَيُّهَا اللُّصُوصُ".
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وَقْفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، كَانَ الرَّجُلُ يَرْتَدِي خِرَقاً. بَلْ إِنَّ وَصْفَهَا بِالخِرَقِ كَانَ كَرِيماً جِدّاً. إِنَّهُ لَمِنَ العَجَبِ أَنَّ القَمَاشَ الضَّئِيلَ الذِي يُحَافِظُ عَلَى كَرَامَةِ الدُّوقِ لَمْ يَتَفَتَّكْ بَعْدُ. كَانَ جَسَدُهُ مُغَطًّى بِالسَّائِلِ اللُّزِجِ، وَسَوَائِلَ أُخْرَى، وَقِطَعٍ مِنَ اللَّحْمِ، وَكُلُّهَا تَأَكَّدَ لِيُو جِينِ أَنَّهَا جَاءَتْ مِنْ جُثَّةِ دُودَةِ الِالتِهَامِ الكُلِّيِّ.
أَمَحَى يَتْبَعُهُمْ فَقَطْ بَعْدَ أنِ انْتَهَى مِنْ أَكْلِهَا؟
قَالَ لِيُو جِينِ: "أَيُّهَا الدُّوقُ العَظِيمُ، هَذَا العَبْدُ لَا يَفْهَمُ. لَمْ نَسْرِقْ مِنْكَ شَيْئاً. عِنْدَ تَلَقِّي تَحْذِيرِكَ الكَرِيمِ، تَرَكْنَاكَ مَعَ غَنِيمَتِكَ فَوراً".
ضَاقَتْ عَيْنَا الدُّوقِ. وَلِلَحْظَةٍ، ارْتَفَعَتْ هَالَتُهُ لِدَرَجَةٍ شَعَرَ فِيهَا لِيُو جِينِ بِيَدٍ تُمْسِكُ بِرَأْسِهِ وَتَعْصِرُهُ. خَرَجَتْ شَهْقَةُ أَلَمٍ مِنْ فَمِهِ.
"لَا تَكْذِبْ عَلَيَّ، أَيُّهَا الطِّفْلُ. هَذَا الدُّوقُ يُظْهِرُ لَكَ لُطْفَ المُحَادَثَةِ مَعَكَ بِالفِعْلِ. أَيْنَ لُبُّ الوَحْشِ الرُّوحِيِّ؟"
اللُّبُّ! اتَّسَعَتْ عَيْنَا لِيُو جِينِ. رُبَّمَا بَحَثَ الدُّوقُ جُثَّةَ دُودَةِ الِالتِهَامِ الكُلِّيِّ عَنْ لُبِّهَا وَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً.
"أَيُّهَا الدُّوقُ العَظِيمُ، لَيْسَ لَدَيْنَا اللُّبُّ".
تَمَّ ارْتِطَامُ رَأْسِ لِيُو جِينِ بِالأَرْضِ.
صَرَخَ تِلْمِيذٌ: "الأَخُ قِينِ!"
تَحَرَّكَ كَأَنَّهُ سَيَقُومُ، لَكِنَّ فَانْ بِنْغْبِنْغْ أَمْسَكَتْ بِهِ وَأَبْقَتْهُ مَكَانَهُ. لَوْ اسْتَطَاعَ لِيُو جِينِ لَأَوْمَأَ لَهَا امْتِنَاناً.
"أَتَتَوَقَّعُ مِنِّي تَصْدِيقَ أَنَّ اللُّبَّ أَزَالَتْهُ الوُحُوشُ الرُّوحِيَّةُ البَرِّيَّةُ؟"
قَالَ لِيُو جِينِ، وَهُوَ يَنْعَتِلُ عَائِداً إِلَى وَضْعِ الرُّكُوعِ: "لَا، أَيُّهَا الدُّوقُ العَظِيمُ. لَنْ أُحَاوِلَ خِدَاعَكَ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ أَبَداً. فِي ضَعْفِنَا، لَمْ يَكُنْ لَنَا خِيَارٌ سِوَى تَدْمِيرِ اللُّبِّ لِإسْقَاطِ دُودَةِ الِالتِهَامِ الكُلِّيِّ. لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ سَيُزْعِجُكَ، لَكُنَّا حَاوَلْنَا بِالتَّأْكِيدِ إِجَادَ طَرِيقَةٍ أُخْرَى لِقَتْلِ الوَحْشِ".
شَعَرَ لِيُو جِينِ بِعَيْنَيِّ الدُّوقِ تَتَرْكَّزَانِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ. بَذَلِكَ جُهْدَهُ لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ، عَارِفًا أَنَّ أَدْنَى إِظْهَارٍ لِلضَّعْفِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْسَرَ بِسُوءٍ.
قَالَ الدُّوقُ بَعْدَ بُرْهَةٍ: "أَفْهَمُ. يَبْدُو أَنَّنِي تَصَرَّفْتُ بِتَسَرُّعٍ مَرَّةً أُخْرَى. لَسْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَزْعَجْتُمُونِي، بَلْ أَنَا الَّذِي أُزْعِجْتُكُمْ. التَّعْوِيضَاتُ مُسْتَحَقَّةٌ".
رَفَعَ الدُّوقُ إِصْبَعًا وَأَشَارَ نَحْوَ السُّهُولِ المُعْشِبَةِ. فِي لَحْمَظَاتٍ، ارْتَفَعَتْ هَالَتُهُ لِدَرَجَةٍ سَحَقَتْهُمْ جَمِيعاً إِلَى الأَرْضِ.
قَالَ وَهُوَ يُخْفِضُ هَالَتَهُ إِلَى المُسْتَوَيَاتِ العَادِيَةِ: "هُنَاكَ. الآنَ، سَتَحْصُلُونَ عَلَى مَمَرٍّ آمِنٍ عَبْرَ عَيْنِ السُّهُولِ لِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ. هَذَا كَافٍ كَتَعْوِيضٍ".
"الدُّوقُ غَايَةٌ فِي الرَّحْمَةِ".
"بِالطَّبْعِ"، قَالَ الدُّوقُ.
الْتَقَى عَيْنَا لِيُو جِينِ بِعَيْنَيْهِ فَكَشَرَ قَبْلَ أَنْ يَهُزَّ رَأْسَهُ وَيَسْتَدِيرَ: "يَجِبُ أَنْ أَعُودَ إِلَى العُزْلَةِ مَرَّةً أُخْرَى. سَيَكُونُ مِنْ الأَفْضَلِ أَلَّا تَتَقَاطَعَ طُرُقُنَا مَرَّةً أُخْرَى".
اخْتَفَى فَجْأَةً كَمَا ظَهَرَ، لَا يَخْتَلِفُ عَنِ العَاصِفَةِ الرَّمْلِيَّةِ القَاسِيَةِ وَالمَطَرِ العَنِيفِ. تُرِكَ تَلَامِيذُ طَائِفَةِ اللَّهِبِ الخَالِدِ مَشْدُوهِينَ وَخَائِفِينَ.
"إِنْ اضْطُرِرْتُ لِلتَّوَاجُدِ فِي السُّهُولِ المَيْتَةِ مَرَّةً أُخْرَى طُوَالَ حَيَاتِي، فَسَيَكُونُ ذَلِكَ مُبَكِّراً جِدّاً".
لَا يهمُّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ. ~~~