لا تتبدّل حقيقة اليوم إلّا بانقضائه. ولا أحد أدرى بذلك من ليو جين. ظلّ يوم سقوط مدينة الميناء الشرقيّ شبيهاً بأيّ يوم آخر حتّى اللحظة الأخيرة.
قال ليو جين وهو يناور هجمات فنغ هآو: "دقّة، أيّها السيّد الشابّ. دقّة".
خُيِّطت رقعة قماش زرقاء على رداءه فوق قلبه مباشرة.
"هدفُك أمامك. وعليك إصابته فحسب".
الكول أسهل بكثير من الفعل. يتسلّل الضيق حقّاً إلى جبين فنغ هآو مع فشله المتكرر في إصابة القماش الأزرق.
"كيف يُفترض بي إصابة الأخ الأكبر وهو يعلم اتّجاه ضربتي أساساً؟!"
يتحوّل فنغ هآو نحو الأسفل منحنياً بضربة ساق قاطعة رغم صراخه. يتجاوزها ليو جين بقفزة سهلة.
"يكون أعداؤك أقدر عادةً على إدراك نقاط ضعفهم منك، أيّها السيّد الشابّ. وحين يحين وقت القتال، سيستعدّون لحمايتها. والآن".
يميل ليو جين رأسه جانباً مفادياً كرة نار.
"لن أنكر أنّ سحق دفاعات خصمك بشراسة محضة خيار أيضاً، وخيار يناسب السيّد الشابّ أكثر بكثير من هذا".
يلتفّ فنغ هآو في منتصف الهواء. يتنحّى ليو جين جانباً مع هبوط كعب الصبيّ.
"لكنّ الوقت سيحين يوماً لاحتياج الدقّة، وحين يحين، ستشعر بالامتنان لأنّك انزعجت لضع ساعات في غرفة التدريب لا لضع ثوانٍ في ساحة المعركة حيث تعني أيّ زلّة الموت".
سأل فنغ هآو متوقّفاً لالتقاط أنفاسه: "وهل اضطررتم للتعلّم هكذا أيضاً، أيّها الأخ الأكبر؟".
وكما هو متوقّع، يُنهك فنغ هآو نفسه سريعاً للغاية. إذ يهدف دوماً إلى السحق بهجوم سريع حاسم. لا تُعدّ استراتيجية سيئة، لكنّ ليو جين يتمنّى لو يتعلّم فنغ هآو كيف ينظم وتيرة جهده بشكل أفضل.
أجاب ليو جين: "ليس تماماً. كان معلّمي أشدّ إزعاجاً منّي بكثير".
كانت تعاليم العجوز جيان سمّاً، حرفيّاً. سمّاً شديد الفعالية، لكنّه سمّ مع ذلك. وبصرف النظر عن حقيقة أنّ السيّدة لينغ ستقتله لمجرّد التفكير في الأمر، لا رغبة ليو جين لديه في إخضاع فنغ هآو لذلك. كان ليو جين غارقاً في هذه الأفكار حين وقع الحدث. دوى موج أثريّ من طاقة التشي في أرجاء القصر. لم يكن توهّجاً برّيّاً لهالة أحدهم، ولا طاقةً مُصاغةً في تقنية مميتة. ولم تُستخدَم طاقة التشي هذه للهجوم أو القهر.
بل حملت رسالةً فحسب.
"أنا، شون هووين، أتحرّى تحدّي العبقريّ العظيم فنغ هآو. فليخرج من مخبئه ويواجهني وفق القواعد الحاكمة لعشيرة اللهب الأبديّ! أو ليبق مختبئاً! مثل الجبان!"
شون هووين. حفيد الشيخ شون الذي أُطلق سراحه حديثاً من بيت العقاب. ممارس بلغ مرتبة السماء. يتحرّى تحدي فنغ هآو!
"أنا، شون هووين، أتحرّى تحدّي العبقريّ العظيم فنغ هآو. فليخرج من مخبئه ويواجهني وفق القواعد الحاكمة لعشيرة اللهب الأبديّ! أو ليبق مختبئاً! مثل الجبان!"
وكأنّ لإثبات أنّ هذا ليس حلماً يقظةً، رنّت الكلمات للمرّة الثانية. كاد فنغ هآو يفقد توازنه مع تردد صدى طاقة تشي الخاصّة بششون هووين في المبنى كقرع جرس. يبدو الأمر بلا معنًى. لا يقتصر الأمر على بلوغ شون هووين مرتبة السماء فحسب، بل إنّه يكبر فنغ هآو بأكثر من ثلاثمئة عام أيضاً! ليس فنغ هآو رجلاً بالغاً بل طفلاً لم يشهد حتّى عشرة ربيع. ويُعَدّ تحدي شخص مثله لشخص كهذا أمراً مثيراً للسخرية!
ومستحقّاً للازدراء والهوان. ومع ذلك...
"أنا، شون هووين، أتحرّى تحدّي العبقريّ العظيم فنغ هآو. فليخرج من مخبئه ويواجهني وفق القواعد الحاكمة لعشيرة اللهب الأبديّ! أو ليبق مختبئاً! مثل الجبان!"
رنّت الكلمات في القصر للمرّة الثالثة، لتؤكّد لكلّ من في داخله استحالة كون الأمر خطأً. وبقي ليو جين وفنغ هآو يحدّقان ببلادة أحدهما في الآخر، وكلاهما عاجز بالقدر ذاته. بل لقد عمّ الصمت القصر بأسره. فمن أدنى الخدم إلى أقوى الحرّاس، يقف الجميع في حيرة من أمرهم إزاء طريقة التفاعل. ما عدا واحداً. تصاعدت طاقة تشي الخاصّة بالسيّدة لينغ. واجتاح المبنى بأسره بأسّ ممارس في ذروة مرتبة السماء.
لم تُنقل أيّ كلمات عبر التوهّج البرّيّ لهالتها. بل المشاعر وحدها. الغضب وحده.
صرخ ليو جين في وجه فنغ هآو: "لا تغادر هذه الغرفة!".
وكانت خطواته تحمله نحوَ الباب سلفاً. وفكّر ليو جين للحظة بشلّ حركة فنغ هآو بالسمّ حتّى.
وأمر الحارسين الواقفين خارج غرفة التدريب: "أنتما الاثنان! احميا السيّد الشابّ بحياتكما! ولا تدعاه يعرّض نفسه للخطر!".
حين حضر فنغ تشي لتهديده، غابا غياباً لافتاً. في ذلك الحين، خاضت السيّدة لينغ مخاطرةً محسوبةً. فلو حاول فنغ تشي إيذاءه داخل منزلها، لَسُمح لها بالردّ عليه. والشخص الوحيد الذي واجه خطراً كان ليو جين. ولا يسع ليو جين سوى الأمل بقدرتها على إظهار هذا التفكير البارد الآن. لو كان هذا أيّ تلميذ آخر، لكان تفاعل السيّدة لينغ بغضب أمراً مقبولاً. غير أنّ شون هووين هو من يطرق بابهم.
ومهما حدث، يستحيل عليها قتله. حتّى لو كان شون هووين يستجلب الموت بكلّ المقاييس في هذه اللحظة. زاد ليو جين من سرعته. وانفجرت طاقة التشي من باطن قدميه وهو يربط تقنية انكماش الأرض تلو الأخرى. وتبعد السيّدة لينغ أجزاءً من المئة من الثانية عن بلوغ الفناء الأماميّ. سيلجأ البعض، ومعظمهم، لهذه الفرصة للابتعاد قدر الإمكان عمّا يوشك أن يحدث. وما كان ليو جين ليتوجّه إلى هناك بأيّ حال.
وستوافق السيّدة لينغ لو بقي لحماية فنغ هآو. وما يفعله ليو جين — لأسفه العميق — ليس هذا. لماذا؟ لو أُتيح له وقت كاف للتفكير، لاستطاع ليو جين استنباط أسباب قليلة. لكنّ القول بأنّ أيّاً منها خطر بباله حين بدأت قدماه بالتحرّك سيكون كذبةً. لقد كانت غريزةً بحتةً. شعوراً بالمعرفة. ولا يُعَدّ تبرير اقتحام لقاء يجمع ممارسي مرتبة السماء بالأمر الذي ينبغي التفكير فيه أصلاً. لا يمكن لأيّ كمّ من الأعذار جعل هذا الأمر سوى حماقة.
يبدو الهواء ثقيلاً من الضغط الذي صنعه ممارسا مستوى عالٍ لدرجة يشعر معها ليو جين وكأنّه يشقّ طريقه في طين. ومع كلّ خطوة، يشتدّ الضغط حتّى يكأنّه يخترق حجراً لمجرد التحرّك. والعالم نفسه يخبره بألّا يتوجّه في ذلك الاتّجاه. ومع ذلك، اقتحم ليو جين الفناء الأماميّ مع ذلك ووقع بصره على شون هووين للمرّة الأولى. حين سمع ليو جين للمرّة الأولى بالممارس الخطير الذي أيقظ الدمار، استدعى عقله صورة رجل برّيّ شرس.
محارب مفتول العضلات يعلو أطول الرجال برأس وكتفين. شخص يشعّ بالعنف وشهوة الدماء من كلّ مسامّ جسده. ليس شون هووين أيّاً من هذا. شون هووين رقيق. وربّما لا يقدّر شون هووين اعتباره كذلك. ولن يفعل ليو جين الآن. وبغض النظر عن ذلك، فهي الكلمة الأولى التي تخطر بالبال عند النظر إليه. ليس طويل القامة بشكل خاصّ، وربّما يماثل السيّدة لينغ طولاً، ويفوق ليو جين ببضع بوصات فحسب. جسده ممشوق، ويخلو من أيّ عضلات ظاهرة.
ورغم انعدام حركته، تحيط به رشاقة تشبه رشاقة السنّوريّات تقريباً. وتزدان وجهه رموش طويلة وحواجب مرتفعة بلا أدنى أثر لشارب أو لحية. وشعره الأسود مقصوص قصيراً. ولو ارتدى شون هووين شعراً طويلاً، لساعدته ملامحه الناعمة في التنكر بزيّ امرأة بنظرة عابرة تقريباً. وتتوهّج عيناه الرماديّتان بقوّة. تتدفق طاقة التشي منه بأمواج تصطدم بقصر السيّدة لينغ. ورغم عدم كونه إمبراطوراً، لا يبسط شون هووين تحكّماً بقوّته يقارب ما يفعله الإمبراطور.
ولركع الممارسون الأقلّ شأناً أمامه بالفعل. على الأقلّ، لَفعلوا لو لم تكن السيّدة لينغ موجودةً. رغم أنّه بدا عليها دائماً التآلف مع بيئة تحيط بها الفخامة، فالسيّدة لينغ ممارس في المستوى التاسع من مرتبة السماء. وتزأر هالتها دافعةً طاقة تشي الخاصّة بششون هووين إلى الوراء ومرتفعةً فوق القصر كدرع. ولا تفعل هذا حمايةً للمنزل، أو ممتلكاتها، أو خدمها، بل كي لا يضطرّ فنغ هآو للتعرّض لطاقة تشي شون هووين لثانية أخرى.
"أتجرؤ على القدوم إلى منزلي وتهديد ابني!"
تخلو نبرة السيّدة لينغ من أيّ ضحكات سهلة. ومن أيّ لامبالاة عابرة. إلّا الغضب والسخط المتصاعدين من قاع قلبها. ومع ذلك — ورغم كون شون هووين في المستوى الأوّل من مرتبة السماء وحدَه — فهو لا يبدو قلقاً البتّة.
ضحك شون هووين بخفة متسائلاً: "تهديد؟ ممَ تتحدثين حقّاً، أيّتها السيّدة لينغ؟ لقد أتيت إلى هنا لتحدّي طفلك العبقريّ فحسب. وحتّى أدنى التلامذة يعلم أنّ للجميع في عشيرة اللهب الأبديّ تحدّي الجميع. ما الخخطأ في ممارسة شون هووين هذا لحقه؟".
يطرح السؤال بطريقة طبيعية لدرجة يكاد ليو جين يميل فيها لتصديقه. غير أنّ اللمعة في عينيه تخونه. إنّها معرفة. وتشفّ. والأهمّ من ذلك، غرور. تتفرّع طاقة تشي الخاصّة بالسيّدة لينغ. وتجعل خدمها يتعثرون حتّى أنّها تجعل قصرها يصدر صرير احتجاج.
"حقّك؟"
تردّد صدى كلماتها بينما تغرس أظافرها الطويلة في راحتيها.
"حقّك؟"
صرخ ليو جين متعثراً في خطواته مع مضاعفة قوّة حضور السيّدة لينغ: "أيّتها السيّدة لينغ! أرجوك! لا يطيق خدمك ومنزلك هذا الثقل بهذه السهولة!".
خدمها ومنزلها. كانت السيّدة لينغ ستدمر الاثنين لو يعني ذلك إبقاء فنغ هآو آمناً، وتدخل ليو جين يهدف لتذكيرها بوجود فنغ هآو داخل القصر. ومع ذلك، لا يمكن التنبؤ بطريقة تفاعل شون هووين مع تأكيده لوجود فنغ هآو داخل القصر، مفصولاً عنه بجدران مجرّدة. تبدو السيّدة لينغ مدركةً لرسالتها. وتومض الإدراك في عينيها. وتخفت هالتها، لتكفّ عن بلوغ حدّة تحطّم المنزل وراءها.
فقالت لشون هووين: "هذه المزحة سمجة. اخرج عن ناظري!".
هزّ شون هووين رأسه بحركة جعلها رشيقة بطريقة ما، متابعاً: "مزحة؟ يا لي من مسكين. يا لي من مسكين. أتراني السيّدة لينغ مُمزحاً بحقّ؟ حسن، أظنّ أنّه لأمر جيّد اعتباري ظريفاً، لكن لا. أنا جادّ تماماً. ادعوني بالتنّمر. ادعوني بالمجنون. لا أبالي. إنّي أستخدم تحدّي المضمون الأوّل لليوم لتحدّي ابنك".
تکاد السيّدة لينغ تزمجر بالكلمات: "ابني.. تحدّاه ثلاثة رجال اليوم سلفاً. وحتّى لو كان هنا، فهو ليس ملزماً بقتالك".
كاد ليو جين يتنفّس الصعداء ارتياحاً.
"نعم، ظننت الأمر كذلك".
"جميل. إذن—"
يتابع شون هووين بلا رف جفن: "سأنتظر هنا تماماً لحين حلول اليوم التالي وأتحداه".
وما كان من خدم السيّدة لينغ وليو جين إلّا الحدّاه في ذهول إزاء هذه الجرأة الصلفة. استبدّ الغضب بالسيّدة لينغ.
فصرخت: "حسبك!"، وتفجرت طاقتها مرّة أخرى.
وهذه المرة، تركّزت كلّ فاعليتها على شون هووين، لتصدع الأرض تحته. ومع ذلك، لم يتأثّر شون هووين.
"قد يكون الشيخ شون جدّك، لكنّي لن أنغمس في أهوائك بعد الآن! وإذا كنت تلهث حاراً للقتال، فسأكون أنا من يواجهك!".
قال شون هووين ببهجة مخفاة بصعوبة: "أيّتها السيّدة لينغ".
وأسند خدّه فوق قبضته ومرفقه فوق ركبته.
"أتظنّين حقّاً حاجتي للخوف من امرأة تكمن مزيتها الوحيدة فيما خرج بين رجليها؟".
صمت. لا أحد يتكلّم. لا أحد يتحرّك. ولا أحد يتنفس حتّى. حتّى السيّدة لينغ بقيت مذهولةً. فهي لا تصدق ما خرج لتوه من فم شون هووين.
"أكان الأمر عصيّاً على فهمك يا سيّدة لينغ؟"
يتابع شون هووين الكلام بلا أدنى أثر للعدائيّة. بل بدت نبرته صريحةً بشكل لطيف إن وُجِدت.
"دعيني أجعله أوضح. أنا لا أخشاك. ولا سبب لديّ لذلك. وما تحدّيتك حتّى الآن إلّا لعدم اعتقادي بوجود ما أجنيه من جراء فعل ذلك. أشكّ في اهتمام فنغ شوي إن مارست القسوة المبرحة عليك. أنتِ حفرة يتلذذ باجتيازها، لكنّ ثمة حفر أخرى. وما أنتِ ماثلة أمامي الآن إلّا لتمتّع ابنك بقيمة ما. أرجوك، أيّتها السيّدة لينغ، لا تحرجينا معاً بالخطأ في تقدير قيمتك".
شيء ما يتصدّع. ضبط السيّدة لينغ لنفسها. السلام الهشّ داخل مجمع عشيرة اللهب الأبديّ. وربّما كلاهما. وربّما لا شيء. لا أهميّة لذلك. يسمع ليو جين صوت الصدع بوضوح في أذنيه. إن فازت السيّدة لينغ، سيموت شون هووين. إن فاز شون هووين، ستموت السيّدة لينغ. يستحيل السماح بأيّ من النتيجتين.
"انتظر!"
مكافحاً غريزة حبّ النّات لديها — صراع لم تسهّله التكرارات أبداً — وضع ليو جين نفسه بين الاثنين والتفت نحو شون هووين.
"أيّها الأخ الأكبر! هذا جنون! لمَ أصررت إلى هذا الحدّ على تحدي السيّد الشابّ فنغ هآو لدرجة إهانة السيّدة لينغ بهذه القسوة البالغة؟ السيّد الشابّ فنغ هآو طفل لم يبلغ مرتبة الروح بعد! ألا يرى الأخ الأكبر شون حقّاً كم يبدو هذا مثيراً للسخرية؟ يبدو جليّاً للجميع أنّ الأخ الأكبر شون سيفوز بمثل هذه المواجهة، فلم الإصرار إذن؟ لا شيء يجنيه الأخ الأكبر شون من قتال السيّد الشابّ فنغ هآو! وكلّ ما يفعله الأخ الأكبر شون هو استجلاب ردّ الفعل الانتقاميّ من السيّد فنغ شوي!"
يتكلم ليو جين بلا تفكير ودون توقّف. وتتدافع أفكاره من فمه تباعاً. إنّها ما يفكّر فيه الجميع. لا معنًى لتحدّي شون هووين لفنغ هآو ما لم... ما لم يكن شون هووين هنا لغرض صريح يتمثّل في قتل فنغ هآو بوقاحة.
"أنت محقّ. هذا ما أفعله تماماً".
يترك الاعتراف الجافّ ليو جين عاجزاً عن الكلام. وحتّى السيّدة لينغ توقّفت لتلك الكلمات.
موضحاً وهو يققف لإجراء بعض التمددات الخفيفة: "استجلاب ردّ الفعل الانتقاميّ من فنغ شوي. تحدّي فنغ هآو سيغضب فنغ شوي فحسب. وتلك هي الغاية".
"ماذا؟"
تأفّف شون هووين وهو يقول: "لو تحدّيت فنغ شوي الآن، لتعامل معي بلين. ومع ذلك، إن قتلت ابنه المدلل، فلن يكون بمقدوره التماسك قطّ. وشخصيّاً، لا أبالي أيّ الأخوين يبذل قصارى جهده لقتلي. فنغ تشوو الممدوح كثيراً هدف أبعد جاذبيّة، لكنّ البحث عن ذاك سيستغرق وقتاً طويلًا. وهذا ما يجعل فنغ هآو الطريق الأسرع. يا للأسف".
'لا أبالي أيّ الأخوين يبذل قصارى جهده لقتلي'. تترك تلك الكلمات ليو جين مجمداً تماماً. ويرفض دماغه رفضاً قاطعاً استيعاب المعنى الكامن خلفها لأنّ... لأنّ... شون هووين مجنون. إنّه يحاول استفزاز ردّ فعل من أيّ من الأخوين. ورغم إطلاق سراحه بواسطة جانب السيّد فنغ شانغ، لقتل شون هووين فنغ تشوو لمجرّد كسب كراهية السيّد فنغ شانغ. ويتساءل ليو جين عمّا إذا كان هذا سبب غياب فنغ تشوو طوال هذا الوقت في المجمع.
وبغض النظر عن ذلك، بات جليّاً له الآن تجاوز هذا الأمر خطة السيّد فنغ شانغ. فهذه نزوة شون هووين المدمرة. لا أكثر. ولا أقلّ. ولهذا السبب وافق الجميع على حبسه.
"أرجو أن يكون الأمر بسيطاً بما يكفي ليفهمه الجميع"، يقول شون هووين.
ويُوقع عينيه على ليو جين.
"مع ذلك، فهذه مرّتان سمحت لك فيهما بالمقاطعة. ولن تكون هناك ثالثة".
يلوّح شون هووين بإصبعه في اتّجاه ليو جين. هذا كلّ ما يفعله. هذا كلّ ما يحتاج إلى فعله. ~~~ يمتعض فنغ هآو من نصيبه في الحياة قليلاً كلّ يوم. يعلم عقله بامتناع المواجهة مع ممارس في مرتبة السماء عن كونها أمراً يودّ المشاركة فيه. ومع ذلك، يثور قلبه لامتعاضه من الاختباء بينما يواجه الآخرون الدخيل نيابة عنه. مثل الجبان. تحرقه الكلمات، لذا يفعل فنغ هآو الشيء الوحيد الممكن.
فيفلت متسلّلاً. يركّز حرّاسه بشدّة على طاقة تشي المحتدمة في الخارج، وقد أفلح في إخفاء طاقة تشي خاصّته ببراعة. سيعترض الأخ الأكبر على استخدامه لدروسه بهذه الطريقة، لكنّ فنغ هآو مستعدّ لتحمّل تلك المغامرة. لو ظلّ مختبئاً، لشعر فنغ هآو وكأنّه يفقد شيئاً مهمّاً. يبدو فنغ هآو غير مستعدّ بالمرة لتحطّم الجدران حين يرتطم جسد بها ليستقرّ مغروساً في الجدار. ولا يقتصر ما يجعله مرتبكاً على مفاجأة الحدث فحسب.
"الأخ الأكبر!"
لم تمضِ سوى دقائق منذ رؤيتهما لبعضهما آخر مرّة، وها هو ذا أخوه الأكبر يرقد فاقداً للوعي الآن. مثخناً بالجراح، والكدمات، والدماء. وممزق الرداء والدم يتساقط على الأرض. لا يكاد فنغ هآو يصدّق ذلك. ويرفض تصديقه. طالما عرف فنغ هآو تشينغ جين، ظلّ صورة للقوة. ورغم تواجده في مرتبة الروح وحدها، جعلته هيئة أخيه الأكبر يشعر دوماً... بأكثر من ذلك. وكأنّ لا شيء ولا أحد يستطيع لمسه قطّ.
وحتّى أكثر من أخيه غير الشقيق، يشكل تشينغ جين الشخص الذي يأمل فنغ هآو محاكاته. كيف أمكن هزيمته بهذه السهولة؟
يهتف الصوت ذاته الذي تحداه قبل لحظات ببهجة واضحة: "صدّ ممتاز! لولا كونه مثالياً هكذا، لقتلته حتماً".
وتأتي الكلمات عبر الفتحة التي صنعها جسد أخيه الأكبر. يصل صوت التصفيق إلى أذنين فنغ هآو.
"ألن تنضمّ إليّ في التصفيق؟ ألا تدرك بشاعة إنكار إنجازات الآخرين أشدّ البشاعة؟ إن أنكرت إنجازات الآخرين، فلا تفعل سوى تقويض إنجازاتك حين تدمرهم".
ومع انقشاع الغبار، ينظر فنغ هآو عبر النفق في الجدار ليقع بصره أخيراً على من تحداه. شون هووين. يلتقي ممارس مرتبة السماء بعينيه ويبتسم ابتسامة خبيثة.
"السيّد الشابّ فنغ هآو، لقد سمعت الكثير عنك".
وتضرب والدته.