~~~ عاد إلى مدينة الميناء الشرقيّ. كان ليو جين يتوقّع أن يرى ذكريات من ماضي سحيق. وجد نفسه عوضاً عن ذلك في غرفة معلّمه القديمة في العيادة بمألوفيّتها الساحقة. حتّى أشعة الشمس المتسلّلة عبر النوافذ توقظ الحنين في صدره. الدفء على يديه وهو يكتب هو دفء مدينة الميناء الشرقيّ جليّاً. لا، ليس يداه. يدا المعلّم.
"أنت متوقّع بلا أمل".
شعر ليو جين بشفتيه تصوغان الكلمات، لكنّه لم يكن صوته الذي يتكلّم، ولا فمه الذي يتحرّك. كان فم معلّمه وصوت معلّمه. لم تكن هذه سوى ذكرى يعيشها من منظور المعلّم. مع ذلك، كانت تلك الكلمات قبل قليل موجهة إليه بلا شكّ. كيف؟
"تلميذي الأحمق. لا، لا يمكنني سماعك. ما أنا إلّا ذكرى رجل ميت. يستحيل أن ندور محادثة".
يطرف ليو جين. أو هكذا ظنّ أنّه يفعل. مهما قال المعلّم، كان يردّ بوضوح على أفكاره.
"إن ظننت أنّ بمقدوري الاستماع إليك، فتلك دلالة وحدها على مدى توقعك. لم أخبرك بالترتيب الذي ينبغي لك مشاهدة ذكرياتي وفقه، ومع ذلك التقطت حجر اليشم الأقصى يميناً أولاً. لماذا؟"
لماذا؟ لم يكن هناك أيّ تفكير في الأمر. التقطه ليو جين وحسب.
"قد لا تدرك هذا، لكنّك تستمتع باتّباع الأنماط. تقيّم التحكّم والأمان في فعل الأشياء. متى ما تعرّف أحدهم إليك، وهي غاية أصعب ممّا تتصور، يسهل التنبؤ بحركاتك"، قال المعلّم ومضى يكتب.
"دعني أحزر حزراً آخر. هناك من لا يملكون لأنفسهم دفعاً عند تلقّي ذكرياتي. لا مبالغة في القول إنّ أناسًا قتلوا في سبيل أسراري، ومع ذلك انتظرت أنت بلا شكّ مدّة غير معقولة لترى هذه الذكرى. لقد مضى عام واحد على الأقلّ. أأنا مخطئ؟"
تفور الخجلة في جوف ليو جين. أراد إخفاء وجهه، لكنّه بلا وجه يخفيه. يتنهد العجوز جيانغ.
"أهوه، تلميذي الأحمق، لم تشعر بالخجل؟"
يطرف ليو جين. لمَ لا يشعر بالخجل؟ ألم تكن تلك توبيخاً يقيناً؟ بدت كذلك أتمّ البدو.
"إن كنت حيّاً لتسمع كلماتي، فهذا يعني أنك وجدت سبيلاً للمضي قدماً بكل عيوبك. لا، ما العيب أصلاً؟ أفكّرت في ذلك قط؟"
العيب عيب. يتبادر الجواب إلى ذقن ليو جين فوراً، لكنّه يراه قاصراً. العيب سلوك أو عادة غير مرغوبة. يبدو هذا أفضل.
"العيب هو ما يمنعك من بلوغ غاياتك"، قال العجوز جيانغ عوضاً عن ذلك.
"أو بعبارة أخرى، العيب عيب فقط حين يمنعك من إنجاز ما تبغيه. الفضيلة ليست ملزمة برفعتك. الرذيلة ليست مقدرة لتكون هلاكك. إن كانت عيوبك المزعومة لا تبعدك عن غاياتك، فكيف تُسمى عيوباً؟ الحظّ حليف الجريء، والسيّد يعاقب التهور. ما الفارق تحديداً بين الاثنين؟ النتيجة. تلك ولا شيء سواها".
معلّم، هذا التواء. تلك هي الكلمات التي أراد ليو جين قولها. ومع ذلك، ثمة شيء فيها يطرق صدقاً. ألم يكذّب ما رآه ليو جين من العالم معلّمه بطريقة ما؟ أولئك القابعون في القمّة ليسوا غارقين في الفضيلة بحال.
"إن كنت حيّاً معافى، فهذا يعني أنك تفعل شيئاً صائباً يا تلميذي. بدل الشعور بالخزي لنقائصك، تفحّص نفسك وغاياتك بعناية. حينها وحدها تملك الحقّ في تقرير ما تبقيه وما تطرحه".
يصمت ليو جين هنيهة، مانحاً إياه الوقت ليتشرب كلماته.
"لكنّني أظنّ أنك لم تأتِ هنا لهجوس رجل ميت. أتيتني لمعرفة ذات صابغة عمليّة أكثر. أألقيت بالاً لما أكتبه؟ لا تتعب نفسك بالإجابة. لم تفعل بالتأكيد".
ما يكتبه؟ ما الذي...؟ يلهث ليو جين. أو هكذا يحاول. إنه شعور غريب، أن تريد فعل شيء وتعدم جسداً لتحكمه. مع ذلك، يقلّ الوقت للتفكر في ذلك. كلّ انتباه ليو جين مركز الآن على الكلمات التي كتبها معلّمُه. هذه الكلمات... هذا الكتاب... إنّها تعليمات. إنه يكتب دليلاً.
"أبدأت تفهم أخيراً؟ ربّما لا تذكر، لكنّ هذا العجوز جيانغ قضى أيّاماً طوالاً يكتب في غرفته بينما كنت تعمل في العيادة".
يذكر ليو جين شيئاً كهذا، بالكاد. لقد مضى وقت طويل جداً منذ ذلك الحين.
"قل لي شيئاً".
أغلق العجوز جيانغ الكتاب فجأة.
"أين تراني وضعت هذا الكتاب؟"
لابدّ أنه في مدينة الميناء الشرقيّ، أليس كذلك؟ يعني هذا أنه احترق غالباً عندما احترقت المدينة. الفكرة مريرة أشدّ المرارة.
"خطأ".
هاه؟
"الكتاب بحوزتك. قبل أن تسأل، ليس في الكيس المكانيّ الذي تركته لك. لقد وضعته في المكان ذاته الذي ترك فيه ملك الأفعى ذو الرؤوس التسعة هديته الصغيرة لك".
عمّ يتحدث؟ أيعني عروق ملك الأفعى ذي الرؤوس التسعة؟
"يا بنيّ، أنا بالأصل من أمارانث. قد يكون لي أهل هناك حتى الآن. إن واصلت إثبات أنك غير متوقع كما كنت حتى الآن، فقد تجد نفسك تلتقيهم. في تلك الحال، سَلِمْه ذاك لهم... إن صرت قوياً بالقدر الكفي، فستدرك أين هو. إلى أن يحين ذلك الوقت، لا تمت".
تتبادر الكلمات إلى ذهنه من غير طوع، لكنّه لا يملك وقتاً للتأمل فيها إذ يتابع معلّمه الحديث.
"بصراحة، يسرّني أنك بدأت بهذه الذكرى يا صغيري جين".
يخرخر العجوز جيانغ.
"حسناً، لعلّك لست صغيراً جداً الآن. يمكنك أن تكون معناداً للغاية. بغض النظر، عدّ هذه مهمتك الأولى. اعثر على هذا الكتاب. وحين تعثر عليه، ستجد أيضاً هدية ملك الأفعى ذي الرؤوس التسعة. مع أنني لا أستطيع الجزم بمدى نفع هديته لك. إن لم يكن لشيء آخر، فعليك العثور عليها إن نويت يوماً إيصالها".
يأخذ نفساً عميقاً.
"إنه لأمر غريب، أن أحدثك هكذا. من منظوري، أنت مركز على تلك البطولة السخيفة. ومن منظورك، كم مضى على موتي يا ترى؟ إنه لأمر مقبض أليس كذلك؟"
يطلق العجوز جيانغ ضحكة خافتة ويغمض عينيه.
"معلّم، مع من تحدث؟"
يتوقف عالم ليو جين. شعر أسود وعينان حمراوان تشبهانه كثيراً. وجه صارم، لكنّه ينطوي على لطف تحته. صوت لا يفشل البتّة في تدفئة قلبه. إنه أبوه. لقد دخل أبوه لتوّه غرفة العجوز جيانغ.
"أنا أترك رسالة لابنك فحسب".
"رسالة؟"
يطرف أبوه.
"آه، أحجار ذاكرات، أرى".
"بالحري. حسناً، أثمة ما تودّ قوله لابنك بعد سنين من الآن؟"
يبتسم أبوه بحزن ويهزّ رأسه.
"لا، لا أستطيع التفكير في شيء".
"أه؟"
يرفع العجوز جيانغ حاجباً.
"لابدّ من وجود شيء ما".
"ربّما، لكن... حين يرى هذه الذكرى، أزعم يقيناً أنني كنت قد أخبرته بكامل ماضيي. لا أتصور أن ابناً لي يودّ نصيحة من رجل مثلي".
لا! هذا ليس صحيحاً! هذا ليس صحيحاً بالمرّة!
"لكن..."
"لكن؟"
يحضّه العجوز جيانغ على المتابعة.
"إن استطعت قول شيء له... لوددت إخباره أنني أحبه، وأنني أؤمن به، وأنني أعلم أنه سيقهر كل العقبات".
"هو. انظر إليك، أيّها التلميذ الأحمق".
يهزّ العجوز جيانغ رأسه ضاحكاً.
"يبدو أنك صرت أباً فخوراً بحقّ".
"الأكثر فخرًا".
لا يوجد على وجه أبيه سوى ابتسامة لطيفة. لا يوجد في صوت أبيه سوى إخلاص دافئ. ~~~ لا شهقات. لا كلمات. سوى دموع تتساقط على الأرض واحدة تلو الأخرى. ~~~