~~~ عاد فنغ تشي بعد نحو ساعة من الهجوم. لم ينطق بكلمة حين أخبروه بما جرى في غيابه، لكن ابيضاض مفاصل أصابعه روى القصة كلها.
قال فنغ تشي حين اجتمع أعضاء عشيرة اللهب الأبدي الخمسة في غرفة واحدة برفقة الزعيم وونغ وابنه: "يبدو أننا فاتنا الكثير".
لم يكن معهم خدام أو أتباع أو حتى شيوخ. الكلمات التي ستُقال هنا لم تُخلق لتسمعها تلك الآذان.
مسح الزعيم وونغ العرق عن جبينه وقال: "يخجلني قول هذا، لكننا كنا محظوظين".
كانت حرارة الغرفة مرتفعة بشكل غريب.
"لا نحتفظ بكل كنوزنا في المستودع، لكن خسارته كانت ستكون ضربة موجعة بحق. لو أن الهجوم سار كما مخطط له...".
ارتجف الزعيم وونغ وأبى أن يكمل الجملة.
أشار فنغ تشي بنبرة متساوية بشكل غير طبيعي: "كنت تحت انطباع وجود حواجز تحيط بمجمعكم".
كان هذا بعيد كل البعد عن فنغ تشي الذي هدّد ليو جين والآخرين في غابة الصيف، لكن ذلك لم يكن بالضرورة أمراً جيداً. كان فنغ تشي الحالي أغضب بلا شك مما كان عليه آنذاك. تعرَّض مجمع طائفة الوهم الساطع للهجوم بينما كان هو منشغلاً بالتحقيق. وما زاد الطين بلة، أن هذا كان الهجوم الأكثر أسفوراً حتى الآن. استهدفت الهجمات السابقة ممتلكات طائفة الوهم الساطع في غابة الليل. أما هذه المرة، فمجمع طائفة الوهم الساطع نفسه هو ما تعرَّض للهجوم.
أجاب وونغ شو قبل والده: "حول المجمع وحول المدينة أيضاً. لهذا السبب لا داعي للقلق بشأن الضباب هنا. كما أنها تساعدنا في كشف الدخلاء. أما عن كيفية تمكن الأطياف من تجاوز إجراءات أمننا، فأخشى أنني لا أعلم".
سخر بي هونغ: "ألسنا أمام أمر بديهي إذن؟ إن ظهروا دون إطلاق أي إنذارات، فهذا يعني إما أن الحواجز عديمة الفائدة—".
"تلك الحواجز خدمت بإخلاص لأكثر من أربعمائة عام!".
أنهى بي هونغ كلامه، مقاطعاً حدقة الزعيم وونغ بنظرة ثابتة: "أو أنهم لم يعبروا أي حاجز من الأساس".
ردد هوانغ شينغ وهو يرمش بارتباك واضح بينما تنقلت عيناه من طرف إلى آخر: "لم يعبروا أي حاجز؟".
"إنها فكرة تستحق التفكير بكل تأكيد".
قبل هذه الليلة، لربما حاول فنغ تشي تلطيف كلمات بي هونغ. غير أن الهجوم استنزف جزءاً من صبره مع طائفة الوهم الساطع.
"إن لم تكن الحواجز المحيطة بطائفة الوهم الساطع شيئاً يسهل تجاوزه حقاً، فيجب علينا إذاً تأمل احتمال أنها لم تكن كذلك قط".
تبادل ليو جين ولو مي النظرات، وليس للمرة الأولى هذه الليلة. وكما هو متوقع، يفكر فنغ تشي بالطريقة ذاتها.
"أخشى أنني يجب أن أطلب من السيد فنغ تشي توضيح كلامه أكثر".
رغم كلماته، أدرك الزعيم وونغ تماماً ما يرمي إليه فنغ تشي. كانت التلميحة أوضح من أن تفوته. إلا أنه أبى فقط تقبل هذا الاحتمال.
قرر ليو جين أن يوضح بدلاً من فنغ تشي: "عندما هاجمت الأطياف، لم أستطع استشعار أي شيء حتى لحظة ظهورها".
"لا أتباهى حين أقول إن مهاراتي الحسية جيدة للغاية. حين كنا في غابة الليل، تمكنت من رصد الأطياف وهي تتبعنا، حتى وإن عجزت عن تمييز عددها بدقة. غير أنني هذه المرة لم أستطع استشعار أي شيء حتى لحظة وقوع الهجوم".
حرص ليو جين على ملاقاة عيني الزعيم وونغ في الجزء التالي.
"لهذا أشعر أنه من الآمن القول إن الأطياف لم تكن موجودة قبل تلك اللحظة. بعبارة أخرى، لقد صُنعت هنا بالذات، داخل المجمع".
شحب وجه الزعيم وونغ: "لكن هذا يعني... خائن؟ كلا. كيف يُعقل ذلك؟".
تململ وونغ شو قليلاً وقال: "يا أبتي، لقد... ظننتُ أن الأمر قد يكون كذلك أيضاً. منذ اللحظة التي تعرَّض فيها السيد تشينغ والس السيد بي لهجوم في غابة الليل، بدأت أشك في أن هناك خطباً ما. ففي النهاية، لم يكن سوى أفرادنا من يعلمون بوجود الاثنين في الغابة في ذلك اليوم".
لاحظ فنغ تشي: "إذن كان هذا هو السبب الذي دفعك لزيادة عدد الحراس".
أومأ وونغ شو: "نعم، لهذا فعلتُها. لقد أشاد الناس بحسن بصيرتي، لكنني كنت لأفضل لو أخطأت".
ففي النهاية، لم يكن سوى أفراد طائفة الوهم الساطع من يعلم على وجه اليقين أن أعضاء عشيرة اللهب الأبدي الخمسة سيكونون بعيدين عن مجمع طائفة الوهم الساطع اليوم. وبما أن تحضيرات وونغ شو أثمرت في النهاية، فهذه ليست سوى علامة أخرى على أن المذنب خلف الهجمات قد يكون من طائفة الوهم الساطع.
زأر الزعيم وونغ وقد تلاشت دعة لينه وعصبيته فجأة، وضرب بقبضته على الطاولة فصدعها: "وونغ يوان! ذلك الدود الحقير! ظننت حقاً أنه ينوِي إصلاح ما أفسده! كم كنت أحمق!".
اتسعت عيناه وونغ شو ونظر إليه: "كلا يا أبتي! لا يمكن أن يكون العم. فقد تعرَّض هو الآخر للهجوم".
قالت لو مي: "يمكننا التحقق من ذلك. صادف وجودنا بالقرب من دراسة الشيخ وونغ حين حدث الانفجار. لقد هاجمته عدة أطياف وهو يهرع للمساعدة، هذا إن اعتبرناها تشكل أي تهديد له".
لم تقل إن السبب الوحيد لوجودهم مع الشيخ وونغ هو شكوكهم فيه أيضاً، وكان ذلك أفضل ما يمكن فعله. فآخر ما يحتاجونه الآن هو أن يتصرف الزعيم وونغ بتهور ويعلن اتهامه للشيخ وونغ علناً. هكذا أمر لن يسبب سوى هلع لا مبرر له. ومع ذلك، وبحكام وجه فنغ تشي، سيقوم بلا شك بسؤالهم عن هذا الأمر لاحقاً.
قال وونغ شو: "أرأيتم! كان العم مع آخرين حين صُنعت الأطياف! بل إنه ساعدنا في التعامل معها!".
"أنت لين العريكة يا بني! لربما كان ذلك مجرد حيلة منه! ابن عمي ليس بالغباء الذي يجعله يفضح نفسه بسهولة".
وضع فنغ تشي إحدى يديه على ذقنه ونقر بالأخرى على الطاولة بإيقاع بطيء متعمد، وقال: "أجد من الغريب أن تسارع هكذا إلى استنتاج أن هذا وونغ يوان هو من خانكم. أهناك سبب لذلك؟".
"أنا... هذا هو...".
قال وونغ شو حين بدا والده متوتراً أكثر من أن يجيب فوراً: "لم يعتبرني العم أهلاً لوراثة السيطرة على الطائفة. وبسبب ضعفي، تشاجر أبي والعم عدة مرات. ومع مرور الوقت، تصاعدت العداوة بينهما لدرجة هددت بتمزيق الطائفة. ولم تهدأ الأمور إلا حين تمكنت من إثبات نفسي أمام العم".
انتقلت نظرة فنغ تشي إلى الزعيم وونغ، وعادت الحرارة للارتفاع مجدداً: "أمر مشوق. لم تذكر هذا بالأمس".
"أنا... لم أعتبره أمراً مهماً".
"طائفتكم تحت الهجوم حالياً. لم أكتفِ بسؤالكم عن أعدائكم وحلفائكم، بل طلبت منكم سرد جميع الأحداث الجديرة بالذكر التي وقعت قبل بدء الهجمات. ومع ذلك، لم ترَ أن اعتراض أحد شيوخك عليك أمر مهم؟ شيخ لا تشعر الآن بأي حرج في اعتباره مذنباً؟ أهذا ما أسمعه الآن؟".
بارد. على الرغم من حرارة الغرفة، لم تحمل نظرة عيني فنغ تشي ذرة دفء واحدة. في السابق، عامل فنغ تشي الزعيم وونغ بقدر من الاحترام، لكن كل ذلك قد زال الآن. كان فنغ تشي يحتقره بلا شك.
عجز الزعيم وونغ عن ملاقاة عيني فنغ تشي وقال: "أنا... أعتذر. يكفينا ما نعانيه من مشاكل مع غابة الليل. بدا كشف حادثة محرجة كهذه فوق طاقتنا. لم أكن أرغب في أن تكون انطباعات السيد فنغ تشي عن طائفتنا سلبية".
لم يستطع ليو جين إلا أن يفكر في أن الأوان قد فات بعض الشيء على ذلك.
"حتى الآن، يصعب تصديق أن الأمور تصاعدت بهذه السرعة في ذلك الوقت. بدا لي الأمر وكأنه لم يعدو كون نوبة عناد من جانب وونغ يوان. فهو في النهاية اعتبر ابني غير مؤهل لقيادة الطائفة. أتصدق ذلك؟".
حاول أن يضحك، لكن ضحكته جاءت واهنة. لم يكن فنغ تشي يحدق به، لكن ضراوة عينيه جعلت الابتسام حتي أمراً عسيراً.
"العم... لم يكن العم مخطئاً تماماً. لم أكن الوريث الأنسب".
قاطعه وونغ شو: "هراء—".
"كلا يا أبتي!".
لم تتزعزع نظراته وهو يواجه أباه.
"إنه الحق، وكلاكما يعلم ذلك. كنت ضعيفاً. لهذا لا أظن أن العم، أقصد الشيخ وونغ يوان، وراء هذا. وعلى الرغم من عدم موافقة أبي والآخرين له، إلا أنه تصرف دائماً بما يخدم مصلحة طائفة الوهم الساطع. ومع ذلك، لا شك في أن هذه الهجمات تهدف إلى تدمير طائفة الوهم الساطع. ولا أستطيع تصديق أن العم قد يقدم على فعل كهذا".
همهمت لو مي: "مصلحة طائفة الوهم الساطع. أتساءل. فهذه العبارة تحتمل الكثير من التأويلات. أدرك أن السيد الشعر وونغ شو يتمسك بهذا بقوة. ولهذا يؤلمني قول هذا، لكننا نفترض أن هجوم الليلة كان مقصوداً له النجاح".
التفتت كل الأنظار في الغرفة نحوها، بعضها بفضول وبعضها بارتباك.
لكن فنغ تشي هو من تحدث: "فصّل".
"بالطبع أيها السيد الشاب. أولاً، أجد من المثير للاهتمام أن هذه هي المرة الأولى التي يُهاجم فيها مجمع طائفة الوهم الساطع. وأتساءل، لماذا قد يكون الأمر كذلك؟".
نقرت لو مي على جانب خدها وعيناها متسعتان ببراءة زائفة.
"يمتلك الجاني بوضوح القدرة على خلق أطياف داخل المجمع، ومع ذلك اكتفى بضرب غابة الليل. بالطبع، قد يرجع هذا لكونه لم يشعر بالارتياح لقدرته على فعل ذلك إلا الآن، لكن هناك خياراً آخر".
ضيق بي هونغ عينيه حين أدرك ما ترمي إليه: "إنهم يحاولون جعلنا نبدو سيئين. فور وصولنا، تسوء الهجمات. قريباً، سيظن الناس أن عشيرة اللهب الأبدي لا تستحق العناء".
هتف الزعيم وونغ فوراً وهو يرفع يديه هلعاً: "كلا البتة! لن يجرؤ أفرادنا أبداً على التفكير بمثل هذا القبح".
قال فنغ تشي: "يسعدني سماع أن الزعيم وونغ يحمل مثل هذا الرأي الرفيع عن أفراد طائفته. ومع ذلك، قد يكون هذا أمراً وضعه الجاني في الحسبان. وعليه، يجب أن نضعه نحن أيضاً في الحسبان. في هذه الحالة، قد لا يكون تدمير المستودع هو الغاية أبداً. بل لعل ما تسعى الهجمات لتدميره هو علاقة طائفة الوهم الساطع بعشيرة اللهب الأبدي، وما يتبع ذلك من فقدان الكثير من دعمكم".
أراح ليو جين رأسه على كفه وهز كتفيه وهو يقول ما كان يدور في ذهن الكثيرين في الغرفة: "بعبارة أخرى، لا يزال الشيخ وونغ مشتبهاً به. عبر تصويرنا كعاجزين، سيظهر الزعيم وونغ كأحمق لاعتماده علينا. قد يضعف هذا الدعم الذي يتلقاه ويسمح للشيخ وونغ بزيادة نفوذه. بالطبع، كل هذا مجرد نظرية. وسيكون من الحمق استبعاد المشتبه بهم الآخرين. فقد يكون الفاعل أي شخص آخر في هذه الطائفة بالبساطة ذاتها".
أشار بي هونغ: "حتى وإن كان خادماً. بافتراض أن الأمر يتم بأداة ما، فلن يحتاجوا سوى لخديم لتهريبها للداخل".
عرض الزعيم وونغ مسرعاً في لهفة ليكون نافعاً: "يمكنني إجراء تفتيش".
هز فنغ تشي رأسه: "لا حاجة لذلك. سيخلق التفتيش الإلزامي توترات غير مبررة وينبه الخائن. لسنا بحاجة لأن يرتاب أفراد بعضهم في بعض. سأجعل خادمي الخاص يتحقق من الأمور بسرية بدلاً من ذلك".
مد وونغ شو يديه وقال: "انتظر! لا تفترضوا ببساطة وجود خائن بيننا!".
قال فنغ تشي: "قبل دقائق معدودة، كنت متأكداً من وجود خائن يا سيد وونغ. والسبب الوحيد لتغيير رأيك هو أن عمك قد أصبح مشتبھاً به مرجحاً".
انكمش وونغ شو لكنه لم يحِد بنظراته عن عيني فنغ تشي الذهبيتين: "قد يكون هذا صحيحاً، لكننا ما زلنا لا نأخذ سائر البدائل في الاعتبار! هناك... هناك أمر آخر! كدت أنساه لولا سماعي للسيدة لو للتو، لكن أحد الأطياف التي هاجمت، ذاك الذي انفجر... كان مختلفاً عن البقية. لقد تحدث!".
لاحظ فنغ تشي: "لربما كان المتحكم يتحدث من خلاله بكل سهولة".
"نعم، أوافق على أن الأمر قد يكون كذلك. ومع ذلك، وحتى وإن كان الأمر مجرد إطلاق تهديدات، فهي حقيقة أنه تحدث. إن كنت تشك في كلامي، فيمكنني إحضار أي من التلاميذ الذين كانوا معي أثناء الهجوم. سيؤكدون أقوالي. نحن نفترض أن الجاني ينتمي إلى طائفتنا، لكن قد يكون الأمر أيضاً أنهم لم يكتسبوا القدرة على تجاوز أمننا إلا الآن. لقد طرحت السيدة لو الاحتمال فقط لنفيه، لكني أطرحه الآن بقوة. قد يكون الجاني يزداد قوة ونحن نتحدث".
أثارت كلمات وونغ شو عبوس الجميع. فكل ما تملكه الأطياف التي هاجمت حتى الآن هو الكثرة العددية. ومع ذلك، فهي ليست خصوماً سهلة بالنسبة للتلميذ العادي في طائفة الوهم الساطع. وإن كان صانعها يزداد مهارة، فهل يعني هذا أنهم سيضطرون قريباً للتعامل مع أطياف أذكى؟ ولربما أقوى أيضاً؟ إن بدأ من يقف خلف هذا في خلق أطياف في عالم الروح بالعدد ذاته، فس تصبح الأمور مزعجة بسهولة.
قال فنغ تشي وتوقف عن النقر: "أرى إذن أنك تقول إنه لا يمكننا استبعد أي احتمال بعد. حسناً، أنا لا أمانع. في هذه الحالة، ألا فلنجرب الأمر ونختبره؟".
رمش وونغ شو: "نختبره؟".
"سواء أكان الجاني ينتمي إلى طائفة الوهم الساطع أم لا. من الآمن القول إن هذه هي نقطة الخلاف الكبرى بيننا. يبدو أن مرؤوسي يعتقدون ذلك. والزعيم وونغ يشك في ابن عمه. بينما أنت يا وونغ شو، تشك لكنك تتمنى ألا يكون الأمر كذلك. أيعترض أحد على خلالاصتي هذه؟".
لم يعترض أحد.
"جيد. وبدل الجدال فيما بيننا، فلنبدأ باستبعاد الاحتمالات. تمثل اليوم المرة الأولى التي يُهاجم فيها مجمع طائفة الوهم الساطع. وبغض النظر عن الفاعل أو طريقته، من الآمن القول إن الجاني يزداد جرأة. فلنستغل ذلك وننصب فخاً".
قالها بيسر وسهولة شديدين، حتى بدا مجرد التفكير في معارضته أمراً شاذآ.
"إليك ما سنفعله".
~~~