44 – العودة. طليعة الطائرات المسيّرة، مدرّعة وشبيهة بالدبابات، كانت أول ماعبر الصدع. لم تكن ضخمة، بحجم بغل من بغال الفرقة تقريباً. تلك كانت ميزة في الصدع، فما يكبر عن ذلك يحدِث تموّجاً. لم تستطع المسيّرة التواصل عبر الصدع، فتولّى ذكاء اصطناعي تشغيلها، وعلم هيكتور أن لديها بروتوكولات لاتباعها، فإن وُجد معادون قرب الفتحة، فعليها استدراجهم بعيداً قبل تدميرها. في الوضع الحالي، حيث يفتح الصدع على مرج نهري هادئ نسبياً، كانت مهمتها إرساء نطاق محيطيّ ما.
راقب الجميع في الملجأ الصغير، حذرين من تحريك أغصان الشجر التي تخفيهم. كانوا على بعد ألف متر تقريباً من الصدع، لكنهم علموا أن مستشعرات المسيّرة بالغة الحساسية. انفتح هيكل الآلة، وانطلقت ست طائرات مسيّرة أصغر حجماً في الهواء، تئز كالزنابير بينما حلّقت في اتجاهات منفصلة، ولا شك أنها تمسح التضاريس المحلية وتخرّطها. انطلقت إحداها مسرعة بمحاذاة النهر، وعلم هيكتور أنها تتعقب تقدّم عملاق الكلاليب.
ستكتشف الجثة الضخمة في دقائق. ظهرت طليعة مسيّرة أخرى، تصدر فحيحاً وتنفث بخار غازات الصدع. ركّبت عليها برجاً آلياً كبيراً، وتحركت جانبآ، ماسحة التضاريس. بعد ذلك، عبر فريق الإنقاذ. في البداية، كان ثمة ثمانية جنود مدرّعين بغزارة من الحرس الإمبراطوري وستة من أفراد الدعم، مسعفون وفنيون، مع مسيّرة طبية مطلية بالأبيض والأحمر تزحف على ست ارجل. ثم عبرت شخصية مهيبة في درع طاقة أسود لمّاع.
شابهت درع فريدي كثيراً، لكنها خلت من اللمسات الذهبية واحتوت صفائح درع مصقولة كالمرآة جعلت درعه يبدو ورقيّ الرقة.
أصدار فريدي فحيحاً: "أنا أعرفه. لوكس، كلب صيد ابن عمي".
وجّه هيكتور صوته بحيث خفت لدرجة لم يثق معها أن فريدي سيسمع السؤال: "ابن عم ودود؟"
أطلق الفتى فحيحاً: "لا!"
همس ماثيو: "إذاً هذا يجيب عن ذلك السؤال. هذه ليست فرقة إنقاذ قياسية. لا فرصة لأنه هنا ليوصلك إلى بيتك سالماً".
"ولا حتى فرصة واحدة. بالوس، ابن عم أمي، سيشق حنجرتي أسرع من أن ينقذني".
انحنى فريدي مقترباً من هيكتور، قابضاً على كتفه العارية بقفازه المدرّع.
"هذا الرجل، لوكس، من رتبة البريتوري، أو يكاد. أعني أنه لم يخدم قط، لكني رأيته في النزالات. إنه مختل عقلياً ذو هالة سوداء. يستخدمه ابن عمي جلاداً وحارساً شخصياً. لقد… لقد أذاب بنية عملاقة تملكها هارست تي سي عندما خربوا أحد خطوط تجارة عائلتنا".
قال هيكتور، مؤمئاً نحو الصدع: "راقب".
كان تذكيراً للجميع بضرورة رؤية ما يفعله هؤلاء القوم قبل تقرير خطة. بالطبع أخذ كلام فريدي على محمل الجد، فلم يكن مستعداً لقتال أيّ كان في ذلك المستوى من القوة، لذا ألقى حضور لوكس بالكثير من الاحتمالات خارج النافذة. خذ الطعم فحسب. وكأنه تمنّى حدوثه، أشار ماثيو إلى السماء.
"انظر!"
انطلقت إحدى المسيّرات الأقرب مسرعة فوق مظلة أشجار المستنقع.
"يرسلونها للتحقق من إشارة الاستغاثة".
تذمر هيكتور برفق: "جيد".
داخل الكهف، حيث تركوا غالبية عدتهم ومعداتهم التالفة، أعدوا الإشارة. والأهم من ذلك، أنهم دمروا المدخل أيضاً؛ فلن يكون هناك تفتيش سريع بمسيّرة يثبت إن كانوا أحياء أم أمواتاً. سيضطر هذا الرجل، لوكس، وفريقه لقطع الرحلة مشياً.
سألت كريستي، محولة خوذتها المتضررة ذات الأذنين الشبيهتين بأذني الأرنب نحو هيكتور: "وماذا عن العملاق؟ ألن يعرفوا؟"
هز رأسه.
"لن يتبقى الكثير منه. ستتولى السرطانات في النهر الوليمة".
وافق ماثيو: "سيظنونه عملاقاً آخر قتله".
أطلق أحدهم صرخة، فانتزع هيكتور نظرته للأعلى وإلى اليسار ليراقب واحدة من أنواع الرابتور الكثيرة في عالم الصدع تهاجم مسيّرة حائمة. أصدر البرج الآلي على طليعة المسيّرة المدرّعة رشقة متقطعة، فهوت المخلوقة، ومعها المسيّرة التي هاجمتها، من السماء.
تمتم ماثيو: "سيضع ذلك بعض الضغط".
همس فريدي: "ربما لن تبلغ المسيّرة الأخرى الكهف حتى".
ذكّرهما هيكتور مجدداً: "راقبوا".
أما هو، فثبّت عينيه على مستخدم الهالة مسحوب الدرع الأسود. لم يستطع استشعار طاقته، ليس بتلك القُرب من الصدع، لكنه تبينها في هيئته، في الطريقة التي تفحص بها الجميع، ماسحاً الأفق بواقي رأسه العاكس كالمرآة. لم يحمل أسلحة، وهو ما أفصح عن الكثير أيضاً. بخلاف ماثيو وبقية فريقها، امتلك لوكس قدرات هالة يثق بها. بعد دقائق، انقسم فريق الإنقاذ إلى مجموعتين. بدأ فنيان وجندان بإعداد قاعدة محصنة صغيرة قرب الصدع، وتوجه البقية، بقيادة لوكس، عبر الحقل باتجاه المستنقع.
إما أن مسيّرتهم أخفقت في بلوغ الكهف أو أنها أبلغت عن تعذر وصولها لمصدر الإشارة. تركوا خلفهم طليعتي المسيّرات المدرّعتين، لكن ذلك لم يهم. إن صحّ ما قاله فريدي، فلوكس وحده أشد بأساً من بقية الفريق مجتمعين.
همس ماثيو: "الخطة تنجح".
بدأ فريدي يقول: "إذن، بما أنه ذهب معهم، فلن نحتاج إلى—"، لكن هيكتور هز رأسه قاطعاً عليه كلامه.
"لقد انضم للفريق، بحجة أنك ضعت هنا على الأرجح. قد لا يعلم الحرس الإمبراطوري أنه يريد موتك، لكن أجبني عن هذا: أكانت أمك لتسمح له بالعبور بدلاً من رجالها؟ بدلاً من رجلها، فلين؟"
بدا وجه فريدي، الظاهري من خلال واقي رأسه المخدوش، مستغرقاً في التفكير وهو يمعن النظر في السؤال.
بعد لحظة، همس: "لا. أيعني ذلك أنها…"
قال هيكتور: "لن نعرف لبعض الوقت بعد، ايها الفتى. أنا أقول فقط، ربما لا توجد استقبالات ودية في انتظارك على الجانب الآخر من الصدع".
قال ماثيو: "إذن، نتمسك بالخطة".
استدارت هي ومعها الجميع للنظر إلى النبيل الشاب.
"عذراً يا فريدي".
### لم يكن غريغوري كول متحمساً لعمله. في الواقع، امتلك تطبيق تقويم يعدّ الأيام حتى انتهاء تجنيده. ظنّ أنه أراد الابتعاد عن المنزل، بعيداً عن أمه وأخته، لكنه كان يتعلم سريعاً أن حياة المغامرة التي وعدت بها كتيبات الحرس الإمبراطوري كانت كذبة. كان يتعلم سريعاً أن اهتمام أمه كان أكثر إمتاعاً بكثير من اهتمام رقيبه. لم يكن الرقيب وحده فحسب، بل وجد دزينة من الطامحين لرتبة رقيب في الوحدة ممن تعلق رغبتهم بإثبات أنفسهم، وعادة ما جاءت تلك المساعي على حساب جنود مثل غريغ.
قبيل نوبته في ذلك اليوم مباشرة، وُبّخ بسبب حالة سريره، وعلم، علم يقيناً، أن فرانسيسكو وشى بشيء ما للديقانوس هاوسر حيال ذلك. وكأن الأمر لم يكن واضحاً! أذاق سيسكو غريغ الأمرين بخصوص زوايا سريره ذلك الصباح.
"أمن المفترض أن تفعل ذلك؟"
التفت غريغ نحو الصوت، أحدهم من جنود النبيل الشخصيين الذين جاؤوا للمساعدة في مراقبة الصدع. ارتجف غريغ عند الفكرة، ممتناً لأن ذاك الذي في الدرع الأسود قد عبر ولم يبق واقفاً ليجعل الجميع يمشون على شوك.
"أه، ماذا؟"
"الصفير؟"
فجأة استوعب الأمر؛ كانت مجموعة مراقبة الصدع تشير إلى عبور. بقلب خافق، نظر غريغ إلى الصدع، نبضات طبيعية تماماً ذات صبغة حمراء، ثم إلى زجاج البلّور. تنهّف بارتياح حين رأى المستويات.
"يعود أحدهم عبره. ربما نسوا شيئاً؟"
رفع الجندي مسدسه الأسود غير اللامع. كان سلاح جندي صدمة، ببطاريات كان عليها أن تزن عشرة كيلوغرامات. جعله يشعر بالرثاثة مع رشاشه الصغير ذي الأسهم المعلقة على كتفه.
نبح الجندي: "استعدوا!"
واصطف رفاقه، فصيلة كاملة من رجال ونساء مسلّحين ومدرّعين بالمثل، في نصف دائرة، موجهين أسلحتهم نحو الصدع.
"أم، إنه مجرد—"
نظر غريغ مجدداً إلى الشاشة.
"أفراد قليلون يعبرون، لا يمكننا الرؤية طوال طريق الصدع، لكن هناك ثلاثة يقتربون من أوج العبور. من الواضح مع ذلك أنهم ليسوا من سكان الصدع…"
توقف عن الكلام، مراقباً الجنود الغرباء وهم يستعدون، وبدو كأنهم يتهأون لمعركة. رمق غريغ رفاقه من الحرس الإمبراطوري الحارسين للبوابة بنظرة خاطفة. لقد بدا واجمين بنفس درجة سلوك الجنود الإمبراطوريين. تحرك غريغ ليقف بخطوات أكثر استقامة خلف لوحة تحكمه؛ كان يبعد عشرين متراً جيداً عن منصة البوابة، وهو ما بعث على الارتياح، لكنه حدّق في درابزين البلاستل المؤدي إلى الخرسانة والبوابة بالأسفل، متمنياً لو أنه لم يتسلم نوبته عند لوحة التحكم.
أصدر زجاج البلّور صفيراً، فرمقه بنظرة.
"سيعبر الأول في ثلاثة، اثنين، واحد—"
مع فحيح متقطّع وسحابة من البخار ذي الصبغة الحمراء، ظهر الفرد الأول على المنصة. كان جندياً من الحرس الإمبراطوري، وليس من وحدة غريغ. رفع الرجل ذراعيه حين رأى المسدسات مصوبة نحوه.
تذمر قائلاً: "أوف"، محاولاً التحدث فيفشل، بفضل دوار العبور.
سقط على ركبتيه ثم نجح في اختناق قوله: "لدي خمسة ناجين يعبرون. أنزلوا تلك الأسلحة!"
سأل أحد الجنود الإمبراطوريين: "النبيل المفقود؟"
تقبل جندي الحرس الإمبراطوري مساعدة جندي، سامحاً لها برفعه إلى قدميه.
"كلا، ليس مع هؤلاء الناجين. يقولون إنهم انفصلوا مبكراً، هاربين من معاديين إثر الهجوم الإرهابي".
راقبت غريغ والجنود الإمبراطوريون يتبادلون النظرات. خمن أنهم يتحدثون عبر اتصالاتهم الخاصة.
سأل أحدهم: "وحارس بريموس لوكس؟"
"يتحرى—"
قُطع كلام الجندي حين أعلن فحيح متقطع آخر عن وصول الناجي الأول. أدرك غريغ متأخراً أن لوحته حاولت تحذيره. كانت المرأة التي ظهرت على اللوحة لمنظَر يُحتفى به، فقد تشقق درعها وتمزق واحترق. رفعت واقي رأسها لأعلى وانحنت لتتقيأ بينما حدق الجميع. شعر غريغ فجأة بامتنان أكبر للمسافة الفاصلة بينهما. استقامت في وقفتها، ورأى لوهلة عيوناً لامعة شرسة ووجهاً متندباً وهي تمسح المنصة ببصرها.
"أي نوع لعين من لجان الإنقاذ هذه؟"
أطلق لوح غريغ صفيراً.
"أم، آخر يعبر—"
بوميض لازع، ظهر جندي آخر، محطماً بنفس قدر سابقه، لكن هذا حمل شيئاً ضخماً يشبه الناب بين ذراعيه. حين ظهر، تعثر ووقع، واصطدم الغرض بالمنصة بصوت معدني مجلجل، مرتدّاً نحو الجنود المتجمهرين.
صرخت المرأة الأولى: "كرات الحاصدين، كريستي! احذري من ذلك!"
شرع الجندي الإمبراطوري يسأل: "ما الذي—"، لكن الناجية الثانية نزعت خوذتها المحطمة ذات أذني الأرنب وألقت بها على سطح الأرضية.
"أتريدين مني أن أحذر؟ أنتم محظوظون لأنني نجيت من العبور بذلك اللعين! استطعت شعور الصدع يجذب—"
أطلق لوح غريغ صفيراً بأكثر حدة.
"أه"، رفع يده، "اثنان آخران قادمان".
انهار الواصلون الجدد ما إن ظهروا، امرأة نحيلة كانت تحاول دعم رجل ساق واحدة. قطب غريغ جبينه، مراقباً الفوضى تتكشف بينما حاول الناجون استعادة توازنهم في مواجهة أسئلة الجنود الإمبراطوريين. علم أنه من الممكن تقنياً لشخصين العبور معاً هكذا، لكن الأمر لم يكن مرحباً به؛ فكلما زادت الكتلة الحيوية على تقارب، زادت فرصة التموج. مع ذلك، لم يكن هناك خطر يذكر مع فردين صغيرين هكذا، سيما وأن الرجل كان يفتقر لأكثر من طرف واحد…
… لا أهتم لعنة الملك بما تكون أوامرك!
أخلوا الطريق ودعونا نصل إلى المستوصف!"
كانت المرأة الأولى تصرخ في الجنود، حين أطلق لوح غريغ صفيراً مجدداً.
"اثنان آخران…"
ترك إعلانه يتلاشى بلا استكمال؛ لم يكن أحد يستمع إليه. تألق الهواء، وللحظة واحدة فقط، ظنّ أنه رأى ظلالين، لكن امرأة أخرى ظهرت تلتها، ارتدت هذه معدات عالم نمطية، درعاً خفيفاً وواقي وجه شفافاً بالكامل. كانت تجر شيئاً آخر من تلك الأشياء الشبيهة بالأنياب، وأفلته ليطرق البلاستل بصوت معدني بينما انحنت للأمام، قابضة على ركبتيها لحفظ توازنها.
نبحّت المرأة الأولى، الواضح أنها نوع من القادة: "إنها آخرنا الآن، فأخلوا طريقاً لمبنى الطب!"
ولمزيد من ذعره، عرجت نحوه ولوحت بإبهامها نحو النابين الأسودين.
"أريد وسم تلك الكلاليب وتعيين مسيّرة لسلسلة الحضانة!"
أومأ غريغ، ماداً يده نحو لوحته لبدء الإجراء، لكن عينيه انزلقتا حينئذ إلى سجل عبور الصدع، فقطب جبينه، رافعاً عينيه لتفحص الناجين وجندي الحرس الإمبراطوري الوحيد الذي قادهم للعبور.
"يقول هنا إنه كان هناك سبعة واصلين".
قطبت المرأة جبينها، لكنها لم تنطق بكلمة. عوضاً عن ذلك، تقدم الجندي الإمبراطوري الذي أمر بتشكيل الاستعداد.
"ماذا قلت، أيها الحارس؟"
هز غريغ كتفيه، شعوراً بحرارة غير مريحة يغمره في بزته.
"تقول لوحتي إنه كان هناك سبعة واصلين".
"لوحتك؟"
استدار الجندي ليتفحص الناجين بعينيه، وهم يعرجون بالفعل نازلين الدرجات نحو البوابة، ودعم جنوده اثنين منهم بينما عانيا في المشي.
لم تسهل المرأة الأمر، مضيفة مطالباتها: "قلت إنني بحاجة لوسم تلك الكلاليب اللعينة!"
قال الجندي: "أحصي خمسة ناجين وحارساً واحداً".
أومأ غريغ، راغباً في الانتهاء من الأمر، راغباً في أن يُبعدوا أعينهم عنه.
"أم، صحيح. أعتقد أنه كان هناك خلل. حين عبر ذاك الأخير مع شيء، أه، الناب…"
"كلاب"، صححت المرأة، ضاربة بقبضاتها القذرة المرتدية قفازات على لوح غريغ.
"وأنا بحاجة لوسمه".
قال غريغ، ناظراً إلى الجندي: "كنت، أه، أقول. ربما التقطت المستشعرات صدى أو شيئاً".
"يحدث ذلك؟"
هز غريغ كتفيه.
"نأخذ كل أنواع الشذوذ محاولين قراءة حركة مرور الصدع".
حدق الجندي الإمبراطوري في شاشة العبور لفترة أطول قليلاً قبل أن يستدار نحو الناجين.
### اندفع هيكتور مباشرة نحو البوابة، عالماً حقاً أن قدرته "قاطع الأشباح"
لن تبقيه إلا لثوانٍ معدودات على الجانب الآخر من الحجاب.
فكر في استخدام "التسلل الظلي"
بدلاً من ذلك، لكن الصدع كان موضوعاً لبعض أدق تكنولوجيا المسح تطوراً في الإمبراطورية، وتيقن من أن بعضها سيلتقط بصمته. كلا، الطريقة الوحيدة لليقين هي الانسلال عبر الحجاب. بالطبع، تمثل العقبة الأكبر في ذلك الجهد في حقيقة أنه، وفقاً لإيفي، كان محاولة عبور الحجاب أثناء العبور عبر الصدع لتمزقه إرباً، لذا توجب عليه الانتظار لحين اجتيازه.
تعنى أنه كان حاضراً، قابلاً للملاحظة هناك على المنصة لجزء ضئيل من الثانية، تماماً بالقدر الكافي لصبّ هالته في قدرة "قاطع الأشباح".
غير أنه تلطّف ببخار الصدع والكهرباء الساكنة، وآمل أن يكفي ذلك لإلقاء الشك على وجوده هناك قط. حين تجاوز البوابة وهرول نحو عربة مدرعة في موقف السيارات، رمق نظرة خاطفة عبر كتفه ولم ير شيئاً مقلقاً. لم يسمع أي أبواق إنذار، ولم يرى جنوداً يتدفقون من الثكنات القريبة. حين بلغ العربة، انزلق تحتها وبعد خفقة قلب، خبت قدرته، وتدفق العالم المادي عائدًا بكل أصواته وروائحه وألوانه.
//أنا متصلة بالشبكة.// جيد. أرسلي رسالة للجميع. اعلمي أين هم جميعاً. //على لوحة الرسائل المشفرة؟// نعم. أغمض هيكتور عينيه بإحكام. كان الهواء، الأكثر جفافاً بكثير من عالم الصدع، يلسعهما. والأدهى أن رئتيه احترقتا، ووجد شهقاته ضحلة ومؤلمة. //سيتكيف جسدك. امنحه لحظات قليلة.// وثق هيكتور بإيفي، وآمن بأنها كانت محققة، لكنها كانت دقائق طويلة مؤلمة رقد خلالها تحت العربة، مراقباً ماثيو والآخرين وهم يُصطحبون على طول الرصيف الطويل باتجاه منشأة الحرس الإمبراطوري.
لم يبد وكأنهم في أي ورطة، حتى الآن. لم يُصفد أحد، ووُضعت لين على محفة. تخيل أن الأمور كانت لتختلف لو كان فريدي برفقتهم. لمس فخذه، مؤكداً لنفسه أن المستطيل المعدني الكثيف لا يزال هناك. كل ما كانه فريدي، كل ما هو عليه أو سيكون، كان في جيبه. لم يكن الأمر سهلاً في إقناع الفتى بالسماح لهيكتور بإزالة منصة دماغه العصبي.
لم «يمت»
من قبل قط؛ وكان جلده جسده الأصلي. مع ذلك، قال إنه يعلم أن أمه تمتلك استنساخاً له، واحداً على الأقل، وقد اقتنع أخيرًا، خاصة بعد أن رأى قاتل ابن عمه المأجور هناك في الصدع. بدا واضحاً أن لوكس ترك انطباعاً لدى النبيل الشاب. اصبر، أيها الفتى. سنعثر على أمك، أو عمك، إن فات الأوان. قبل طوال الوقت، أثبتت إيفي صحتها؛ انتظم تنفس هيكتور، وتوقف عيناه عن الاحتراق، وبدأ يشعر بالطبيعية، وبشكل أفضل حتى.
كان مخزون هالته قد امتلأ مجدداً، فانزلق إلى الجانب البعيد من العربة وفعل قدرة "قاطع الأشباح"
مجدداً. مرة أخرى، وثب للعمل، جارعاً بكل ما أوتي من قوة عبر عالم الحجاب الغسقي الغريب. قطع مسافة أكبر مما كان ليفعل في العالم المادي، لذا فحين خبت القدرة للمرة الثانية، كان قد تجاوز محطة الحراسة على الطريق وصار يهرول على الرصيف متجهاً نحو البلدة.
وما إن عبر، حتى وجّه هالته إلى "التسلل الظلي"، القابل للاستدامة بدرجة أكبر، وكما غطت هالة ثني الضوء جسده، وسّع خطاه في هرولة سهلة تبتلع الأرض.
كان قد قطع ما يقارب عشرة كيلومترات حين قاطعت إيفي أفكاره. //لا استجابة من ليمون أو أورين، لكن ساس ردت.// أرني إياها. ظهرت نافذة على واجهته للمستخدم المساعد (أو آي)، وقرأ هيكتور الرسالة هناك: هيكتور! أأنت هو حقاً؟ كنت أعلم أنك لست ميتاً! لا تذهب إلى البيت؛ فقد تحطم حين داهمه الحرس الإمبراطوري. لا أستطيع الإمساك بليمون، لكني أحضرت... أغراضك. أتدري ما يقولون عنك؟ أظن، بما أنك عبرت الصدع، فلا بد أنك تدري.
أعلم أنك لم تفعلها! أعلم أنك لم تفجر الصدع وما شابه. أتريد اللقاء في فندقي؟ مكان آخر؟ أين أنت؟ عَمَّ تتحدث؟ //وفقاً لوسائل الإعلام الإخبارية المحلية، يبدو أن قاعدة الحرس الإمبراطوري في مديى كيسلر قد صودرت بواسطة بالوس فينتريس. لقد سيطر على سفينة غلاديا فينتريس، ميدنسونغ، ويقود الجهود للقبض على الخلية الإرهابية المسؤولة عن تخريب الصدع.
يزعم امتلاكه أدلة على أن فريدريك وغلاديا، إلى جانب العديد من أفراد طاقمها، تعاونوا مع إرهابيين محليين لتحقيق "ضربة ضد الإمبراطورية"
عبر تعطيل جهود حصاد الصدع المستمرة.// أتصديق الناس أن الفتى حبس نفسه هناك، هاه؟ //يزعم بالوس أن ذلك الجزء لم يكن متعمداً. يجدر الذكر ربما أن أياً من أدلته لم يُنشر علناً، لكن لديه مؤتمراً صحفياً مقرراً يوم الخميس.// أصدر هيكتور همهمة، ملقياً نظرة على عرض وقته. اتساع ليعرض تقويماً.
"إنه الثلاثاء".
//نعم.// حسناً، أوجدي مكاناً يمكنني الاختباء فيه لبضع دقائق وأرسلي لساس لتصحبني. إن كان علينا التعامل مع هذا اللعين بالوس، فأود فعل ذلك قبل أن يخرج وحشه الأليف من الصدع.