جلس سيث في المكتبة وحوله جبل من الكتب التي جلبتهن إيلينا. وبينما كان ديڤوس وجينا يشاهدان نزالات اليوم في الحلبة كان عالقاً هنا في يوم أحد يغوص بين صفحات التاريخ والنظريات البالية التي شكّ في أنه سيستخدمها يوماً. وبما أن نزاله كان واحداً في الأسبوع مع امتداد البطولة لعشرة أسابيع فقد حظي سيث بوقت فراغ وفير بين الحصص والنزالات غير أن هذا لم يكن ما أراد قضاءه فيه.
لم تكن لديه أي نية للانضمام إلى الجيش لذا سيهدر كل هذا العلم عديم الفائدة حين ينتهي من الأكاديمية بعد عامين ونصف العام. وما إن أخرج من هنا فلن أحتاج إلى أي من هذا الل...
"كف عن أحلام اليقظة وركّز"
وبّخته إيلينا قاطعةً حبل أفكاره وهي ترمي كومة أخرى من الكتب على مكتبه المكتظ أساساً.
"أمامك ستة أسابيع فقط للحاق بكل ما فاتك".
"أعرف"
تمتم سيث وبقي نظره معلقاً لفترة قصيرة على النبيلة وهي تجلس أمامه. لقد ظن لفترة طويلة أنها مجرد نبيلة مدللة أخرى ممن ولدوا في الثراء والامتيازات بعيدات عن الواقع وغير مباليات به. لكن تبيّن أنها مختلفة. كانت إيلينا شرسة وطموحة وقاتلت بكل قوتها لتثبت نفسها. وعلى عكس البقية دافعت عن العوام طالما كان ذلك ضمن حدود القانون. شرد عقل سيث للحظة ضائعاً في عيني النبيلة الزمرديتين اللتين تباينتا تماماً مع شعرها القرمزي الغني والحيوي الذي انسدل بلطف على كتفيها.
إنها مذهلة حقاً. 'لقد سمعت ذلك' قهقه نايتمير داخل القلادة. 'اصمت'.
"عليك الذهاب لمشاهدة النزال مع البقية"
اقترح سيث بابتسامة خفيفة.
"سأكون بخير هنا".
"آخر مرة قلت فيها ذلك كانت قبيل اختبار استشعار الأثير والتلاعب به الشهر الماضي وكدت ترسب"
قالت إيلينا رامقةً إياه بنظرة حادة.
"وكان ذلك أبسط اختبار في جميع النهائيات".
"لكنني نجحت"
أجاب سيث هازاً كتفيه.
"هذا كل ما يهم".
هزت إيلينا رأسها وتنهدت.
"أنت ميؤوس منك حقاً أتعلم ذلك؟"
"شكراً".
ابتسم سيث وهو يقلب صفحة كتاب التاريخ أمامه. وحتى إن لم تهتم إيلينا كثيراً بمشاهدة نزالات الطلاب الآخرين فلم يسعه إلا الشعور بالامتنان لوقتها. لم يكن الجلوس هنا ومساعدته في الدراسة بالطبع الطريقة التي تفضل قضاء ظهيرة أحدها بها.
"اسمع أعرف أنك لا تريد التحدث عن الأمر"
بدأت إيلينا مغيرةً الموضوع "ولكن مهما ما حدث مع الكلاب السوداء فعليك تجاوزه".
اتسعت عيناك سيث.
"ماذا؟ ولماذا؟"
"أخبرني أحد كشاشي داري هذا الصباح أنهم ليسوا مجرد تابعين لأي دار بل لدار كانت قريبة من مصاف الدار العشرين العظمى".
"مما يجعلهم أكثر حصانة"
تمتم سيث عاجزاً عن إخفاء الغضب في نبرته. لقد أخبر البروفيسور ريات بكل شيء ووعد الرجل بالتحقيق في الأمر لكن ظهرت مشكلة فلم يسمع ريات قط عنهم. وهذا يعني حصراً أن الكلاب السوداء لم تكن فرعاً مسجلاً لنقابة المغامرين. والآن بعد أن رصدوا سيث في المستودع المهجور فسيختبئون على الأرجح لفترة مما يجعل تعقبهم أكثر صعوبة.
"حسنًا, يعتمد الأمر على ما فعلوه"
أجابت إيلينا بينما كان سيث ما زال غارقاً في أفكاره.
"والأهم من ذلك بمن فعلونه".
"وهكذا أرى إذن"
قال سيث محاولاً السيطرة على نبرته.
"إذن لا يمكنهم سرقة عملة معدنية من نبيل لكن يمكنهم ذبح عشرة من العوام".
"ماذا؟"
أفلتت الكلمات من إيلينا.
"لقد قتلوا عواماً؟"
طبق سيث شفتيه محاربًا الرغبة في لطم وجهه لسماحه بتلك الزلة.
"أه نعم".
"هل أبلغت السلطة المحلية عنهم؟"
"أسيصدقني أحد على حساب دار نبيلة؟"
"لا ولكن..."
بدأت النبيلة كلامها قبل أن تتوقف فجأة وتلتقي عيناها بعيني سيث.
"لا تقل لي أنك تخطط لتولي هذا بنفسك".
"مهلاً مهلاً!"
رفع سيث يديه مدافعاً.
"لست غبياً لدرجة مواجهة فرع المغامريْن المزيفين هذا وحدي".
'حقاً حقاً' قال نايتمير بقهقهة داخل حامله.
"حتى لا تفكر في إخبارها".
أغمضت إيلينا عينها لفترة قصيرة وأطلقت تنهيدة ثقيلة.
"لا نعلم أبداً ما تخطط له".
"آه"
قال سيث متظاهراً بالإهانة.
"هذا مؤلم".
ظهرت ابتسامة باهتة على شفتي الفتاة وهي تدفع كتاباً أمامه.
"جيد. عد إلى الدراسة الآن".
بعد أن أدار عينيه حاول سيث استعادة تركيزه على النص المرتل غير أن ذكر الكلاب السوداء أطلق سيلاً من الذكريات القاتمة: الشاب وهو ينتحب ويترجى بينما يُطعن وكل السجناء وهم يصرخون بألم أثناء مقتلهم وطعم الدم المعدني في فمه. ربما لم يكن قوياً بما يكفي بعد للانتقام لهم والقضاء على تلك المنظمة ولكن سيأتي يوم ويكون. وحينها سيحفع الجميع الثمن.
مرّت ساعات واقترب الغسيل، وقررت إيلينا إنهاء جلسة المذاكرة وأخذا يردّان الكتب الكثيرة إلى رفوفها. تنهّد سيث، المحمّل بكتلة من المجلدات الثقيلة، وشعر بغصّة ثقيلة أمام حجم ما سيحتاج إلى استدراكه في الأسابيع المقبلة. كانت المذاكرة مع النبيلة تجعل الأمر أسهل تحمّلاً، لكنّ فكرة قضاء كل عطلة نهاية أسبوع هكذا، برأس مدفون بين الكتب، كانت مقبضة.
قالت إيلينا وهما يرتبان أمتعتهم: "أبليت بلاءً حسناً اليوم. أفضل مما توقعت في الواقع".
استطاع سيث ابتسامة باهتة وهو يلقي بحقيبته على كتفه.
"شكراً لكل هذه المساعدة".
أجابت وهي تدفع كرسيها إلى الداخل: "لا شأن يذكر. أعتقد أنني أديت واجبي الطيب لهذا اليوم".
"بل للأسبوع بأسره".
لفت إيلينا عينيها وهما يخرجان معاً.
"محاولة لطيفة، لكننا ما زلنا سنذاكر غدًا مساءً".
أطلق سيث أنّة وتمتم: "أرجوكِ. لقد قضينا اليوم بأكمله في ذلك. ألا يمكننا أخذ استراحة صغيرة مثلاً؟"
أجابت إيلينا وهي تمنحه ابتسامة وتلويحة خفيفة قبل أن تمضي: "كلا. أراك غداً".
بقي سيث واقَفاً مكانه لبرهة وتابع خُطاها وشعرها القرمزي يتمايل خلفه.
تلك العبارة «أراك غداً»
أثرت في نفسه مشاعر متناقضة. أغلق عينيه لفترة قصيرة، فأطلق تنهيدة عالية واستدار على عقبيه متجهاً إلى الكافتيريا لتناول وجبة سريعة. وما أن فرغ حتى شقّ طريقه نحو باحة الأكاديمية الخلفية. كان اليوم هو الأحد الثاني من الشهر، وهو يوم تحديث التصنيفات، وباعتباره أحد الثلاثة الأوائل في السنة الأولى، فقد بات يحقّ له الآن امتلاك امتيازات معينة، مثل دخول غرف التدريب الملحميّ المرغوبة.
ستكون تلك مناسبة مثالية لتجربة التعويذة الجديدة التي اشتراها في الصباح الباكر من متجر فرع نقابة المغامرين. بحث في البداية عن لفافة تعويذة ترقية، شيئاً شبيهًا بالتعرف المتوسط، لكن لصدمة الصاعقة المظلمة. وقد أُصيب بخيبة أمل لعدم عثورها. ولزيادة الطين بلة، تطلّبت تقريباً كل اللفائف الخاصة بالبدائيين تقارب أثير لم تكن تمتلكه مثل الرياح والأرض. وكانت اللفافة الحديدية الوحيدة لفئته والتي تتطابق مع تقاربه المظلم تعويذة تُدعى الرداء الصامت، وهي في جوهرها نسخة أضعف من فراغ الكابوس الوهمي.
كانت سيلين قد وعدته بمحاولة إيجاد شيء أكثر ملاءمة، لكن سيث قرر في الوقت الحالي شراء لفافة تعويذة ترقية للسرعة. وستعزز على الأقل سرعته في القتال قليلاً. وحين خطا سيث إلى خارج المبنى الرئيسي للأكاديمية، لمح بسهولة منشأة التدريب جهة اليسار. لم تكن ملفتة للانتباه مثل الكولوسيوم أو برج الاختبار، لكنها بدت أوسع مما توقع. ووجد في الداخل تصميماً بسيطاً يضم مكتب استقبال وستة أبواب خشبية متينة حُفرت على جوانبها نسور.
تلألأت شرارة حماسة في صدر سيث حين اقتراب من المدرب الجالس خلف المكتب.
"أود استخدام إحدى غرف التدريب يا سسيّد".
رفع الرجل حاجبه وقلّب الصفحات المثبتة على لوحه. ثم أومأ بعد برهة.
"همم، أنت جديد ضمن العشرة الأوائل، أليس كذلك؟"
أومأ سيث.
"نعم يا سيّد".
قال الرجل: "حسناً. سأمنحك المعلومات التي تحتاج إلى معرفتها. المركز الثالث يمنحك ست ساعات مجانية في الغرف الملحمية ويتيح لك شراء ست ساعات أخرى بسعر مخفض: خمس قطع حديدية بالساعة".
ابتلع سيث ريقه وجفّ حلقه فجأة. خمس قطع حديدية؟ هذا يعادل نصف قيمة أحجار الوحوش لشهور كاملة. سأضطر لتفويت أي وقت إضافي.
تابع المدرب كلامه: "تحتوي كل غرفة على كرة شبيهة بتلك التي في برج الاختبار. وما إن تفعلها حتى تحميك بحجز أثيري يعتمد على صلابتك، إضافة إلى قدرتك على استدعاء وحوش من قائمة تدريبية. ركّز فقط على الوحش الذي ترغب في قتالِه وسيظهر في العلامة المرسومة على الأرض بعد خمس ثوانٍ. علاوة على ذلك، ستجد بالداخل صندوقاً يحوي أدوات تدريب مختلفة، ولاعات بمستويات متفاوتة ووحيدات، وموانع، وأدوات لتدريب التقارب. تذكّر إعادة كل شيء لمكانه حين تنتهي".
صاح سيث مخاطباً كابوساً متذكراً حين استخدمت إيلينا أداتها في المكتبة قبل شهر بينما كان يذاكر: «موانع، أه؟ يجدر بنا تجربتها».
وُصِّمَت الأداة السوداء الأنيقة لترتدى على العينين وتعيط قدرة المرء على إدراك الأثير، مما يسمح للمستخدم بصقل الإدراك قريب المدى بفعالية أكبر.
أجاب الذئب الرهيب: «ولا بأي حال. سنقضي كل دقيقة من تلك الساعات الست في مقاتلة تلك الدمى الفارغة».
تنهّد سيث في داخله وتبع المدرب إلى إحدى غرف التدريب الملحمية في اليسار. كانت الغرفة واسعة بشكل مثير للإعجاب، بارتفاع سقف يبلغ ثلاثين قدماً، مما أذكره بطوابق برج الاختبار الفسيحة. واصطفّت مصابيح الضوء الخافت على طول الجدران، بينما توهّج دوار من الأثير الأزرق داخل كرة مثبتة على مذبح صغير على بعد ياردات قليلة. وفي أحد الأركان، جلس صندوق خشبي كبير في الانتظار.
قال المدرب قبل أن يغادر تاركاً سيث وحيداً في الغرفة: "تدريباً موفقاً".
أخرج سيث اللفافة التي اشتراها في وقت سابق من ذلك اليوم وألقى التعرف عليها مجدداً.
اندفاع محتدم بالصيد (خام)
لفافة تعويذة ترقية
المستوى: حديد
الدرجة: نادرة
التقارب: -
القيود: - بدائي. - سرعة بجودة قياسية على الأقل. - 60 خفة حركات.
في متجر الموقع المتقدم، واجه خياراً بين الصنف الخشن والصنف اللائق. وعلى الرغم من أن الجودة الاستثنائية لخطوط السرعة سمحت له بتعلم النسخة اللائقة بلا مشاكل، إلا أنه لم يستطع إجبار نفسه على دفع قطعتين من الفضة مقابل تلك النسخة حين كان الثمن الخشن لا يتجاوز ثلث ذلك المبلغ. التعويذة التي تمنح خمس عشرة نقطة في الرشاقة وعشرة بالمئة كزيادة في السرعة لن تكون سوى ترقية طفيفة فوق سرعة بسبب خطوطها الاستثنائية الحالية.
ومع ذلك، وبفضل جوهره، كان واثقاً من قدرته على تحسين جودة اندفاع الصيد في المستقبل. دون إهدار المزيد من الوقت، سحق سيث اللفافة في كفه. تذوب الرقاقة إلى ذرات من الضوء تنساب داخل جلده وتغوص عميقاً في جسده. شعر بالحرق المألوف حين بدأت خطوط أعمق وأكثر تعقيداً تنحت نفسها بجانب الخطوط القديمة في بئره. انتشرت شبكتها المعقدة نحو الخارج، تاركة خنادق جديدة عبر قنوات الأثير في ساقيه وذراعيه، ومثبتة هيكل التعويذة الجديدة داخله لنحو دقيقة.
وما إن انتهى الأمر، حتى قفز كابوس خارج قلادة قطرة الدموع.
قال: "حسناً، أرني ما يمكننا قتاله الآن!"
ابتسم سيث وهو يسحب قفازات القتال من جيبه اللانهائي. بعد ارتدائها، عدلها لتستقر بإحكام وأعاد ربط الحقيبة البنفسجية الصغيرة بحزامه. ثم وضع يده على الكرة المتوهجة وضخ فيها الأثير. في الحال، ظهرت قائمة من الوحوش في الهواء أمامه.
أرنب القطن البني — الرتبة اثنتان (نحاس منخفض) الثعالب الحمراء — الرتبة ثلاث (نحاس منخفض) غراب الليل — الرتبة أربع (نحاس منخفض) سحليّة الجبل — الرتبة خمس (نحاس منخفض) [...]
مرت عيناه سريعاً على الأربعة الأولى في القائمة. ثم حين توقفتا عند النقاط الثلاث في الأسفل، ظهرت المزيد من الأسماء. ودون إهدار للوقت، تابع التمرير.
[...]
عنكبوت القمر — الرتبة سبع وأربعون (حديد مرتفع) صقر العاصفة — الرتبة ثمان وأربعون (حديد مرتفع) تمساح النهر الأحمر — الرتبة تسع وأربعون (حديد مرتفع) عفريت القرن الواحد — الرتبة خمسون (حديد مرتفع) [...]
قال كابوس حاثاً وهو يقفز على مخلبه الأمامي: "استدعِ ذلك العفريت ذي القرن الواحد! إنه بنفس رتبة كل من قائد رمح سمك القرش وذاك المدعو رونارد من الكلاب السوداء."
أجاب سيث وهو يفرك بين حاجبيه: "لا توجد طريقة تمكننا من هزم وحش من حديد مرتفع."
قال: "من يهتم؟ سيختفي حين ينفد حاجزنا. هذه هي الفرصة المثالية للقتال ضد خصم أقوى."
تردد سيث لفترة قصيرة، ثم أطلق زفرة استسلام. لن يكون هناك نهاية لشكاوى كابوس إن رفض.
قال: "حسناً، لنفعلها إذاً."
مركّزاً على اسم عفريت القرن الواحد، وجّه سيث الأثير إلى الكرة، وبدأت جزيئات الأثير تدور حوله وحول كابوس، محاصرة إياهما داخل حاجز واقٍ. بالكاد تشكّلت الطبقة الزرقاء حتى اندفع الذئب الرهيب نحو الصليب الأبيض المرسوم على الأرض، مختفياً بالخلاء الوهمي في منتصف الطريق. تَبِعَه سيث وانطلق جادّاً. بعد ثوانٍ، ظهر عفريت القرن الواحد على العلامة، ونابض جوهر سيث بعنف، مطلقاً طاقته الغامضة في أنحاء جسده.
على الرغم من صغر حجمه، إلا أن المخلوق بثّ هالة ساحقة ومخففة بالقوة والموت. كان جلده أحمر فاحماً ومصهوراً، كأنه نُسج في قلب بركان، ويزينه قرن واحد ملتوٍ ناتئ من جبهته. لمع بريق خبيث في عينيه بينما كان يخفق بجناحيه الجلديين ليطفو في الهواء. تصاعد أثير مظلم وفرقع حول أسنان الرمح الذهبي القبضة بإحكام في يديه ذوات المخالب الثلاثة. ألقى سيث تعويذة التحديد فوراً.
عفريت القرن الواحد
الإمكانات: رتبة الفضة الرتبة: خمسون (حديد مرتفع)
التقارب: الظلام / النار
القوة: سبع وخمسون الطاقة الغامضة: مئة وستة وستون
الصلابة: خمس وستون سعة البئر: مئة وواحد وثلاثون
الرشاقة: مئة وعشرة التجدد: إحدى وسبعون
قال بصوت مرتفع دون أن يملك رداً: "تبّاً! هذه كمية هائلة من الطاقة السحرية!"
نظر العفريت إلى سيث برهة وجيزة، ثم التفت رأسه فجأة نحو نايتمير الذي كان يندفع للأمام بينما لا يزال مختفياً. تجسّدت كرة كثيفة من النيران البنفسجية عند طرف رمحه دون إنذار وانطلقت نحو الذئب الضاري. استخدم نايتمير خطوة الظل بسرعة وتفادى المقذوف الحارق لأنه فوجئ بالهجوم. انقض فور ظهورها مجدداً خلف العفريت، لكن المخلوق الصغير استجاب بسرعة مذهلة فاستدار وأطلق رمحاً هائلاً من النيران البنفسجية من سلاحه.
حاول الذئب الضاري القفز جانباً، غير أن التعويذة اصطدمت به وقذفته عبر الغرفة ليصطدم بالجدار. اندفع سيث نحو العفريت وقلبه يخفق بشدة، ملقياً نظرة خاطفة على نايتمير الملقى على الأرض بينما كان درعه يرمش. استدار المخلوق الشيطاني نحو سيث وألقى ثلاث كرات نار بنفسجية على التوالي وسط ضحكات خبيثة. ضخّ سيث الأثير في اندفاعة الصيد مدفوعاً بغريزة جوهره، وفتل جسده ليتفادى الوابل بأعجوبة.
سدّد لكمة ما إن أصبح في المدى، لكن دوامة من النيران البنفسجية انفجرت من المخلوق قبل أن تصيبه. تبّاً! تقاطع قفازا سيث ليتصديا للهجوم، لكن القوة المحضة للدفع أرجعته أقداماً عديدة، وتمزق ألم حارق في ذراعيه بينما تقلّب طبقة الأثير حوله إلى النصف في لمح البصر. خفض سيث ذراعيه في الوقت المناسب ليرى رمحاً هائلاً من النيران البنفسجية يندفع نحوه. أدار وركيه في جزء من الثانية وأرجح قبضته خلفه، ووضع وزنه كله ونصف بئره في اللكم.
ألقى خطوة الظل وظهر في ظله لحظة أن كان العفريت على وشك مغادرة مجال رؤيته. حاول المخلوق الصغير الاستدارة وطعنه برمحه، لكن الأوان كان قد فات إذ وصلت لكمة سيث بالفعل. اصطدم قفازه بالقفص الصدري الدقيق للعفريت بصوت تهشيم مقزز، مما أرسل المخلوق طائراً عبر الغرفة. اندفع سيث إذ عزم على ألا يمنحه أي فرصة للتعافي. صبّ المزيد من الأثير في اندفاعة الصيد فتدفقت موجة من القوة الخام في الجزء السفلي من جسده.
انتفخت عضلات فخذيه وساقيه وتصلبت لتصبح أوتاراً مشدودة بينما دفعته كل خطوة للأمام بقوة متفجرة. بدا أن الأرض تنضغط تحت قدميه لتدفعه عبر المسافة في ومضة. فوجئ مع ذلك بأن المخلوق كان يحوم فوق الأرض مجدداً. أطلق وابلاً من كرات النار البنفسجية وعيناه تشتعلان غضباً. راح سيث يتفادى وينحني غير دادرٍ عما يفعله بعد ذلك حتى قفز نايتمير فجأة من ظل العفريت.
"سأقتل هذا الشيطان الصغير"، تمتم الذئب الضاري بينما تصاعد الدخان الأسود من فمه.
طبق فكيه على عنق المخلوق وغرز أنيابه بعمق في لحمه بينما اندفع سيث نحوهما. أطلق العفريت صرخة تجمد الدم وهو يرفرف بجناحيه بجنون بينما كان نايتمير يهزه كدمية قماشية. طقطق الأثير حول المخلوق الشيطاني بعد ذلك وانفجرت نيران بنفسجية لتشكل إعصاراً متوهجاً قذف الذئب الضاري بعيداً.
"ليس مجدداً"، هس سيث من بين أسنان مصكوكة وهو يحمي وجهه بقفازيه.
انفجر إعصار النار في طرفة عين وأصابه، ليلتهم شيئاً من درع الأثير المتبقي له ويوجه هزات حارقة عبر جسده. سقط سيث على ركبة واحدة وهو يئن ويقبض على قبضتيه مجاهداً للبقاء وعياً وسط الألم المبرح. تلاشى إعصار النار بالسرعة نفسها التي اندلع بها فجأة. رفع سيث نظره وهو يلهث بقوة ليرى نايتمير ممدداً على الأرض وقد اختفت طبقة الحماية الزرقاء كلياً من حول جسده. لهذا السبب توقف.
انطفأ درع سيث نفسه قبل أن يتلاشى تماماً للحظة التي اختفى فيها العفريت من الغرفة معلناً انتهاء القتال. سمح لنفسه بالسقوط جانبًا مع تنهيدة صاخبة ومنهكة، فاصطدم كفتاه بالأرض الصلبة للغرفة بصوت خافت. العفريت اللعين.