نظر إليه أحد الحراس القريبين من جديد. ابتسم إيدن دون مرح.
"يبدو أنهم مليئون بالناكرين للجميل".
قطب الحارس جبينه، فهو لم يفهم الكلمات بوضوح، لكنه التقط النبرة. هذا جيد. تمنى إيدن أن تكون هذه النبرة مفهومةً في كل مكان. تراءت البوابات في الأفق. تمتم الحشد. تحركت القافلة من جديد. راحت عربة قفصه تتقدم، وتصطدم عجلاتها الحديدية فوق الأحجار. راقب إيدن الجدران وهي تمرّ من حوله. الحضارة. أخيراً. بلدة حقيقية. بشر حقيقيون. شوارع حقيقية. إجابات حقيقية، ربما. وكان يدخلها بوصفه سجيناً.
رمق الحراس بنظرة عابرة. ثم السحرة. ثم الطوق الحديدي حول عنقه. كان ترسانة الأسلحة تنتظره في داخله، صامتةً وصبورةً. أغمض إيدن عينيه لبرهة. أراد أن يجد بشراً قبل أن يتشرب الكثير من ثقافة الغول. يبدو أن للبشر تقاليدهم الساحرة الخاصة. مثل وضع فريق الإنقاذ في الأغلال. فتح عينيه حين تدحرج القفص تحت ظل البوابة.
همس: "عظيم. وُجدت الحضارة".
ابتلعته البلدة.
"الضيافة في الطريق".
توقفت العربة من جديد بعد عبور البوابة. نظر إيدن حوله من خلال القضبان، مستوعباً قدر ما يستطيع بينما تظاهر بأنه لا يفعل ذلك تحديداً. بدت البلدة عادية بشكل مزعج من الداخل. شوارع حجرية. واجهات متاجر خشبية. أناس بقمصان كتانية وسترات جلدية. بضعة عربات محملة بالحبوب. أطفال يسحبهم آهلهم القلقون. كلاب تنبح من مكان ما على الطريق. رايات تتدلى من أقواس حديدية. رائحة الخبز والدخان والماشية والكثير من البشر الذين يعيشون على مقربة شديدة من بعضهم.
حضارة. حضارة حقيقية. لكن الأمر كان سيكون أكثر إثارة لو أنه لم يختبره من داخل قفص. انتشرت القافلة بالقرب من ساحة واسعة تماماً خلف البوابة. حُمِل الجنود الجرحى نحو أحد الشوارع الجانبية. قِيد السجناء المُحررون في اتجاه آخر على يد معالجين وحراس. تحدث بضعة سحرة قرب مقدمة الطابور، وتوهجت عصيهم ببريق خافت بينما تفحصوا آثار الحروق على الدروع وتهامسوا فيما بينهم. جلس إيدن في قفصه، ومصعماه مقيدان، وكاحلاه مكبلان، ولا يزال الطوق متصلاً بالأرضية.
لم يمنحه أحد ماءً. لم يشرح له أحد شيئاً. لم تكن لدى أي شخص حتى اللياقة ليبدو محرِجاً.
تمتم: "بلدة من خمس نجوم. ترحيب حقيقي. جدران عظيمة. خدمة عملاء رهيبة".
ثم لاحظ العجوز ذا الندبة. كان الرجل يقف قرب جانب العربة، ويتحدث مع عدد من الحراس. كان طويلاً بالنسبة لعمره، مع أن الزمن حاول بوضوح طيه وفشل خوفاً. رُبط شعره الرمادي إلى الخلف، وشقّت ندبة طويلة طريقها من صدغه الأيسر صعوداً عبر خده، لتختفي في لحيته. بدا إحدى عينيه غائمتين قليلاً. أما الأخرى فكانت حادةً بما يكفي لتشعر وكأنها سلاح. ارتدى درعاً بالياً شهد معارك حقيقية.
ليس درع استعراض. ليس درع بطل لامع. ذلك النوع من الدروع الذي أُصلِح مرات عديدة لأن الشخص الذي بداخله ظل ينجو من أمور مفترض أن تقتله. أشار العجوز إلى إيدن. نظر إيدن خلفه. جدار قفص فارغ. أعاد نظره إلى العجوز. أشار العجوز مرة أخرى. رفع إيدن يديه المقيدتين قليلاً.
"أتريد أن تراني أرقص؟"
حدق فيه الحراس. أومأ إيدن بجدية.
"مهارات الرقص الحديث لدي صدئة قليلاً، لكنني ما زلت أستطيع المحاولة. قد تضيف الأغلال لمسة درامية في الواقع".
لم يضحك أحد. بالطبع. لغة خاطئة. عالم خاطئ. جمهور خاطئ. لكن الأمر يستحق العناء مع ذلك. راقبه العجوز لثانية طويلة، ثم قال شيئاً للحراس. كان صوته منخفضاً وأجش وحازماً. ذلك النوع من الأصوات الذي أمر الرجال بالثبات في مواقعهم بينما تحاول أشياء كريهة انتزاع أطرافهم. اقترب حارسان من القفص. الرماح جاهزة. نظر إيدن إلى رؤوس الرماح. ثم إلى الحراس. ثم إلى العجوز.
"أخمّن أن هذا ليس الجزء الذي تعتذرون فيه وتقدمون الفطور".
أخذ العجوز حلقة مفاتيح من حزامه. استقام إيدن. كان ذلك مثيراً للاهتمام. توتر الحراس بينما فتح العجوز باب القفص الخارجي. انفتح المزلاج الحديدي بصوت قاسٍ جعل عدداً من الناس القريبين يلتفتون لينظروا. انفتح الباب للخارج. أشار العجوز إلى إيدن، ثم إلى الأرض خارج العربة.
قال: "تحرك".
رف إيدن جفنيه. لم تكن الكلمة إنجليزية. لكنه فهم المعنى بطريقة ما. ليس تماماً. ليس كترجمة حرفية. بل شبيه بوصول النية إلى عقله بدفعة. تحرك. رفع إيدن يديه ببطء وأشار إلى السلسلة المربوطة بالطوق. انحنى العجوز، وفك سلسلة الأرضية، وتراجع خطوة إلى الوراء. زحف إيدن بحذر نحو باب القفص. بحذر شديد. لم تكن لديه رغبة في التعثر ووضع طوق حول عنقه أمام بلدة بأكملها. توجد طرق عديدة لفقدان الكرامة.
والسقوط على الوجه خارج قفص مثل حيوان سيرك مخمور يحتل مرتبة متقدمة في القائمة. نزل من العربة. في اللحظة التي لامست فيها حذاؤه الحجارة، تحركت ثمانية رؤوس رماح نحوه. تجمد إيدن. ثم نظر إلى أقرب حارس.
"استرخ. لا أنصح بغزو بلدتك قبل الغداء".
ضيق الحارس عينيه. تنهد إيدن.
"صحيح. اللغة".
رفع يديه المقيدتين وهزهما قليلاً. نظر العجوز إلى الأغلال. رفع إيدن يديه أعلى. كان المعنى واضحاً. انزعوا هذه. هز العجوز رأسه. حدق إيدن فيه. ثم نظر إلى أسفل نحو قيود كاحليه. ثم إلى قيود معصميه. ثم عاد بنظره إلى العجوز. خمن معنى الرجل. يمكنك المشي. ابتسم إيدن دون مرح.
"عظيم. بما أن الأغلال باقية، فأنا أود ألا أمشي".
أشار العجوز إلى أسفل الشارع. تحرك. منحه إيدن نظرة مسطحة.
"لا؟ جريء جداً؟ رُفضت المفاوضات؟"
لم يتغير تعبير وجه العجوز. نقر مؤخرة رماح خفيفاً بين كتفي إيدن. ليس بقوة. مجرد تحذير. أدار إيدن رأسه ببطء نحو الحارس من خلفه. بدا على الحارس مظهر رجل يبحث عن عذر. وبعضهم بدا كذلك بالفعل. في الواقع، والآن بعد أن انتبه إيدن، بدا معظم الحراس من حوله وكأنهم يفكرون بجدية بالغة في كل الطرق الممكنة التي قد تبرر طعنه من الخلف. تساءل عما يران حين ينظرون إليه. غريب مغطى بالدماء مُسحب من حصار غول.
يرتدي عتاداً مسروقاً. يحمل سحراً مجهولاً. وُجِد قرب سجناء محررين. مسلَّح كمسرح جريمة متحرك. وربما تفوح منه رائحة الدخان والدماء وخيارات الحياة السيئة. حسناً. ربما فهم قليلاً. لكنه ظل تصرفاً فظاً. بدأ إيدن بالمشي. قاد العجوز الطريق. سار حارسان أمامه. وبقي أربعة خلفه. والمزيد اكتنفوا الجوانب. كلها رماح. وكلها توتر. وكلها مهتمة للغاية بالسلامة الهيكل العظمي لعمود إيدن الفقري.
راقبت البلدة. تهامس الناس من المداخل والنوافذ. خلس بعض الأطفال الأنظار من خلف البراميل. توقفت امرأة تحمل خبزاً في الشارع، رأت إيدن، وتراجعت فوراً إلى الخلف. حداد يقف قرب منور مشتعل شبك ذراعيه وقطب جبينه. ساحر يرتدي رداءً أزرق راقب يدي إيدن بشك واضح. رفع إيدن أغلاله قليلاً باتجاه الساحر.
"لا تقلق. خطتي الشريرة مؤجلة حالياً بسبب إكسسوارات حديدية".
قال الساحر شيئاً حاداً لأحد الحراس. عدل الحارس قبضته على الرماح. خفض إيدن يديه.
"حشد حساس".
عبروا الساحورة وتعمقوا أكثر في البلدة. كان المكان أكبر مما ظن إيدن في البداية. تفرعت الشوارع للخارج من الطريق الرئيسي، واصطفت بأساسات حجرية وطوابق عليا خشبية. جرت قنوات تصريف على الجوانب. وقفت أعمدة الفوانيس في الزوايا، مع أن معظمها كان مطفأ في ضوء النهار. رأى بئراً، وضريحاً صغيراً عليه رمز هلال، ولوحة مغطاة بإشعارات، وإسطبلاً تدوس فيه الخيول بعصبية بسبب رائحة الدخان على الجنود العائدين.
حضارة، نعم. جديرة بالثقة، لا. في النهاية، قاده العجوز إلى مبنى حجري يقع بعيداً بعض الشيء عن الشوارع الأكثر ازدحاماً. لم يكن سجناً. على الأرجح. بدا نظيفاً أكثر من اللازم لذلك. لكنه بدا أيضاً كمكان لا يدخله الناس طوعاً إلا إذا ساءت حياتهم. جدران حجرية سميكة. باب ضيق. بلا نوافذ زينة. تركيبات حديدية. حارسان يقفان في الخارج بأسلحة طويلة. توقف إيدن أمامه. توقف رجال الرماح من خلفه أيضاً.
نظر إلى المبنى. ثم إلى العجوز.
"أهذا هو النزل؟ لأن لدي ملاحظات حول الأجواء".
فتح العجوز الباب. تدفق هواء بارد من الداخل. جرى تشجيع إيدن بلطف لكن بحزم للتقدم إلى الأمام بفضل وجود المعدن الحاد من خلفه. في الداخل، كانت رائحة المبنى تعبق بغبار الحجارة، والدخان القديم، والحبر، والجلد، والمعدن. كان الممر ضيقاً. احترقت المصابيح في حوامل جدارية، وكانت ألسنة لهبها ثابتة رغم حركة الناس. رفع كاتب على مكتب صغير رأسه، رآ إيدن، وبدأ فوراً في كتابة شيء ما.
قال إيدن: "حفظ سجلات. رائع. اكتب أنني كنت ساحراً".
لم يفعل أحد ذلك. قادوه عبر الممر، متجاوزين بابين مغلقين وغرفة واحدة مفتوحة كان عدد من الحراس يخلعون دروعهم فيها ويتحدثون بصوت خافت. التقط إيدن بضع نظرات. شك. فضول. اتقزاز. خوف. أغلبه خوف. أزعجه ذلك. ليس لأنه يكره أن يكون مخيفاً. كان الخوف مفيداً. لكن الخوف بلا معلومات ينتهي عادة بأن يقرر شخص ما أن الطعن أولاً هو الخيار الأسهل. في نهاية الممر، فتح العجوز باباً آخر. قُيد إيدن إلى الداخل.
كانت الغرفة تضم مدخلاً واحداً وبلا نوافذ. بالطبع كان الأمر كذلك. كرسي واحد جلس في المنتصف. طاولتان تقفان بالقرب. كانت إحداهما عادية وفارغة. والأخرى تحمل إبريق فخار، وثلاثة أكواب، وصندوقاً صغيراً، وقماشة مطوية، وعدداً من القطع المعدنية التي اختار إيدن ألا يدرسها عن قسوة لأن مخيلته كانت درامية بالفعل. كانت الجدران حجراً عارياً. وكانت الأرضية حجراً. وكان السقف حجراً. من السهل جداً تنظيفه.
لم يعجب إيدن ذلك الخطر. أشار العجوز إلى الكرسي.
"اجلس".
مرة أخرى، وصلت الكلمة محملة بالمعنى. نظر إيدن إلى الكرسي. ثم إلى الباب. ثم إلى الحراس الواقفين خلفه. ثم عاد إلى العجوز.
قال: "غرفة تحقيق. كلاسيكي".
أشار العجوز مرة أخرى. تثاقل إيدن إلى الأمام، مع صليل الأغلال، وجلس. كان الكرسي قاسياً. بطبيعة الحال. الراحة كانت ستبدو مريبة. بقي حارسان داخل الغرفة، واقفين بالقرب من الجدار. وانتظر الآخرون في الخارج. أغلق العجوز الباب، ثم وقف مقابل إيدن وذراعاه مصلوفتان. استند إيدن إلى الخلف بقدر ما سمح به الكرسي.
قال: "إذن، هل أنت الشرطي الطيب؟"
حدق العجوز. نظر إيدن نحو الباب.
"من هو الشرطي السيء؟ هل تأخر؟ ألقة في زحمة السير؟ هل لديكم زحمة سير؟ في الواقع، لا تجب. لست مستعداً عاطفياً لقوانين وقوف السيارات الخيالية".
صمت. رفع إيدن يديه المقيدتين.
"هل يمكنني طلب رامن قبل التحقيق؟"
لم تتحرك ملامح وجه العجوز. تنهد إيدن.
"إن لم تكن تملكونه، فأنا أقبل مشويات صنعها الغول".
تحرك أحد الحراس قليلاً. أومأ إيدن نحوه.
"قد يقول البعض إنه سيء. وأقول إنه طعم يمكن الاعتياد عليه".
ولا ضحكة بعد. نقر إيدن لسانه.
"غرفة صعبة حقاً".
اقترب العجوز ووضع كلتا يديه على الطاولة الفارغة، منحنياً إلى الأمام قليلاً. كان وجهه المُندّب هادئاً. درست عينه الحادة الواحدة إيدن وكأنه يحاول تحديد ما إذا كان سجيناً، أم شاهداً، أم وحشاً، أم مشكلة يجب حلها سريعاً قبل أن تصبح مكلفة. التقى إيدن بنظراته. وللمرة الأولى، لم يستمر في إطلاق النكته. ليس فوراً. لأن وضع لم يكن جيداً تحت السخرية. كان مكبلاً. محاطاً. في غرفة بباب واحد.
أخذت أسلحته الظاهرة. وبقيت ترسانته مخفية، لكن استخدامها هنا سيكشف أكبر ميزة يمتلكها وربما يحول هذه المحادثة إلى محاولة مذبحة بنتائج غير مؤكدة. كان هناك سحرة في البلدة. جنود منظمون. جدران. أعداد. ربما يستطيع الهرب. ربما. لكن ماذا بعد؟ الركض مجدداً إلى الغابة؟ ليصبح المجرم الغامض المغطى بالدماء الذي قتل الحراس بعد إدخاله؟ وفقدان أي فرصة لتعلم اللغة، أو فهم العالم، أو إيجاد خريطة، أو الحصول على معالج؟
لا. في الوقت الحالي، كان عليه مجاراة الأمر. على الأقل إلى أن يفهم رقعة الشطرنج.