"أترى أن دالوي تمثل الطبيعة العامة لبرج رايثبورن؟"
سأل إريك.
قالت مسؤولة المدينة، وهي عجوز شمطاء بشعر أبيض طويل وعين سليمة واحدة: "لا. فكثير من الأماكن أقل لطفاً بكثير. دروب العبيد مثلاً، تعد من أسوأ المواقع للأفراد في العوالم أجمع. يُقطع الناس إرباً ويُرسلون على طول الدرب ليعاد بيعهم سلعاً وخدمات لمن هم أدنى في القائمة ولا يرغبون في خوض أعمال التقطيع والتحوير بأنفسهم".
كان اسمها فوندريا أيرونز، وبدت روحها كأنها بالكاد تقطن جسدها. لقد خاطت كيانها معاً بمئات الطرق الصغيرة، محافِظة على استمرار وجودها بعد وقت طويل من المفترض أن تكون قد هلكت فيه. أحصى إريك خمس طرائق رئيسية على الأقل كانت تتفكك بها. كان نصف دماغها تكنولوجيا، يطلق شرارات بكثافة لم يكن إريك يعرفها، لكنه شك في أنها نوع من سحر توسيع العقل أو قوة سمحت لها بالاحتفاظ بذكريات بعيدة.
ملأ الضوء الأزرق ما قد يكون عروق مانا داخل جسدها، لكنه بدا أشبه بكثير بالدوائر الكهربائية، بخطوط مستقيمة أكثر من اللازم لتعود لكائن حي بالكامل. كان هناك شيء يدور في باطن عظامها قد يكون أو لا يكون شيئاً من النانو-آلِيَّات، لكنه كان أصغر من أن يُرى دون تصوير مناسب، وبدا أنه يحجب حواس المانا لدى إريك، كما لو كان معاديًا للمانا. كان قلبها مضاعفاً، فالقلب الثاني ينبض بتوافق مع القلب الأصلي المركزي، وكان كبدها نوعاً من الكائنات التكافلية بروح مختلفة تماماً عن روح فوندريا الخاصة.
بغض النظر عن تلك الأمور الداخلية، كانت فوندريا امرأة عجوزاً شديدة التجاعيد، وفي نظرات عينها صلابة تتلاءم تماماً مع اسم عائلتها "أيرونز".
"أَتعدّين دالوي لطيفة؟"
سأل إريك.
"بلى. أعدها كذلك. لا يبالي إلداواي بهذا المكان طالما أن الأرقام إيجابية بصورة ضئيلة، ويمكنه الاستمتاع بمنظره الهادئ للأبدية، واستعراض سحره أحياناً لتدمير قطاعات واسعة من الطغاة المتعجرفين. حالنا هنا جيدة جداً".
"... حين تقولين «إيجابية بصورة ضئيلة» و«تدمير الطغاة» و«منظر الأبدية»... لو تحسن هذا المكان ليصبح عالي الربحية، ووُضِع حد لجميع الطغاة، وتحولت الأبدية إلى أراضٍ خضراء غنّاء، فماذا سيحدث؟"
ابتسمت فوندريا، مبرزة أسناناً لم تكن ثابتة في لثتها إلا بفضل التكنولوجيا التي حرصت على بقاء أسنانها صالحة للعمل.
"لا أعلم! لم يحدث هذا من قبل. وددت لو أراه يحدث. أود أن أرى أرضاً لا يتناحر فيها الناس على قطرات الماء، ولا تكون تكلفة الوصول إلى الطبقة صفر بهذا القدر الهائل".
"يجب أن أقول يا فوندريا، لم أكن أنتظر منك أن تكيلي كل هذا الذم لرئيسك".
"إن منحتني القوة للإطاحة به، فسأفعل. لكن هذا لن يحدث لأسباب عدة. أولاً، أنت لن تظل هنا، مما يعني: ثانياً، نحن بحاجة إلى إلداواي لحمايتنا من القوى الحقيقية هناك لأن: ثالثاً، نحن ملاذ آمن في الطبقة الأولى لكل عابر سبيل، وهناك الكثيرون ممن يمرون لأن البرج يمثل الأمان. بصراحة، إن صبت هداياك من القوة في مصلحتي، فسأحاول إبقاء إلداواي سعيداً بالشكل الذي يريده، فضلاً عن سن تدابير جديدة لتوسيع خيرات هذه الأرض. أتوقع تماماً أنه بتغير النظرة إلى الحياة، سأرغب حقاً في مساعدة أولئك الأوغاد الأشرار هناك، وبقدرة كافية سأستطيع فعل ذلك حقاً".
وقالت فوندريا: "لكننا نستقبل أسوأ صنف من البشر هنا، أيها الصاعد فلات. نحن في قاع الطبقة الأولى. وإن ارتكب أحدهم حماقة فادحة تكفي لإرساله إلى هنا في الأعقاب، فسيأتي ليعبث بكل ما تحاول إنجازه، بينما يختبئ الأقوياء منا بانتظار انقشاع العاصفة ريثما يقتل إلداواي أولئك الطغاة ويستعبدهم ويحولهم إلى أشباح، أو يطردهم في حال سبيلهم".
فكر إريك.
وقال: "أود الحصول على أسماء أسوأ الجناة بين النزلاء الآن. أولئك هم من سأزيلهم من هذه الأرض".
"وستحصل عليها".
قالت فوندريا: "كل ما أطلبه منك هو مراجعة سجلات الإنتاج ومحاولة إبقاء إنتاجنا إيجابياً".
"لقد رأيت السجلات. إنكم تنتجون سبعمئة وخمسين ألف ريزون يومياً، بتكلفة سبعمئة ألف ريزون يومياً. أتساءل إن كانت تلك هي الأرقام الحقيقية حقاً، فمع وجود أبراج الإحسان تلك هناك، كان المفترض أن تنتجوا أكثر بكثير من ذلك".
"وحدها الجهات المتعاقدة مع البرج تنتج أي موارد. إن مانا الحياة المخلوقة بالظلام التي أوجدتها هناك لا تسدد أي فواتير".
نظر إليها إريك. لم تكن تكذب.
ليس تماماً— "نحن نلتقط المانا التي صنعتها، والماء المخلوق"، قالت فوندريا، دون أدنى توقف في تدفق كلماتها.
"ولكن ماءً أكثر من المانا. إن أنظمتك مصممة بإحكام شديد، أيها الصاعد فلات. والموارد الحقيقية الوحيدة التي جنيناها من أنظمتك ستكون المانا التي تنتجها الحياة اللاحقة خارج الأبراج، والماء الذي تصنعه آلات النسخ. أما المانا المنتجة داخل الأبراج فيبدو أنها تظل داخل الأبراج. هذا يقلل من صافي أرباحنا، ولكن ليس كثيراً الآن".
وتركَت الأمر عند هذا الحد. انطبع في ذهن إريك بوضوح أن فوندريا لم تكن بحاجة للحيطة في كلامها بحضور إلداواي على الإطلاق، ولهذا كانت مستعدة بكل هذه البساطة لقول نصف الحقيقة لإريك. كانت ببساطة غير متمرسة في المكائد البلاطية، وهو ما... حسناً. خير لها؟ لقد دل ذلك على خير في إلداواي لكون أهله ينساقون ببهجة مع كلماتهم. فهذا يعني أن المكائد التي تدور هنا لم تكن عميقة إلى هذا الحد.
لم يكن هناك الكثير من رجال البلاط هنا في دالوي على ما بوسع إريك تبينه. وربما كان إلداواي هو الوحيد بينهم. وربما تعمد ذلك. نهض إريك.
"سأتحدث مطولاً فيما بعد".
- - - - كان إريك في المقابلة الثالثة مع حارس مدينة ثالث، وبصرف النظر عن الأسباب الفردية والأفكار الخاصة عما يجب إنجازه، كان يشبه الاثنين الآخرين في كل جانب مهم. وكانا يتشابهان مع فوندريا أيضاً في قلة صبرهما وافتقارهما لفضائل فنون البلاط.
قذف كيليجبخ بيديه في الهواء، صارخاً: "لا أدري اللعنة ماذا أقول لك لتدخل! أولئك الأوغاد في القطاع الخامس مستعدون لاجتياح دفاعات الحافة الخارجية لتلك المدينة الجديدة قرب برج النزلاء، وفعل ذات الأمر في تلك الأرض بما فعلوه بثلاث أراضٍ أخرى!"
عبس، وهو يروح ويجيء، قائلاً: "لديك قوة! اخرج واستخدمها اللعنة! أو استخدمني لتنفيذ إرادتك! قال إلداواي إنه إن حولني إلى تنين فسيدعي أمضي لأضع حدا لتلك التهديد اللعين— أمي في تلك البلدة عند برج النزلاء، يا سيد! أنا على وشك ارتكاب خيانة عظمى لأخرج وأنقذ تلك الساقطة! ولن تبالي حتى اللعنة إن قتلت نفسي لإنقاذ مؤخرتها اللعينة، لكن عليّ فعل ذلك مع ذلك!"
كان إريك قد سمع ما يكفي وزاد.
"أقدر صراحتك. لدي المزيد من المقابلات لأجريها، ثم سأذهب لحل مشكلة جبهة الحرب تلك. حسب ما رأيت، كان لا يزال أمام الغزاة ساعات للوصول إلى برج النزلاء".
بدا كيليجبخ مذهولاً. وسقط على ركبتيه.
"شكراً لك. شكراً لك. شكراً لك".
غادر إريك متوجهاً إلى المجموعة الأخيرة من المقابلات.
- - - -
قف إريك في باحة مفتوحة قرب سور المدينة الداخليّ. برزت أربعة كائناتها الشبحية بنصف أجسادها من السور. تلاشت ملامحها وتداخلت هنا وهناك، لكنها بدت واضحة بما يكفي لتُفهم.
كان أحدها تنّيناً تقليديّاً عرّف بنفسه باسم "سماء صلبة".
بينما رفض البقيّة الإفصاح عن أسمائهم.
تحدث "سماء صلبة"
بصوت هامس: "وُلِدتُ في أرض خضراء وزرقاء في زمن يبتعد عن الأزمنة. رمَتني إلى هذه الأرض الجنيّة الملغومة. تنمو الأرض وأريد أن أراها تنمو أكثر. هذا كل ما ينبغي لي إخباره لك".
قال ملاءة السرير المشتعل: "ينبغي تدنيس المدنّسين أنفسهم".
وقال مزيج الأذرع والعيون: "مزّق واهتك أولئك الذين يهتكون ويمزقون يا صاعداً. اروِ الأرض بدمائهم. دع الموت الجديد يغذي النموّ الجديد".
وهسس كائن من ضوء باهت يكاد لا يُرى في الهواء: "اللاإحداثيّ يبتلعنا ونحن نقف أبدياً على شفير السقوط أكثر في جوفه. أعمق من أن ننجو أبداً. وأبعد من أن نعود أبداً. نكافح ونبقى على قيد الحياة. كنت أودّ لو تزدهر. لقد منحتَنا شريان حياة. أجنحة لنحلق خارج الأعماق وإلى النور! حصّن قوتك عبر روحي أيها الصاعد إريك. استخدمنا لإصلاح أراضينا!"
انحنى التنّين. وانحنى الشبح. وانحنى المزيج. وانحنى كائن الضوء راكعاً أمام إريك ليعرض نفسه كوجود بلا جنس يتخذ هيئة إنسان.
فقال إريك: "سأعود".
ثم طار مبتعداً نحو السماء قاصداً برج النزلاء. راقب الأشباح رحيله ثم تبادلوا الحديث فيما بينهم بينما تراجعوا ليتلاشوا في السور مجدداً، متسائلين عما إذا كان ذلك قد سار على ما يرام أم لا.
وتحدث "سماء صلبة"
عن استحالة الجزم بذلك، فإريك كان أعقد من أن يُسبر غوره. - - - - كانت جبهة القتال تستعد للحرب بينما حام إريك عالياً في الأعلى مثل ضوء خفيّ لا يُلمس. كان نزلاء برج الإحسان في الغربية، بينما احتلّ الغزاة الجهة الشرقية.
أو لعلّها كانت تلك الاتجاهات التي أصرّ إريك على تسميتها "غرباً"
و"شرقاً"، إذ لم يكن هناك شمال أو جنوب أو شرق أو غرب حقيقيّ هنا على حدّ ما استطاع إريك رؤيته.
… ومع ذلك. هممم. دفعته تلك الفكرة لاختبار النظريّة عملياً، فعمد إلى صنع وعاء ماء صغير، وقطعة طفو، وقطعة معدنيّة ممغنطة تستقرّ فوق قطعة الطفو. أشار المغناطيس نحوه لسبب غريب. طرح إريك البوصلة جانباً وقرّر تأجيل حلّ هذا اللغز إلى يوم آخر. ثم التفت إلى جبهة القتال. بدت الحرب وكأنها تُخاض بالعصي والسيوف، إذ لم يكن هناك شخص واحد هناك في الأسفل يحيط به أيّ عمل سحريّ على الإطلاق.
ولابد أن مردّ ذلك كان إلى منقّم المانا في دالوي. وربما كان بعض أولئك الموجودين في الأسفل أصحاب قوة سرّية حقيقيّة، لكنهم سقطوا صرعى إثر تفعيل تعويذات تعاقد كارثيّة، وهم الآن إما يختبئون في الصفوف الخلفيّة يصنعون طعامهم من جرذان الرمل والأعشاب، أو تعلموا حمل السيف ليقفوا كتفاً بكتف مع حلفاء الاضطرار. لم تتجاوز أعداد الجيوش مئات معدودة على جبهة الإحسان، لكنهم كانوا مقاتلي بلدة الإحسان الحقيقيّين.
امتلكوا أفضل العتاد وأفضل الأسلحة. أو هكذا بدا لهم بقطعهم اللامعة تلك على الأقل. بينما بلغ عدد الغزاة خمسة عشر ألفاً، لكنهم حملوا حضارتهم بأسرها على ظهورهم، مع كون أغلبهم هناك... حسن يبدو الرجال أقوياء، ومعظمهم يستخدم عصيّا مشكّلة من الأشجار التي نمت في الأبراج. هكذا إذن. عمل رائع يا إريك. تسليحهم لهذه الحرب. أوقات ممتعة حقاً. على أي حال. كانت التركيبة السكانيّة لدالوي منحرفة للغاية.
معظم الناس هنا كانوا من الجن أو البشر أو العوّاق أو بشراً عموماً ذوي هيئة ثنائيّة الأرجل، لكن وجد بعض الشواذ هنا وهناك. وكانت إحدى تلك الشواذ امرأة تحوم خلف ظهرها أربعة أجنحة بيضاء. طارت متقدمة أمام الغزاة وهي تحمل راية حمراء على خلفيّة سوداء. كانت صاعقة سوداء. طارت لتتحدث إلى رجل كان يتقدم خارجاً من اصطفاف برج الإحسان. ارتدى ذلك الرجل المتقدم لباساً أرجوانيّاً فاتحاً.
لم يكن نيلتون، فإنيلتون كان بعيداً وراء خطوط القتال يراقب كلّ ما يحدث من فوق برج مراقبة مستخدماً منظارين بينما كان يتحدث في جهاز لاسلكي أو ما شابه. كانت التكنولوجيا مبثوثة في كل مكان على ما يبدو، وهو أمر غريب حقاً بالنسبة لإريك الذي عزل عن التكنولوجيا لفترة طويلة. بل إن بعض الرجال هناك امتلكوا أشياء شبيهة بالبنادق. وبدا الغزاة وكأنهم يملكون فرقة كاملة من الرماة، إذ أمسك كلّ واحد منهم بأنابيب معدنيّة مصنوعة محليّاً ذات لمعانٍ برّاق.
تساءل إريك عن مداها. ثم تساءل عن نوع التكنولوجيا التي ينبغي عليه استيرادها إلى فيرد حين يعود إلى الطبقة الصفر ويحلّ هراء جُزيرة الجنيّات هذا… لقد أرادوا منه قتل الكائنات ليُثبت قوته أليس كذلك؟
نظر إريك إلى الأسفل نحو بعض "الجيوش"
التي يمكن عدّها "دليلاً على القوة"؟
أربما؟
بالطبع ستكتفي الجُزيرة بالقول: "كانوا ضعفاء، اذهب وابحث عن تحدٍّ آخر".
لذا سيتعين على إريك فعل شيء... مميّز. أطلق إريك همهمة. … لقد امتلك حلّاً هناك. ولكن… … هممم. أجل. كان حلّاً جيّداً. شديد التطرّف نوعاً ما. مع أنه لا يوجد مكان أفضل لاختباره سوى هنا. سيتضمن الكثير من الأجزاء المتحركة. وسيمثّل حلّاً رائعاً لقضية دالوي هذه بأسرها. سيحافظون على إنتاجهم… هممم. على أي حال. بينما كان إريك يعبث بهذا الحلّ في عقله، استمع إلى ممثلي المجموعتين وهما يلتقيان ويتبادلان الحديث.
قال المتحدث باسم نيلتون: "تحياتي".
وقفت المرأة التي لا تشبه الملاكة لتردّ: "الموت لك ولمن يخصّك"، بطريقة عُرضت ببساطة شديدة وخلا من الحقد لدرجة تخيّل معها إريك أنها تحيّة شائعة بالنسبة لها لأي سبب غريب.
فقال توتي: "ما زلتِ ساحرة كما عهدناكِ".
فقالت توتي: "وأنت نذل سفاح كما عهدناك يا بيتن. امنحونا حق الوصول إلى هذا البرج وإلا أحرقناه للنهاية".
"جرّب ذلك ومُت مرّة أخرى".
"أكاد أذكر أنني قطعت رأسك قبل أن تفجّر وسائل الأمان وتدمر الأبراج الأربعة الأخيرة. أراهن أنك ستوت مجدداً هذه المرة".
قال بيتن: "هذا البرج مفخخ لينفجر هذه المرة أيضاً. ربما تصدقوننا هذه المرة حين نخبركم أنه لا ممرّ لكم إليه".
قالت توتي: "إن لم أستطع فلن تستطيعوا أنتم أيضاً. هذه المرة سنطارحكم الموت حتى تغرقوا في الديون لدرجة تُذرّون معها رماداً، وتُربط أرواحكم بواريبورن أبد الآبدين".
"تهديد أجوف آخر. هذا كل ما تحسنونه. إليك تهديداً حقيقيّاً صاغه أسيادك لتتعلم الفرق: لدينا نصف مليون سبب في الاحتياطي. سنفدّي مضاعفة ديونك ثلاث مرّات ثم نعيش في رفاهية بينما تذرى أنت رماداً. أو يمكنك الذهاب والشراء منا مثلما عرضنا. نحن الملوك. وأنتم العبيد. فإما أن تكونوا عبيداً صالحين أو تُسحقوا من عليّ. نملك الموارد لنحطمكم تماماً بينما لا تملك شيئاً".
استشاطت توتي غضباً من تلك الإجابة وشتمت الرجل، وتحولت رايتها من الخشب والقماش إلى رمح طويل لتفصل رأس بيتن في تلك اللحظة بالذات. ابتسم بيتن فحسب، حتى حين هوى رأسه إلى الأرض. وبدو سعيداً حقاً حين تحول جسده إلى رماد وتدفقت روحه بعيداً نحو الرمال متجهة إلى مكان آخر. تساءل جزء صغير من إريك عما إذا كان بيتن واثقاً كل هذه الثقة بنصره في الموت لأنه عاد بالفعل بضع مرات من قبل.
بينما غضب معظم إريك بعض الشيء من توتي لعدم مجاراتها لغزو نيلتون، ولكونها سلكت طريقاً محكوماً عليه بالانتهاء إلى لا شيء لأحد. ثم غضب إريك من نيلتون نيابة عن توتي. تفجير الأماكن التي خسرها؟ سلوك في غاية السوء. كان غضب إريك غضباً صامتاً. الهدوء الذي يسبق العاصفة. وتصاعدت العاصفة بسرعة اندلاع الحرب على مسافة كيلومترين بين المدافعين عن البرج والغزاة. أطلقت البنادق كرات معدنيّة هشّت الدروع الخشبية ونثرت الدماء في الهواء.
لمعت السيوف عند الأطراف قطعاً وبتروساً. زأر الناس. طار بعض الغزاة إلى السماء بامتلاكهم قدرات طيران لم تكن معتمدة على المانا أو الريزون أو قابلة للسرقة من منقّم المانا في دالوي. أطلق أحد الغزاة أشعة حمراء ساطعة من عينيه. وفتح رجل يرتدي السواد في جانب المدافعين عن البرج ثقوباً في العالم ابتلعت كل الأجسام الطائرة بدقة مطلقة. صرخت توتي لتُربك كل ما حولها وهي تطير متقدمة ويقودها رمحها.
وهنا غضب إريك حقاً. حدق مطولاً في مسار صاعقة. ورأى طرقاً عديدة لإعادة صنع العالم. كان بإمكانه التحدث إليهم جميعاً / لم يكونوا مستعدين للكلام. كان بإمكانه فرض تسوية / لم يكن بمقدور [التناسخ] فعل الكثير دون رقابة تمنع الناس من الارتداد. كان بإمكانه بناء برج للغزاة في الجهة الأخرى من دالوي / وهكذا تبدأ حرب من نوع آخر. كان بإمكانه فصل هذه الحرب الآن / وتأجيل المشكلة إلى يوم آخر.
أثناء طيرانه إلى هنا وبعد حصوله على ملفات تعريفية عن الفاعلين الرئيسيين في جبهة القتال هذه، فكر في تحويل بعض أولئك الفاعلين الرئيسيين إلى تنانين إحسان في أفضل الأحوال، أو ربما محاولة العمل على سحر التعاطف مجدداً. لم يمتلك إريك سحر التعاطف فعليّاً في الواقع لأنه استهلكه بالكامل لصنع النجم البلّوري، ثم مضى النجم البلّوري ليعود إلى أيدي كنيسة كويابيز، ومُنح إريك تعويذة [مباركة التعاطف]
من كويابيز وتتجدد تلقائيّاً كلما استخدمها. لكن تلك التعويذة كانت من كويابيز ولم تنتقل معه حين غادر النص. كان بمكانه صنع [مباركة التعاطف] الخاصة به مجدداً، وتأكد من ذلك تماماً. ومع ذلك، بدا ترك ذلك السحر الذي يلوي الأروح خلفه أمراً لطيفاً إلى حد ما. وما إن خرج ذلك السلاح المحدّد من يدو إريك حتى غدا الأمر أشبه بترك سكين دامٍ وفعّال؛ كان تطهيراً. وإلى جانب ذلك، امتلك إريك طرقاً كثيرة أخرى لجعل الناس أكثر تعاطفاً.
طرقاً ألطف. وأعذب. وهذا ما ركز عليه إريك الآن. ركز على مساره الصاعقي وهو يمتدّ منه نازلاً إلى مركز ساحة المعركة ويمتدّ في كل الاتجاهات ليلمس الجميع في الميدان وينطلق بأقواس متعرّجة طوال الطريق وصولاً إلى بلدة برج الإحسان وما بعدها. وفي الوقت نفسه، اهتزت تعويذة في جوهر إريك بدافع الاحتياج. برغبة إريك الخاصة. وبينما قتل المحاربون المحاربين وتلاشت الأرواح في الرمال، التحم المسار الصاعقيّ معاً.
قبل خمس دقائق فقط، طرح إريك على نفسه حلّاً ولُد بالكاد لمشكلة الحرب بين النزلاء. والآن، أثبت ذلك الحلّ أنه يسير بالسهولة نفسها التي يسير بها المسار. خلط إريك الإحسان بكلماته وهو يتحدث بالمانا والريزونات،
"بكلمات رعدية، أصلح هذه الخلافات. بقوة مثبته، خلق درب يخترق القلوب القاسية ليلين برفق. إلى شواطئ بعيدة! إلى محطات هادئة. هذه الأرواح المحررة، على الحب نرسلها أسفل دورات الحياة العظيمة؛ تناسخ أعظم."
حدثت أمور كثيرة دفعة واحدة. لم يقتصر تأثير التعويذة على طاقة إريك وحدها، بل امتد ليسلب من حيويته ونفسيته أيضاً. تدفق النقاء الأبيض المتوهج خارجاً من كيان إريك بأسره، مستهدفاً قلب ساحة المعركة حيث انشق ليصيب توتي والرجل الذي قتلته للتو، فانتزع روحيهما من جسديهما وأحال ما تبقي منهما رماداً تحول بسرعة إلى نباتات. لم تتوقف الصاعقة. واصلت مسيرتها على طول جانبي الصراع، لتصيب الناس في صدورهم، أو رؤوسهم، أو أرجلهم، قبل أن تخترق أجسادهم لتخرج من الطرف الآخر، حيث تنقسم مجدداً وتتوغل أبعد.
انطلقت تلك الصاعقة بعد ذلك نحو السماء، تشق طريقها عبر التصدعات في الواقع هنا وهناك كأنها تصارع من أجل الفرار، وقد فرت بالفعل. خلق جسد إريك السحر الذي أداه تلقائياً، مسجلاً إياه في صورة بلورة نقاء داخل روحه، لتطفو كلمات على السطح. لم يقم إريك بذلك بوعي منه. لقد كان مستعداً للقيام به، لكنه لم يفعله فعلياً. إعادة التجسد الكبرى، فورية، نطاق خاص، 500/500/500/100 من الموارد/الصدى لكل هدف.
امنح حياة زاخرة لمجموعة من الأهداف. لتجد الأرواح التي مسستها قوتك نفسها دائماً على دروب النقاء. لتلائم أشكالها الجديدة ذواتها بشكل أفضل من تلك التي سبقتها.
لسبب ما، لم تظهر «رسالة إنشاء التعويذة»، ولا بأس في ذلك.
كان ذلك أقل إزعاجاً بقليل من حقيقة أن التعويذة قد حولت نفسها إلى «زر»
قابل للضغط. على الأقل انخفضت تكلفة التعويذة من خمسة آلاف لكل شخص، إلى خمسمائة من الطاقة والحيوية والنفسية. وربما يعود ذلك إلى عدم تحكم إريك المطلق بأي جزء من هذه التعويذة. كان الناس يُقذفون في الأكوان المتعددة يمنة ويسرة، ويُخطفون وميضياً إلى الفراكتال أو علم الظلام وحده إلى أين، ليتموضعوا في أجساد لا يملك إريك عليها أي سيطرة تذكر. نأمل أن يمتلك هؤلاء الناس بعض السيطرة على التعويذة أنفسهم.
هكذا بدا الأمر لإريك، على الأقل، بينما كانت صواعق النقاء تجلد الجندي والمقاتل والأم المرتجفة والأب المحتضر والقاتل ومبيد الشعور والطغيان والمجرم والعبد والسيد و— استمرت مهارة إريك [إعادة التجسد الكبرى] إلى ما بعد ساحة المعركة بكثير، بينما هبطت موارد طاقته بسرعة مروعة بينما تراجع صداه بخمس السرعة. لقد كان يملك ما يقرب من خمسمائة مليون من كل من الطاقة والحيوية والنفسية، وخمسة عشر مليوناً من الصدى بسبب كل الوقت الذي أمضاه محلقاً عبر اللانهاية.
لكن سبعة وأربعين وخمسمائة ألف نزيل من دالوي، إلى جانب خمسين ألف مقيم، تتراكم أرقامهم بسرعة هائلة. تلاشى المائة مليون الأولى من الطاقة والحيوية والنفسية أسرع من البقية، وبدا أيضاً أن هناك هبوطاً حاداً في الصدى أكبر بكثير مما كان يجب أن تكلفه البداية. ربما تعلق ذلك بالقوة اللازمة للخروج من الطبقة الأولى؛ فلا يمكن أن تكون طبقة فخاخ إن كان مغادرتها أمراً اعتيادياً.
اجتاحت الصواعق ساحة المعركة أدناه بأسرها، وحيثما خطفت بشراً، خلفت وراءها نباتات. دافع بعضهم عن أنفسهم فالتفت التعويذة حولهم، لتضربهم من الخلف. سرت الصاعقة صعوداً عبر السيوف، إلى الأيادي ثم الأرواح. اخترقت الصاعقة السحور البسيطة هنا وهناك كأنها هباء. كان الجميع تقريباً عزل من الدفاع. لم يكن لدى أغلب الناس أي فكرة بأنهم ينتقلون إلى مرحلة أخرى إلا حين نقلهم إريك، قسراً.
أولئك الذين تم أخذهم تحولوا إلى صواعق أنفسهم ليختفوا في مكان ما. لم تعد ساحة المعركة مكان حرب على الإطلاق. لقد أصبحت غابة صغيرة. ومع ذلك، ظلت الصاعقة تشدو داخل إريك، متحولة إلى سيل ناعم من النوار حين لم تجد من تضربه فوراً. انتشر النوار في الأرجاء. وتجمع في هيئة صواعق مجدداً حين عثر على هدف، والمتمثل في عمالقة اللحم بطول خمسين متربة والذين كانوا يحرسون قرى خلت من سكانها لأن الصاعقة كانت قد أخذتهم مسبقاً.
تحول العمالقة العظام إلى حجارة مغطاة بالطحالب قبل أن تمضي الصاعقة في طريقها. تبدد تقريباً كل مقيم في بلدة برج نقاء النزلاء في موجة من النقاء. وامتدت تلك الموجة نحو الأسوار حيث تراقصت عبر أعمال سحر سكين السكني، ضاربة عمالقة اللحم الحارسين هنا وهناك ومتبخرة بالمزيد من بلدات النزلاء، تاركة وراءها الطحالب والأعشاب والزهور والأشجار. اصطدمت الأعمال السحرية بمدينة دالوي المركزية، محاولة تجاوز كل فاني وميت حي مقيد تحت حكم الليتش لتحويلهم إلى صواعق تختفي في السماء.
تحولت نصف الأسوار المركزية للممدينة إلى العدم، لكن قوة دوت من القاعة الكبرى في المنتصف، نابضة بموت شرير لصد صواعق النقاء، كدرع مفاجئ من نوايا القتل. في دقيقة خاطفة، أو أقل ربما، توفقت الأعمال السحرية المتدفقة من إريك عن الاندفاع بالسرعة أو العمق نفسيهما. انقطع التدفق. ترهل إريك في السماء. لم يشعر بالتعب أبداً منذ صعوده. ليس حقاً. لكنه شعر بالتعب الآن. وما زال الناس في كل مكان.
ليس كثر. ربما واحد بالمائة فقط. واحد من كل مئة؟ لا. نظر إريك حوله. أقل من ذلك بكثير. من بين خمسة عشر ألفاً من النهابين وعشرين ألفاً في بلدة برج النقاء، كان هناك نحو ثلاثين شخصاً إجمالاً.
كان لجميعهم «أعمال سحرية»
تحيط بهم أيضاً. ليست أعمال سحر طاقة حقيقية. لقد نجا صاحب القرص الأسود. نجا نيلتون وحارسه الواقفان فوق برج مراقبة بفضل امتلاك الحارسة نوعاً من سحر [مكعب القوة]. نجا نهاب يضع مجموعة من الرياح في شعره— حسناً.
ليس «نجا»، بل «رفض الفرار».
حتى وإن بدا ما فعله إريك شريراً إلى حد ما، فإن أي شخص يستمع إلى كلماته —والذين كان كل من هناك— كان ليعلم أنها كانت هدية. ابتسم إريك بتهكم. لقد ارتكب للتو عملية هروب من السجن ضخمة للغاية. شعور غريب انتابه حيال ذلك. شعور جميل نوعاً ما— دوت كلمات الداوي من السماء.
"أرجو أن تأتي للتحدث معي أيها الفلات الصاعد. أريد كلمات هادئة."
قال إريك لنفسه: "يا للهول!"، وهو يشعر ببهجة غامرة.
بهجة طاغية! حسناً. أخذ إريك لحظة ليهدأ، لأنه كان سعيداً أكثر من اللازم لمساعدة كل هؤلاء الناس دفعة واحدة هكذا— تنفس إريك. هدأ.
صاح راداً بكل السماء، ليمتلئ العالم لفترة وجيزة بالصواعق: "سأكون هناك قريباً!"
دوت الرعد تحت سماء زرقاء صافية.
التفت إريك إلى ساحة المعركة في الأسفل، نحو البرج حيث يبدو نيلتون وحارسه مذعورين، قائلاً: "أنا وأنت سنتحدث الآن."
أمر نيلتون حارسه بالفرار. فعل الحارس ذلك تماماً، مهرولاً نحو سلم البرج ثم شق طريقه بحذر عبر الغابة النامية بأسرع ما يمكن. تعثر في شجرة ساقطة. لم تكن الأرض هنا مستقرة تماماً، بعد كل شيء. كانت كلها رمالاً وتراباً عارياً. كل هذه الحياة النباتية ستموت وتصبح جزءاً من الرمال لتبدأ حتى في كونها مفيدة لنمو المزيد من الحياة.
طفى إريك أمام برج نيلتون، قائلاً: "كان يجدر بك قبول إعادة التجسد. يمكنك أن تكون في طريقك الآن لإدراك أن تمزيق الأرواح من أجل الثروة الشخصية نموذج عمل فظيع."
تجاهل نيلتون قلق إريك، قائلاً: "تصرف رجلي بدافع الغريزة. لقد سامحته بالفعل. لكنني سأقبل إعادة تجسد شخصية."
"تم."
أخرج نيلتون بسرعة كنزاً متحولاً ومفسداً في يده، محاولاً اعتراض الصاعقة، لكنه لم يكن أسرع بما يكفي، ولم تكن الأداة مفسدة بالقدر الكافي. انطلقت صاعقة نقاء من السماء الزرقاء الصافية، لتتبخر الفساد، وتدخل— - - وقف إريك بصحبة نيلتون عارياً على شاطئ قرب مدينة فضية لامعة تحلق فيها السيارات بمسارات في السماء. نظر نيلتون حوله لينتقل بسرعة من محتال يخطط لأخذ أكبر قدر ممكن من إريك، إلى رجل رأى أملاً حقيقياً لأول مرة في حياته.
كان هذا عالمه الأصلي. كان ذلك واضحاً للعيان. مرت لحظة صمت هادئ. صرصرت بعض الحشرات في الأشجار. تلاطمت أسماك ذهبية في المياه وراء الشاطئ.
وحدق نيلتون في كل شيء، هامساً: "ما كنت أتوقع العودة أبداً."
"لم تَعُد بعد وأنت تعلم أنني لن أسمح لمستغل للبشر بالعودة إلى العالم الأرحب."
تحدث إريك، قائلاً: "اختر مصيرك يا نيلتون."
بينما تنهمر دموعه فجأة، قال: "أريد أن أكون محبوباً."
"تنال ما تعطيه."
- - —قبل أن يغادر في ومضة بيضاء، محلقاً إلى الأعلى مجدداً، بينما أخذت الصاعقة البيضاء نيلتون لتختفي بعد ذلك. وبمرور الصاعقة بدا الأمر كالتصدع في السماء وهو يلتئم، نحو أزرق صلب عند الآفاق، نحو خيال مارغلينوت عالياً جداً فوق الرأس. عرف إريك أن نيلتون سيكون مصدر قوة حقيقية أينما احتاج إلى أن يكون، لكن الأمر لن يكون كما كان من قبل حيث استغل كل من حوله لمصلحته الخاصة.
لقد كانت حقيقته الشخصية هي «الكل لي»
وفقاً لفوندريا، مديرة مدينة دالوي. عرف إريك أنه حول حقيقة نيلتون إلى شيء أكثر نقاءً بكثير. سيظل يستغل الناس بالطبع، لكنه سيمنحهم الكثير مقابل مكسبه الخاص. هكذا سيتسلق نحو الصعود حتماً، لا شك في ذلك. إن تمكن من فعل ذلك بنفسه. تمنى له إريك التوفيق، حتى وإن لم يكن يجدر به ذلك ربما. كان نيلتون طاغية. كان يمزق الناس. كان يستغلهم. لم يستخدم التعاطف معه. ليس كلياً، على أي حال.
ليس مباشرة. الشيء المهم هو أمران: أن نيلتون خارج دالوي، وبالتالي لم يعد قادراً على تلويث هذه الأرض بوجوده، وأنه يملك فرصة للبدء من جديد بحقيقة أفضل ستساعد بدلاً من أن تضر. مضى إريك في طريقه. قرر عدم تعقب كل فرد على حدة ممن فشلوا في قبول [إعادة التجسد الكبرى]. توجه نحو أبراج النقاء المدمرة بدلاً من ذلك. لم يكن إصلاح ما انكسر صعباً بالقدر الذي كان عليه إنشاء ما لم يكن موجوداً في الأساس.
بعد خمس ساعات فقط من بدء مشروع الإصلاح ذاك، امتلك إريك بعض أدوات [تعديل البيئة]، وشبكات العقد، و[نجم السحب السفلي]، لتتكاتف جميعها في خلق حياة جديدة مجدداً داخل كل برج. ما احترق وانفجر أصبح سماداً للجيل القادم. استمرت الحياة. حين انتهى إريك من ذلك، صنع لوحة إعلانات من الخشب كتب عليها بعض العبارات ورسومات توضيحية، ثم نسخ تلك اللوحة وغرس تلك النسخ في الأرض قرب كل مستوطنة كبرى ضمن منطقة دالوي المحمية.
حملت اللوحة صورة سهام شبيهة بالصواعق تختفي صعوداً مبتعدة عن الصحراء، والرسالة ذاتها بعشرين لغة مختلفة: «تم إرسال زملائكم النزلاء إلى أجساد وحياة جديدة في مختلف أنحاء الأكوان المتعددة. أشك في أن أياً منهم قد انتهى به المطاف في البقعة ذاتها. لقد دفاعتم عن أنفسكم وبالتالي لم تأخذكم الصاعقة. إن كنتم ترغبون في المضي قدماً نحو حياتكم التالية السعيدة نأمل، فاخرجوا من مخابئكم وامروا نحو المدينة المركزية. سأقوم بإزالة جميع عقود ولادة الاشباح من الناس أيضاً، إن كان ذلك ما تبغونه بدلاً من ذلك. أو إن كنتم تريدون جسداً جديداً، فيمكنني فعل ذلك أيضاً. سأتحقق من المسافرين في الأيام القليلة القادمة.»
ثم توجه إريك إلى المدينة المركزية.
- - - -
كان مركز دالوي مدينة أشباح، بالمعنى المجازي أكثر من الحرفي. وربما بالمعنى الحرفي على طريقة الأرض أيضا، حسب ما فكر إريك. لم يتبقَ بشر في هذه الأرض. الأحواض خالية من السباحين. الفحم يقطر في الشمس على مواقد بلا شواة لحوم. الفطائر تجف في الهواء الطلق، والكتب ملقاة حيث أسقطها قراؤها. تلك الأماكن، وجزء كبير من المدينة، تكتسي الآن نموا أخضرا جديدا؛ من الطحالب إلى الأعشاب والأزهار وحتى بعض الأشجار هنا وهناك.
ثلاث نخلات جميلة تلوح الآن في النسيم فوق الأسطح في الجزء الرئيسي من المدينة. وهناك حتى بعض أشجار السنديان الطويلة، أو الدردار، أو أي اسم غريب آخر قد يطلقه الناس على بعض الأشجار التقليدية، تبرز بين المباني هنا وهناك. ثم كان هناك الدمار. مراسي الأشباح، أو أيا كانت تسميتها، كانت جزءا من المدينة نفسها. جدار هنا. عمود هناك. قطعة من ذلك الطريق. الحجر المجاور للحجر الرئيسي في ذلك القوس.
نصف ذلك المنزل. تلك القطع اختفت فانهارت المدينة في غيابها. كانت نصف خرابة، كلها سوداء ومحطمة وميتة. يمكن إصلاح بعض ذلك بالطبع، ولكن ليس بسهولة. ليس من قبل هؤلاء الناس، بناء على ما رآه إريك من مستوى طاقة هؤلاء القوم.
قد يكون هذا جزءا من مارغليكنوت، في «مركز»
الكون، لكن معظم الناس هنا بشر أيضا، وبشر فيرد سيمسحون الأرض بالعديد من بشر هذه الأرض. قرر إريك أنه سيطرض إصلاح الضرر الهيكلي لاسترضاء إلداواي— أه! بدا أن بعض الأشباح نجت. رصد إريك أشباح جدار مركز المدينة بينما كانت تمد أيديها من ذلك الجدار لتتجسس عليه وهو يمر من فوقه. لم يحاول أي منهم فعل أي شيء... لكنهم حدقوا فيه كثيرا. أوقف إريك طيرانه لعدم وجود إلداواي في الفناء حاليا.
ربما كان تحت القبة الرئيسية، لكن تلك الأبواب كانت مغلقة. استطاع إريك الرؤية من خلفها رغم ذلك. إلى حد ما. كان استشعار المانا هنا أصعب بكثير من المرة السابقة. البقع العمياء الاثيرية تزاحمت على جزء كبير من الأرض. بدا أن إلداواي ينتظر إريك على المسرح المركزي تحت القبة المركزية. كان في جسده الأصلي؛ ذاك الذي يبدو كقزم بلا جنس بطول ثلاثة أمتار مع عظام سوداء تبرز من لحم جاف، مزين بشال أسود شفاف.
لكن الأبواب الرئيسية كانت مغلقة. لذا استدار إريك نحو الأشباح في الجدار الرئيسي. التنين صلب السماء كان هناك، إلى جانب شخص النور. ملاءة السرير والكيان المدمج قد اختفيا. حط إريك على الحجر الأسود داخل الجدار، مباشرة بجانب تننين الأشباح وكائن النور.
"أصدقاؤكم مضوا قدما في [التقمص الأعظم]. هل تريدون المضي قدما إلى حياة أخرى؟ ستتمكنون من الاحتفاظ بذكرياتكم ولكن بلا أي من قوتكم، ومن المرجح أن تتغير حقيقتكم إلى شيء أكثر إيجابية وإبداعا... ما لم تكن لديكم بالفعل حقيقة إيجابية وإبداعية. بصراحة، لست متأكدا مما يحدث بعد [تقمص] مدعوم بالصدى".
بدا كل من صلب السماء وكائن النور على بعد قرار صعب واحد من محاولة إيذائه. الشيء الوحيد الذي منعهما هو معرفتهما بأنهما لا يستطيعان فعل شيء. كانا على وشك المحاولة رغم ذلك. كانت كائن النور تحمل خطوطا رمادية تسيل حيث قد تكون عيناها لو كانت شخصا ماديا.
مع كبح غضبها، حاولت أن تبدو هادئة وهي تسأل: "لماذا فعلت هذا؟ لماذا أخذت شعبنا منا؟"
"أيهما؟ النزلاء الذين لم يكونوا هنا إلا بسبب نظام تقييد أرواح جعلهم نزلاء في المقام الأول؟ أم سكان هذه المدينة، المولودين لنزلاء والذين ألقي بهم في حياة بلا شيء؟ أم شبح الكيان المدمج وشبح الملاءة؟"
"نعم"، تكلم صلب السماء، وكائن النور.
ثم قال صلب السماء: "نحن جميعا سجناء، لكننا ما زلنا هنا جميعا كعائلة".
قالت كائن النور: "إلى أين أخذتهم؟ توتي وألوواثوكي وبيرن ولورو و— وكل أولئك؟!"
"لا أعلم. من المرجح أنهم ذهبوا إلى مكان ما على طول تدفق الرحمة الحالي هناك في الكون ثم ترجلوا على الأرجح إلى عالم، منتقلين بالطريقة التي رغبوها ومكتسبين جسدا جديدا خاليا من كل الأعباء باستثناء أعباء الذاكرة. أتريدان محاولة اللحاق بواحد؟"
مرت لحظة.
"نعم"، قال كائن النور.
"لا"، قال صلب السماء.
نظر إريك إلى كائن النور، و— ضرب الرعد. سقط البرق. - - لم تكن الصحراء صحراء. لم يكن دالوي خراباً على الإطلاق. أرض يقطنها مليار إنسان توفرت لها ملاذات من النهاية تحت فقاعة من القوة يحيط بها خناجر بيضاء، المدينة متألقة بالذهب والأبيض وشاهقة، والخناجر وبعض المباني تصل إلى ما يقريب كيلومترا من الارتفاع، وكلها تحفة فنية. لم يكن هناك عمود من الضوء الرمادي فوق مركز المدينة.
لم يكن هذا دالوي الخاص ببرج واثبورن. بل كانت المدينة التي سبقت. بين المباني البيضاء، تنقل الناس على كتل حجرية طافية. أكلوا طعاماً نبت من حقول تنتج إلى الأبد. كانت هذه أرضاً خضراء وذهبية وبيضاء وخصبة، وعلى الرغم من أن بعض أجزائها كانت مظلمة ومميتة، إلا أن الجميع عاشوا جزئياً على الأقل في نور الأمل والعطاء والمجتمع. كان كائن النور امرأة قزمية ذات أجنحة بيضاء ثمانية ترتدي فستاناً مشرقاً، وعيناها برك من ضوء الشمس.
وقفت على بركة اصطناعية حيث تنمو الزنابق وتسبح الأسماك في ظلال تلك المياه. نظرت حولها، ثم نظرت إلى إريك.
سأل إريك: "أهكذا كان يبدو دالوي سابقاً؟ إن كان الأمر كذلك، فأنا غاضب من إلداواي أكثر من ذي قبل".
ابتسمت كائن النور برفق.
"هذا دالوي في أوج مجده، قبل ستة آلاف سنة فحسب. عندما سقطنا، سقطنا بقوة، ورضوخ أخي إلداواي للمدمرين كان السبب. ومن خلاله جعل برج واثبورن هذه الأرض سجناً، هنا في أعمق أصقاع الجانب الآخر لمارغليكنوت".
ابتسمت.
"لم أستطع إخبار أحد بتلك القصة منذ وقت طويل جداً. أعتقد... أنني قطعت إرباً".
التفتت برأسها بعيداً عن دالوي، قائلة: "أريد أن أراه مجدداً... لكن لا يمكنني البقاء، أليس كذلك؟ سيتعين علي شق طريقِي للعودة بمفردي".
نظرت إلى إريك.
"أليس كذلك؟"
"نعم. أنت تتقمصين الآن. لا يمكن إيقاف العملية. ألديك أي طلبات؟"
أصلبت المرأة نفسها، وأجنحتها الثمانية ترفرف خلفها، وكل منها منفصل عن جسدها ومع ذلك لا يزال متصلاً بطريقة ما.
"أريد أن أذهب معهم جميعاً ولا أبالي إن تفتت ذاكرتي".
"ستتفتت ذاكرتك، باستثناء هذه الذكرى هنا".
قال إريك: "حظاً سعيداً".
- - انطلق البرق في مئة وثمانية اتجاهات في سماء مارغليكنوت ثم تلاشى في تشققات في الهواء، متسللاً إلى بقية الكون المتعدد— دوى صوت رعد هائل في الهواء. انشطر البرج الأقدم في مركز دالوي إلى نصفين، فتحطم العمود الرمادي الذي أبقى المدينة معلمة كمستوطنة لبرج واثبورن إلى أجزاء سريعة، ثم تلاشى. لم يسقط على الإطلاق. بل اختفى ببساطة إلى مكان آخر، وتحولت السحرية إلى مانا عديمة الاتجاه.
وشعر إريك بالتعب مجدداً. كان لا يزال يمتلك الكثير من الموارد، لكن هذا السحر الكبير كان يثقل كاهله. نظر إريك إلى التنين صلب السماء.
"أتريد أن تكون تنفيناً مجدداً، هنا، في هذه اللحظة والزمان؟"
"... أريد. لقد قلت ذلك سابقاً. ليتني أنال هذه المنحة قبل أن تُنتزع مني بسبب عجزك عن إحداث الفوضى بأدب".
ابتسم إريك لذلك.
"أتعلم حقاً أن روحك قد جُزئت لكي تتمكن من قول أشياء كهذه، أليس كذلك؟ معظم الأشباح العالقة، لو مُنحت الفرصة، لطلبت ما طلبته أخت إلداواي؛ المضي قدماً. ولهذا قد يكون هناك عدد قليل من البشر الأحياء هناك ولكن لا يكاد يوجد أي أموات أحياء. أنت وهي وحدكما من بقيتما. يمكن للبشر اتخاذ خيارات نشطة. أما أنت فلا تستطيع سوى التصرف بناء على الدوافع. الموت العنصري، حسب خبرتي، يدور برمته حول جعل الأشياء تظل كما هي. بمجرد أن تعيث فساداً في القفل الذي يمسكه الموت بالحياة، مع ذلك، يتدفق الزمن وتعود الرغبات وتحدث كل أنواع المطالب من جديد".
سأل إريك: "من كنت قبل أن يحولك برج واثبورن إلى دمية؟"
تحول صلب السماء تدريجياً من شبح شاحب إلى تنين أحمر بالكامل بينما كان إريك يتكلم، وكانت الروح الميتة تزداد غضباً على غضب. لم يكن يطيق إخباراً بأنه لا سيطرة له على حياته. ووصفه بالدمية مباشرة كان القشة التي قسمت ظهر البعير. زأر في وجه إريك، مهباً جارحاً محملاً بالزجاج اكتسح جسد إريك، ممزقاً ملابسه ذات خيوط التوهج وممزقاً صحته ولحمه السطحي، ولكن لا شيء غير ذلك. سعت ملابس إريك للاختفاء خلف رقبته وظهره وبقيت هناك، سليمة وخارج نطاق العصف.
تقدم إريك خطوة وأمسك بفك تنين الأشباح مغلقاً إياه بهالة تشبه يديه ומخلبيه التنينيتين، مطبقاً على فك صلب السماء وممسكاً به هناك كطفل سيء السلوك. لم يعد بإمكانه الهرب الآن، ولكن بينما تحول من الأحمر إلى الأبيض ثم إلى حالة شبحية قدر الإمكان، كان يحاول جاهدة الهرب. كانت عيناه ممتلئتين بخوف يكاد يبدو واعياً بالكامل.
قال إريك: "انهض كَتنين للرحمة".
سرت ومضات البرق من إريك، إلى داخل شبح صلب السماء ثم إلى كامل الجدار المركزي للمدينة. كل جزء مفرد من الجدار الذي بقي إما انهار أو تبخر ببساطة. وتململ خطم تنين أزرق حي تحت قبضة إريك بينما تجسد صلب السماء فجأة وحطم بضع منازل خلفه في انتقاله إلى اللحم. لم يكن كالتنانين التي عرفها إريك؛ لا النسخة الطويلة مثل روزيتا ولا النسخ الكبيرة والمجنحة مثل إريك وميليميزارغو. لقد كان شيئاً مختلفاً.
جسداً متلوياً، نحيلاً وطويلاً بطول مئتي متر تقريباً، ولكن مع أجنحة عملاقة على بعد ثلث المسافة لأسفل. وكان مكسواً بالريش أيضاً. بدا تقريباً مثل كواتل، لكنه كان أكثر رشاقة.
أقل شبهاً بـ"حيوان أليف منزلي".
وأكثر شبهاً بـ"شيء تلمحه في الغيوم ولا تراه كاملاً أبداً".
وكان يحدق في إريك بعينين زرقاويْن ساطعتين. نظر إلى قبضة إريك حول فمه. وكان على وشك الهرب في اللحظة التي يحرره فيها إريك. هممم.
سأله إريك: "أستنوي الهرب؟"
توقف صلب السماء. كاد يكذب. ثم قال الحق.
همس بكلمة "لا"، رغم أنها بالكاد كانت مفهومة تحت قبضة إريك.
أفلت إريك قبضته. وتراجع صلب السماء— توقف. وأصلب نفسه.
حدق في إريك، وقال: "شكراً لتحريري. كدت أن أستسلم لرغبتي الخاصة في... الفرار، ككائن ميت حي".
"لقد لاحظت".
"... نعم لقد لاحظت".
"ألديك اسم؟"
"صلبيوسكاي".
"آه. إذن... أكان ذلك إهانة، أو شيئاً آخر، أن يُنادَى بـ'صلب السماء'؟"
"... كنت في السابعة والأمخاس من عمري عندما أسروني في عالم بعيد من هنا وحشروني في هذا الجدار من دالوي. حدث هذا قبل خمسة آلاف سنة. أنا أتجاوز الإهانات و... أتجاوز وطني بقدر كبير. كنت أعتقد أنني مغرم بالأسر لكن... لست كذلك. أتمنى الانتهاء من هذه المحادثة والهرب بينما تشغل أنت وإلداواي بعضكما البعض. ألي أن أذهب؟"
"بعد أن تخبرني بما يجب أن أعرفه عن إلداواي".
"... إنه ناسك، في جوهره. يريد السلطة، وأن يمر دون أن يلاحظه أحد. أكبر ميزة لديك الآن هي أنك أنهيت حرباً في أراضيه وهيأت هذه الأراضي لمستقبل أفضل لكل النزلاء القادمين الذين قد يسقطون هنا".
"كنت سأقول 'إنك تجني خمسين ألف صدى فقط في اليوم على أي حال، فما هي المشكلة الكبرى'".
"... إنه يجنى أقل بكثير من ذلك بكثير الآن..."
نظر صلبيسوكاي إلى ما وراء إريك، نحو برج القبة الكبير، قائلاً: "أه—"
انفجر الموت الشرير من القبة المركزية، ممتداً على نطاق واسع وبعيد، محطماً الباب المزدوج للقبة عن مفصلاته ثم مذيباً الباب إلى رقاقات معدنية صدأت وتفككت، لتغسل كرمال حمراء فوق إريك. نجا صلبيسوكاي من تلك الموجة من القوة السوداء الرمادية ثم الموجة الحمراء، مختبئاً خلف إريك حتى مر أسوأها، ثم فر بأقصى ما يستطيع الفرار بعيداً مباشرة عن إلداواي وتَحويل ساحة المركز بأكملها في المدينة المركزية إلى رمال.
تحولت الأعمدة السوداء والرمادية إلى أنقاض وانهارت في كل اتجاه، ما عدا في اتجاه واحد، هناك، بعيداً وراء تلة منخفضة على الجانب الآخر من هذه المعركة المبتدئة. افترض إريك أن المباني الصغيرة في هذا الاتجاه تضم الأشخاص الذين يهمهم أمر إلداواي، أو على الأقل أولئك الذين يهمونه بما يكفي لإنقاذهم من [تقمص إريك الأعظم]. إذا نجت فوندريا، مديرة المدينة، وهؤلاء الحراس، فحينئذ إذا هدأت هذه المعركة، سيضمن إريك قدرتهما على إعادة البناء.
خطا إلداواي عبر الرمال السوداء التي صنعها، إلى أنقاض وسط المدينة الرئيسي، إلى الفناء المتداعي حيث التقيا هو وإريك أول مرة.
تقدم إريك نحوه، قائلاً: "سيستغرقني الأمر وقتاً أطول لإصلاح هذه المباني الآن، لذا شكراً لك على ذلك".
لوى إلداواي الهواء عند 'شكر' إريك، محاولاً التقاط شيء منه بلمسة من قوة خفية. لقد كان سحراً جنيّاً. كان عديم الفائدة.
تمتم: "تباً".
ثم نظر إلى إريك بعينين متوهجتين بالفضة.
"لماذا فعلت ذلك؟"
بسط إريك ذراعيه على وسعهما.
"عليك أن تكون أكثر تحديداً".
حدق إلداواي.
"إلى أين ذهبت أختي؟"
"إلى مئة وثماني حوات مختلفة. هدفها هو مساعدة أولئك الذين ساعدتهم هنا، ثم العودة بقوة لاستعادة هذه الأرض من البرج، وربما منك أنت".
استرخى إلداواي جزءاً يسيراً، على الرغم من أن شيئاً لم يتغير ظاهرياً على الإطلاق. لكن إريك استطاع ملاحظة ذلك. كان مسار البرق الخاص به يعمل بشكل جيد. تم تجنب معركة حقيقية.
بنبرة أكثر ليونة، أمر إلداواي: "ستعيد بناء مدينتي".
"بالتأكيد. كنت سأعرض ذلك على أي حال".
"سترتقي بفوندريا إلى تنين رحوم، وواحداً على الأقل من الحراس. كيليشبخ ينجو. سترفعه إلى السلطة أيضاً".
"بالتأكيد. تحتاج إلى المساعدة لإعادة هذه الأرض إلى ما كانت عليه، أليس كذلك؟"
أمر إريك، "لأنك ستعيد هذه الأرض إلى مدينة المليار وأكثر في النهاية التي كانت عليها، قبل أن يأتي واثبورن إلى هنا".
"مستحيل. إذا كنا منتجين، فنحن أهداف".
"من تبقى لديك للدفاع عنه يا إلداواي؟ لا شيء".
قال إريك: "لذا اجعل أختك سعيدة عندما تعود. خذ النزلاء الذين يسقطون في أرضك واصنع منهم بشراً يرغبون في العيش هنا—"
"لقد حاولت! لا أحد يقدر ما هو ممكن! المحصلة النهائية هي الشيء الوحيد الذي يهم، وحين تشبع كثيراً فإن واثبورن يرغب في المزيد والمزيد والمزيد".
قال إلداواي: "لا مزيد".
حدق إلداواي، وعيناه برك من ضوء فضي حاقد.
"أنت محق في أمر واحد، أيها الساحر. لم يتبقَ لي شيء للدفاع عنه".
آه. إذن، معركة. لقد تم تضليل مسار البرق.
بدأ إلداواي بيدين عظميتين تمدان من الأرض لإمساك إريك، وصوته مشبع بالقوة: "تأتي إلى منزلي وتدمر شعبي. لقد خرقت الضيافة. أطالب بطقس السيد وأسميك عبدي الأحدث".
شتت إريك القبضات العظمية بسهولة بوميض من الضوء، مجيباً بقوة خاصة به: "لقد منحت أعظم الهطايا التي يمكن لأحد أن يمنحها لآخر؛ بدايات جديدة، حياة جديدة، آمالاً جديدة. وقد منحتك أيضاً الموارد لتبدأ من جديد".
جمع إلداواي رياحاً سوداء في السماء، متضخماً بحجم كبير، ليصبح هيكلاً عظمياً أسود بارتفاع كيلومترات وذات الكائن الجني اللاتش الواقف على بعد عشرة أمتار من إريك.
أشار بنفسه الحقيقية، والتي كانت كليهما، قائلاً: "تقبل الألم الذي سببته".
حاول إريك التحرك جانباً، لتجنب شعاع السواد الموجه نحو قلبه، لكنه لم يستطع الابتعاد عن الطريق البتة. فطبيعة الواقع ذاتها أمسكت بإريك هناك بينما اخترق الموت الشرير لحمه، محفوراً بعمق، متغلغلاً في جوهره. لقد ألم. أو حاول على الأقل. رفض إريك تصديق الألم.
تلاشى الخيال في السماء، وتناثر شعاع الموت الأسود على صدر إريك العاري كمرآة تشتت الليزر، بينما قال إريك: "سأقبل ألمي، إن قبلت ألمك".
أجنحة تنينية متوهجة عظيمة للرحمة انبثقت من إريك، مرتفعة عالياً ومحطمة السماء الشريرة، مشتتة الغيوم السوداء الحالكة. سقط المطر، أبيض ساطعاً ومدمراً. سقط ذلك المطر على مبانٍ لم تكن موجودة. سقط على التاريخ. وحيث سقط، كشف عن أبراج وبشر ينتقلون على كتل حجرية متنقلة وأنهار ومكتبات وأخت إلداواي بأجنحتها الثمانية، واقفة بجانبه، ويد واحدة على كتفه. ظهرت عشرة أزواج من الأجنحة المكسوة بالريش حيث سقط المطر خلف إلداواي، وهو يرى الماضي.
حدق إلداواي في أخته، وعيناه الفضيتان تتجردان من الغشاوة، وباهت رماد الموت العنصري وسواد الشر العنصري عن الأنظار، كاشفة عن سطوع متوهج كان كل ألون كل شمس. حدق، وتحول جلده إلى لحم ناعم ومرن، واختفت عظامه السوداء من حيث كانت تبرز. قالت أخت إلداواي شيئاً، وشفاها تتحركان. وتنفس إلداواي، تماماً كما لا يحتاج اللاتش للتنفس على الإطلاق. اندفعت صاعقة كهربائية ساكنة باتجاه إريك وتناثرت عبر جلده، تاركة علامات سوداء صغيرة التأمت بسرعة.
عمود بسمك عشرة أمتار من برق الرحمة تحطم هابطاً من السماء ومحا إلداواي في إشراق مطلق من القوة. كان العالم كله نوراً. ثم بدأ النور يتلاشى. طفى إريك فوق فناء كان يوماً فناء مركز دالوي. امتد الفناء نحو عشرين متراً إلى الأسفل وثلاثين عرضاً. لم يكن إلداواي في أي مكان يُرى، وكانت الغيوم في السماء تختفي بالفعل، وتلاشت أوساط المدينة القديمة أيضاً، تحت نور سماء مارغليكنوت.
"لذا فمن المحتمل أن الأمر لم ينته بعد"، همس إريك لنفسه.
توجه إريك إلى غرفة التخزين المحمية جيداً خلف التلة، بعيداً جداً وراء حيث واجه إلداواي. لقد كانت، كما شك إريك، ملجأ آمناً محصناً. انتزع إريك السقف عنها، كاشفاً عن فوندريا شبه الميتة التي بدت شبه كاتاتونية لأي سبب كان، وكيليشبخ الغاضب جداً الذي كان يمتلك مجموعة كاملة من الكلمات ضد إريك، وبضع أشخاص مختلفين، من طفلين جنيين بأجنحة صغيرة إلى عدد متناثر من الأشخاص الذين تدور قوى حول أجسادهم، محاولين تشكيل تشكيل حول الأطفال ذوي الأجنحة.
قال إريك: "سأصلح هذا أولاً، وبعد ذلك يمكننا التحدث".
ثم أخذ فوندريا وجعلها تتقمص [تقمصاً] أولاً إلى نسخة أصغر سناً من نفسها، خالية من كل تكنولوجيتها وعللها، ثم حولها إلى تنين للرحمة ووضعها جانباً. عندما انتهى من مديرة المدينة كانت فوندريا تنفيناً أرجوانياً شاحباً جميلاً إلى حد ما، رباعي الأرجل، بجناحين. ربما تظل هي نفس الشخص في الغالب. ربما. ستفتقر إلى ذكريات التكنولوجيا المحفوظة خارجي لأن إريك أزال كل ذلك، لذا... مهما يكن الأمر، كان الانتقال كبيراً جداً بالنسبة لها لذا كانت تنام الآن.
ترك إريك تنام. حاول تحويل الروح التي تقطن كبدها إلى شخص أيضاً، لكن عندما رأى ذلك التناثر الكسري للإمكانيات حول تلك الروح تعرف على الروح كروح جرذ. لذا أعادها إلى جرذ.
ثم ذهب إلى كيليشبخ الذي كان ينظم "المقاومة".
جلس إريك فوق جدار المبنى الخالي من السقف الآن، ناظراً إلى الناس. ركز على الأطفال.
"إذن لإلداواي عدد من النسخ الاحتياطية المختلفة. هؤلاء الأطفال اثنان منهما وأنتو جميعا مستعبدون لحمايتهم قدر استطاعتكم. أترون ذلك؟"
"إنهم أطفال!"
وجه كيليشبخ سيفه نحو إريك وصاح: "لماذا قد ترغب في قتلهم؟! سأقتلك قبل أن أسمح لك بالوصول إليهم!"
تجهم إريك— رفعت امرأة سكينًا فجأة إلى رقبتها، قائلة: "ابتعد وإلا قتلت نفسي!"
بدا ذلك فكرة أفضل بكثير لمدافعي إلداواي من فكرة كيليشبخ. في غضون أربع ثوانٍ، كان كل شخص يمسك سكيناً أو سلاحاً ضد رقبته. لم يكلف إريك نفسه عناء إخبارهم بأن ذلك لن يمنعه من فعل ما يحتاج إلى فعله، لأنه كان يستطيع علاجهم ببساطة. كان بإمكانه إعادتهم إلى الحياة أيضاً. الوحيدون الذين لم يهددوا حياتهم الخاصة كانوا، بالطبع، الولدين الصغيرين، اللذين لم يكونا ولدين صغيرين على الإطلاق.
الدليل الأول كان أنهما يبدوان كإلداواي، ولكن بأجنحة سوداء صغيرة. أزواج مفردة من الأجنحة أيضاً. الثاني كان أن مسار برق إريك كان موجهاً إلى هنا. والثالث كان أن إلداواي كان لاتشاً لعيناً. بالطبع نجا من شيء صغير مثل مبارزة ساحر حقيقية.
قال إريك لهما: "تقسيم روحك للاختباء من السحر القياسي فكرة جيدة، لكنني أعرف هذه الحيلة. أعرف عملياً كل حيلها، بما في ذلك تدمير الروح المتسلسل، وهو حل جيد جداً لهذا المأزق. أنا متأكد من أنك تستطيع النجاة من ذلك على الأقل في المرات القليلة الأولى، لكنني أستطيع معرفة شيء ما في النهاية. إذن! أترغبان في التخلي عن التمثيلية والتحدث عن الإزالة الكاملة للشر من هذه الأرض؟ لأن هذا هو هدفي. أريد أن يكون كل واثبورن 'غير شرير'. ويبدأ ذلك بكم جميعا كمثال لطريقة أفضل للمضي قدماً".
شقت امرأة رقبتها، تلاها اثنتان أخريان تحاولان نفس الشيء بسرعة. قام إريك ببساطة بعلاجهم ثم وضعهم في مبنى آخر نياماً تحت [أثير رحيم]. ثم فعل إريك ذلك لجميع البقية باستثناء كيليشبخ، الذي بقي مع مخلفات إلداواي الأرواح التي لا تزال صامتة. كان الولدان يحدقان بقوة في إريك طوال الوقت أيضاً.
كانا غاضبين جداً، لكنهما لم يستطيعا فعل الكثير حيال ذلك— "أه"، قال إريك، مدركاً أمراً ما.
"لديك الكثير من تلف الروح. ربما لا تستطيع التكلم".
بينما كان الولدان الغاضبان يحدقان بقوة أكبر، نظر إريك إلى روحيهما الغريبتين...
تمتم، ثم خمن: "وأحدكما يجب أن يموت ليصبح الآخر كاملاً أيضاً... إذا كنت أقرأ ذلك بشكل صحيح. لست متأكدا. ربما هناك خمسة آخرون منكم متناثرون هناك في النهاية. ربما على طبقة أخرى أيضاً... هذا أصعب قليلاً للتعامل معه".
أكثر من خمسة؟ أقل من خمسة؟ من يدري!
هدد كيليشبخ، المربوط بالحجر وغير القادر على الحركة: "سأقضم لساني!"
تجهم إريك في وجه الرجل.
"امضِ قدماً. أنا منتظر".
ثم فعل كيليشبخ تماماً كما هدد.
"تباً لكويابيز!"
قال إريك، خائباً لعدم توقعه هذا الأمر بالضبط.
"دعنا نعيدك لتلتحم مجدداً ويمكنك الذهاب للنوم أيضاً، إلا إذا كنت ترغب في التحدث علانية؟"
حاول الحارس قضم لسانه مرة أخرى.
"حسناً إذن!"
أنامه إريك ثم أجرى القليل من [التقمص] العادي يليه تقمص تنيني على الرجل. عندما تم ذلك وتم التخلص من كل تعرجات روح كيليشبخ، واستبدل كل شيء في كيليشبخ وعُزز بقوة تنينية، وضع إريك التنين ذو اللون الرمادي نائماً في ساحة في الجوار.
ربت على أنف الرجل، قائلاً: "استيقظ جيداً يا كيليشبخ. كان اسمك تنينياً بالفعل، لذا فإن كل هذا شاعرى تماماً، في رأيي".
عاد إريك إلى مخلفات إلداواي. كان الولدان في منتصف محاولة قتل كل منهما للآخر وقد نجح أحدُهما تقريباً، إذ طعن الولد الآخر بقطعة من الصخر المكسور في جانب الرأس. نظف إريك الفوضى وعالج الجروح، ثم نظر إلى الولدين الصامتين.
"... لست متأکدا من كيفية التعامل مع هذا".
اعترف إريك.
"لا أحد منكما هو إلداواي الكامل، وفي حين أن [تقمصي] يمكن أن يعيد الشخص إلى الكمال، فإن الشخص الذي يخرج من أجزائكم التي فصلتموها بوضوح قد لا يكون 'إلداواي' الكامل، والقطع الأخرى لا تزال هناك. من المرجح أنهم سيأتون إلى هنا لإعادة البناء بمجرد رحيلي. على الأرجح كشخص واحد وبكامل القوة ودعم واثبورن من خلفه".
لم يقدم التوأمان أي حلول. كانا يحدقان في إريك بغضب في أعينهما. لم يستطيع إريك فعل الكثير في الخطة الأكبر للأمور. ليس كشخص واحد، على أي حال. ولهذا السبب بنى بيت الرحمة. لكنه كان مجرد شخص واحد هنا، وكان دالوي بحاجة إلى مدافعين. مدافعين أقوياء. لا يزال هناك نزلاء هناك في الأرض... ولا تزال المنطقة بأكملها تحت تأثير منجم مانا، وربما كان هناك عدد كبير من أسرار اللاتش مدفونة هنا وهناك، في انتظار أن تلسع إريك في مؤخرته بمجرد أن يطمئن.
كان يعرف ما يحتاج إلى فعله. نظرياً. أكبر مصدر للخير يمكنه تحقيقه هو الذهاب وتحرير المرصد السماوي من تأثير واثبورن. ولفعل ذلك، كان بحاجة للعودة إلى الطبقة صفر. نأمل أن يكون تقمص نصف مليون روح في أجساد جديدة عبر الكون المتعدد، وأيضاً قتل دودة الزمن، دليلاً كافياً على قوته لإرضاء جني الحرب في الجيب؛ اللورد داكا. ربما لا؟ يصعب الجزم. لكن تحرير المرصد السماوي قد يفعل، وكانت الليدي أيلوريكا والليدي سيرافاكا تريدان المزيد من 'الخير' في مارغليكنوت، لذا فإن دعم نمو الخير هذا سيكون جيداً لذلك.
لم يكن إريك يتخلى عن إجبار واثبورن على التحول إلى الخير. إذا كان يستطيع فعل ذلك مع أشباح أركنذريست، فيمكنه فعل ذلك مع بعض اللاتش والشرور القديمة لبرج واثبورن. ربما.
"أراد واثبورن زوال مجموعة كاملة من اللاتش الأشرار حقاً على أي حال، أليس كذلك؟"
سأل إريك التوأمين.
لم تأتِ إجابة، فقال إريك: "أحتاج إلى تقليص نطاقي، على أي حال. فيرد لا تزال الشغل الشاغل".
توقف إريك. ثم اتخذ قراراً لم يكن قراراً على الإطلاق.
"أحتاج إلى تنظيف هذا المكان على أي حال، وكلاكما سيعمل كمديري مدينة مرة أخرى".
بينما أنام إريك الولدين، وألقى [التقمص] على الأول، ابتسم قليلاً بينما فتح التناثر الكسري للإمكانيات في كل مكان حول الولد، مظهرًا لإريك كل مستقبلات إلدواي الصغير الممكنة. حدث نفس الشيء لفوندريا وكيليشبخ، وكان ذلك مجرد تذكير بأن كل السحر متصل، حتى لو لم يفهْمه المرء بالكامل في البداية. كانت هذه الاشياء هنا سحراً كونياً كسرياً بالفعل قبل فترة طويلة حتى من معرفة إريك أن هذا الكون يُنظر إليه بتلك الطريقة من قبل الجنية الكسرية، صوت هذا علم الكونيات.
تناثر فاغار الكسري كان متصلاً بهذا الكون أيضاً، على الأرجح. تساءل إريك كثيراً عن كل هذه الاشياء بينما كان يبحث في مستقبلات الرحمة الخاصة بالولد رقم واحد عن مستقبل جيد. معظم المستقبلات انتهت بالموت، إما الدائم أو الموت العنصري. ومع ذلك، رأى إريك مستقبلاً كان عبارة عن إحياء للمدينة البيضاء في النهاية. اختار إريك ذلك المستقبل. تحول الولد إلى رجل، وامتلأت كل أضراره الروحية بالرحمة، مجدداً وجوده ذاته.
وضع إريك الرجل ذو الأجنحة الستة جانباً ونظر إلى الولد رقم اثنين— الذي انهار في كومة من اللحم الميت. توقف إريك.
"... دليل ظرفي على أن الأجساد كانت متصلة كلها".
تساءل إريك.
"هل سيكون هناك حتى إلداواي مخفي هناك في العالم، عائد ليضرب بالموت الشرير؟"
تساءل إريك أكثر. ثم هز كتفيه. قام إريك بـ[تقمص] كل شخص منفرد في المدينة، ممحياً كل تحكمات أرواحهم وواضعاً إياهم في أجساد أصغر سناً. لم يكن يعرف شيئاً عن الكثيرين منهم، لكنه عرف ما يكفي بناء على التقارير والأوراق التي أشرف عليها في عشاء إلداواي من أجل اختيار أشخاص حاربوه في كل خطوة بسبب تحكمات الأرواح الموضوعة فيهم. شعر إريك بالتبرير بأنه كان يفعل الصواب لأن كل شخص منفرد طهره من التأثير عاد ممتناً.
بحلول الوقت الذي انتهى فيه من المدينة، كانت ملابسه ذات خيوط التوهج قد نمت بما يكفي لتمنحه مئزراً، وهو ما كان جيداً. حلق إريك فوق المدينة وبدأ في التخطيط لإصلاحاته. لم يعمل [الإصلاح] هنا على الإطلاق، لأن ذلك كان يعتمد على بصمة مجال مانا لعنصر ما وإعادة ذلك العنصر إلى شكل بصمة مجال مانا السابقة. لكن [تشكيل الحجر] وتعويذات أخرى عملت بشكل جيد بما يكفي. كان إريك يريد تقريباً عمل [تشكيل مدينة]، لكن ذلك كان سيكون واسع الانتشار للغاية ومن المرجح أن يحطم أشياء تحت السطح.
همهم إريك. كانت هذه الأرض بأكملها تمتلك يوماً مجالاً جوياً أكبر بكثير، مع أبراج بيضاء تصل عالياً. لم يكن إريك متأكداً، تماماً، كيف نجت طويلاً وبشكل جيد هنا على الطبقة 1، حيث بدت الحرب شائعة. يا للصدفة! ألقى إريك نظرة على سماء مارغليكنوت، متجاوزاً أفق الأزرق، ورأى بشراً يحاربون كايجو عملاقاً ويمزقون الأرض بعيداً، بعيداً. وحوش بحجم كواكب؟ ربما. بدت وكأنها إبر تتحرك بالكاد من هذا البعد البعيد؛
مثل أصغر النجوم في السماء التي يحتاج الشخص بدون رؤية محسنة إلى تلسكوب جيد لرؤيتها. رأى إريك تلك بشكل جيد. على أي حال. بدأ إريك في هدم كل المباني السوداء بمساحات هائلة من القوة، ممزقاً الحجر الأسود وواضعاً إياه إلى جانب المدينة الرئيسية. ثم جاءت أشجار خشب الحجر الأبدية. نمت تلك الأشجار ضخمة وكانت حية للغاية، حتى لو لم تكن تبدو كذلك. بعد بضع تشكيلات، كانت الأشجار لا تزال حية، لكن تم تشكيلها إلى مباني شقق وفناءات وكل أنواع مساحات المدن التي كانت مشابهة لتلك التي رآها إريك في رؤية ماضي دالوي.
لكنها أقصر قليلاً. كانت الأحواض والممرات المائية وقطع الزراعة وكل ذلك للمدينة الحالية —قبل أن يدمرها إريك وإلداواي— لا تزال موجودة إلى حد ما، لكنها الآن أُنجزت باللونين الأبيض والأسود بدلاً من الأسود والرمادي. كانت تلك ألوان المدينة الآن. أبيض، للرحمة، وأسود، لأن واثبورن كان أسود لأن الشر كان أسود. لكن في عقد إريك كان هذا الأسود مجرد ظلام. ابتسم لتلك الحيلة الصغيرة.
كان ميليميزارغو سيكره استخدامهم لـ'أسود' ليعني الشر، وكان إريك غاضباً نوعاً ما من ذلك أيضاً. كان الأسود لوناً رائعاً لا يستحق أن يُحشر مع 'الشر' على الإطلاق. أضاف إريك بعض عواصف [التشكيل الأرضي] وشبكات العقد هنا وهناك، ثم كتب كيف يهتم بكل ذلك على مسلات بيضاء كبيرة. وُصف سحر [التجديد] مع الرحمة العنصرية، وسحر [التشكيل الأرضي] مع كل الفيزياء المرافقة وتفاعلات الجسيمات.
وتحدث عن التناغمات وتعديل المانا والتشكيل، ومجموعة من العناصر المختلفة بخلاف الرحمة. وكتب كيف يخلق المزيد من العقد في شبكة العقد، مع كل تلك التعويذات المفرغة وغيرها. ثم نسخ تلك المسلة البيضاء الكبيرة وبعثر تلك النسخ في كل أنحاء الأرض، في وسط ساحات مدينة دالوي الجديدة والنوافير هنا وهناك، وداخل كل واحدة من أبراج الرحمة التسعة هناك. خلال مسار ذلك السفر، صادف 34 شخصاً.
اختبأ 16 منهم منه، حتى بعد أن تحدث بصوت عالٍ، مخبراً إياهم أنه يمكنهم المضي قدماً من هنا إذا أرادوا. تركهم إريك وشأنهم. معظم الناس الذين وجدهم أرادوا المضي قدماً، لذا ودعهم إريك بوداع برق. أحدهم، امرأة ساحرة عجوز مع نوع من السحر الشخصي عالي الحماية وترتدي الأبيض، أرادت البقاء هنا، لكنها أرادت حياة أكثر أماناً.
"أنا عجوز كالتراب وعادة ما أعيش خارج الجدران على أي حال. أريد البقاء هنا، خاصة إذا كانت الأمور تتحسن".
قالت المرأة العجوز: "أيمكنك فعل ذلك؟ تجعلني صغيرة لكن تتركني أبقى هنا؟"
كان جلدها أسمر ومتجعداً، لكن كان هناك سراب حول حوافها. بدت وكأنها غير موجودة تقريباً في بعض الزوايا.
فحصها إريك، وقال: "ربما. ما لم يكن ما لديك... ما هذا على أي حال؟"
"سحر بسحر. يوقف الأشياء السيئة ما لم أكن متوترَة، وحينها يوقف كل شيء".
هزت كتفيها.
"حاول على أي حال؟"
"قد يزول بعد هذا التغيير".
"إذا استطعت تحطيمه وجعلي عادية، فسأقبل هذا الخيار".
ضربها إريك بـ[تقمص]. كل مستقبل منفرد لها أظهرها كشخص غير مرئي يمشي عبر الحياة، لا تعرف الآخرين أبداً ويتم تجاهلها دائماً. كانت ثقبة في العالم، لم يمسها أحد. باستثناء في بضع نقاط. رأى إريك صورة لها كأم في منزل جميل، تقدم عشاء عائلي لزوجها وأطفالهم الخسة وأحفادهم بالعشرات. صورة أخرى جعلتها زعيمة لمدينة وترفع الآلاف من الناس إلى السلطة، محولة الرمل إلى حقول صالحة للزراعة بالتنسيق ثم محولة تلك الأرض إلى محاصيل بمطر رحيم.
وثالثة كانت تقتل بضعة أشخاص ثم تُرسل إلى سحق الجلاد. اختار إريك تلك التي تكون فيها زعيمة. نهضت المرأة من الرمال متحولة إلى شابة جنية في أواخر مراهقتها. وضع إريك إياها في مكان آمن في أقرب برج رحمة، جنباً إلى جنب مع بطانية، وبعض الملابس الإضافية، ونسخ مُصلحة من ملابسها الخاصة، وسكين، وبعض الفواكه الطازجة في وعاء حجري. بحلول ذلك الوقت كانت عدة ساعات قد مضت وكان الناس في المدينة المركزية مستيقظين لساعات، باستثناء إلداواي الجديد.
نأمل أن يكون ذلك وقتاً طويلاً بما يكفي لهم لتجاوز معظم غضبهم من بعضهم البعض ومن الموقف. لكنهم ما زالوا غاضبين جداً من إريك.