كانت باحة بلّور الحديد المحيطة بحصن السرداب عاديةً إلى حدّ ما. انتشر الناس من كلّ شائبةٍ في كلّ مكان، وانشغل أكثرهم بالإعدادات الأخيرة لاقتحام السرداب. التقط إريك بسهولةٍ نحو ستّ محادثات مختلفة تدور حول خطط متنوّعة لطوابق متنوّعة، وتمركز جُلُّها حول الطوابق الثانية. تيقّنت مجموعةٌ من المستجدّين تماماً من قدرتهم على إتمام الطوابق إن تمكّنوا من بلوغ برج ماري أسرع.
قلّما وُجد بين الغاصّة من بلغوا الطوابق المتقدّمة، وتناقشت مجموعةٌ مؤلّفة من ثلاثة أشخاص حول إخفاقهم في حماية المستدعي بما يكفي، والحاجة إلى حساب الحسابات الأدقّ للأعداء غير المنظورين. مثّل الأعداء غير المنظورين مشكلةً هنا وهناك داخل السرداب، غير أنّ إريك لم يُفلح يوماً في مواجهة أيّ منهم. وربّما لن يفعل أبداً. كانت عين البصيرة المعلّقة حول عنقه، وتحت ثيابه، بالغة النفع في رصد ما خفي.
تساءل إريك عما إذا كان سيقدر يوماً على العودة إلى السرداب للعب بالمزيد من بلّورات المانا. فهناك الكثير من الأعداء الخافين حوله الآن، هنا تحت الشمس المغبّشة، على سطح فيرد. سبق لإريك أن رأى أوفيل وصرفه، وسبق له إعادة إلقاء كلّ أعماله السحرية الدفاعية، ولم يبقَ الآن سواه واقفاً هنا، بانتظار محقّقي تربة خضراء لابسي الأخضر ليقوموا بحركتهم الأولى. وقف الجنود والقتلة وقادةٌ قليلون هنا وهناك على الأسوار في الأعلى، وفي ظلال سور الباحة.
إن كان إريك يرى بوضوح، فارتدى قاتل ساحر رفيع الشّأن جليّ الانتماء إلى الدائرة الخضراء، أرديةً خضراء منسدلة، وهو واقف بجوار باب نقابة غاصّة السطح. لم يقم ذلك الرجل بأيّ حركة. لدهشة إريك، ولدهشة بعض المحقّقين الواقفين على الأسوار، كانت الشخصية الأولى التي تحرّكت ذلك الرجل الذي منحه إريك سوار [التجدّد الذاتي] في اليوم الأخير. كان الرجل شخصاً عادياً تماماً، وقد رصد إريك وهو يخرج من حصن السرداب.
تذكّر إريك أن اسمه هارو.
ابتسم هارو ولوّح، ومضت جلاجل سواره بينما كان يهرول نحو إريك، منادياً: "يا رماد! تهانينا على بلوغ أربعة آلاف وخمسمائة وخمسين في الديكو—"
رفع إريك يداً باتجاه الرجل، وقال: "قف مكانك يا هارو. لا تقترب أكثر"، بينما استقرّت نظراته بإحكام على شخص آخر تماماً.
رجل لا يستطيع أيّ أحدٍ آخر رؤيته. توقّف رجل يرتدي درعاً أخضر ورداء كتف أخضر أمام إريك، على بُعد خمسة أمتار ربّما. ظلّ يخطو ببطء نحو إريك منذ أن خرج من السرداب، متأكّداً من ألا يُفشي أيّ شيء إطلاقاً اقترابه الرفيق. كان يستخدم شكلاً متقدّماً من المشي الهوائيّ وأنواعاً أخرى من السحر، ولم يكن اقترابه سوى بدايةٍ لما سيحدث هنا اليوم. نفذ إريك ببصيرته خلال اقتراب رجل الهواء.
أحبّ أن يظنّ أنّه كان سيفطن لاقتراب الرجل حتى من دون العين، وهو ظنٌّ راجح غالباً. غير أن المحقّقين المتجمّعين، وما إن رصد إريك الرجل المتقرّب، قرّروا خوض مقاربة مختلفة. ابتعد رجل المشي الهوائيّ، أسرع بكثير ممّا اقترب، مبعثراً الهواء ومرسلاً عصف ريح خفيفاً في كلّ الاتجاهات مع تحرّكه.
قطّب هارو جبينه متوقّفاً بناءً على أمر إريك، وقال: "... ها؟ آه... حقّاً؟ حسنٌ، يبدو أنّك لست ودوداً إلى هذا الحدّ بعد كلّ شيء."
كشر بعبوسه.
"يا لقيط—"
في اللحظة ذاتها، ابتعد رجل آخر ذو درع أخضر عن الأسوار، ليقف في الهواء، كاشفاً عن نفسه للجميع. تلألأ درعه بضوء أخضر، بينما خفق رداء كتفه في ريح صنعها بنفسه. عرفه إريك مسبقاً، حين استجوبه الرجل أوّل مرّة حُبس فيها هنا عند مدخل الأعماق المتلألئة.
تكلّم ويس كلوفر إلى الباحة بأسرها، بهدوء لكن بقوة: "انتبهوا، أيّها الغاصّة وسواكم في الأعماق المتلألئة."
توقّفت فجأةً كلّ المحادثات في الباحة بأسرها. نظر الجميع إلى الرجل الذي خرج من الهواء غير المنظور. عرفه الجميع محقّقاً، وبدأ الناس فجأةً بمحاولة التسلّل هارِبين. تراجع هارو إلى الوراء بسرعة بالغة، في منتصف نعت إريك باللقيط، حتّى سقط على مؤخّرته وتجمّد هناك نوعاً ما على التراب.
قال ويس: "كلّ من ليس رماد وودفيلد عليه إخلاء المنطقة. أمامكم دقيقة واحدة، شريطة ألا يفعل السيد وودفيلد هذا على الفور."
أتقن الغاصّة حفظ النفس تماماً. غاب الكلام. وغاب الاكتراث باللياقة. أخلى الجميع المكان، متسابقين للابتعاد بأسرع ما يمكنهم. رفع هارو نفسه عن الأرض بلياقة افتقر إليها قبل قليل، ثمّ غادر المكان مع بقيتهم. ولم يبقَ الآن سوى إريك، ونحو ثلاثين محقّقاً متفاوتب القدرات والمهارات، وقاتل واحد على الأقلّ من الدائرة الخضراء. نزل المحقّق ويس إلى أرض الباحة وتكلّم بهدوء أكبر الآن، ولم يكن صوته معزّزاً بأيّ سحر على الإطلاق.
"السيد وودفيلد. لدينا أسئلة لك. هل ستتعاون؟"
"سأتعاون هنا تماماً. اطرحوا أسئلتكم."
كما لو أنه كان يتوقّع هذا، تابع ويس: "نحن نطلب منك أن تأتي معنا إلى مكان آمن لمناقشة الأمور."
"لن أذهب إلى مكان ثانوي. اطرحوا أسئلتكم."
"أخشى أنني يجب أن أصرّ هذه المرة، السيد وودفيلد."
"وأنا أصرّ على أن تحاولوا ذلك هذه المرة."
"لماذا تقاومنا في هذه المسألة؟"
تراكم غضب إريك، لكنّه توقّف فجأة. لماذا طرح ويس ذلك السؤال بالذات؟
أجاب إريك: "لأنني لم أرتكب أيّ خطأ، لذا لن أذعن لسلطتكم."
"أنت تدرك أن هذا التصريح ليس قابلاً للتصديق حقّاً."
"أنا أدرك ذلك حقّاً. لا أحد يمتلك أيّ سلطة في هذا العالم، باستثناء مجتمعات معيّنة غير حاضرة هنا، ليُصدّق براءة موقوف من خلال تصريحات الموقوف نفسه."
قال إريك: "ولهذا السبب أطلب منك أن تتقدّم بادّعاء، وسأؤكد ذلك الادّعاء أو أنفيه، بحضور شاهد ساحر عقول. عليك فقط جمع واحد، أو يمكنني أنا جمع واحد بدلاً من ذلك."
"سحرة العقول لا يمتلكون أيّ سلطة على غرينديل، وقد أثبتوا عدم جدواهم في استنباط التهديد القادم من الأعماق المتلألئة حتّى الآن."
قال ويس: "أطلب منك مجدداً الإذعان بسلمية، ومرافقتنا إلى مكان ثانوي، وحينها سنناقش ما نرغب في مناقشته."
"أنت مفاوض جيد يا ويس كلوفر، ومن المثير للّهجة حقّاً أن سحرة العقول لم يتمكّنوا من مساعدتك في اكتشاف ما أردت اكتشافه في الأعماق المتلألئة. أخبرني بشيء واحد من فضلك: هل أنكر مشتبهوك المتنوّعون خيار ساحر العقول، وأيّد سحرة العقول ذلك النكار؟ أم إنّ خيار ساحر العقول لم يسفر حقّاً عن شيء، حتّى عندما أُجري بالشكل الصحيح وبموافقة غير مُكرهة من جميع المعنيين؟"
لم يجب ويس. لكنّ إريك رأى ما رآه.
فقال: "كونه الخيار الثاني لمرجح الإثارة حقّاً. هذا يوحي بمستوى غريب من تشويه الذاكرة الذاتي. أو ربّما لم تفلحوا في أسر أيّ مشتبه به ذي أهمية فعلية على الإطلاق... الثاني، على ما أظنّ."
مضى ويس قدماً: "إن كانت لديك أيّ معلومات حول الكيفية التي أمكنك بها صنع عَصاً واعية، فأنا أودّ سماع ذلك التفسير."
... نظر إريك إلى اليسار. راحت العَصا تطفو هناك، محاطة بنار ذهبية وضياء. وبدت غاضبة حقّاً.
قال إريك للعَصا: "ارجعي إلى البيت من فضلك."
توقّفت العَصا، وخبت نيرانها. ثم تلاشت من الوجود في ومضة ذهبية.
سأل إريك ويس: "منذ متى وهي هنا؟"
"حين قلت إنك لن تُذعن."
ربط إريك أفكاراً عدّة ببعضها، وألقى بها: "صنع أشخاص آخرون أشياء حقيقية تخرج إلى هنا على فيرد، واستُخدمت هذه الأشياء في تلك الجرام الشيطانية."
قال ويس بكل سهولة: "صحيح. إن كنت تعلم أيّ شيء، فنحن نطلب منك إفشاء تلك المعلومات الآن."
"لا أعلم أيّ شيء مميز في هذا الشأن؛ سوى أنني شككت في إمكانية إخراج الميتيرونات إلى العالم الحقيقي منذ فترة."
وأضاف إريك: "لكنّ لدي صلة بالمشعوذ يمكنني استغلالها نيابةً عنكم، إن كنتم ترغبون في هذا النوع من الحلول."
لم يتفاعل ويس بمفاجأة تجاه "المشعوذ"، لذا فقد عرف أن إريك تنين خيّر.
لم يتفاعل أحد بمفاجأة قطّ، في الواقع، وهو أمر لم يكن مفاجئاً كثيراً لإريك، ممّا أثبت أن هؤلاء الناس كانوا مستعدّين له.
غير أنّ قاتل الدائرة الخضراء اكتسب حدّة معيّنة في نظراته حين أتى إريك على ذكر "المشعوذ"، ولم يكن الوحيد.
تكلّم ويس بهدوء مع شخص ليس إريك، فقال: "انتهى استجوابي."
ثم قال لإريك: "أطلب منك مجدداً المجيء معنا لاستجواب لائق."
تنهّد إريك.
"تبدو الشخص العاقل الوحيد هنا يا ويس."
"أنا الجانب الألطف من محكمة التفتيش، وذلك حين يتطلّب الأمر كلاماً وأفعالاً ألطف. غير أن نبلاء كثيرين لقوا حتفهم بسبب الجرائم الشيطانية، رغم أن موتاً واحداً كان كثيراً بالفعل. أطلب منك مرّة أخيرة وثالثة، أن تسلّم نفسك لحراستنا."
"كيف يبدو هذا إن تعاونت؟"
لم يجب ويس.
حاول إريك: "أترى فعلاً أن لي علاقة بهذه الجرائم؟ لمجرد أنني اكتشفت كيفية إحضار الأشياء من الأعماق المتلألئة إلى الواقع، ولم أتكلف عناء إخفاء هذه الحقيقة؟"
لم يجب ويس. بل انتظر. ... لم تكن تلك علامة مبشّرة. حين يتدخّل المحقّقون، وحين تقع المعارك، يختفي الناس في حفر بالأرض، ولا يُطلق سراحهم لاحقاً إلّا بأهواء محكمة التفتيش. لو آمن إريك حقّاً بقدرته على الذهاب إلى مكان ثانوي لمخاطبة هؤلاء الناس وفكّ عقد مشاكلهم بسلام، لكان استبقى ذلك الخيار، ولو اتقاءً للمعركة فحسب. لكن حين يظهرون بهذا الشكل، ومعهم قتلة في الاحتياط وعلى أتمّ الاستعداد للقتل، فلم يكن أمام هذه المواجهة سوى طريق واحد تسلكه.
لم يكن السلام خياراً قطّ. تحرّك الرجل الملتف بالهواء. وحينها أُتيح لإريك وقتٌ يسير لمراجعة ما سيقوم به ردّاً على ذلك. عرف إريك ما سيواجهه، في الغالب. فقد شارك في العديد من عمليات القضاء هذه طوال السنين. ستتضمّن خط الهجوم الأول إقدام نصف القوة المهاجمة على تجهيز [تعويذة مضادة] من مختلف القوى والخصائص، مع سحر الخداع وغيره من الأعمال السحرية المماثلة، وذلك لإغلاق أفظع التعويذات الممكنة التي قد يلقيها الهدف، مثل سحر الدم، أو الدمار، أو الروح.
وسيوضع تركيز أقلّ على التعويذات المضادة للعناصر الأساسية، مثل تلك الخاصة بالنار أو الماء، أو ما شابه. وبالنسبة لفريق هجوم بهذا الحجم، سيملك ثلاثة على الأقلّ من السحرة [تعويذات كبرى مضادة] ذات تكلفة متغيّرة وتأثير متغيّر ضخمة للغاية، مع مُضاعِف هائل، إما عبر قطع أثرية أو قدرات فئة تخفض تكلفة صدّهم إلى 5 مانا منفق لكل 100 مانا مَصْدودة. أمّا النصف الآخر من الهجوم الأول فسيكون هجوماً حقيقياً، من شخص يحاول التسلّل وطعن إريك بسيف أو سلاح آخر في الجوهر.
سيكون هذا هجوماً حقيقياً، لكنه سيشبه ضرب كرة بلياردو على طاولة؛ تمهيداً للهجوم الحقيقي التالي. فأيّ وجهة يختارها إريك لتفادي الضربة ستعني ركضه مباشرةً نحو التهديد التالي، ثم الذي يليه. اجتياز ثلاث أو أربع هجمات جسدية سيعبر بإريك هجومهم المنسق الأول، وسيُدخله الآن في الجزء الأكثر التباساً من عملية التضاءل. سيكون سحرة [التعويذات المضادة] قد اكتشفوا أيهم الأنسب لإيقاعه، وسيثبتون على ذلك، لكنّ الباقين سيتحوّلون إلى سحر هجوم مركّز يمكن لمحاربيهم تجاهله بأمان.
سيركز بعضهم على شفاء المحاربين، أو احتواء الضرر الناتج، لكنّ هذه المعركة تدور رحاها بعيداً عن الحضارة، فلا قلق حقيقي من الأضرار الجانبية. تكلّم ويس مع إريك طويلاً بما يكفي ليخلي الجميع المكان، وهو ما يرجح، بالنظر إلى الوراء، ليكون السبب الوحيد الذي سمح لويس بالكلام أصلاً. كان ويس رجلاً طيباً. ولعلّه ناضل من أجل ذلك الحقّ؛ ليمنح الجميع فرصة للابتعاد عن المعركة قبل اندلاعها على الأقلّ.
عرفوا يقيناً أن "الرماد"
حياة غطاء، لكنهم لم يمتلكوا أدنى فكرة عما يغطيه ذلك الغطاء، وإلا لتعاملوا مع الموقف بطريقة مختلفة تماماً.
كانت شخصية "الرماد"
العامة لدى إريك مغامراً من فئة 9 نجوم يتمتع بسمعة حسنة لدى كل نقابة كبرى هناك، مع نطاق مائي مسجل، لذا عرفوا امتلاكه له. ... أسيحافظ إريك على تلك الخدعة؟ نعم. قرر إريك إبقاء شخصية النطاق المائي نشطة.
يمكن لـ"الرماد"
الاستمرار في الوجود، إن سمح له هؤلاء الناس بذلك. رغم أنه بعد انقضاء هذه المواجهة، لن يتمكن إريك من العودة إلى هنا... لكنه استطاع القفز عبر السراديب من سرداب آخر إلى الأعماق المتلألئة— تبّاً! لماذا يفكر إريك على هذا النحو أصلاً؟ وكأنه من المهم التواجد داخل الأعماق المتلألئة لسبب ما... حسناً. لقد عرف السبب. احتاج إريك لاكتشاف المزيد عن الرماد والمستدعي وبلّورات المانا وكلّ ذلك!
لقد أثبت للتوّ قدرته على صنع أشياء من بلّورات المانا وإحضارها إلى العالم الحقيقي. ... وهو أمر بدا أن جمهورية تربة خضراء مهتمة به، لكن من يمكنه لومهم؟ كان إريك مهتماً للغاية باكتشاف ما يمكنه صنعه ببلّورات المانا والشعوذة أيضاً. ما لم يكن مهتماً به هو تجاوزات غرينديل. لم يرتكب الرماد أيّ خطأ؛ لقد كان نظيفاً تماماً! لم يكن هناك أيّ مبرر البتّة لكي تهاجمه غرينديل هكذا!
لكنهم كانوا طغاة، لا يكترثون بسيادة القانون ما لم تخدم مصالحهم. نبيل مشتبه به في جريمة كبرى —تستدعي فعلاً أن يلتفت التاج ويوقفها— لن يُعتقل هكذا. بل سيُقترب منهم بواسطة ممثلين عن العرش الفيروزي ويُقتادون إلى المحكمة، والتي، حسب جسامة الجريمة، ستنتهي بوصمة سوداء على اسم بيت النبيل، أو غرامة طفيفة. أو أيّ احتقار طفيف آخر. لكن إن لم تكن نبيلاً، فسيُدمر حياتك تماماً لمجرد الاشتباه بارتكابك جريمة!
كان الأمر فظيعاً. ... وعلم إريك أنه سيتعامل مع كل ذلك لاحقاً. في الوقت الحالي، كان إريك دخيلاً، غير نبيل، وبالتالي خضع لحالة مواطن من الدرجة الثانية، شأنه شأن جميع التنانين وسواهم ممّن قد يعيشون في تربة خضراء. يا له من أمر. ركّز إريك على المعركة. اقترب رجل المشي الهوائي خفية بسرعة الصوت ذاتها، وكان التموج الهوائي حوله الدلالة الوحيدة على مجيء الهجوم برمّته. فعل إريك عدة أمور بسرعة.
أولاً، سمح لهالته بدخول الهواء، ثم أطلق يدوياً نحو ألف صاعقة صغيرة من كل عنصر يمكن تخيله، مع مضاعفات عديدة لتلك الصاعقة، دفعة واحدة. استغرق الأمر ألف مانا. تعثر ثمانية من سحرة [التعويذات المضادة] البالغ عددهم 15 بسبب ذلك، وأكلت الثانية المكتوبة الخاصة بهم صاعقة أو صاعقتين من الصواعق التي حاول إريك إلقاءها، حيث رشقت الظلال السحر قبل أن يتسنى له التشكل حتى. أطلق ساحرا الصد رقم 9 و10 كلّ منهما شرارة ظل تضاعفت عبر كل الأجزاء المتبقية من تعويذة إريك، وأدت [تعويذاتهما الكبرى المضادة]
إلى إغلاق الصواعق الأخرى؛ فأكل سحرهما المُعدّ والثانية المكتوبة سحرٌ عديم الفائدة. فور جولته الأولى من الصواعق، ألقى إريك يدوياً ست تعويذات سحر نطاق متداخلة، ناشراً إياها منه وإلى الهواء المحيط في موجة طاقة تتوسع باستمرار، متطلبة 6000 مانا للقيام بذلك. فانخفضت مانا الخاصة به من 55,000 إلى 48,000. تلك النطاقات هي ما دفع السحرة المضادين الباقين وأحد المحاربين في الأعلى وخلف إريك، فوق حصن السرداب، لتفريغ حمولتهم.
في تلك اللحظة الوامضة، حاولوا كسر نطاقاته. ولم ينجح سوى اثنان منهم. كاد إريك يكسر الموجة الأولى من الهجوم. أُغلق [نطاقه المائي] و[نطاقه الضوئي]، مما أظهر امتلاك أولئك السحرة المضادين لاعتمادات مذهلة تعتمد على الماء والضوء، وهو أمر متوقع، نظراً لعلمهم بمهاجمتهم تينًا خيّراً، وأن الرماد يمتلك نطاقاً مائياً، على الأقل. توسعت نطاقات النار، والهواء، والحجر، والظلال إلى الخارج، دون عائق ومتداخلة.
تعثر رجل الهواء عندما ضرب نطاق الهواء الخاص بإريك، فحوّل إريك خيطاً من هالته إلى نطاقه الهوائي ومزق تحكم رجل الهواء في هوائه الخاص. دار صراع طفيف. امتلك الرجل نطاقاً خاصاً به، وكان ماهراً للغاية في كسر النطاقات الأخرى، لكن إريك كان أفضل، ثم استخدم إريك [تشكيل الهواء] لتمزيق الرجل حقاً، مستولياً بالكامل على هوائه ومقضياً على صحة الرجل، قبل أن يفككه من الخصر ثم يزز ذراعيه الاثنتين بالحركة ذاتها.
سيعيش؛ سيضمن إريك ذلك، بمجرد انتهائه من المهاجمين الأربعة الآخرين، والسبعة الأخرين المنتظرين خلفهم. وبينما كان رجل الهواء لا يزال يسقط إلى الأمام بفعل الزخم، نحت إريك في زوج من محاربي القوة اللذين بدا عليهما الاستعداد الأقل بكثير لإريك، واللذين لم يبدا خطيرين إلا بسيوفهما الكبيرة وضرياتهما السريعة. انتهى الأمر بمحاربي القوة بالسقوط ببطء على الأرض أيضاً، بينما انتزع إريك ساقيهما وذراعيهما منهما.
في ذلك الوقت حلت ثانية مكتوبة أخرى، وأتيحت للسحرة لحظة أخرى للعمل بكامل قوتهم، لكن إريك كان مستعداً لذلك. لم تكن نطاقات الظلال والهواء المتوسعة قد بلغت سوى عشرة أمتار في تلك اللحظة، وكان إريك قد اجتاز جميع مهاجمي الاشتباك القريب في المدى، في الوقت المناسب تماماً لإبحار الدفعات الأولى من دمار السحرة في طريقه. ألقى إريك يدوياً بعض التعويذات العاكسة المصنوعة جيداً وارتدّ ثلث جيد من ذلك السحر الخطير إلى الأعلى في الهواء، بعيداً ودون ضرر.
استمرت نطاقات في التوسع، لأن ذلك ما صمم إريك نطاقاته لفعله. والآن، وصلت إلى ويس، ثم تدفقت فوقه. تركه إريك وشأنه، بينما عطل المحاربين المتبقين، رغم أن أحد هم تمكن بالفعل من كسر نطاق الظلال بنطاقه الظلي الخاص، أو مهارة كاسر النطاق. يصعب الجزم، حقاً. كانت النطاقات، متى أُطلقَت من شخص ولم تُعزّز مباشرة، قابلة للكسر بسهولة نسبية بواسطة نطاق شخص آخر. رغم أنه كان لا يزال يتطلب سحر نطاق حقيقي للمقاتلة ضد نطاق.
امتلكت تربة خضراء الكثير من المتخصصين هنا لذا استطاعوا فعل ذلك، ولم يفاجئ إريك حين قضوا على نطاقات الهواء والنار والحجر المتبقية لديه. مع ذلك، امتلك إريك قوة أكبر من ذلك. تحول إريك إلى سحر الجليد وأجرى بعض عمليات الإيقاط السهلة هنا وهناك، مستخدماً جليداً بارداً بما يكفي لإيقاع حالة التأثير المعيق (ستوب)، والتي كررها على كل شخص ساقط، كي لا يتمكنوا من النهوض مجدداً بقوتهم الذاتية.
وسط ذلك، تدفق إريك بنطاق جليدي، كَموجة تسونامي من السيطرة، غاسلاً باحة بلّور الحديد بأسرها، ومرتطماً صاعداً وخارجاً، ليطيل كل ساحر في طريقه.
ترك إريك مصاصات بشرية مجمدة في حالة "توقف"
في كل أنحاء الباحة. زينت قطع دم صغيرة الجليد الأبيض في كل الأرجاء، لكن لم تقع إصابات دائمة. تمكن بعض الناس حتى من الإفلات من التجميد، مثل ويس، لأن إريك تركه وشأنه، وساحرين على الأسوار، لأنهما كانا بتلك الكفاءة. وهذان الساحران هما اللذان نجحا في القضاء على نطاقي الماء والضوء لإريك. وكان الناجي الأخير قاتل الدائرة الخضراء. الجليد، أزرق وأبيض وبسمك أمتار في بعض الأماكن، طبّق على الجميع وكل شيء باستثناء أولئك الأربعة، وإريك.
وكان الوحش عند مدخل السرداب بخير، بالطبع؛ لم يلمس إريك العنكبوت العملاق على الإطلاق. في سكون الأرض المتجمدة، تنفس إريك. كلفته تلك المعركة بالضبط 3 ثوانٍ من الوقت الفعلي، ونحو 30,000 مانا. إن احتاج إلى [العودة]، فسيستعيد تلك الـ30,000 مانا، لكن ليس المانا التي سيستخدمها من أجل [العودة]، ولهذا السبب احتفظ إريك بثانيته المكتوبة لتلك التعويذة، كي تساعده الكتابة على تقليل تكلفة ذلك السحر من 10,000 مانا إلى 500.
كان إريك واثقاً تماماً من نصره، لكن لا شيء كان مؤكداً قط عندما تعلق الأمر بمثل هذا النزاع. نظر إريك إلى ويس.
"أنت آتٍ معي الآن، وسآخذك لمقابلة المشعوذ. هل ستذعن؟"
"سأفعل"، قال ويس، دون تردد.
كشف قاتل الدائرة عن نفسه أخيراً، كما لو أن المكان الذي لم يمسه الجليد لم يكن كافياً للإفصاح.
انسدلت أردية الرجل الخضراء وهو يخطو خطوة للأمام، وقال: "أنا أودّ أيضاً مخاطبة المشعوذ بخصوص هذه المسألة، ومسائل أخرى."
نظر إريك إلى الأسوار حيث تمكن ساحرا النطاق المائي والضوي من صد جليد إريك. لم يكونا باردين تحت الضغط مثل ويس والقاتل، لكنهما لم يصيبا بالذعر أيضاً. ربما استطاعا التماسك لفترة أطول قليلاً. رغم أن إريك وهو ينظر إليهما مباشرة لم يكن ليقدم لهما أي معروف.
"أسيتمكنان من إنقاذ الناس هنا؟ أم أن عليّ فعل ذلك بنفسي؟"
قال القاتل: "هما كفؤان بما يكفي لإنقاذ من هنا، رغم أن سحب نطاقك سيكون مفيداً بعد مغادرتنا."
أومأ إريك. ثم جعل أوفيل يهبط من السماء في استعراض للقوة التامة، مرتدياً شكله الذي يبلغ عرضه 5 أمتار ومتحصناً بطبقات من السحر ومع درعه العاكس المميز من الأشواك الفضية. زأر أوفيل بمزامير منزعجة عندما هبط أمام ويس والقاتل، ثم فتح [بوابة] نحو كاندلبوينت، إلى غرفة عرش إريك، التي تأكد إريك مسبقاً من توفرها وتجهيزها. رغم أن الأمر استغرق من بورهيندوروب ونخبة ما [ملجأ مسرع]
للاستعداد لتداعيات هذا الأمر هنا. لكنهم كانوا مستعدين. ثم فتح أوفيل [بوابة]
أخرى قرب إريك، وجعل إريك أوفيل يقول: "اذهب إلى هنا! تعامل معك لاحقاً!"
وقال إريك: "يبدو أنني متوجه إلى مكان آخر في الوقت الحالي."
عبر إريك [البوابة]، وأغلق من خلفه. أخذ إريك لحظة، هناك في غرفة نقل غير مهمة ولكنها محروسة جيداً في بيت النبلاء تُستخدَم لمثل هذا النوع من الأمور، لكي يستجمع نفسه. ثم تحول إلى الملك الظاهر بتاعه ذي القرون السوداء، وأطول من مترين. أدى تبديل سريع للملابس إلى إيداع ملابس الرماد الخاصة به في صندوق، بينما ارتدى ملابس أكثر عادية. كان مستعداً للاجتماع في غرفة العرش، لكنه أخذ لحظة لإصلاح ما فعله في الأعماق المتلألئة، ومحرراً الجميع من الجليد ثم شافياً إياهم جميعاً.
انتظر ويس وقاتل الدائرة، الذي اكتشف زولان أن اسمه فانس، في وسط غرفة العرش، رهن إشارة إريك. لمس إريك عين البصيرة على صدره، وتساءل عما إذا كان يريد الاحتفاظ بها. كانت تلك الحليّة هي الطريقة التي تعرف بها أولئك الناس على تجاهل الرماد لقواعد الأعماق المتلألئة؛ فقد خرج ماشياً منها وهو يرتديها، بعد كل شيء. ولم تظهر العَصا إلا لاحقاً. كم استغرقهم من الوقت لإعداد ذلك؟ لا بد وأنهم كانوا يراقبون من غرف التحكم في السرداب، أو ما شابه.
لقد استعدوا بسرعة إلى حد ما. لكن الأمور أولاً بأول!
أمسك إريك بأوفيل وعانقه بقوة، قائلاً: "لقد مثلت بمثل رائع يا أوفيل! أنا فخور بك جداً!"
غرّد أوفيل: "أنا ممثل! أختبئ وألعب جيداً!"
"نعم تفعل يا أوفيل. عمل جيد جداً. جيد جداً."
ثم نظر إريك إلى العَصا غير الذهبية الطافية بجانبه. بدت غريبة بعض الشيء، لإريك، وكأنها تنتظر الأوامر، أو ما شابه.
سأل إريك: "أيمكنك التحول إلى أشكال أصغر، مثل أوفيل هنا؟"
تحولت العَصا فوراً إلى دائرة من القمح الذهبي مع جوهرة بيضاء متلألئة محاطة بحبوب ذهبية. ... وضع إريك السوار على ذراعه اليمنى، ثم رفعه.
"حسناً. هذا جيد. شكراً لك."
تلألأت العصا غير العَصا.
"... حسناً إذاً"، قال إريك لنفسه، "حان وقت الذهاب لمنع أزمة دولية، رغم أنني متأكد تماماً من أنهم توقعوا أن تسير الأمور على هذا النحو منذ البداية."
غرّد أوفيل، غير مبالٍ بالسياسة التي لم يفهمها حقاً، وركّز بدلاً من ذلك على الهبوط على كتف إريك، متخذاً مكانه الصحيح والسعيد. كانت العَصا غير العصا جامدة.
- - - -
ترك إريك المحارب والقاتل يغليان طوال ثلاثين دقيقة كاملة في قاعة العرش، وحدهما، وقوفاً بوضع الاستعداد على السجاد أمام منصته. ومع ذلك، استطاعا التواصل مع من شاؤوا، وفعلا ذلك فعلاً. وبينما كان إريك يتحدث إلى بضع أشخاص وإلى سيريل ويتي في أودالي بشأن حدث أودالي الجاري اليوم، أبقى عينيه على ويس وفانس، وعلى طريقة تواترهما التخاطري مع الكثير من الأشخاص الآخرين. راقبهما زولان هو الآخر.
وظنّ إمّا أنهما يتعرضان لتوبيخ من رؤسائهما، وإمّا أنهما يفعلان بالضبط ما يُفترض بهما فعله، الآن بعد أن جاء إريك لإنقاذ «تلك المحترمة تنينته».
وكان صعباً على إريك أن يتبين أكثر من ذلك أيضاً، إذ كانا بارعين تماماً في عدم السماح لكلماتهم التخاطرية بالظهور في التعبيرات الدقيقة لوجوههما، أو في الحركات غير المقصودة لحلوقهما وألسنتهما. وفي النهاية، تمكن إريك من تسوية جدول أعمال جلسة الاستماع في أودالي، ثم عاد بكامل انتباهه إلى قاعة العرش.
عبر الملك الظاهر عبر بوابة فوق منصة عرشه، وجاءت كلماته اتهاماً واضحاً للمحارب والقاتل: "أنتم تعرقلون عمداً قدرتي على حضور حدث دينوثا أودالي هذا اليوم".
اتسعت عينا ويس وفانس قليلاً، قبل أن يُحكما السيطرة على نفسيهما أكثر من ذلك. وإمّا أن ويس وفانس كانا ممثلين بارعين، وهو أمر مرجح، وإمّا أنهما لم يكونا يعلمان حقاً أن هذا ما كانا يفعلاه.
تكلم ويس أولاً: "لا أدرك ما تعنيه، الساحر فلات".
وأبدى فانس من اللياقة ما يجعله يتظاهر على الأقل باحترام المكانة التي وُضع فيها، هنا في قاعة عرش سيد سيادي أجنبي، إذ انحنى.
ومع بقاء رأسه مطأطأً، قال: "أنا جاهل بأي مؤامرة تشبه تلك التي ترسم معالمها، الساحر الطيب فلات".
قال إريك: "انهض. لقد سمعت القصة بالفعل من أشكال، وقد سلّم بالفعل هذه التحفة التي صنعها هناك بالأسفل".
أخرج إريك عين الكلّ-الناظرة من حول عنقه، من تحت رداءيه، وقال: "عين الكلّ-الناظرة. إنها لأعجوبة حقاً، في الواقع. لقد مكّنته من رؤية كل جزء من هجومكم وأيضاً بعض الأمور الأكثر إثارة للاهتمام في ذلك السبوء الذي تملكونه هناك. قد أعيدها إليه، لكنها بلورة مانا، وتلك أمور بالغة الإثارة للاهتمام".
أعاد العين إلى تحت رداءيه، ثم فتح بوابة إلى يمينه، مباشرة بعد منصة عرشه، فخرج بوي، مرتدياً ثياب المعركة الدبلوماسية.
"تكلّم بوضوح، أو قدّم تقريراً مفصلاً إلى ناظر سحرة العقل لدي. أفضل الأمرين معاً".
أومأ بوي برأسه قليلاً باتجاه إريك، ثم وقف بوضع استعداد مسترخٍ إلى الجانب. لم يتكلم ويس. خطا فانس نصف خطوة إلى الأمام.
"توجه جمهورية التربة الخضراء رسمياً إلى أشكال وودفيلد تهم مقاومة الاعتقال، وتوزيع سلع سحرية بلا ترخيص، والتواطؤ في القتل، والتواطؤ في الفوضى، وتمكين القوى الشيطانية. ولو كان أقل شأناً، أو غير مرتبط بك، لطالبنا بإعدامه ونفيه، ولتقبلنا أياً من النتيجتين اللتين يمكننا تنفيذهما فعلاً، بينما نسعى وراء خيار الإعدام بأفضل ما أوتينا من قدرة. لكنه تنين، لذا سنقبل بالنفي على الأرجح. وبما أنه مرتبط بآل بروبيتي، فنحن نطلب تعاونكم في القبض على هذا المجرم".
لم يرفض الققاتل جفناً حين أمره إريك بإفشاء القصة، ثم مضى في عدم إفشاء أي قصة على الإطلاق. ذهب فانس مباشرة نحو تداعيات هذا الحدث برمته، متخطياً عدة خطوات من العملية العادية لتبادل المعلومات ومحاولاً بذلك وضع نفسه والتربّة الخضراء في موقع قوة أفضل على آل بروبيتي.
قرر إريك أنه لن يسمح لهما بالتخطي إلى النطق بالحكم، إذ ردد أمره السابق، لكن بكلمات مختلفة: "أود أن أسمع ما فعله أشكال من منظوركم".
أومأ فانس برأسه سياسياً، ثم تراجع ليصطف مع ويس. خطا ويس نصف خطوة إلى الأمام.
"تسأل التربة الخضراء إن كنت على علم بالجرائم الشيطانية التي تحدث في عاصمة التربة الخضراء؟ في غرينديل؟"
"في الغالب. ذكر أشكال تلك الأمور، وتقصيتُ أمرها".
انتظر ويس أن يسهب إريك، ولكن حين لم يفعل، تابع ويس: "لقد صنع أشكال وودفيلد أدوات قوة داخل سبوء الجواهر ووزعها مقابل الذهب على قوى أخرى داخل السبوء. وهذا ليس بمشكلة، فموارد البلورة الحديدية هي سحر مزيف. غير أن أشكالاً جعل أشياء تصبح حقيقية أيضاً، عن طريق السحر. ومن هنا تنبع الاتهمات الموجهة ضد صناعة الأدوات السحرية. غير أننا نعتقد أن السيد وودفيلد قد فعل ما هو أبعد بكثير من هذا، وقد منح أدوات قوة مباشرة لمتعاطفين شيطانيين مجهولين يتواجدون داخل سبوء الجواهر، لغاية صريحة هي تقويض سلطة العرش الفيروزي، من خلال القتل المنهجي للقضاة، والمحققين، والتجار رفيعي المستوى، والنبلاء. النبلاء هم عمليات القتل الوحيدة التي لم نتمكن من إبقائها بعيدة عن قرّاء سحرة المعرفة، لذا لم نحاول. في الحقيقة، كانت كل جريمة قتل اغتيالاً سياسياً، أصلها من داخل سبوء الجواهر. ثلاثة من كل أربعة أشخاص قُتلوا كانوا من دعاة الحكم الصارم المقتصر على البشر، وأنصاراً أشدّاء للعرش الفيروزي. أما ربع القتلى الباقون فكانوا من دعاة الوسطية المحبوبين، والذين وقعوا على الأرجح في شباك القتلة المعادين للبشر. وهناك استثناء بارز واحد لهذا النمط. سيدة تحمل اسم كيندرايي ووترز أصبحت تقدمية في البلاط الملكي العالي بعد أن اكتسبت تقديراً لبرامج التواصل الخاصة بالأراضي المقفرة قبل ثلاث سنوات. وبعد تفشي انهيارات السبوءات الذي أدى إلى تصاعد التوتر في الحرب الهادئة وإزالة شبكة بوابات التربة الخضراء/الأراضي المقفرة المباشرة قبل عامين، أصبحت الليدي ووترز أكثر جهراً بنداءاتها للسلام. لقد كانت إحدى أولى الضحايا للجرائم الشيطانية. قُتلت طقسياً في كنيسة المضيف المقدس في شمال غرينديل، مما دنس تلك الكنيسة وأخرج مئات العفاريت التي انتشرت بعد ذلك في المدينة المحيطة. أُصيب أكثر من أربعين شخصاً بسبب تلك العفاريت، لكن لم يُقتل أحد آخر. ربما قُتلت الليدي ووترز لأنه كان بوسعها التحدث إلى الشياطين وثنيهم عما نووا فعله تالياً. وربما قُتلت لسبب آخر ما. لا نعلم، فروحها تقطن الجحيم الآن؛ وهي منال بعيد عنا. أسفرت كل جريمة قتل مفردة عن روح ملطخة بالجحيم، وهي منال بعيد، وأسفر القليل منها عن عفاريت أثبتت أنها مزعجة. لقد صنع أشكال أدوات قوة، ثم جعلها حقيقية، وقد لوحظت هذه الأدوات في حادثتين على الأقل. مرة، في محاولة اغتيال استهدفت منزل آل فارفيلد النبيل، وفي عملية قتل مسجلة لرئيس حراس، والتي نعتقد أنها كانت عملية قتل انتهزت الفرصة، ولذا لم يتخذ القتلة الاحتياطات المناسبة لإخفاء أنفسهم عن مستشعرات المانا لدينا. لقد ربطنا أساور [الريح الخفية] وصدرية الدفاع المطلق الخاصة به بتلك عمليات القتل".
وأنهى ويس حديثه قائلاً: "ولذا، نطلب تسليم السيد أشكال إلى التربة الخضراء والعرش الفيروزي، لكي يجيب عن أسئلة لنا".
تظاهر إريك بمنح كلماتهم بعض التفكير، لأن هذا ما يفعله المرء في مواقف كهذه.
ثم قال: "طلب غرينديل بشأن أشكال مرفوض. سأتدخل بنفسي مباشرة الآن".
تراجع ويس. خطا فانس إلى الأمام.
"إذن نحن نلغي طلبنا بشأن أشكال، ونطلب منك أن تتركنا لشؤوننا، ونطالب بأن تبقي أشكالاً بعيداً عن أراضينا منذ الآن وإلى الأبد".
"من السهل علي احترام طلب ترك مشاكلكما لكما، لكنكم تمضون بعد ذلك لتهاجموا تنيناتي باتهمات غير مثبتة".
حدق إريك، وأضاف: "لا تهاجموا تنيناتي أبداً مرة أخرى. تعالوا إليّ إن كانت لديكم مشكلة مع أحدها".
صرح فانس بهدوء: "سيُحوّل طلبكم إلى ملكنا الفيروزي الأعظم، داروندي رايفو، لعلّه يملك على فيرد كما يملك أدافيدو على سيليس".
قال إريك: "أطلب تقريركم الكامل عن هذه الجريمة الشيطانية لأتحرى أمر أشكال بنفسي، وأطلب تقريركم الكامل عن توغل الرياميت في أراضيكم. سواء اخترتم إعطائي هذه التقارير أم لا، فذلك سيملي استجابتي لمعرفة كل هذه المعلومات بنفسي".
لم يبدُ على ويس وفانس أي تأثر حين ذكر إريك «توغل الرياميت».
انحنى فانس وويس كلاهما بدلاً من إعطاء إجابة.
سأل إريك: "انتهى هذا الاجتماع. أين ترغبون في أن تُلقَيا؟"
قال فانس: "سبوء الجواهر، الساحر فلات".
فتح إريك بوابة، وغادر المحققان. أغلق البوابة، وقطب جبينه.
قال بوي: "كان ويس صادقاً بقدر ما يعلم".
"... إذن كان فانس يعلم أكثر، بينما لم يعلم ويس".
"غالباً ما تعلم الدائرة الخضراء أكثر مما يعلم محققو التربة الخضراء، لكنهما مجرد يدين مختلفتين للعرش نفسه، وأحياناً تنعكس مواقع المعرفة تلك".
فكر إريك لحظة في كل ما سمعه.
ثم قال: "أحتاج إلى بورهندورور وإنفاذ القانون للقيام ببعض التحريات. أطلعوهما على محتوى هذا الاجتماع".
"أأخبرهما بشأن أشكال؟"
"بورهندورور، نعم. والباقي، لا".
أومأ بوي، وهو يرسل خيوطاً من الفكر.
"شكراً لك، بوي".
ابتسم بوي قليلاً، وهو يومئ برأسه مرة أخرى. أصبح لدى إريك حدثان كبيران ليعد لهما الآن. كان هذا الأمر المتعلق بالجرائم الشيطانية حدثاً واحداً فقط. أما الآخر فاستغرق إعداده أكثر من عقد من الزمان.
- - - -
تألّفت هيئة الادعاء من ملك أودالي، سيريل أودالي، وجدّته الدوقة فيلهلمينا دومينير، سيّدة المحكمة العليا، والنسيبة من الدرجة الثامنة للملك الفيردي. تعذّر تحديد أيّ منهما يمتلك نفوذاً سياسياً أطغى في هذا المكان بالذات. لم يتواصل إيريك مع فيلهلمينا منذ أكثر من عقد من الزمان، وتحديداً منذ أن عمل مع أودالي المنفيّ لاستعادة مدينتهم ذات الجدران البيضاء من قاعات الموتى.
لم يتواصل معها كثيراً هذه المرة أيضاً، لكنها كانت السبيل الأساسي الذي تمكّن أودالي عبره من الحديث أمام المحكمة العليا، هنا في غرينديل. تولّت امرأة مسنة تُدعى إيليلوليا وايتفيلد منصب المحامية الملكيّة لعدد كبير من قضايا أودالي القانونية، وكانت المدعيّة في قضية أودالي ضد أوداري. ظنّ إيريك أنها تجيد عملها، لكنها واجهت عقبات مستحيلة، لذا رجّح أنها ستعجز عن كسب القضية لصالح أودالي.
جلس أولئك الثلاثة على جانب واحد من طاولة خشبية كبيرة. جلس على الجانب الآخر من الطاولة المحامي تاد غرينفيلد؛ رجل طاعن في السنّ تتّقد عيناه بقوة بينما يتهاوى جسده، غير أن صوته ظلّ قوياً ولم تكن صحته سيئة إلى حدّ كبير. مثّل مصالح العرش الفيردي في إبقاء أوداري تحت سيطرة غرينديل. لم يحضر دينوثا أوداري شخصياً. وبدلاً من ذلك، وقف محققان خلف تاد غرينفيلد. لم ينطق أيّ منهم بما يزيد عن كلمات معدودات بحكم الروتين، نظراً لأن الآمرين الناهين حقاً في هذه الغرفة كانا إيريك، الجالس عند أحد طرفي الطاولة والمكتنف ببوي وبورهيندوروب، والملك الفيردي الجالس عند الطرف الآخر.
كان الملك الأعظم داروندي رايفو رجلاً في الخامسة والسبعين من عمره، باهت البشرة، شديد السواد شعره، ومفتول العضلات، يرتدي بدلة خضراء وبيضاء، ويعتمر إكليلاً خفياً من الزمرد كتاج. وقد تولى السلطة قبل وقت طويل من سقوط إيريك في فيرد. واكتنفَه فانس، القاتل التابع للحِلقة، ورجل ارتدى درعاً خضراء داكنة. وصل داروندي قبل عشر ثوانٍ، ليكون آخر الواصلين، ولم يظهر إلا بعد أن جلس إيريك.
بادر إيريك بالحديث قائلاً: "أهلاً بك يا داروندي".
ردّ داروندي: "أهلاً بك يا إيريك. لديّ أمران. الأول: أريد آشز قيد الاحتجاز ليجيب عن أسئلتي. الثاني: أريد منك الكفّ عن هذا السعي وراء معلومات تخصّ أوداري".
"أريد السماح لآشز بالعودة إلى الأعماق المتلألئة، وتبرئة ساحته، والعمل في هذه الأرض من دون تهديد من المحققين أو غيرهم، وكشف هذا التهديد الشيطاني والقضاء عليه بنفسه. وأريد من أوداري أن تفسّر أفعالها علناً، كما ترغب هي، وكما يبتغي ضحايا جرائمها".
توقف داروندي برهة.
ثم سأل: "فانس؟ ما رأيك في آشز؟"
"سنسمح لآشز بالعودة بشرط موافقة محقق له. وسيكون ويس كلوفر ذلك المرافق".
قال إيريك: "مرافقة المحقق خارج الزنزانة فحسب. وليس في داخلها. سأراقب عن كثب متى بدا لي ذلك".
وأردف: "ما زلت لم أتلقّ التقرير الشامل عمّا حدث بالفعل بشأن آثار الزنزانة والجرائم الشيطانية".
قال داروندي: "تمّ. سيسلّم فانس تلك المعلومات إلى رجلك بورهيندوروب فور انتهاء هذا الاجتماع. وسيُطلع آشز على تفاصيل الأمور في الزنزانة. وهو غير مسموح له بمغادرة أراضيها بغير مرافق، لكنه لن يتعرض لأي تضييق خارجها طالما نأى بنفسه عن ارتكاب أي تجاوز".
واستطرد: "ستشرح أوداري موقفها لعشرة أشخاص يختارهم أودالي. ستكون شهادة سرية. ولن يُسمح لأحد بالحديث عنها خارج تلك الغرفة".
رمق إيريك سيريل بنظرة، لأن مآل أوداري كان قراره في نهاية المطاف. حدّقت فيلهلمينا في سيريل هي الأخرى، تحثّه صمتاً على دراسة الصفقة. هزّ سيريل رأسه رافضاً. عبس داروندي في وجه الرجل.
قال إيريك: "لا تبدو هذه الصفقة مقبولة. ويودّ قلبي أن يعلم لمَ تظلّ هذه المشكلة قائمة من الأساس. لمَ لا يُسمح لها بسرد روايتها لأكبر عدد يبتغيه أودالي؟ فما قصتها بالسوء البالغ على أي حال".
"إنها القصة المعتادة لنبيذ محروم التجأ إلى عدوّ ليظفر بما أراد. ليست استثنائية بحال، لكني لن أسمح بانتشار حكايات شنيعة كهذه لتزرع في أذهان الآخرين أفكاراً عن محاكاة صنيعها".
وسأل داروندي: "أتريدها ميتة يا إيريك؟ أم تبتغي مسخها؟ أن تُبعث من جديد وتُنالها البركة؟ سأتيح أيّاً من ذلك، لكنْ إن لم تلقَ حتفها، فأنا أرغب في عودتها. وما لن أسمح به هو ادعاء أودالي أن ثأرهم يعلو على سلطان الجمهورية ذاتها واحتياجاتها. كما آثرت لو أن أودالي لم يذهب ويقحِمك في الأمر، غير أن ذلك الحدث قد مضى وانقضى على ما أظن".
"ذهبتُ إليهم بناء على محادثة دارت مع أتونير؛ لم يأتوا إليّ".
وتابع إيريك: "وأي ’احتياجات’ للجمهورية تعني؟ أتعمل أوداري على مزيد من سحر النبات؟"
لم يصدّق داروندي تماماً أن أودالي لم يتصل بإيريك بشكل مباشر، لكنه أبدى استعداداً لقبول كلام إيريك ظاهرياً.
وأما ما تبقى، فأجاب عنه بالقول: "أكاديمياً؛ نعم. تعمل ديُنرثا أوداري على سحر النبات. نحن لا نسمح لها بإلقاء تعاويذ فعلية، لكنها تمنح مائة وحدة مانا في اليوم، وبحد أقصى خمس مانا للتعويذة الواحدة. يمنحها هذا قدراً يسيراً من الاعتماد على النفس، إذ أضحت باحثة نظريّة شبه كاملة الآن؛ تُعلّم الطلاب المعمدين وتعيش عيشة متواضعة في أرجاء القصر تحت أعين محاكم التفتيش. ولعلّه بعد سنوات أخرى معدودات من التضرّع والتوبة، يُصغى فعلاً لالتماس غفرانها من أتونير، ويُطوى ذلك السعي".
شعر إيريك بنوع من الصراع الداخلي الآن، وبدت عليه أمارات ذلك، إذ كاد يضع حدّاً لهذه المؤامرة برمتها في تلك اللحظة... رأى سيريل ذلك، فلم يقدر على كبح مظاهر حزنه المباغت.
فقال إيريك لسيريل: "أخبرني أتونير شخصياً أنه لو قمتُ بـ[تقمص] وتعاطف مع أوداري، فسيكون ذلك مقبولاً لديها. جلّ ما تريده هو طي سعي القتل والإبادة، وإن كانت أوداري تائبة حقاً، فالمشكلة الوحيدة تكمن هنا، بين الحاضرين في هذه الغرفة".
بدا داروندي متقبلاً لذلك. أما سيريل وفيلهلمينا فأبديا قبولاً أشدّ، لأن إيريك كان قد أخبرهما بكل ذلك سابقاً، وأكدته ييتا. لكن ييتا لم تكن حاضرة الآن، وسيريل... حسنٌ.
قال سيريل بلهجة قاطعة: "أودالي مستحقة لكأس دمائنا. سنجعل أوداري تفصح عن مسوغات ما ارتكبته أمامنا جميعاً، ونريدها مكشوفة بلا حماية من أي قوى أخرى. ويشمل ذلك العرش الفيردي ودار الإحسان".
وخلص إيريك قائلاً: "إذن فمكمن الخلاف هو رغبتك في إعلان علني تملك فيه زمام الموقف برمّته وحدك"، مفصحاً عن عمق قناعتهم التام.
"وحتى لو ضاعف داروندي عرضه ليشمل ألفاً من النبلاء والعامة، فلن يكون ذلك كافياً قط".
قال سيريل: "يستحق سكان أودالي بأسرهم معرفة ما جرى. فأي تقرير صادر عن غرفة مغلقة لا يكفي أبداً".
فقال داروندي وهو ينهض: "هذا جلّ ما يبتغونه، وما أنا بمُعطيه إياهم. لذا حان الوقت ليتباحث المحامون. أترغب في مخاطبة أوداري بنفسك يا إيريك؟"
نهض إيريك وقال: "أظن أنه قد حان الأوان".
أومأ داروندي بيده نحو الجانب، ففتح الرجل الضخم المدرع الواقف خلفه [بوابة] برتقالية اللون تفضي إلى مكان آخر. هكذا وصل داروندي إلى هذا الاجتماع، وتنقّل في أرجاء غرينسويل. كان الرجل المدرع ممن بلغوا جزءاً من الدرب الدنيوي يؤهلهم لـ[البوابة]، لكنه اشترى تلك التعويذة عوضاً عن السير على الدرب... غالباً. لا بد وأنه واجه صعوبة بالغة منذ أن حظر ميليميزارغو كل السحر المكاني في عالم فيرد بأكمله.
لم يبدُ طاعناً في السنّ لدرجة تجعله من عصر ما قبل هجرة الانتقال الآني، وما زال ممكناً إعداد مناطق خاصة يُتاح فيها تعلم ذلك السحر، لذا يُرجح أن هذا ما حدث هناك. احتاجت كيري إلى إعداد أماكن مماثلة حين اختارت السير على الدرب الدنيوي. عبر داروندي من خلال [البوابة]، وتبعه رجاله، ثم تلوه إيريك، بينما تكفل بوي وبورهيندوروب بحماية المؤخرة. وبقي أوفيل خلفهم ليتسنى لإيريك تفقد ما سيقوله المحامون لدى مغادرته، في حين رافقهم أوفيل آخر متربعاً على كتف إيريك.
وفي الغالب، ركّز إيريك على ما سيأتي، وهو يخطو على الطريق الأبيض العريض المؤدي إلى القصر الأخضر في غرينديل.
مشى إيريك إلى جوار داروندي، قائلًا: "يبدو القصر رائعاً كعادته".
فقال داروندي: "أود لو يذهب رجالك ورجالي للتعامل مع الأوراق وغيرها، بينما نتجول أنا وأنت يا إيريك".
أومأ إيريك برأسه. توقف فانس والرجل المدرع عن المشي وانحنيا. وفعل بوي وبورهيندوروب المثل ذاته. ثم انحرف الأربعة جهة اليمين، متتبعين مَمشَى صغيراً عبر العشب بين سياج من الورود، باتجاه مبنى آخر وراء حدائق الزهور. توجّه إيريك وداروندي صوب القصر. كان البناء الرئيسي شبيهًا بمبنى سكني عريض، ويُذكّر إيريك تقريبًا بقصر فرنسي؛ شُيّد للترفيه والرفاهية لا للدفاع. واكتظّت الحدائق الأمامية بزوايا صغيرة ومساحات مفتوحة رحبة تضم أكواخاً وبركاً صغيرة.
وتولى البستانيون صيانة كل شبر باستمرار، بينما وفرت شبكة عقد وتعويذات متخصصة استقراراً عامّاً للنظام بأكمله. لكن ذلك برمّته كان كذبة، إذ تمثل دور شبكة العقد حقيقة في جعل القصر الأخضر العظيم في غرينديل أحد أكثر المواقع تحصيناً في هذا العالم، مع ربط كل تعويذة بداروندي ونفر منتقى سواه لمنحهم وصولاً كاملاً، وحجب الغرباء أجمعين. قاد داروندي إيريك عبر أقواس عدة من تلك التعويذات، كلما اقتربا من الدرج الأمامي المؤدي إلى أبواب القصر الرئيسية.
في المرة الأخيرة التي زار فيها إيريك هذا المكان، منعت تلك التعويذات حتى قدرته هو على استشعار المانا في كل مكان، أما الآن، فسمحت له هذه العين الرائية لكل شيء بتجاوز الأبواب، والنفاذ عبر طبقات السحر المتراكمة في الجانب الآخر. لم يكن هناك فخ، أو أي شيء من هذا القبيل. بل وجدوا خادماً وحيداً ينتظر فتح الأبواب ومجموعة صغيرة من الناس يقفون على جانبي بساط أخضر، أمام درج فخم في مؤخرة قاعة المدخل.
وحينئذ انفتحت الأبواب من الجانب الآخر، كاشفة عمّا رآه إيريك مسبقاً.
تقدّم داروندي بخطواته، سائلاً: "أبمقدورك قضاء وقت طويل هنا يا إيريك؟ أم لفترة قصيرة فحسب؟"
"لن تضرّ بضع ساعات حقيقية".
"ممتاز. فلننتقل إلى الغرفة البيضاء".
انحنى عدد قليل من الخدم الواقفين في الصف ثم انسلّوا من القاعة الرئيسية متوجهين إلى ممرات الخدم، خلف ستائر قرب بيت السلم، بينما قاد داروندي إيريك نحو الجناح الأيسر. كانت الغرفة البيضاء بيضاء حقاً، وكما يوحي اسمها. جدران بيضاء، وأرضية، وأثاث، وسقف. وتناثرت لمسات من الذهب والفضة واللون الأخضر هنا وهناك على الزخارف وتقاسيم الأثاث، بينما تدفق نور العالم الخارجي مضفياً حيوية على المكان افتقر إليها سواه.
وفّرت وفرة من المرطبات على طاولة شاي، بين أريكتين، مزيداً من الألوان. أطعمة خفيفة في الغالب، مع لحوم وأجبان ومقليات، إلى جانب الشوكولاتة والبسكويت. وكان قد سُكب كوبا شاي بالفعل ووضعا يتصاعد منهما البخار بجوار إبريق ممتلئ بالمزيد من الشاي، لمن أراد المزيد. يعمل طاقم هذا المكان بسرعة فائقة.
جلس داروندي على إحدى الأريكتين، مشيراً للأخرى ومطالباً: "تفضل بالجلوس معي، ولنتحدث بحرية أكبر خلف كل طبقات النفوذ هذه".
ابتسم إيريك ابتسامة خفيفة، ثم جلس، دافعاً برداءيه جانباً ليستقرا إلى جواره عوضاً عن الجلوس فوقهما، كاشفاً عن بطانة داخلية سوداء داكنة تباينت مع باقي الغرفة بأسرها، كأن الخطوط السوداء على ردائه لم تكن بالغة الاختلاف من الأساس.
"أمتأكد أنت من أننا لا نُتجسّس علينا؟ ماذا عن خيط النفوذ ذاك الممتد من هنا إلى قبوك؟ حيث يجلس رجل وامرأة يستمعان؛ وها هما يتنفسان بعمق ويساورهما القلق إزاء كل شيء... وها هما يعتذران الآن".
"أثق بهما ثقتي بحياتي، لكنني لا أثق بك تماماً يا إيريك. سيبقيان".
"طالما بمقدورهما حفظ بعض الأسرار الدنيوية، فلا مانع لديّ إذن".
"بمقدورهما".
وقال داروندي: "لنبدأ بكيفية كونك أنت آشز".
ابتسم إيريك.
"آه! رائع. يسرّني ألا اضطر لشرح ذلك، وأن نتمكن من تخطي الخطوة..."
"ألا تنكر ذلك؟"
"أنت من وافقت على السماح لآشز بالعودة، وسيفعل، وهكذا سأصل إلى جذور أمر الأعماق المتلألئة والارتباط الشيطاني الجاري هناك. ستُحاط علماً بالنتيجة بالطبع".
ثم اتهّم إيريك قائلاً: "لهذه الغاية: ما قصة قتل غرينسويل لليدي ووترز في عملية راية زائفة مع استهلال هذه الجرام الشيطانية؟"
استند داروندي إلى أريكته، وقال: "تلك واحدة من شائعات كثيرة تروج، لكنها عارية عن الصحة من طرفي".
"يصعب قراءة أفكارك يا داروندي. إنها إحدى الخصال التي تثير إعجابي فيك، وما لا يثير إعجابي هو أن يلقى حتفه شخص كان ينادي بإصلاحات في التعامل مع رياح الأراضي القاحلة، لتنطلق العفاريت هاربة من تلك الميتة. يشير هذا إلى متاعب في الحرب الصامتة، وهو ما يقلقني".
"نحن قلقون بالقدر ذاته إذن، فقد بلغني أنك تخطط لفك أختام إغدراسيل في الشهور القادمة".
"إعادة إحكامها. لا فكها".
قال إيريك: "لا بد أنك استدعيت شيطاناً خاصّاً بك لتعلم ما يعرفونه عن هذه الجرائم. أنا أنوي فعل ذلك لاحقاً. أسألك الحق الآن: أهي ’جرائم شيطانية’ حقة، أم أنها أمر مغاير؟"
"أحدهم يقتل النبلاء ويحولهم إلى شياطين. وأحدهم في زنزانة الجواهر متورط. وربما خلق كثيرون. تلك بضع حقائق كبرى من وقائع القضية. إن استطعتَ تسوية هذا الأمر عبر التواصل مع الجحيم مباشرة، فلا مانع لدي، لكن مبادراتنا تجاه الجحيم لم تُقابل حتى الآن بشيء سوى... الكثير من الكراهية، من طرفنا وطرفهم. ولا شيء قاطعاً في أي الاتجاهين".
وسأل داروندي: "هل سمعت بما جرى في زنزانة الجواهر قبل خمسة عشر شهراً؟"
"حين تسلل رياميون إلى غرينديل وبلغوا مدىً بعيداً قبل أن يُلتفت إليهم؟"
"لم يبلغوا مدى بعيداً قط. لكنهم شرعوا في التأثير على بعض السياسات المحلية في الأحياء ذات الألوان الباهتة. وكانوا يثيرون الدعم لسياسات دمج متنوعة كانت ستتركنا عرضة للتسلل الشيطاني. وانكشف أمر سرقتهم للوجوه لأنهم اساءوا فهم ’سياساتنا الاستبدادية’ المتنوعة، كما سمعتك تدعوها، وظنوا أن بمقدورهم... فعل أيّاً ما كان ما يخططون له. لسنا متأكدين تماماً من ذلك بأنفسنا. وكل ما نتيقن منه هو أن أولئك الرياميين قد أفلتوا من النبلاء المسؤولين عن إطلاقهم من الأعماق المتلألئة، وبدؤوا يحوكون خططهم الخاصة".
وأردف داروندي: "حين وقع ذلك، طرح النبلاء أنفسهم أرضاً خاشعين أمام العرش، مفصلين كل جزء من تورطهم مع الرياميين بما لا يظهرهم بمظهر سيئ، وقمنا نحن بتفكيك تلك المشكلة".
ارتفع حاجبا إيريك قليلاً مندهشين.
"آه. أترجح أن النبلاء أفلتوا بصفعة على الوجه فحسب، ولا شيء غير ذلك، ثم حاولوا مجدداً ليُقتلوا هذه المرة".
فقال داروندي: "هذا ما تمكّنا من جمعه. كل عائلة نبيلة ارتبطت بتلك المؤامرة الريامية الأصلية والعديد من صغار الكتبة والقضاة والحراس وغيرهم، قد لقوا حتفهم جميعاً. كان آل مانفيل أولهم، ثم آل تشيسترفيلد، تلاهم آل ووتررود وآل آدمسميث وأربعة من آل فارفيلد. نجا فارفيلد واحد. وهي رهن الاحتجاز الوقائي. كانت الليدي كيندرايي ووترز بين أوائل الهالكين. واتبعت جميع رؤوس العائلات النبيلة ذات نمط الإعدام الخاص بها؛ تحويل روح الضحية إلى روح شيطان، وإطلاق العنان لمئات العفاريت".
واستطرد داروندي: "وتلقى بعض القضاة المعاملة ذاتها".
راودت إيريك أفكار عدة عما قد يحدث بالفعل، لكنه لم يكن واثقاً.
"أحتاج إلى الاطلاع على التقارير الكاملة".
"أرجو منك الحدّ من تدخلك في شؤوننا يا إيريك... لكني سمعت حكايات عن الخطر الريامي. هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلني أسمح لـ’آشز’ بالاستمرار في الوجود".
"هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلني أنوي التدخل بالقدر اللازم فحسب للحيلولة دون وقوع الأسوأ".
عبس إيريك مطالباً بحدة: "كيف لم تدمر زنزانة الجواهر حتى الآن، لمجرد التهديد الذي يمثله الرياميون؟"
ابتسم داروندي إزاء ذلك.
"يجعل هذا الناس في حالة يقظة دائمة لإدراك أن الشر المطلق موجود بالفعل. لو أن آل مانفيل ومن عداهم أخذوا ذلك الدرس مأخذ الجد، عوضاً عن محاولة جني الأرباح منه، لما لقوا حتفهم الآن. وبصراحة، لا مانع لديّ من هلاكهم؛ لست بحاجة إلى حمقى أمثالهم في جمهوريتي".
وهز كتفيه.
"فضلاً عن أن الأمر لا يقتصر على كونها زنزانة أتونير، فتلك الزنزانة الكبرى تجلب من الذهب والنفوذ ما يمنعني من الاستغناء عنها بسهولة. تشبه سبور وما كانت عليه أندريثيست سابقاً، لكن بشر مستطاع إدارته أكثر".
أدرك إيريك أمراً آخر.
"... إنك تصنع أسلحة ميتاً بالفعل وتخرجها من زنزانة الجواهر".
عرف إيريك كيف ستفعل غرينسويل ذلك أيضاً. فكل ما سيتطلبه الأمر هو بعض السحر الثانوي من شخص صنع نواة وكسب إنتاج مانا أساسياً من قتل زعماء كبار في الظلام. وكان ذلك أحد الأسباب الأصلية التي جعلت ميليميزارغو ينشئ الزنزانات، في نهاية المطاف؛ للسماح للناس بزيادة إنتاجهم الأساسي من المانا فعلياً. ومع كفاية إنتاج المانا الأساسي، ووجود نواة لاحتواء تلك المانا، يمكن للمرء بسهولة صنع بعض السحر الثانوي.
سحر ثانوي يكفي لتحويل أحجار الميتا إلى حقيقة.
صرّح إيريك قائلاً: "أشخاص آخرون يحولون أسلحتي الميتا الخاصة بي حقيقة بالفعل، ويستخدمونها في تلك الجرائم الشيطانية؛ لم يكن ويس يكذب بشأن ذلك".
حدق داروندي بخفة، قائلاً: "تحويل ميتا-أدوات الآخرين إلى أشياء عالمية ليس باليسير كما تظن. غير أن شخصاً ما قد استنبط الطريقة المثلى... ما لم تكن أنت حقاً من يزود أعدائي بالأسلحة".
"صنعتُ عن غير قصد شيئاً حقيقياً واحداً، ثم صنعتُ الثاني عمداً".
تصلبت نظرة داروندي للحظة، ثم تراجع قائلاً: "إذن ينبغي أن تعلم أن شخصاً آخر قد استنبط تلك الطريقة، وبات قادراً على تطبيقها على أشياء صنعها آخرون. أتمنى لك التوفيق في معرفة من حوّل درعك الواقي من التخفيض المطلق إلى شيء حقيقي. ولعل حظك في تتبع تاريخ تلك المعاملات يكون أفضل من حظنا".
قال إيريك: "صنعتُ عشرة من تلك".
وأضاف: "لم تكن صعبة الصنع وذهبت إلى كل مكان".
"... حسنٌ، تلك أخبار محبطة. لا فكرة لديك على الأرجح عن تاريخ المعاملات الخاصة بهذا الشيء بالمرة، أليس كذلك؟"
"لم أولِ تلك الأشياء أي تفكير، لكنني كنت متأكداً إلى حد كبير من صعوبة جعل الشيء حقيقياً".
"حسنٌ، إنه كذلك".
تنهد داروندي.
"هنيئاً لك لقطع لصوص الحديد طريقهم عبر الطوابق من المئة إلى التاسع والعشرين بعد المئة بالمناسبة؛ لم يكونوا ليحققوا ذلك لولا مساعدتك".
"... أتظن أن فارفيلد الأخيرة ستستهدف للإعدام من قبل القاتل، أو القتلة؟"
"على الأرجح لا؛ لم تكن مهمة على الإطلاق، لكن ربما ستكون كذلك ويستهدفها القاتل، ومع ذلك فهي رهن الاحتجاز الوقائي لدينا الآن".
وقال داروندي: "كل نبيل تعامل مع الرياميين قبل الآن قد هلك، إلى جانب ثمانية وعشرين هدفاً أسهل على الأقل، لذا نعتقد أن القاتل أو القتلة سيتوارون في الظلال غالباً، بانتظار تنفيذ ’مرحلتهم الثانية’ التي نفترض أنها ستكون استيلاءً سياسياً آخر من نوع ما. لكننا مستعدون لذلك".
استند إيريك إلى الأريكة مستغرقاً في تفكير عميق.
"كم بلغ حجم الأضرار الجانبية الفعلية؟"
"تسببت طفرات العفاريت عند كل مصرع رئيسي في أضرار جانبية... لكنها ليست جسيمة. سيتعين عليك قراءة التقارير بنفسك لترى إن كنت تخالفني الرأي".
بعد هنيهة، قال إيريك: "أقدر صراحتك يا داروندي".
"أنت أحد القلة الذين يمكنني الوثوق بأنهم يبقون على طبيعتهم ولا يكذبون حين يكون الأمر هاماً يا إيريك".
ثم أعلن داروندي بلهجة المحادثة: "آمل أن نؤكد، من خلال تبادل المعلومات هذا ومنح إذن عودتك لشخصك إلى الأعماق المتلألئة، على استمرار العلاقة الإيجابية بين دار الإحسان وغرينسويل".
قال إيريك: "تقدر دار الإحسان مواقف غرينسويل وتتفهمها. أود رؤية أوداري الآن".
"إنها في طريقها".
ثم التقط داروندي قطعة شوكولاتة والتهمها، قائلاً: "آمل أنني جعلتهم يصنعون ما تفضله".
ابتسم إيريك بخفة، ثم التقط شطيرة سمك ملك قرمزي صغيرة ومسودة، وقال: "أمن مزرعة أسماك إغدراسيل؟"
"لا شيء إلا الأفضل للساحر".
اتسعت ابتسامة إيريك كثيراً عند ذلك، ثم التهم القطة الصغيرة من السمكة الأكبر بكثير التي رباها ابنه بنفسه، هناك في هضبة الشجرة. وانتقل الحديث إلى مواضيع أقل أهمية، ولم تكن أقل أهمية في الواقع بأي حال. مثل كيف وجد إيريك تجربة الأعماق المتلألئة، وما يدور في حافة العاصفة، وكفاءة شبكة البوابات وكيف يمكنها تلبية احتياجات داروندي بشكل أفضل، واحتياجات غرينسويل. وأثناء حديثهما، أكد إيريك بعض الأمور بطرق التواء، تماماً كما فعل داروندي وهو يخاطب إيريك.
كان داروندي يشتبه في أن إيريك يحاول تقويض الجمهورية لأسباب مجهولة متفروعة، عبر استخدام موارد زنزانة الجواهر أو أناسها. وظن في البداية أن إيريك يقف خلف كل هذه الجرائم الأخيرة، إذ إن غالبية القتلى كانوا من المتعصبين البيض المتشددين، وإيريك يعارض بشدة هذا النوع من التوجهات. كما انتاب الملك الفيردي القلق من لجوء إيريك ببساطة إلى قطع إمكانية وصولهم إلى شبكة البوابات، أو الإقدام على فعل آخر فظيع بالقدر ذاته.
طالما أكد إيريك للناس أنه لن ينوِي قط استغلال سلطته على شبكة البوابات للتحكم في سياسات الدول الأخرى، ولم يخلف ذلك الوعد قط. وأكد ذلك الوعد اليوم، على الرغم من أن إيريك انزعج من اضطراره لفعل ذلك أصلاً. كان إيريك واثقاً تماماً من أن داروندي يشعر بعدم الاستقرار إزاء عرشه لأسباب متعددة، لا يعود بعضها إلا لكون المتعصبين البيض المتشددين من بين أشد أنصار داروندي رسوخاً.
وها قد لقي بعض أولئك الأنصار حتفهم. على السطح، عجّ حديثهما بأسئلة ومخاوف، بيد أن أياً من إيريك أو داروندي لم يخض في الأعماق بالقدر الذي كان متاحاً لهما. أحياناً يُفضّل التروّي حين يتعلق الأمر بسلطات دنيوية. كان كل منهما يعرف أغلب ما يحيكه الآخر على أي حال. كان داروندي مستبداً للبشر ومن لأجلهم. وكان إيريك تقدمياً عالمياً. أراد إيريك لكم الرجل في كل مرة يزوره، لكنه كبح نفسه.
لن يجد نفعاً في خلع داروندي على أي حال، فالملك الفيردي لا يملك سوى سيطرة أغلبية على سياسات غرينديل وسيطرة بمستوى فدرالي على بقية الجمهورية برمتها. وحتى تلك السطوة الواسعة لم تكن لتتحقق إلا بفضل فرقة القتلة الخضراء المجازة من الدولة؛ فكان بوسعه قانونياً قتل أو الأمر بقتل أي شخص يبتغيه في غرينسويل بأسرها، غير أنه عجز عن سن تشريعات أو ما شابه دون موافقة النبلاء. هكذا أُسست الجمهورية.
وجد إيريك أن مشكلات غرينسويل تُحلّ بشكل أفضل عبر الحركات الشعبية، أو، كما آثر إيريك فعلياً، عبر دفع جمع من التقدميين من غرينسويل لمغادرتها والقدوم إلى الغابة البلورية... وهو ما طرح نقطة وجيهة للغاية في الواقع. نقطة كاد يسأل داروندي عنها. أصدر داروندي بنفسه أمراً بقتل أولئك المتعصبين البيض المتشددين؟ لأنه مع إخراج إيريك لكل التقدميين الآخرين من أرضه، أخذ أولئك النبلاء يطالبون بما هو بالغ الخطورة؟
حرب مفتوحة ربما ضد الأراضي القاحلة؟ ستثبت خطوة كهذه كارثية إن سُمح لها بالإقلاع من الأرض أصلاً. أم أن داروندي كان يتألم حقاً لمقتل قطاع معتبر من قاعدته الشعبية من تحت قدميه؟ يصعب التيقن.