لم يدرِ إريك لم يُطلق عليها اسم «سفارة»، فالكلمة توحي بمكان يتيح صلة مكشوفة بقوة أجنبية، بينما هذه «السفارات»
بأسرها تمثل ممالك أخرى من داخل جمهورية العشب الأخضر. صحيح أن الجمهورية شاسعة للغاية، وأن شتى الممالك المنضوية تحت لوائها تشبه القوى الأجنبية نوعاً ما، لكنها ليست كذلك حقاً. ليس منذ توحيد الجمهورية قبل مئات السنين تحت العرش الزمردي. كانت شمعة النقطة تضم سفارة حقيقية في الجنوب، إلى جانب حزمة من الأماكن الأخرى كذهب الاستراتيجيات وشاطئ المحيط. وحقيقة أن تمتلك أودالي سفارةً هي الأخرى…
لم تكن مريحة في نظر إريك. ظن إريك أنها مسألة ثقافية. بقية موروثة من عصر ما قبل أن تصبح الجمهورية جمهورية. كانت سفارة أودالي في غرينديل صرحاً فخماً بيضاء جدرانه، يشبه مركز أعمال داخل مدينة، وتستقر في الشمال الغربي من قلب غرينديل، بين حي سكن تزينه بيوت جميلة حقاً، وحي أعمال يغتص بالبنايات الشاهقة والمطاعم المتنوعة. ذكّرته جدران السفارة البيضاء بجدران أودالي البيضاء؛
تلك الصروح الشاهقة للسلطة التي شكلت أحد الأسباب الرئيسية لاستهدافها من قِبل قاعات الموت لتجربة قطرات النهار. لقد سمحت جدران المدينة الفعلية لتركيز غاز ثاني أكسيد الكربون بالارتفاع إلى مستويات قاتلة فجأة، لكن تلك الجدران مُدّلت منذ ذلك الحين لتسمح للغلاف الجوي الثقيل بالانزلاق خارج الجدران، تلافياً للاختناق بقصف ثاني أكسيد الكربون. وجميع مدن العشب الأخضر المسورة فعلياً، أي المدن الرئيسية في الممالك، جرى تعديلها بالطرائق ذاتها.
وضمت جدران هذه «السفارة»
فتحات تهوية هي الأخرى، تحرسها أعداد هفهافة من التعاويذ وتتوارى عن الأعين المباشرة في أسفل منحوتات الأعمدة التزيينية وغيرها من النقوش البارزة. تلك الفتحات ثغرات أمنية لم تكن موجودة من قبل، لكنها صارت موجودة الآن، لأن البديل النظري كان أسوأ.
مع ذلك، لن يتسلل أحد إلى السفارة عبر تلك الثغرات في الإجراءات الأمنية، فتلك التعاويذ الحارسة مصنفة بوصفها «مميتة»
وتحميها شبكة العقد.
كانت أرض غرينديل برمتها، ابتداء من «السفارات»
شديدة التحصين وصولاً إلى الشوارع المكشوفة ومجاري الصرف والسماء، تعج بتعاويذ غير مرئية تبقي شتى المشكلات المحتملة عند أدنى حد ممكن. وبغياب النطاق، صار الوجود هنا أشبه بالوجود في سونغلي، حيث تبقي أغنية الفراغ السحر في أدنى مستوياته، والنظام فوق كل اعتبار. لم يشعر إريك بجهد يُذكر لامتلاكه نطاقاً من شتى الأنواع. في المقابل، بدا بوي غير مرتاح، لكن مرجع ذلك على الأرجح هو اضطراره طوال هذا الوقت للحفاظ على هالة [لا تعرفني].
كانت «السفارة»
والشوارع مكتظة للغاية، بالعربات والجرّات وجموع غفيرة تتراكض إياباً وذهاباً في كل صوب. وقد اضطر بوي فعلياً للسير خلف إريك لفترة قصيرة تفادياً لأن يصطدم به البشر أجمعون. لأن الجميع هنا من البشر، بهذا القرب من مركز المدينة.
قال إريك: "سنتخلى عن التمثيل فور وصولنا إلى الداخل وما إن نعثر على شخص نكلمه".
ابتسم بوي قليلاً.
"شكراً لك".
في غمرة انضمامه إلى حركة المرور المتجهة صوب «السفارة»، قال إريك: "كنت موافقاً على تجربة حيلة التخفي لفترة قصيرة، شريطة أن نتخلى عنها إن ثبتت ضرورة ذلك. لكن أي جزء ثبتت ضرورة ذلك فيه؟"
أرسل بوي: "كل شيء".
أمعن بوي النظر إلى الحراس الواقفين في تجاويف الجدران، على جانبي البوابة. ارتدى الحراس دروعاً بيضاء وبدت عليهم سمة الاحترافية، لكنهم تظاهروا في الغالب بالانتباه إلى الحشود؛
فالتعاويذ التي ينبغي للناس اجتيازها لدخول «السفارة»
كفيلة بتنبيههم إن كان هناك ما هو مروع حقاً يحاول النفاذ، كتعاويذ جاهزة للانفجار فور ولجولهم الداخل. ثمة متغيرات أضعف من أن تُستغل في نظام كهذا ليكون أي مسح تعميمي مضمون النتائج تماماً، وإريك وبوي يستغلان بعض تلك الثغرات في هذه اللحظة بالذات. لكن، تماماً كما جرى رصدهما في محطة عربات الحانات، جرى رصدهما هنا بسبب غياب بصمة كرة المانا. وكان ذلك، للأسف، أمراً لابد منه.
لو لم يكن إريك يمحو حضوره، لكان قد رُصِد بفضل [الروح الوهمية] و[الحماية الشخصية] المعتمدتين على الوهم العنصري، اللتين تخفيان جوهره عن إدراك أي شخص عادي للمانا. يكاد الأمن هنا أن يضاهي في حداثته الأمن السائد في شمعة النقطة، وهو أمر متوقع، لأن شمعة النقطة صدّرت الكثير من تدابيرها الأمنية إلى دول أخرى، إلى جانب شبكة العقد وشبكة البوابات. لكن ما اختلف هو أن الأمن هنا أكثر عملية بمراحل.
لم تكن الحاجة قائمة لتلك الممارسات في شمعة النقطة. فهناك، يكاد أي أمر أن يُستدرك إن دعت الحاجة، لأن إريك يستطيع التدخل بنفسه، أو، في حالات قليلة، بوسع كويلاتالاب فعل شيء ما. كما تتدخل كنيسة فغار عند الضرورة، ولكل ما عدا ذلك، لديهم الإحسان يوجه أيدي الطبقات العليا من الحراس، ضماناً لعدم وقوع أي سوء من الأساس. يسمي بعض الناس ذلك طغيان-اً، لكن الإنسان العادي ينال حياة عادية، دون أن يضطر للقلق بشأن التهديد الوجودي طوال الوقت.
كل ما يملكونه في العشب الأخضر هو الطغيان الفعلي؛ بشر حقيقيون على الأرض، يحققون في كل مشكلة محتملة ويحصون أنفاس كل صاحب نفوذ ممكن، في كل الأوقات. يحاولون غالباً أن يبدوا لطفاء في طغيانهم، لكن الأمور قد تنحدر نحو السوء بسرعة دوماً. ابتعدت حارسة ترتدي ثياباً مهنية عن جانب المبنى داخل السفارة، وابتسامة مهنية تعلو محياها وهي تشير لإريك أن يرافقها. بدت هادئة ومسترخية في تلك اللحظة، لوجود حشود، ولأن أحداً لا يرغب في إحداث جلبة.
أرسل بوي حزمة معلومات متكاملة، لعدم وجود وقت كافٍ للحديث الفعلي: "أمنهم مشدد لأسباب عديدة. يفكّر بعض الناس بنبوءة العاصفة هناك في حافة العاصفة بوصفها سبباً للمناوبات الإضافية، لكن أحداً في منطقتنا الحالية لا يدري تحديداً لمَ طُلب منهم إعلان التأهب القصوى. يظن البعض أن شيئاً ما سيحدث بعد يومين في وليمة الظل. هؤلاء المحققون في المحطة عادوا وانقضوا علينا هكذا بسبب أفعال القدر المباشرة، نعم، فضلاً عن كونهم بانتظار وقوع حدث ما، وتوقعهم لأحداث الحرب الهادئة نظراً لموجة حديثة من عمليات القتل الشيطانية داخل المدينة".
خطا إريك باتجاه الحارسة، مظهراً هدوءاً خارجياً بينما يعتمل التوتر في داخله.
أرسل رسالة سريعة رداً على بوي: "أَتخرق بروتوكولات معلومات سحرة العقل؟"
أرسل بوي حزمة معلومات أخرى في الفاصل بين خطوة وأخرى: "نعم، لأن الناس يتتبعوننا في السماء وعلى الأرض منذ أن بدأنا السؤال عن دينوثا أودالي. لقد تورطت في أمر كبير هنا يا إريك، والسبب الوحيد لعدم مهاجمتك من قِبل فرقة نخبة هو إخباري الجميع بأنك مصرح لك بالعمل من شمعة النقطة. لقد تجاوزنا مرحلة التخفي هذه التي رغبتَ فيها. لا أحد يعرف هويتك في هذه اللحظة، لكني لا أستطيع إيقافهم للأبد. آسف لذلك؛ أعلم أنك أردتَ أن تبقى بلا مأوى بصري".
لم يشعر إريك بأي نزعة عدائية من قِبل الحراس الذين لاحظ أنهم يقتفون أثرهم… آه. ذكره هذا بحديث جرى مع كيرجيناتهاْرْب منذ فترة. بالنسبة لكيرجيناتهاْرْب، بدا العالم أصغر حجماً في هذه الأيام مقارنة بما اعتاد عليه. لا يمكن المرء ارتياد مكان ما وظهور بصيغة شخص جديد. وهي مشاعر يتقاسمها العديد من الخالدين حول العالم. بلغ إريك أخيراً مسافة خطوة واحدة من الحارسة ذات الابتسامة المهذبة— أشارت بيدها إلى الجانب، نحو باب مؤدي إلى مبنى يحظى بحماية [درع]
خفيفة.
"أتفضّل مرافقتي للداخل لإجراء نقاش صغير يا سثير؟"
دلف إريك على الفور، مردداً: "بالتأكيد".
تسلل بوي خلف إريك، باذلاً وسعه لعدم لفت الأنظار حتى يحين وقت ظهوره. توقفت المرأة لحظة أمام استجابة إريك السهلة، فكادت ابتسامتها تتهاوى، لكنها استعادت نشاطها تالياً وتابعت إريك للداخل. ثم أغلقت الباب خلفها. سار إريك في ممر قصير، مفضياً إلى غرفة أرحب شديدة المتانة، بباب مغلق يقود إلى الأعماق الأبعد للسفارة. يمكن تحويل هذه الغرفة إلى فخ مميت عند اللزوم، لكن إريك لم يكن قلقاً.
وتصرفت المرأة بلا قلق هي الأخرى، إذ خطت بلطف إلى داخل الغرفة بمعية إريك وأوصدت الباب خلفها. سُمع صوت نقرة.
قالت المرأة: "مع أن التجول عمداً لإزعاج كرة المانا بغية الحيلولة دون القدرة على [شهود]ك أمر قانوني، إلا أنه يبدو سيئاً للغاية بالنسبة لغريب. خصوصاً من يسأل أروقة المحاكم عن متعاطف معروف مع الشياطين. والسبب الوحيد لعدم احتجازك حتى الآن هو قرارك بدخول فخنا مباشرة، وطلب سحرة العقل منا تركك وشأنك. لكن سحرة العقل قوة أجنبية أيضاً. فلمَ لا تخبرنا من تكون، وإن لم تعجبنا إجاباتك، فسنتتزع منك إجابات أفضل عبر قضاء فترة سجن خفيفة".
قرر إريك القول: "أعتذر يا آنستي. لقد خرجت زيارتي هذه عن السيطرة على نحو لم أتوقعه".
وأردف: "أنا هنا من شمعة النقطة لأحرص على أن تنال دينوثا أودالي محاكمتها، أو يتم إعدامها، أو تُبعث من جديد عبر [التناسخ] و[مباركة التعاطف]، لأن أتونير طلبت حدوث أمر ما أخيراً بخصوص ذلك الصدد. وهي راضية بأي نتيجة، لكنها تريد حسم النتيجة، لرغبتها في إغلاق مهمة القتل والإبادة التي أصدرتها قبل عقد من الزمن. يمكن أن تكون تلك هي الإجابة العلنية، إن شئتِ ذلك. ولدي إجابة أفضل للأماكن الأكثر خصوصية".
أصخت المرأة السمع، وبدأ تنفسها يتباطأ مع تغلغل ثقل الموقف. فالرجل الغريب الواقف أمامها لا يبدو مثيراً للشغب، وله مبرر وجيه حقاً لوجوده هنا، إن كانت قصته صادقة. ومع ذلك، لم تكن مستعدة للتصديق بهذه السهولة. وللحق، لم تتراجع المرأة، ولم تنعت إريك بالكذب في الحال، رغم قدرته على تبين رغبتها في ذلك.
عوضاً عن ذلك، سألت: "أتمتلك دليلاً؟"
"الكثير منه، نعم".
واستطرد إريك: "لكنني أسالك: ما حجم الحدث الذي ترغبين فيه؟ شمعة النقطة مستعدة لجعل الأمر هادئاً، أو صاخباً، بناء على مقدار ما أكشفه لك ولمن ورائك".
"… إن أمكنك البقاء هنا، رجاءً. سيوافيك أحدهم عما قريب".
- - - - انتظر إريك وبوي خمس دقائق قبل أن يظهر أحدهم. ارتدى الرجل ثياباً بيضاء، واستقر ابن عرس على كتفه.
وبدا بمهذبية المرأة التي سبقته، حين بادر بالقول: "سمعت أنك ضابط ارتباط من شمعة النقطة، وموجود هنا بشأن إطلاق قضية الخائنة في المحكمة وبدء مجراها. إن كان ذلك صحيحاً، فأنت على وشك إيقاظ كابوس رغبنا في دفنه طويلاً، لذا قد يتسنى لنا أن نصبح أصدقاء. وإن كان كذباً، فأفضل سيناريو ممكن هو طردك من غرينديل بطريقة عنيفة بعض الشيء. أنا هيرون بيِلوود؛ أحد كبار السحر هنا في سفارة أودالي. عليك استرضائي أولاً قبل أن أسمح لك برؤية أي شخص مسؤول".
أومأ إريك برأسه.
"أستقوم بعمل تعويذة الخصوصية، أم أتكفل بها أنا؟"
"سأقوم بذلك"، قال هيرون، وانعزلت الغرفة فجأة عن بقية العالم.
"أيكفي هذا؟"
"بالتأكيد"، قال إريك، متحولاً إلى الملك الظاهر، بتاعه المصنوع من القرون السوداء.
وكشف أوفيل عن نفسه فوق كتف إريك، وتراجع بوي عن حجبه. ومزيداً من التأكيد، وضع إريك [بوابة] صغيرة في الهواء بجانب الغرفة، تتصل بالجانب الآخر من الغرفة.
"أكرر اعتذاري عن اقتحام هذا الوضع هكذا. يبدو أنه لا يمكن لأحد التجول متخفياً في قلب غرينديل. من كان يدري!"
اتسعت عيناها هيرون حتى بدتا كالقمرين وبدا مرتبكاً حيال حياته برمتها وفجأة. أما ابن عرس على كتفه فأبدى رد فعل غريزي أكثر بكثير؛ فأطلق المخلوق الصغير صرخة دقيقة ثم اندفع داخل رداء هيرون محاولاً الاختباء. ترك إريك الرجل ليلتقط أنفاسه لبرهة. ألقى هيرون نظرة على بوي، ثم عاد بعينيه إلى إريك.
"… لست متأكداً ممّا أقوله حيال هذا، سوى أن… أمم. أجل. أظن… لقد حان الوقت ليسمع السفير بهذا— ومن ثم… الآخرون تباعاً".
"سيريل أيضاً، على ما أظن؟"
تساءل إريك.
"لم أره منذ سنوات. ولم أكن أعرف أن أودالي تستهدف رأس دينوثا حقاً، وإلا لكنت تعاملت مع الموقف بطريقة مختلفة. آسف لتأزيم وضع فريق أمنكم هكذا. إن كانت هناك وسيلة لأعوضكم بها، فأرجو إعلامي".
قال هيرون بلهجة متسارعة: "لا إزعاج! لا إزعاج! كل ما ترغب في فعله هو—"
شعر هيرون أنه ظفر بفكرة رائعة، فعرض قائلاً: "إن رغبت في الحفاظ على شخصية 'الرماد' هذه، فقد يكون أمراً جيداً".
وفسر كلامه سريعاً: "نريد للخائنة أن تموت، لكننا نريد أيضاً معرفة كافة أسبابها للتحول إلى خيانة والتحالف مع قاعات الموت وتهديد إنكاني، لكن العرش لا يسمح لنا بإحضارها إلى قاعة المحكمة لنكشف شرورها حقاً للعلام. لا نريد إعداماً موجزاً، ولا إخفاءها طوال ما تبقى من حياتها. نريد العدالة… لكن إن تدخل الساحر فسيكون إعداماً موجزاً أو… أياً ما أردت".
واستطرد هيرون: "في الواقع. نفضل ألا يتدخل الساحر البتة، لكني لست متأكداً من كيفية تحريك أي شيء في قضية أودالي بخلاف ذلك".
أومأ إريك وهو يعود متحولاً إلى الرماد.
"أنا متفهم؛ أنتم لا ترغبون في تصرف قوى أجنبية داخل نطاق سلطتكم. وقد كان هذا مبرري للتنكر أيضاً، إلى أن وطئت قدمي هنا، وصولاً إلى هذه النقطة".
أخذ هيرون يتحول تدريجياً إلى حطام عصبي حين بدأ يدرك حقاً أنه يقف في الغرفة ذاتها مع الملك الظاهر.
وبنوع من السهولة المكتسبة التي كانت تنهار مع مرور اللحظات، قال هيرون: "نعم، نعم. شكراً لتفهمك— لكنك تتفهم بالطبع. هذا ما يقوله الجميع عنك— آه! أنا أهذر. آه. ما كان لي أن أقول—"
وأطبق هيرون فمه. وبدأ العرق يتصبب.
سأل إريك بهدوء: "إذن من أكلمه بشأن الشروع في محاكمة دينوثا أودالي؟"
فقد هيرون تركيزه لبرهة، إذ أثقلته سريالية الموقف أخيراً. ثم زال توتره. فهو كبير السحر في سفارة أودالي، ويعرف كيف يحدث النبلاء، ففعل ذلك تماماً، مع بعض التغييرات.
"يمكنني أن أضع كلمة صالحة لك لدى القيادة، هناك في أودالي الأم. أفترض أن الملك سيريل أودالي سيود محادثتك شخصياً. قد يتغرق الأمر بعض الوقت لتنظيم كافة الأوراق بغية إصدار مطلب آخر إلى العرش الزمردي ليباشر تلك المحاكمة، لكن يجدر بك محادثة أودالي بخصوص هذا الأمر".
ثم انحنى حتى يكاد يلامس الأرض، مردفاً: "سأحرص ألا تواجه أي إزعاجات أخرى بصفتك 'أشيش وودفيل' طوال فترة إقامتك هنا".
توقف هيرون، منحنى في المنتصف، وهو يرمق عبر [البوابة] ليرى ظهره بنفسه. ألغى إريك [البوابات]
المعلقة على جانبي الغرفة، متمتماً: "هذا مقبول".
انتصب هيرون واقفاً ثم حاول الاسترخاء بينما ألغى الخصوصية المحيطة تماماً. كاد يقول شيئاً، لكن أشخاصاً آخرين كانوا يراقبون من خارج المساحة، ولم يكن متأكداً تماماً من كيفية تسيير الأمر دون أن يبدو مخترقاً.
ارتأى هيرون القول: "يبدو أننا بحاجة لرفع هذا الأمر صعوداً في تسلسل القيادة".
ثم غادر بأسرع ما يمكن، محندراً نحو حراس آخرين كانوا يراقبو بعد زوال الخصوصية. تباينت [تخاطرات] سريعة بينهم، مع ومضات وجيزة من عدم التصديق وعدم الثقة على وجوه الآخرين، لكن ما إن أرسل إليهم هيرون رسالته حتى بدأوا بتصديق أياً ما كان ما يرسله إليهم. لم يكن إريك مطلعاً على تلك المحادثات المحددة لأن كل الأشخاص هنا ارتدوا قلائد تحجب رقابهم بتعويذة الخصوصية، تفادياً للتجسس على كلماتهم.
أرسل إريك إلى بوي: "حسناً، سيستغرقون وقتاً"، و"ينتابني شعور بأنك ستفعل ذلك البند المتعلق بالمغادرة المبكرة".
"… لم أكن أحب الكذب يوماً، ويبدو لي هذا وكأنه كذب. مع ذلك، سأبقى، لأنه حين تدخل ذلك القبو، لابد لأحدهم أن يكون مستعداً للتحرك وإخبارك بالخروج تحسباً لأي طارئ. لكنني أفضل عدم خوض هذه الحيلة نهائياً؛ ليس حين تكون هناك نبوءة عاصفة تحدث".
"دار الإحسان مستشاطة غضباً أكثر مما أعرف، هاه؟"
"ليس أكثر مما تعرف، بل أكثر مما أنت مستعد لاسترضائه شخصياً".
أرسل بوي: "من المتوقع أن يحتاج 22.5 مليون نسمة إلى الانتقال خلال الأشهر الأربعة إلى الستة القادمة، وتعمل دار الإحسان لوقت إضافي لمحاولة معرفة طبيعة العاصفة المتنبأ بها".
"آه… أنا متأكد من أننا سنكتشف أمرها".
"أنت تعلم مسبقاً ماهيتها؛ إنها إغدراسیل، وانفكاك أختامه. لابد أن يكون هو".
هز إريك رأسه.
"إن كانت المشكلة هي تلك، فستحدث 'العاصفة' في أماكن كثيرة عدا الأرخبيل. إغدراسیل مزروع في أقصى الطرف الغربي، عند الأبراج الجديدة، ولكن لو كان هو سبب 'العاصفة'، لشهدنا 'عواصف' مماثلة متنبأً بها هنا في شمعة النقطة، وذهب الاستراتيجيات، وأماكن أخرى. 'العاصفة' ليست إغدراسیل".
"… نأمل ذلك".
جاء دور إريك ليمنح بوي نظرة.
"أعلم أنك لا تحب المغامرة كثيراً، وهذه الأرض مشحونة وعنصرية بعض الشيء، ولا تريد التجول طوال الوقت وأنت غير ملحوظ. أسباب وفيرة لعدم رغبتك في الوجود هنا ولم أكن أتوقع أياً منها، وتلك غلطتي. توقعت أن نأتي مشياً، وأن أتحدث لبعض الناس وأكشف عن هويتي، ثم نتوجه إلى القبو، ونعم، هذا يحدث… لكني متفهم يا بوي. يمكنني جعل أوفيل ينتظر خارج القبو إن احتجت إلى إيصال رسالة لي".
طرد بوي توتره بقدر ما استطاع.
"كلا. لا يمكنك التخلص مني بهذه السهولة. سأبقى. وربما أنضم إليك في الطابق الأول من قبو الجواهر. وعلاوة على ذلك، أودالي أفضل بكثير من غرينديل؛ سيكون الوضع أفضل بكثير هناك".
شعر إريك بفقاعة من المرح تتصاعد في داخله.
"جيد. يسرني وجودك معنا".
وحول إريك اهتمامه مجدداً إلى الحراس الذين يستشعرون مانا عبر الجدران، وإلى هيرون الذي كان يوبخ حالياً زميلين يبدو —من ملابسهما— أنهما بأهمية كبير السحر نفسه.
"يبدو أن نقاشهما يستقر أخيراً".
"سأظل مجهولاً حتى نصل إلى أودالي".
"يعجبني هذا أكثر من [لا تعرفني]. 'مجهول'".
"المهارة تحمل أسماء عدة. ومن يدري أيها أكثر صحة؟"
ضحك إريك على ذلك— ثم استعد لمخاطبة أياً كان من يحضره هيرون رفقته عائداً إلى الغرفة. سارت الأحداث بوتيرة متسارعة إلى حد ما من هناك.
- - - -
سأل الملك سيريل من أودالي للمرة الثانية: "وأنت متأكد من أن هذا مجرد طلب لمحاكمة أوداري؟".
سألت ييتا وِيت، بطلة أتوني أثير: "أليس الأمر متعلقاً بنبوءة العاصفة؟".
قال إيريك: "حتى إنني تحققت من السماء الرحيمة قبل خمس دقائق من مجيئي إلى هنا. السماء صافية، ولا شيء يحدث في الخضراء. لا داعي للقلق بشأن أي شيء. ولهذا جئت بصفتي (رماداً)، لا بصفتي الشخصية. لو كان هناك خطب حقاً، لأخبرتكم".
نظرت ييتا إلى بوي وسألت: "أحقاً هذا ما يحدث؟".
ضحك إيريك متفاجئاً من رغبة ييتا في التحقق عبر مصادر متعددة— فقال بوي ببساطة: "على حد علمنا، تريد أتوني أثير إغلاق مهمة القتل والإبادة. لا يهمها كيف سيحدث ذلك. سأبقى هنا للمساعدة في تلبية تلك الاحتياجات، بصفتي حلقة الوصل بين أودالي وبيت الإحسان، وكإظهار شخصي لقوة هذا الطلب دون الحاجة لتورط إيريك نفسه. سيكون إيريك مشغولاً في مكان آخر".
قرر إيريك وبوي ذلك بأنفسهما منذ فترة غير بعيدة، وكانا راضيين تماماً عن هذا الترتيب. لم يرغب بوي في الموت داخل الزنزانة، ولم يرغب إيريك في رؤية ذلك يحدث. كان إيريك واثقاً إلى حد كبير من قدرته على حماية نفسه من أي خطر قد تلقيه عليه الزنزانة، لكنه كان أقل ثقة في حماية الآخرين.
ثبتت ييتا موقفها قائلة: "هذا ما أخبرتني به أتوني أثير أيضاً... كنت أحتاج فقط لسماع ذلك من الساحر الموجود في موقع الحدث نفسِه. يسرنا وجودك هنا يا بوي، فالأطفال يحبّونك".
كان الأربعة في غرفة خاصة بجانب قاعة العرش في قلعة أودالي. بدأت الشمس تغيب شيئاً فشيئاً فوق الجدران البيضاء العالية لمملكة أودالي في الخارج، لكن الغرفة لم تضم أي نوافذ تتيح رؤية هذا المنظر.
استغرق إيريك بعض الوقت للوصول إلى هذا الاجتماع، مما اضطر حقيقة "الرماد"
إلى انكشاف أمام عدد قليل من المسؤولين في سفارة أودالي بجرينديل، لكنهم أكدوا لإيريك أنهم سيحافظون على سرية هويته البديلة. غير أن عددًا أكبر بكثير من الناس كانوا على علم بزيارته لأودالي نفسها، نظراً لكونه الملك الظاهر حالياً، وما هذا الاجتماع سوى لقاء رسمي بين الدول. ربما يتدخل عرش فيريديان لاحقاً، لكن الأمر اقتصر في الوقت الحالي على تفاعل بيت الإحسان مع أودالي.
بدا كل من ييتا وسيريل متوترين وحذرين نوعاً ما في بداية هذا الاجتماع، لكن إيريك كان يعرفهما جيداً لدرجة أنه حضر حفل زفافهما ضيفاً قبل سنوات. لم يعد سيريل ذلك الأمير ولي العهد ذي الشعر الأجعد والملامح الشاحبة النحيلة الذي كان الحارس بجانب ييتا حين تحديا أر كيندريثيست لقتل زارع الظل. لقد أصبح أكثر امتلاءً، إذ غدت مهامه الحالية سياسية أكثر بكثير من كونها مغامرات. أما ييتا فما زالت تلك المرأة القوية ذات البشرة السمراء والضفائر الكثيفة، التي تعمل بالسيوف والدروع طوال الأيام التي لا تحصد فيها الحقول.
وما زالت عيناها تحتفظان بذات اللهب الأصفر الساطع للنار السماوية. عرف إيريك الاثنين جيداً. لم يقم بزيارتهما سوى مرة واحدة من قبل، ليرى طفلي ييتا التوأمين يحبوان على الأرض، ويتناول وجبة احتفالية مع عائلتهما الصغيرة بوصفه ضيفاً مكُرماً، لكنه كان يطمئن عليهما بين الحين والآخر برفقة أوفييل. ومن خلال ما لم يستطع إيريك منع نفسه من استشعاره عبر المانا، كانت ييتا حاملاً بتوأمين مرة أخرى.
تنهد سيريل قليلاً ثم ضحك وقال: "إذن هذه أخبار جيدة، أليس كذلك؟".
رد إيريك: "أخبار جيدة بقدر حملك من جديد يا ييتا. مبارك لكما".
ابتسم سيريل باتساع— سخنت وجنتا ييتا قليلاً، ثم عقدت حاجبيها محاولة التظاهر بالجدية أمام إيريك: "أخبرتني أتوني أثير دائماً أنها تريد حل مشكلة دينوذا، بأي طريقة ممكنة، لكن عرش فيريديان لا يفك يده عنا أبداً، ولا يمنح الاحترام الواجب للأرواح التي أُزهقت في كارثة إسقاط النهار. لكن لماذا أقحموك في الأمر؟ لم يكن ذلك قط جزءاً من إرشاداتها لي".
قال إيريك: "أريد شيئاً منها، وهي تريد مساعدتي، لذا فهي تكلفني بمهام بسيطة، وهذه إحداهن. أما المهمة الأخرى فهي دخول زنزانة الجوهر وتفقّد المكان بصفتي منقبًا عاديًا، لاختبار أفكارها بشأن نص ثانٍ".
ونظر إلى بوي وتابع: "قد ندخل الطابق الأول معاً على الأقل، بعد أن أتفقد المكان بنفسي، لكن بوي سيبقى هنا ممثلاً لبيت الإحسان في قضية أوداري".
أومأ بوي برأسه.
ارتخت كتفا ييتا وقالت: "آه. أرى ذلك".
تحول سيريل إلى حالة تشبه الابتهاج: "هذا ممتاز إذن! سأرفع شكوى رسمية ويمكنك التوقيع على تلك الأوراق، وربما نتمكن بعد أسبوعين من تحديد موعد للمحكمة. لن يفعلوا شيئاً حتى تنتهي الوليمة ويصبح انتصار النور عطلة كبرى للجميع، ولكن بعد ذلك..."
وابتسم متابعاً: "الآن، ومع ضغطكم عليهم، قد يفعلون شيئاً حقاً".
كان إيريك مرتبكاً حيال أمر واحد فقط في كل هذه العملية حتى الآن، فقال: "حين طُرح هذا الأمر المرة الماضية، حاولت جرينديل التقرب مني عبر تقديم رأس دينوذا على طبق من فضة، لكني رفضت، قائلًا إنه يجب أن تحظى بيومها في المحكمة ويُحسم أمرها بطريقة أو بأخرى. لم أتابع الأمر قط، ولم تكن لدي أي رغبة في العودة إلى هذه المسألة مطلقاً. لكن إن كنتما تحتاجان إلى المساعدة لتحقيق ذلك، كان بإمكانكما طلبها".
ابتسم سيريل قليلاً، وبدا صوته مشوباً بقدر ضئيل من السخرية وهو يقول: "طلب منا ملك فيريديان صراحةً ألا نشركك في شؤون أودالي، فبحسب الزعيم الأعظم داروندي رايفو، فإن وضع أودالي برمته خاضع لسيطرته وإدارته وما إلى ذلك من هراء. لكن بما أنك أتيت إلينا، فهذا يختلف".
كانت ييتا حريصة على المضي قدماً في المحادثة بما أنه لا شيء ينفجر ولا شيء يحدث الآن، فقالت: "هذا كل ما على صانعي الأوراق تسويته الآن، وأنا جائعة".
وسألت إيريك وبوي: "هل أكلتما بعد؟ كنا على وشك الجلوس لتناول العشاء".
ثم التفتت إلى إيريك قائلة: "ويرغب الأطفال حقاً في أن يلعب أوفييل معهم. طلبت ريتا دمية محشوة لأوفييل في الانتصار الماضي وحصلت على عدة دمى".
انتعش أوفييل على كتف إيريك، والتفت إليه بكل عينيه: "أنا ألعب؟".
ضحك إيريك: "اذهب وابحث عن ريتا وترودي. سنبقى على العشاء".
انطلق أوفييل كالبرق— فقال سيريل: "متاز! وحتى لا نغرق في العمل واليوم قد انتهى، وزوجتي الحامل بحاجة إلى طعام، سمعت أن تلميذتك كيري تحاول إخراج عائلتها من بعض الديون هنا، أو ما شابه ذلك؟ هل ترغب في أن أتدخل في هذا الأمر؟".
"سأجعل كيري تعلم أن الخيار متاح، لكنها تحاول ألا تعتمد على نفوذي السياسي في الوقت الحالي".
نظر إيريك إلى بوي وقال: "لكن بوي سيكون قادراً على المساعدة في ذلك؟".
أومأ بوي.
كرر إيريك: "بوي يستطيع المساعدة في ذلك".
ابتسمت ييتا وهي تنظر إلى بوي، وتحولت عيناها ببطء إلى نظرة مفترسة ذات طابع ذهبي بعيد.
"والآن يا بوي. ألم تجد امرأة تستقر معها بعد؟ قد يكون لديك ساحر مستعد لـ(تناسخك) أصغر سناً وقتما تشاء، لكن هذا لا يعني أن تهمل واجبك تجاه المستقبل".
ابتسم إيريك بتهكم؛ فقد كاد ينسى أن ييتا كانت مهتمة تماماً بالحقول والخصوبة حين كانت حاملاً للمرة الأولى. شحب وجه بوي قليلاً، وأطلق همهمة غير حاسمة بينما تحولت حرائفه الياقوتية إلى لون أقل لمعاناً بقليل.
ابتسمت ييتا وقالت: "ستكون هنا لفترة. ربما يلفت انتباهك أحد ما؟".
"ربما انضممت إلى إيريك في طابقين من تلك الزنزانة الجوهرية".
ضحك سيريل وهو يربت على ظهر بوي قائلاً: "قد تجد من تعجبك هنا في أودالي!".
ثم أضاف: "للآلهة، لابد أن الأمر كان فظيعاً في جرينديل، أليس كذلك".
ابتسم بوي بهدوء: "لم يكن سيئاً إلى هذا الحد".
قال سيريل بينما كان الأربعة يمشون باتجاه قاعة الطعام: "حسنًا، ربما هم أفضل مما أتذكرهم. لدي العديد من الأعضاء غير البشريين في البلاط هنا في أودالي، وكلهم يروون لي أشياء مروعة عن عدد غير قليل من النبلاء المختلفين في جرينديل. ويخبرني أولئك النبلاء أنفسهم بأشياء مروعة عن اختياري لرجال البلاط طوال الوقت. الجو متوتر نوعاً ما هنا في الوقت الحالي، ولكن متى خلا هذا المكان من التوتر قط. وربما يكون ذلك جزءاً من سبب رغبة ملك فيريديان في ألا تشارك أودالي في تحقيق العدالة الخاصة بها ضد أوداري".
ابتسمت ييتا ببهجة مشوبة بالرغبة في الانتقام وهي تقول: "لكن الآن بعد أن تورط بيت الإحسان، سننال يومنا في المحكمة، وكذلك ستفعل دينوذا".
قال سيريل: "أتعلمون أنها كانت عمتي؟ وساعدت في قتل بني وطنها".
قال إيريك: "حدثني عنها؛ من كانت قبل كل تلك المآسي وقاعات الموت".
تنفس سيريل بعمق. وما إن دخلا قاعة الطعام حتى خرج خادم قادمًا من مساحة المطبخ القريبة إلى الغرفة. نظر سيريل إلى الرجل وأومأ برأسه. وسرعان ما عاد الخادم إلى المطبخ ليخبر الجميع هناك ألا يفزعوا، فالساحر هنا لتناول العشاء. حدث القليل من الذعر على أي حال، لكن لم يلبث الناس أن خرجوا من المطبخ حاملين المقبلات والمشروبات. وما إن جلس سيريل على مقعده في رأس الطاولة، حتى ناولته امرأة مشروباً في تلك اللحظة بالذات.
كانت تلك النادلة خادمة من سلالة التنانين ذات حراشف حمراء وترتدي فستاناً جميلاً، وقدمت المزيد من المشروبات لكل شخص آخر على الطاولة، بسرعة وبقدر ما تستطيع من مهنية.
بدأ سيريل حديثه قائلاً: "ربما كانت العمة دينوذا أوداري عمتي، لكنها كانت في الغالب فرعاً من العائلة يعتبره معظم الناس مجرد (عمة). كانت دائماً امرأة صعبة المراس تحب نباتاتها أكثر من حبها لعائلتها، وكان ذلك أكثر بكثير مما تحب آل أودالي، وربما يرجع ذلك إلى أنها كانت تميل دائماً إلى كونها ثورية... وهو ما انتهى بها الأمر لفعله. يصعب تحديد أين بدأ كرهها، لكني أتذكر عدة حوادث تتعلق بالنباتات وميل والدي إلى سحر النار، مما أدى إلى رغبتها في جعل (صغارها) مقاومين للنار..."
وتلاشى صوتها تدريجياً وهو ينظر إلى الباب المؤدي إلى الجناح الخاص في القلعة.
"ورربما يكفينا هذا القدر من النقاش الآن، إن أردتم".
أومأ إيريك— انفتح الباب المؤدي إلى الأماكن الخاصة في القلعة وامتلاء الجو بضحكات الأطفال وأوفييل، برفقة مربيتين تنظران إلى من تحت إشرافهما بفرح هادئ. انضم الأطفال المشاغبون بسرعة إلى مائدة العشاء، ولم يهتموا إطلاقاً بإيريك أو بوي أو حتى بأمهم وأبيهم، لكنهم أرادوا حقاً من أوفييل أن يجرب كل الحلويات التي يعرف الطهاة كيفية صنعها. وسرعان ما انفجرت فطائر التوت الأرجواني والتوت الأزرق والتوت الأحمر تحت لمسات أوفييل الريشية، بينما كان الجميع يتناولون الطعام، وضحكت الصغيرتان ريتا وترودي بالطريقة التي لا يستطيع الأطفال في سن الثالثة الضحك بها سواها.
- - - -
في الصباح، التقى إريك امرأةً ستتولى جانب الادعاء ضد دينوثا أوداري. امرأة بشرية طاعنة في السن تدعى إيليلِيا وايتفيلد، وهي المحامية الملكية لعديد من قضايا أودالي القانونية. تحدثت إيليلِيا مطولاً عن مشكلات دينوثا أوداري، وعن المصاعب في تحديد موعد للمحكمة. وقع إريك في النهاية بعض الأوراق مؤكداً موقفه بالتدخل في هذا الأمر، وبأنه يطالب بموعد للمحكمة يخص دينوثا أوداري لمناقشة جانبها من الأحداث التي أفضت إلى إسقاط النهار ومقتل ثلث شعب أودالي قبل عقد من الزمن.
قالت إيليلِيا في ختام الاجتماع: "سررت بحديثي معك أيها الساحر فلات، لكن عليّ الآن إحباطنا كلينا، فمع أن السحرة يعملون بسرعة، إلا أن القانون بطيء في مثل هذه الأمور. إضافة إلى ذلك، يقام الولاية غداً ليست يعقبه الانتصار، لذا لن نحرز أي تقدم لمدة خمسة عشر يوماً على الأقل، ما لم يقرر مَلِك فيريديان التدخل بنفسه، وقد يفعل، لكننا نعتقد أنه سيقيم بوجهنا [جدار قوة] قدر استطاعته. أرجو أن تترك القانون يعمل بطريقته المعتادة".
ضحك إريك بخفة وقال: "لن أمارس أي عدالة أهلية هنا على أرض خضراء".
التفتت إيليلِيا بارتياح قليلاً نحو بوي وقالت: "إذن إن كان هذا يناسبك، فسأبدأ بعض الإجراءات البسيطة مع السيد فوليسيد هنا. لدينا الكثير لنفعله".
أومأ بوي برأسه.
سأل إريك بوي: "أمتأكد أنك لا تريد خوض غمار الزنزانة؟"
أجاب بوي بسعادة: "لن أموت اليوم، شكراً لك. ربما بعد أن تنتهي من لهوك وتدرك كنه عملها، قد أرافقك".
التفت إلى إيليلِيا وسأل: "من أين نبدأ؟"
قال إريك: "إذن معذرةً، لدي زنزانة أود تفقدها".
انحنت إيليلِيا بعمق. لوّح بوي بيده. وعبر إريك من خلال [بوابة] ليدخل إلى جوهر الإحسان ذاته. بعد تبديل سريع للملابس وإلقاء نظرة على السماء (لا جديد) عبر من خلال [بوابة] أخرى ليستقر على منصة تحوم فوق أرض خضراء، على بعد نحو تسعمائة وألفي كيلومتر إلى الشمال الشرقي الشرقي من أودالي. حام أوفيل الخفي عن قرب من خلفه، ثم اتخذ مكانه على كتف 'رماد'.
سأله إريك: "أتريد الظهور؟ يمكنك ذلك إن استطعت اتخاذ هيئة أخرى".
هز أوفيل جسده رافضاً. إنه معجب بهيئته، وبمكانه البقاء خفياً لمدة أطول بكثير من هذه. إنه بارع جداً في الاختفاء. ربت عليه إريك، ثم دفع المنصة إلى الأمام.
- - - -
كان زنزان الجواهر من أُعتى الزنازين الكبرى شهرةً في العالم، لكنه بقي زنزاناً كبيراً، وعومل على هذا الأساس. كان مُجمّعاً في المقام الأول، ومثله مثل الحفرة في حافة العاصفة، فقد حوت بعض طرق الوحوش المودية إليه، لكننا هنا في أرض الخضرة، ولم تكن الوحوش الوافدة إلى الزنزان من الخارج سوى هلامات عشوائية، أو عفاريت، أو قطط مسوخة. لم يعتدد زنزان الجواهر بطرق وحوش ضخمة لحشر أي كائنات.
ترك زنزان الجواهر بعض المداخل الجانبية المموهة مفتوحة في كل أنحاء الأرض القريبة، وكانت الوحوش تسقط عادةً في تلك الفتحات سعياً خلف اقتفاء أثر المانا. تمثل بناء زنزان الجواهر في مبنى مركزي واحد يشبه قلعة مرصعة بالألماس، وتحيط به عدة هياكل تابعة. أدى خط سككي لعربات الحانات في الجانب الجنوبي للمجمع صولاً إلى ما بعد أراضيها الزراعية، متخطياً الأفق جنوباً، حيث يستطيع أي راغب عبور بيت نقابة الزنازين داخل البلدة ليخرج هنا.
كانت رحلة قصيرة، لكنها لم تكن سيئة قط. أقبل معظم الناس بهذه الطريقة كل صباح، غير أن الكثير من القادمين من خارج المدينة استخدموا وسائل نقلهم الخاصة، محلقين إلى المكان عبر المنصات، ليحطوا في محطة المنصات بالجهة الشمالية الشرقية للمبنى الرئيسي. وجب على المرء البقاء فوق حواجز المنع التي تغطي الأرض حتى بلغ الزنزان نفسه، وإلا وجد نفسه ساقطاً من السماء. بينما عصفت الريح بوجه إريك، وقف ثابتاً على منصته، موصداً أداة القوة الزرقاء الفاتحة نحو منطقة الهبوط العامة.
غادر فريق صغير من المنقبين على منصتهم الخاصة، لكن بصرف النظر عنهم، لم يوجد سوى إريك ودليل زنازين ناعس. انحنى الدليل فوق مكتبه، حيث يتقاطع ممر المبنى الرئيسي مع محطة المنصات التي حط عليها إريك للتو. استيقظ الرجل لدى اقتراب إريك.
حاول إريك أن يبدو ودوداً، فقال: "لا بد أنه يُشقّ عليكم العمل هنا".
أمش كالمعتاد جفنا الرجل بضع مرات.
قال: "آه. مَن تـ..."
ثم استرد طابعه المهني سريعاً، كأنه أدرك حرمة النوم في الأماكن العامة أو ما شابه: "أهلاً بك في زنزان الجواهر. كيف لي أن أُعينك؟"
وبعد أن تفحص رداء «رماد»، عاد تائهاً لا يتيقن من شيء: "أجئت للتنقيب؟"
أجاب إريك: "أنا هنا للتنقيب"، مع أنه بدا أبعد ما يكون عن ذلك.
لا أسلحة ولا دروع، غير أن ملابسه جاءت متينة الصنع إلى حد ما. أومأ الدليل، في يأس شبه تام.
"آه... تعلم أنك لن تصبح ثرياً هنا، أليس كذلك؟ حرفياً، ما من شيء يعمل هنا سينفع في الخارج. إن زنزان الجواهر، المعروف أيضاً بالأعماق المتلألئة وحديد الكريستال، هو زنزان من التعويذة الثانية. الأمر يتعلق بتعلم سحر جديد تحت تعويذة مختلفة، لا بتحويل الناس إلى أغنياء".
"أنا على علم ببعض ذلك، لكن ليس بكله. ولا بالتفاصيل. لا زلت مهتماً".
انتعش الدليل.
"حسناً إذن. أممم..."
نهض عن كرسيه، مردفاً: "أنا الدليل حداد. يسعدني لقاؤك...؟"
"رماد وودفيلد".
"السيد وودفيلد إذن".
سار حداد في الممر، طالباً: "اتبعني من فضلك".
تبعه إريك. قاده حداد خارج محطة المنصات نحو الباحات المحيطة بالمبنى الرئيسي. تألف الهيكل المركزي لزنزان الجواهر من مجموعة كريستالية بلون الحديد، اتخذت بمعظمها شكل قلعة. جلس كثير من الناس أو وقفوا هنا وهناك، متبادلين أطراف الحديث عن الوحوش وفنون التعاويذ، ورغم رغبة إريك في الإنصات، فإن كل تفصيلة التقطتها أذناه زادت من شوقه لاقتحام زنزان الجواهر أكثر فأكثر. مع ذلك، ترك لحداد حرية القول.
فسماع شرح حقيقي لما يجري أفضل بكثير من استماع الجميع يتحدثون عن أمور عشوائية.
استهل حداد حديثه بالقول: "المدخل الرئيسي هناك تماماً، وستجد المنقبين في كل مكان. لدينا لوحات صدارة بالداخل لمسافات العمق وأكثر، والتي سترها بنفسك عند الدخول، لكن قبل أن تذهب، أنا دليل زنازين—"
لمس الشارة المثبتة على معطفه؛ كانت شارة نقابة زنازين لكنها أنيق الصنع. لم تضم كل الأماكن أدلة، لكن هذا المكان ضمهم.
"—ويمكنني الاضطلاع بدور مسجل التعويذات تقريباً؛ ليس في الوظيفة، بل في المعلومة. أي سؤال يراودك. أي هواجس حول طريقة عمل أي شيء. بوسعي إخبارك بكل ذلك. لكني أعلم أن غالبية الناس لا تحب الاستماع إلى شروح مطولة، لذا سأترك لك حرية اللجوء إليّ أو إلى أي من زملائي إذا أردت معرفة كيف يسير كل شيء. نحن أكثر انفتاحاً بكثير من مسجلي روزيتا، هنا في زنزان الجواهر".
كان إريك يتلفت مطالعاً المجمع بأسره، واستطاع استشفاط إجابة كل سؤال خطر بباله عبر السياق والكلمات المقتضبة المتبادلة هنا وهناك.
تمثل المؤشر الأكبر على شذوذ هذا المكان في ارتداء جل الحاضرين أساور أو قلادات أو أحزمة من «حديد الكريستال»، وتثبيت جواهر مختلفة الألوان في تلك القطع.
أما الفرق الأكثر ثراءً بملابسها الأنيقة وجوهها النضرة، وضحكاتهم الخافتة على الجعة أو الفطور المقدم في مقصف جانبي، فقد حوت عصي حديد الكريستال أو عصيهم السحرية. ارتدت امرأة بارزة بشكل خاص—يُرجح أنها جبارة نظراً لعضلاتها—سترة درع شبكي كاملة مصنوعة من حديد الكريستال الذي تلألأ فوق جسدها العلوي كطبقة من الألماس تحت الشمس. وحملت على ظهرها ترساً كبيراً، غُرزت في واجهته ثلاث كتل ضخمة من الكريستال الأحمر، كأن أحدهم أطاع الكريستال وجعله ليناً لفترة قصيرة قبل أن يحشر فيه الكريستالات الحمراء.
سأل رماد الدليل: "نظرة عامة وموجزة ستكون جيدة، إن أمكن".
ابتسم حداد.
"يسعدني ذلك".
ثم رفع يده، وشرع في تشكيل صور ضوئية مع حديثه. عرضت الصورة الأولى كتلة من حديد الكريستال.
"هذه المادة التي ترونها حولنا هي مجرد مزيج بسيط من الحديد والكربون، وهذا ما يصيبها حين تتعرض للعالم الحقيقي. تُدعى هنا «حديد الكريستال». لكن".
تغيرت صورة حديد الكريستال كمكعب ثلج يذوب في انعدام الجاذبية، فتحولت كتلة الكريستال إلى كرة من الحديد المترقرق.
"لكن هذه هي حقيقتها، داخل الزنزان. تُدعى حديداً فائقاً، لكن أغلب الناس يسمونه متيرون. هذا ما تستخدمه للتفاعل مع فنون التعاويذ. اعثر على كتلة بالداخل وشكلها بالشكل الذي ترغبه، كعصا سحرية أو سوار، اعتماداً على فن التعاويذ الذي تود وضعه بالداخل، ثم استخدمها. الدروع تصنع إنشاءات دفاعية جيدة، والأسلحة تصنع إنشاءات هجومية جيدة. سيمتص المتيرون المانا منك بصورة طبيعية بمعدلات ثابتة نسبياً اعتماداً على إنتاجك الخاص من المانا، والذي يعززه مقدار المانا الطبيعية التي تنتجها وأنت داخل الزنزان. مع ذلك، لا نملك وصولاً إلى ذاتك التعويذية، لذا نقدر إنتاجك عبر تجارب داخلية، وهي الطريقة التي تزيد بها إنتاجك من المانا لغرس تلك المانا بعد ذلك في المتيرونات. لاستخدام تلك المانا، عليك إيجاد أو صنع تعويذة داخل عنصر يُدعى الألماس الفائق، ثم عليك غرس الألماس الفائق—الذي يسميه أغلب الناس ميتاموندز—في المتيرون، وحينها يمكنك استخدام تلك التعويذة، بناءً على مقدار المانا القادرة على استيعابها داخل نفسها. كلما كبرت كتلة المتيرون، اتسعت بئر طاقتك. والآن للحصول على التعويذات نفسها، عليك إنجاز تحديات داخل الزنزان، وإما أن تُكافأ بماسة فائقة أساسية للغاية بناءً على كيفية إتمامك التحدي، أو يمكنك صنع تعويذاتك الخاصة باستخدام مجلد صنع تعويذات. يفضل معظم الناس المجلدات، لأنها تعلمك كيف تطلق سحراً أعلى قوة، وإذا نجحت في إطلاق تلك التعويذة بنفسك في إحدى الغرف المتخصصة التي يتيحها لك المجلد ذاته، فحينها يمكنك تحويل تلك التعويذة إلى جوهرة تعويذة، والفرار بها خارج غرفة الصنع. قد يبدو هذا معقداً ومختلفاً عن فنون التعاويذ هنا في فيرد، لكنه ليس كذلك حقاً. صُمم هذا الأمر بأسره ليري الناس كيفية صنع السحر في بيئات منخفضة المانا؛ عوالم أخرى، أو حتى الفضاء نفسه. في أمكان كهذه، ستمتلك جامع مانا يليه منشط تعويذات، وهو ما يحدث نوعاً ما مع التعويذة الآن. لكن هذه ستكون طريقة لفعل كل ذلك دون التعويذة. حتى الجزء الذي يصنع فيه الناس سحرهم الخاص في غرفة المجلد سيكون ممكناً خارج التعويذة، في عوالم جديدة شحت فيها المانا؛ وكل ما يتطلبه الأمر هو صنع غرفة من الأنتارين ومعادن كثيفة أو أصناف أخرى من فنون التعاويذ المتخصصة لرفع تركيز المانا داخل تلك الغرفة، ومن ثم يمكنك استخدام ذلك السحر الأثقل لصناعة «جُهيرات تعويذات» جديدة يدوياً. لكننا نفضل المصطلح الرسمي «ميتاموندز». لا جُهيرات تعويذات. هذا النظام بأسره هو في الأساس شكل مبسط من التعويذة إلى حد كبير".
أغلق حداد يده ونهى العرض الضوئي البسيط، مختتماً: "ونحن نتطلع إلى التعويذات التي ستصنعها وما يمكنك فعله في عالم يقل فيه السحر بكثير عن عالمنا هذا".
أسر الذهب إريك.
بحماس طفيف في صوته، تساءل إريك: "مِن أين جاءت فكرة هذا الزنزان؟ إنه يختلف كثيراً عن الزنازين الأخرى التي زرتها".
أشرق حداد ببهجة هادئة.
"هذا سؤال جيد! لا أحد يطرح الأسئلة الجيدة أبداً. جاءت في الواقع من حين حارب الساحر الفوضى وخرج إلى الفضاء وراء التعويذة. أخذ بعض الرجال يفكرون في كيفية التعامل مع كابوس انعدام المانا ذاك الذي أخبر العالم عنه، والآن ها نحن هنا".
أومأ إريك ببطء. لقد خشي ذلك، لكنه استثار بشدة أيضاً.
"إذن سيشبه الأمر الخطو نحو الفضاء؟"
ذلك الفراغ المطلق. انعدام كل شيء. الألم. ارتجف إريك. لاحظ حداد ذلك.
"ليس بالسوء الذي سمعته في الرواية. لا تنفجر النوى داخل زنزان الجواهر من ضغط المانا. وإلا لماتت كل الوحوش! لا يمكننا السماح بذلك".
...
لم «ينفجر»
إريك في ذلك الحين، لكن الأمر كاد يحدث. أحياناً تبالغ الروايات في سردها، لذا غض الطرف. علاوة على ذلك، لم يكن الساحر في هذه اللحظة.
لقد كان ببساطة «رماد».
لن يكون منطقياً أن يطرح فجأة كل الأسئلة المهمة التي تراوده حول طريقة عمل هذا المكان من الأساس. لقد عشق السحر، واجتاحته رغبة معرفة قواعد هذا المكان، وكيف يعمل بأكمله، وما إذا كان حقاً تقديراً جيداً لما سيبدو عليه عالم منعدم المانا حقاً، لكنه لم يكن ليفرط في كشف غطائه بهذه السرعة، وبكل تأكيد ليس بطرح أسئلة مثالية أكثر من اللازم. احتاج إغدراسيل إلى الوجود في فضاء منعدم المانا حين يكبر، أو بذوره على الأقل— راودت إريك أسئلة مفاجئة كثيرة.
بدا المكان آمناً بالقدر الكافي للتنقيب بانتظام، كما يتبين من كل الواقفين حوله، مستعدين ليوم التنقيب، ومن أولئك الداخلي والخارجين باستمرار من المبنى الرئيسي. وضم وحوشاً في داخله. لذا لم يقلق إريك حيال تصدع نواه الخاصة. كل ما أراده إريك حقاً الآن هو الولوج إلى داخل ذلك الزنزان، ورؤية ما يعتقده أتونوير وبعض بشر أرض الخضرة حين يفكرون في فضاء منعدم المانا. أشبه بالمنخفض المانا، مع ذلك.
ليس في فراغ حقيقي.
سأل إريك حداد: "أي كلمات نصيحة قبل أن أتوجه للداخل؟"
"كثير! أنت مستمع رائع".
قال حداد بسعادة: "لكنني لن أعطلكم بشرح مطول. التنقيب في الزنزان مجاني لكل من يتقدم، كما يجب أن تكون كل الزنازين الكبرى للاحتفاظ بذلك اللقب. توجد طوابير وما شابه في أُخر، لكن ليس هنا، ويعود ذلك لكون ما تفعله داخل الأعماق المتلألئة لا ينعكس بتاتاً هنا في الخارج. أكل حديد الكريستال الذي تراه على الناس هنا؟ كل ذلك لمجرد التباهي بمدى تقدمهم في الداخل، لا أكثر، إذ إنه حديد ألماسي عديم الفائدة حين يكون خارج الزنزان. وحدها الأشياء التي تكسبها حقاً ستتحول إلى متيرون داخل الزنزان، فلا تفكر في اقتطاع جزء من القلعة لتسريع مستوياتك الأولى. هناك سبب لوجود قلعة مصنوعة من هذه المادة، وهو ردع اللصوص المحتملين بإظهار مدى ضآلة قيمتها كلها. وهناك أمر آخر: بعض الحاضرين هنا يمتلكون حديد كريستال زائفاً، محاولين جعل أنفسهم يبدون أقوى مما هم عليه. لكنه مجتمع صغير وتلك الأكاذيب تُكشف سريعاً. المتيرون والميتاموندز التي تحصل عليها داخل الزنزان هي ملك لك وحدك. لا يمكن لأحد سلبها منك واستخدامها بنفسه، لكن يمكن تحطيمها، فاعتني بها. وهذا كل ما في الأمر! —حسناً. بوسعي الحديث لفترة أطول، لكن يجدر بك تجربة التنقيب. ستظل كل التعويذات النشطة التي تمتلكها على حالها، لكنها ستتآكل كلما تعمقت، ويُحظَر كل شيء باستثناء نظام التعويذ الفائق بمجرد خطوك نحو الأجزاء الحقيقية للزنزان. يشبه الطابق الأول درساً تمهيدياً، حيث يبدو كل شيء طبيعياً بمعظمه؛ ولا يوجد حتى تدرج لضغط المانا في الطابق الأول. هناك درس تمهيدي فعلي، مع ذلك، إن رغبت في ذلك. ومن هناك، فالأمر عميق بقدر ما تشاء، وستفشل مساعدة التعويذة كليا في الطابق الخامس، حيث تبدأ حقاً عملية التعلم «خارج التعويذة»".
وأضاف حداد: "وهناك يبدأ الذهب في النمو أيضاً. كل ما يحتاجه المرء للبقاء على قيد الحياة موجود في الطوابق العليا بالطبع، لكن الأموال الحقيقية تُجنَى في الطابق الخامس فما دون".
"... ظننت أنه لا يمكن للمرء كسب عيشه هنا؟"
بنبرة سعيدة، قال حداد: "أغلب الناس بالكاد يتجاوزون الطابق الثاني. يراودني شعور طيب بأنك قد تبلغ النهاية بأكملها، إذ أتتني تلك الفكرة في حلم قُبيل ظهورك، وأنا أثق بتلك الرؤى".
توقف إريك.
"... رؤية، أه؟"
"أتونوير تبتسم للأعماق المتلألئة، أيها المنقب، ونحن في خدمتها دائماً، حتى في أحلامنا".
قدم حداد تحية أخيرة: "حظاً سعيداً!"
ثم عاد راجلاً نحو النفق المؤدي إلى محطة المنصات.
"حسن إذن..."
قال إريك لنفسه، والتفت مطالعاً قلعة الكريستال الرمادي، المرتفعة من أرض الحجارة الجردة. لحدق مطول تأمل الصرح الكريستالي الرمادي. ثم خطى قدماً واضعاً قدماً أمام الأخرى. ومع اقترابه من البوابات المفتوحة للباحة الرئيسية ولمحه البوابة السوداء الهائمة بلا حماية في وسط القلعة، شعر إريك وكأنه يطفو.
"حان وقت تعلم بعض السحر «خارج التعويذة»، أه؟ قد يكون ذلك ممتعاً".
في الواقع، الآن بعد أن سمع ما يرمي زنزان الجواهر حقاً إلى إنجازه... سحر خارج التعويذة، مثلما يُزعَم أنه فعله لجر نفسه وجين إلى هنا في فيرد، أه؟ حسناً، بدا هذا النوع من التجارب... رائعاً حقاً.