بدت النهایة في طريق سيَفوم للوهلة الأولى مكاناً متواضعاً ومغلقاً بأحكام ومحاطاً بطلاسم تمنع أي أحد من اقتحامه وسرقة محتوياته. صحيح أن بعض تلك الطلاسم بدت خطيرة بشكل مذهل، غير أن ذلك كان أمراً اعتيادياً بالنسبة للكثير من هذه البيوت القابعة في قلب العدم. ربما اكتسب الطريق اسمه من هذا البيت، إذ كان إيريك يرجح أن المكان لم يمتلك طريقاً أصلاً قبل هجرة النقل الآني. تفرع طريق سيَفوم عن الطريق الرئيسي القريب من البلدة، في حي النبلاء الحقيقي، ليلتف بعد ذلك متعرجاً نحو الجبال ويلف حول الجانب الجنوبي للجزيرة.
كان بإمكان إيريك تخيل قيادة سيارة في حياة أخرى على طريق كهذا، بينما يتأمل المنظر الخلاب للبحر جنوب الأرخبيل. يقع الساحل الشمالي لنيجال بعيداً وراء ذلك الأفق المائي الجنوبي، حيث كان كل شيء مصنوعاً من السم والموت، وحيث حاول كل شيء قتل كل شخص طوال الوقت. لكن هنا، على حافة العاصفة، كانت الأرض أليفة، ولم يشهد طريق سيَفوم حركة مرور على الأرجح منذ أشهر لكونه مغطى بالنباتات البرية، ورغم أن الشواطئ في الأسفل كانت مفعمة برذاذ الملح، فإن ريح القمة قرب القصر كانت تفوح برائحة الغابة.
هنا، في هذه النهاية من الطريق، امتدت بوابة حديدية كبيرة عبر الشارع مباشرة، لتكون خط الفصل الأخير بين الطريق والملكية الخاصة.
غير أن ظلاً كان قد "فتح"
البوابة قبل وصول إيريك، وهو ما أشبه بكسر عدة تعاويذ وضعت على تلك البوابة والتعامل مع الانفجار الذي تلا ذلك، لكن الأمر كان مقعولاً بالنسبة لإيريك. وهو كان متأكداً تماماً أن من فتحها بخير، رغم أن البوابة لم تكن كذلك البتة. استقرت قطع الحديد المتفحمة في كومة صغيرة إلى الجانب، حيث جمعها شخص ما لمجرد استطاعته فعل ذلك. عادة، لن تتمتع مكانة كهذه، وبدت مهجورة بهذا الشكل، بمثل تلك الدفاعات الحصينة، رغم أن كل السحر اعتاد التدهور بسرعة بالغة بمجرد التوقف عن رعايته بانتظام.
لكن إيريك غيّر ذلك. أو بتعبير أدق، جلب سلك الموقد شبكة العقد إلى هنا مباشرة، مما يعني أن المكان ظل مأهولاً طوال الوقت، رغم وقوعه على بعد مئتين وعشرين كيلومتراً تقريباً خارج البلدة. لم تكن مسافة كهذه غير معتادة البداية في شبكة العقد، غير أن معظم القاطنين في الضواحي قرروا قبل أحد عشر عاماً هجرة منازلهم والانتقال إلى البلدة. بدا وكأن احداً لا يسكن هنا أيضاً، وهو ما شكل جزءاً من التعمية على المكان بأسره.
بخلاف ذلك، بدى المكان أشبه بمنزل نبيل عادي تماماً. عدة طبقات. حجر. نوافذ كبيرة في كل مكان، تمنح إطلالات رائعة على البحر الجنوبي. شرفات وما شابه. بالطبع كان كل ذلك مغطى بألواح خشبية صلبة، وكانت كل الحجارة مسحورة بإحكام لمنع تشكيل الحجارة.
تمتم إيريك قائلاً: "من الغريب بعض الشيء أن يقول إنه كان داخل حي النبلاء، لكني أترض أن حي النبلاء يمكن أن يكون حالة ذهنية أيضاً—"
ثم سأل: "ماذا وجدتم؟"
خرجت شيد جولدي من الظلال. كانت ترتدي درعها الأسود المصمت المعتاد الذي لم يكاد يظهر أي قشور ذهبية على الإطلاق، بينما علق سيفها الأسود على ظهرها كلوح خشبي. بدت متحمسة بشكل خاص اليوم، وراء ذلك القناع الأسود المصمت، وهو ما بدا غريباً بعض الشيء، لكنه لم يعد يهم كثيراً. ظلت شيد تصاب بنوبات من الولاء المطلق لسلطة إيريك، سيما عندما لم يكلفها بأي مهمة محددة لفترة، غير أنها عادة ما كانت تتجاوز ذلك بسرعة كبيرة هذه الأيام.
ربما لاحظت حماس ميليميزارغو؟ أياً يكن الأمر، فسيُكتشفه إيريك لاحقاً بلا شك.
قالت جولدي بسعادة في الوقت الحالي: "المكان مغلق بإحكام أشد من معظم البنوك. حاول ظّل متحمس أكثر من اللازم فتح البوابة لكنها نجحت في كسرها أكثر من فتح قفلها، وهو ما أدخلها في غيبوبة مؤقتة. إنها بخير الآن، لكنها تأخذ قسطاً من الراحة لبعض الوقت".
سر إيريك لأن الظل كانت بخير. لأجل الأسباب الأمنية، لم ينطقوا بالأسماء أبداً في الميدان، لكن إيريك كان متأكدًا تمامًا من أن جولدي كانت تتحدث عن دوري. كان اسم دوري مجرد رمز تعريفي على أي حال، مشتقاً من المتين؛ وكان الاسم الذي اختارته لنفسها بسبب مزاجها المعتاد في كيفية نجاتها بحل مشاكل بيت الإحسان. كان منطقياً أن تكون دوري هي من يحاول فتح البوابة.
تابعت جولدي كلامها: "أحد الآثار الجانبية لهذا الكسر هو أن كرة المانا قد تصفت وراء البوابة. لست متأكدين مما إذا كانت قد تصفت بالكامل حتى داخل البيت، لكن ذلك محتمل جداً. المكان خاضع أيضاً لدورة تنظيف على مدار أربعة وعشرين ساعة، والتي يبدو أنهم اقتبسوها من بروتوكول البنوك، وهي في الأساس النسخة التي قلدوها هنا مع بعض الاختلافات".
"إذن فهو مبنى حكومي".
"مرجح للغاية".
"على الأرجح لن أجد شيئاً إطلاقاً".
"تبدو جميع الدفاعات آلية، نعم، لكننا لم نشهد أي أشخاص من الوصاية يتلصصون حول المكان بعد، لذا ربما يوجد شخص ما بداخل إيريك بالفعل، وهم لا يحتاجون إلى قدوم أهل الوصاية للإنقاذ".
درس إيريك خطواته القادمة. ثُبتت لوحات تحذيرية على الجدران الحجرية المجاورة للبوابة. وقد نصت على تحذيرات من فخاخ القوة وطلواسم الإنذار في العقار، وذكرت أن قصر سيَفوم لا يتحمل المسؤولية عن أي موت يلحق بالحمقى الذين يختبرون دفاعاته. ضبط إيريك حواسه المانائية إلى الأمام، متغلغلاً في العقار. وجدت مسافة تقدر بنحو مئتين وثلاثين متراً بين البوابة والقصر نفسه، مع غابة شبه برية تنمو من الأرض على يسار الطريق ويمهينه.
كان الطريق نفسه مغطى بالنباتات، لكن نوعاً من السحر شبه المستقل حافظ على مظهر البيت نصف اللائق؛ فلم ترتفع الأعشاب سوى لحد معيين، ولم يكن الطريق مغطى بشكل مفرط. التقط نحو اثني عشر نوعاً من التعاويذ العالقة في الهواء، وفي الأرض، ضمن شبكة العقد المتمثلة في الجدران المحيطة، وداخل النوافير الجافة المختلفة، والتماثيل المغطاة باللبلاب هنا وهناك. بدا فخ القوة السحر المفضل المعتاد؛
وربما بضع تنويعات غير عنيفة لثني الناس عن محاولة افتعال المشاكل من الأساس، قبل أن تبدأ الفخاخ الفتاكة حقاً بالقرب من البيت. كان ذلك التعويذ محظوراً في معظم أنحاء العالم، باستثناء الاستخدام الحكومي لحماية الممتلكات. وفي بعض الأماكن سُمح للنبلاء باستخدام ذلك التعويذ أيضاً. أياً كانت هذه الحالة الخاصة، فسوف يكتشف إيريك الأمر بعد أن يفتح المكان مثل كيس من رقائق البطاطس...
ممم. رقائق البطاطس. ربما كان عليه أن يبتلع شيئاً ما كالتنين قبل قدومه إلى هنا. لقد مر حوالي أسبوع منذ أكل للمرة الأخيرة وكان يجوع بشدة... وأراد بعض رقائق البطاطس من الأرض، الآن بعد أن فكر في كل ذلك. حسناً. ربما يستطيع إزقيل ابتكارها؛ فقد حاول إيريك عدة مرات في العقد الماضي، لكنه لم يستطيع الحصول على تلك الرقائق الرقيقة والمقرمشة التي يحبها حقاً، ولا تلك المجعدة— كفى حديثاً عن الطعام.
توقفت حواس إيريك المانائية عند باب القصر. كان مداه حوالي خمسمائة متر في يوم جيد وصافٍ، وكان هذا يوماً جيداً وصافياً، لذا حصل على جزء كبير من واجهة البيت بحواسه، لكنه لم يستطع التطلع إلى الداخل.
قال إيريك: "حراسة جيدة. رفيعة المستوى".
"من هنا جاء الارتباط بالبنك".
"مرجح للغاية. أترض أنكم لم تستطيعوا الدخول بعد؟"
"كلا. أستطيع أن أتوقع مسبقاً أن المكان سيرفضني بعنف".
قالت جولدي: "من السهل جعل المكان منيعاً، لكن الناس لا يستطيعون العيش داخل تلك الأماكن عادة، وهذا ما فعلوه هنا. قد يكون لديهم شخص ما في الداخل، لكن حياة كهذه ستكون نوعاً حزيناً من الوجود".
أومأ إيريك برأسه، ثم نظر إلى القصر مرة أخرى. كان قد رأى أماكن قليلة كهذه من قبل. وجد اثنا عشر مكاناً كهذا في أوشنسايد، يخفي كل منها أعمالاً سحرية مفككة أعظم من أن تُترك في العراء، أو أقدم من أن تُستعمل هنا في فيرد، في هذا التكوين الكوني الجديد. كان القصر يشبه إلى حد ما حي النبلاء في فورغ الصامدة، في الواقع، حيث استخدموا منازلهم النبيلة القديمة لتخزين الأشياء بشكل آمن، مثلما حدث مع دمعة أولوث.
حتى إن بيت الإحسان امتلك بعض المخبآت كهذه، وامتلك كويلاتالاب مخبآت كثيرة كهذه. امتلك إيريك القليل من المهارة في اقتحام أماكن كهذه، لكنه لم يكن خبيراً بأي حال من الأحوال. بإمكانه طلب السماح له بالدخول من الوصاية، لكن ذلك سيكون بمثابة طلب الإذن، وسيقومون بإغراق المكان إذا كان هناك أي شيء شائن حقاً هنا. كان من الأفضل إنجاز الفعل ثم طلب المغفرة لاحقاً، إن كانت المغفرة ضرورية.
استطاع إيريك استخدام قدرته الطبقية، سيفون المانا. تلك القدرة، التي ابتكرها إيريك بناءً على التجديد وتأثير الجزر، كانت طريقة له لمس عمل سحر واستنزافه من كل طاقة. لقد كان استنزافاً أدق قليلاً من مجرد وضع نجمة جزر في السماء، ومسح السحر عن المبنى، لكن التأثير كان واحداً في النهاية؛ أُزيلت كل المانا المشغلة لعمل ما بالقوة. بالطبع، إن فعل ذلك، كان إيريك متأكداً بنسبة مئة بالمئة تقريباً من أنه سيحطم أي سحر مجرم موجود داخل المكان، ومن المحتمل وجود صمامات أمان لمنع التحقيق في قصر غير محمي، إن فشلت شبكة العقد.
قد يكون ذلك جيداً أو سيئاً، حسب طبيعة صمامات الأمان تلك. على مر السنين، مع ابتكار إيريك للسحر الدائم للجماهير، رأى العديد من الأماكن المختلفة تستخدم شبكة العقد لإعداد سحر ينطلق في ظل شروط معينة، ثم يزول إذا اضطرب السحر نفسه بطريقة لم يُقصد اضطرابه بها. كانت إحدى الحالات المرعبة بشكل خاص هي سيد فخاخ قام بتثبيت فخ قص القوة في شبكة العقد الخاصة بكيلتري، هناك في المدن السيادية.
ذلك الفخ تحديداً كان مهيئاً ليخفى في جميع الحالات تقريبا، لكنه ينشط إذا اقتربت ديموغرافية معينة من الناس؛ شيدلينغ، بشكل أساسي، بل وأورکول أيضاً بشكل غريب. ظل ذلك السحر كامناً حتى يُحفز بالشكل الصحيح، وإن اضطرب، فسيهاجم الجميع بعنف، مما يتسبب في دمار أكبر بكثير من التحفيز المعتاد، بغض النظر عن الشخص الذي حفزه. قبل أكثر من عقد من الزمان، وُجدت تلك الكلمات مرسومة على جانب أودالي، عندما كانت محتلة من قبل قاعات الأموات، وملكة إسقاط النهار.
كانت تلك الكلمات في الواقع فخاخ قوة، وكانت ستظل لفترة طويلة جداً، عقوداً في الواقع، لو تركها أودالي وشأنها، لكن في اللحظة التي حاول فيها إيريك تبديدها، انطلقت بعنف. حالة أخرى استدعت ترك الفخاخ سليمة، وقعت مرة أخرى في المدن السيادية. حاولت طائفة دم تقويض سلطة إيريك، ومن أجل عقد الاجتماعات، سحروا فخ قوة مخصصاً في جزء من شبكة العقد، بحيث تُوجه إلى موقع الاجتماع إن اقتربت منه بطريقة معينة، وينكسر إن اقتربت منه بأي طريقة أخرى.
لم تكن تلك الأنواع من الفخاخ مفيدة للغاية لتأمين موقع بشكل دائم، فالمندوق القابل للفتح كان دائماً أكثر عرضة للخطر من الصندوق الملحوم بإحكام. لم تكن هناك حقاً طريقة لمعرفة ما يتعامل معه هنا، في قصر سيَفوم، حتى ينكش الأمر. قرر إيريك تأمين نفسه بجسده العنصري للإحسان الكامل ونطاقه نجم الدليل. مع تفعيل هيئة الشمس لديه، سيتجنب إيريك أكبر الفخاخ، وجميع الفخاخ الأثيرية المتنوعة الممتدة عبر العقار كشبكة طاقة، نسجها عنكبوت رهيب من نوع ما.
خطا إلى داخل العقار، وشت جلدة بضوء أبيض شاحب، ثم تشوه بينما تحرك عبر الفضاء كمادة هلامية؛ وتفكك جسده قبل أن يطال أي خطوط في الهواء، ثم عاد ليتدفق معاً في الجانب الآخر. كانت حركة وليدة قدرة شخصية كبيرة جداً، لكن أي ناظر كان سيفترض أنه من السهل القيام بما يفعله إيريك الآن.
غرد أوفيل من الهواء خلفه، بعيداً وراء البوابة، قائلاً: "أنا أنظر هنا!"
تحدث إيريك عبر الهواء، من دون استخدام جسده الفعلي على الإطلاق.
"شكراً لك يا أوفيل. احذر ألا تحفز أي شيء".
بلا شك، كانت الحيوانات الصغيرة تحفز هذه الأشياء طوال الوقت، لكن أي نوع من السحر كان هذا بدا إما منيعاً في وجه نزوات الحيوانات الصغيرة، أو أنه كان مراقباً من قبل قوة ما داخل البيت. طار أوفيل بعيداً لتفقد كل ذلك، لكنه أراد حقاً مراقبة الفئران والحشرات الكبيرة التي تجوب الأرض. تابع إيريك طريقه إلى الأمام، متجاوزاً ومخترقاً نحو مئة طبقة من السحر. وصل أخيراً إلى بعض تأثيرات حراسة الإنذار.
كانت تلك سهلة التمييز كمجموعة من السحر المضاد للحيوانات. بدت أكثر دقة بكثير وكانت أشبه بتأثير عدم الاقتراب، على عكس تأثير الحراسة الصلبة. امتلكت الحيوانات في فيرد نطاقات سمع مختلفة بعض الشيء عن البشر، لكن ليس تماماً. فكل شيء في فيرد ابتكره أشخاص آخرون، بعد كل شيء، وعموماً، سمع البشر ورأوا وذاقوا ولمسوا واختبروا العالم بطريقة معينة مشتركة. وصل إيريك في النهاية إلى تأثير يشبه الجدار، على بعد نحو خمسين متراً من البيت الفعلي، بلا سبيل للتفافه.
الشيء المهم هنا هو أن الجدار لم يظهر لحواسه إلا عندما أصبح على بعد خمسة أمتار منه، مما يعني أن إيريك ربما كان يحفز شيئاً ما دون وعي، أو ربما كان شخص ما يراقب، لكنه لم يعتقد أن أحداً كان يراقب... فكيف ظهر سحر الجدار هذا أمامه، كنوع من السطح الأثيري؟ ووجد أيضاً نوع آخر من السحر تحت الأرض كان أصلب بكثير من أي شيء كان عليه هذا الشيء الأثري، وبالتأكيد لم يكن موجوداً هناك من قبل أيضاً.
كيف ظهر... درس إيريك ما كان يراه. كان أشخاص آخرون أفضل في سحر معين منه؛ لم يكن هذا مفاجئاً. ومع ذلك، كان يفاجئه دائماً بعض الشيء عندما يصادف شيئاً كهذا. غالباً ما جعله العثور على سحر جديد يبتسم، يليه محاولته معرفة كل شيء، فالسحر كان ساحراً. لكن في هذا المكان، في هذا الموقف، لم يبتسم إيريك. كاختبار، طفا إيريك إلى اليسار، ولم يظهر سحر الجدار، أياً يكن، لحواسه إلا عندما أصبح ضمن نطاق عشرة أمتار منه.
أَتغير نطاق إدراكه؟ ربما. كان خمسة أمتار من قبل، وأصبح الآن عشرة. ... بقية الجدار بأسره لم تكن موجودة ببساطة حتى وصل إلى هناك، مراقباً إياه. كان الأمر كما لو أن إيريك كان مصباحاً كهربائياً، يضيء على جدار لم يكن موجوداً، إلى أن أضاء على— أه. كان يستجيب لوجود روح. بالطبع. كان هذا سحر الروح. ... وقد يكون أيضاً شيئاً مثل جدار استشعار سحر، إذ كان إيريك محاطاً بطبقات من السحر النشط في تلك اللحظة.
... استغرق هذا وقتاً طويلاً. بإمكانه دائماً العودة إن أفسد الأمر، لذا غرس إيريك يده المحمية بالنطاق في تأثير السحر الساكن. كان هذا سيكون عملاً غبياً هائلاً بالنسبة لمعظم الناس، لكن إيريك كان قادراً على تحمل أي فخ عرضي هذه الأيام، وأغلب أي شيء يمكن لأي شخص إلقاؤه عليه. وبينما كانت يده داخل الجدار، شعر إيريك بسحر من نوع اختباري يحاول قراءة روحه، ثم أعاد نتيجة سلبية، أو ما شابه ذلك.
كان ذلك مجرد تخمين مدروس، لكنه ربما كان التخمين الصحيح. فتحت أبراج سحرية على سطح البيت وبدأت تقصف إيريك بحزم قوة. ضربت الحزم نطاقه وتناثرت مبتعدة كتدفقات صفائحية منحنية. أصابت بعض الحزم الأرض، مصيبة فخاخ قوة في الأرض انفجرت فوراً تحت قدميه. وأصابت أخرى تعاويذ حراسة الإنذار في الهواء، محفزة إياها، مما أدى إلى انطلاق صوت نحيب كبير بعيداً عن البيت كشيطان صارخ. ربما كان تأثير ضرر يعتمد على الرعد، لكن إيريك لم يستطع الشعور بأي شيء تحت حماياته.
"آه... تباً لهذا".
غاص إيريك داخل البيت، مشكلاً إحسانه إلى يد عظيمة بمخالب تنينية لتمزيق الألواح الخشبية عن الباب— انفجر داخل البيت. لم يكن انفجاراً ضخماً، بكل المقاييس. ظل البيت على حاله، لكن السجاد، والستائر، والكراسي، والنوافذ، تحولت جميعها إلى شظايا، في جميع أنحاء البيت. وبقي حجر عارٍ، محترق بشدة. وبعدها تدفق تطهير هائل في جميع أنحاء القصر، مسحاً كل ما دُمِّر. واختفى أي شيء ربما أراد إيريك العثور عليه، والأدهى من ذلك، هو أن الدفعة الأخيرة من سحر التنظيف قد محت كرة المانا؛
فلم تكن هناك قطع شظايا لهالة التصليح لإعادتها إلى أثاث وما شابه. أصبح البيت الآن خالياً من كل الأدلة العادية. تنهد إيريك قليلاً. ثم عاد. مرة أخرى، كان البيت على ما كان عليه، وقف إيريك أمام جدار سحر فحص الروح. فتح بوابة مباشرة بعد الجدار، وخطا عبرها إلى أرض خالية من أي سحر على الإطلاق. بالتطلع إلى الوراء، رأى إيريك أنه نجح في الالتفاف حول سحر الجدار. علق ذلك السحر في الهواء خلفه كستارة أثيرية— امتدت موجة من جدار أثري آخر من داخل البيت، لامسة إيريك، وبعدها بدأت إنذارات الرعد وأبراج الحزم مرة أخرى.
عاد إيريك إلى عدة ثوانٍ مضت، بعيداً وراء سحر الجدار الأثري. لم تكلف هذه الجولات البسيطة ذات العشر ثوانٍ بتكلفة أساسية للعودة تبلغ عشرة آلاف مانا سوى خمسمائة مانا لإيريك في كل مرة. استطاع فعل ذلك بالقدر الذي يحتاجه من المرات. لكن... حسناً... فتح إيريك بوابة عائدة إلى واجهة البيت، وراء كل سحر إنذار الدفاعي، ثم أرسل سؤالاً تخاطرياً إلى بوي، الذي كان لا يزال بجانب رئيسة السحرة ويلوزا، يناقشان الأحداث الجارية الآن.
"أحتاج إلى معرفة قصر سيَفوم. كيف يدخل المرء؟"
طرح بوي السؤال على ويلوزا، وبعد أن قطبت ويلوزا حاجبيها، ثم أجابت، رد بوي: "تقول إن أرويدو يدخل مشياً، دون حدوث أي شيء مميز على الإطلاق. المكان مليء بطبقات من السحر الدفاعي، لكن لا شيء منها ينشط عليه. تشتبه في مفاتيح سحر الدم أو سحر الروح".
بينما راقب إيريك ويلوزا وبوي عبر أوفيل، ومع ورود كل تلك المعلومات، وبدوها صادقة وفقاً لما كان يراه من ويلوزا، كان لا يزال يراقب منطقته الخاصة، حيث كان موجوداً بالفعل. وبتحديد أكثر، راقب القصر وهو ينفجر. العودة.
واقفاً مرة أخرى بجانب جولدي عند البوابة، قال إيريك: "هذا المكان مربوط بإحكام أشد من بنك راقي".
ابتسمت جولدي قليلاً.
"نعم هو كذلك".
تعلم إيريك أشياء قليلة. أولاً، أن البيت كان مراقباً بفعالية. سيشرح هذا سبب تنشيطه في ذلك الوقت، ولماذا لم يأتِ أي شخص من الوصاية إلى هنا لإيقاف إيريك. أثار ذلك سؤالاً آخر، مع ذلك، وهو لماذا لم يطلب الوصاية منه إيقاف هذا، إن كانوا يعلمون بوجوده؟ وأيضاً لماذا سمح الشخص المراقب بالداخل لإيريك بالوصول إلى هذا الحد دون تفجير المكان بالفعل؟ لم يكن إيريك متأكداً. لكن بما أنه كان مراقباً بفعالية، فهذا يعني أن القوة المراقبة أرادت معرفة إلى أي مدى يستطيع إيريك الوصول...
ربما. كان إيريك متأكداً بنسبة مئة بالمئة تقريباً من أنه لو سار أرويدو في هذا الطريق، فسيُسمح له بالدخل، لكن إيريك لن يفعل ذلك لأي أرويدو. بدا الوجه الذي تحدث إليه إيريك مرعوباً بصدق من هذا المكان... كاد إيريك أن يقرر أنه لا يحتاج لمعرفة ما في قصر سيَفوم، لكنه علم أن هذا المكان كان في صميم الكثير من فظاعات الأبراج المحصنة، وأي شيء آخر قد يدور هنا. لذا احتج حقاً لمعرفة هذا.
لذا فتح إيريك بوابة إلى الحفرة الثانوية، حيث نقل الأرويدو مداخل الأبراج المحصنة عندما تعرض البرج المحصن السادس للخطر، ثم خطا من خلالها. استقرت ثقوب سوداء ستة في العالم في الهواء، فوق أساس حجر صلب، هنا على الجانب الآخر من جبل الحفرة. كان إيريك قد طرد مشرفي الوصاية مع أوفيل قبل عشر دقائق، ووقف أوفيل الآن حيث كان أولئك المشرفون للوصاية. خرج عدد قليل من أرويدو من الأبراج المحصنة ليتحدثوا جميعاً مع بعضهم البعض أيضاً، هناك في ذلك الفضاء غير الخاص على الإطلاق.
بدا الأرويدو أشبه بثلاثة توائم قرر كل منهم تنسيق ملابسه بشكل مختلف، ليتم تمييزهم من خلال ملابسهم. ارتدى أحدهم ملابس خشنة النسج، وارتدى الآخر حزاماً جلدياً سميكاً، وارتدى الأخير ملابس نبيلة متوارثة. تحادث الثلاثة بسهولة تحت أنظار أوفيل اليقظة، لكنهم التفتوا جميعاً نحو إيريك عندما ظهر. غير إيريك رأيه بشأن مطالبتهم بزيارة قصر سيَفوم معه؛ فسيسأل، ويرى كيف سيستجيبون.
"هل يريد أي منكم زيارة قصر مزبد بجانب المحيط معي؟"
شحب الأرويدو الثلاثة وبدأوا بالاحتجاج— قال إيريك قاطعاً حديثهم: "لا بأس. أنا بحاجة لبعض الدم إذن".
نظر الثلاثة إلى بعضهم البعض.
تقدم أرويدو مردي الحزام، سائلأً: "كيف تريد أن تفعل هذا؟"
قطف إيريك الهواء، مساحباً بلا ألم كرة دم بحجم قبضة طفل من جلد أرويدو المكشوف. كان مجرد سحر دم صنعه قبل فترة لجمع عينات لأسباب مختلفة، وقد عمل بشكل جيد لأشياء كهذه أيضاً. وبينما طفى ذلك الدم على يده، راقب إيريك عيني أرويدو ذي الحزام وهما تتسعان، ثم ترفرفان. لم تكن هذه كمية دم كافية لتصاب أي شخص بدوار، لكن إيريك ضربه ببعض علاج الجروح الكبرى على أي حال. لم يكن سحر استعادة دم مثالياً، لكنه لم يحتج فعلياً لسحر استعادة دم.
وبينما وقف أرويدو ذو الحزام بقوة وجمع أفكاره، قدم إيريك شكره بينما تراجع عبر بوابة، وكانت جائزته تطفو على جانبه الأيسر. أغلق البوابة خلفه واستخدم مجموعة من سحر الوهم السريع للقيام ببضع أشياء سريعة. أولاً، استخدم الدم لتبني هيئة مألوف أرويدو، بتشكله الكامل الخاص به. ثانياً، تأكد من عدم رؤية أحد لذلك، وما رأوه بدلاً من ذلك، هو عبور إيريك عبر بوابة أخرى، متوجهاً إلى مكان آخر، تاركاً أرويدو خلفه بتعليمات للمشي إلى الأمام، بينما راقب من بعيد حتى لا يزعج ما قد يحدث.
تضمنت تعليمات صامتة من إيريك اختفاء جولدي عن الأنظار. كان إيريك متأكداً تماماً من أن الشخص المتواجد داخل هذا القصر، والمراقب، ربما امتلك رؤية حقيقية، لكن أوهام إيريك كانت جيدة بما يكفي لخداع هذا النوع من السحر لنصف الوقت تقريباً، ولم يكن يزيف جسده الجديد على الإطلاق؛ كان كل ذلك حقيقياً. ولذا، سار إيريك، بهيئة أرويدو جسدياً، ولكن ليس روحياً، إلى الأمام، داخل حراسات إنذار قصر سيَفوم.
لم يكن إيريك راغباً في صنع وهم لروحه، لأن ذلك كان مستحيلاً عملياً على أي حال، وربما لم يكن بحاجة لذلك. لم تنطلق الإنذارات. ابتسم إيريك في داخله، لكنه تظاهر في الخارج بأنه أرويدو؛ كومة قلقة، تسير إلى الأمام، وتخترق فخاخ القوة وغيرها التي لم تنطلق، رغم أنها بدت وكأنها يجب أن تفعل ذلك. عرف إيريك في تلك اللحظة أن ساحر دم ماهراً جداً لابد أنه متورط هنا، بسعة ما. على الأرجح ليس ساحر دم يحتاج إيريك للقلق بشأنه.
فقبل سنوات، تسربت معرفة الحمض النووي إلى عدد قليل من الشخصيات البارزة في العالم. لم تنتشر المعرفة العامة للحمض النووي إلى العالم الأكبر على الإطلاق، لكن بعض الناس كانوا يحققون خطوات كبيرة في معرفة كيف يمكنه تصوير متسلسل لدم مطهر. عرف كل من كيرجيناثارب وكويلاتالاب ماهية الحمض النووي، بفضل إيريك. ولكن مرة أخرى، عرف كيري وبعض الأعضاء الآخرين رفيعي المستوى في مكتب الإنفاذ ذلك أيضاً، و...
مهلا. كانت معرفة الحمض النووي موجودة هناك، لكنها لم تشكل مشكلة بعد. لم تكن مشكلة سحر الدم الحمض النووي مرئية حتى على السماء المحسنة، لذا لم يكن إيريك قلقاً للغاية بشأن سحر الحمض النووي. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يصادف فيها مجموعة من التعاويذ المشفرة بأذونات الحمض النووي أيضاً؛ كان ذلك النوع من السحر قديماً، في الواقع. كان سحر الدم يُستخدم للقيام بهذا النوع من الأشياء تماماً منذ ألف عام.
ومع ذلك، فإن حقيقة وصوله إلى الجدار الأثري مرة أخرى، دون أي مشاكل على الإطلاق، تعني أشياء مختلفة قليلاً. أولها، هو أن هذا المكان قد انفجر عندما أشرك إيريك ويلوزا، وليس عندما أشرك الأرويدو. كان شخص ما ينظر إلى ويلوزا، وليس إلى الأرويدو. أو ربما كان السحر هنا يتحقق بنشاط من ويلوزا، ولم يكن الأرويدو مهمين. أو ربما كانت ويلوزا متورطة في هذا المكان أكثر مما اشتبه إيريك، وقد فجرت الموقع عمداً.
ولكن مرة أخرى، لم يفعل أحد شيئاً بين الوقت الذي علم فيه إيريك لأول مرة بهذا المكان، هناك في الحفرة عندما كان يتحدث إلى فانيا وأرويدو في نفس الوقت، وكان أشخاص آخرون يقومون بلا شك باستشعار بعيد المدى له في ذلك الوقت... مهلا. المتغيرات كثيرة جداً لاستخلاص أي شيء ذي قيمة حقاً الآن، ولم يمضِ سوى خمس عشرة دقيقة ربما منذ مغادرته الاجتماع مع فانيا عند مدخل البرج المحصن السادس.
عندما تتحرك بالسرعة الكافية، غالباً ما يفشل الآخرون في اللحاق بالركب ببساطة. على أي حال. كان إيريك عند الجدار الأثري، وسحب هذه المرة نطاقه ليحيط بقلبه ورأسه فقط، تاركاً باقي جسده غير محمي تماماً.
غرس يده في الجدار الأثري— جاء صوت مبهم من الهواء: "مهلاً مهلاً، أرويدو المزيف، لا توجد نطاقات هنا، وإلا فلن تعرف أبداً الحقيقة عن نفسك".
... حسناً. الكثير من الدلالات هناك. كان شخص ما يراقب. كان هذا الشخص قادراً على قطف العديد من خيوط المعلومات المنفصلة المختلفة في باقي العالم، لكنه لم يكن يعلم أن أرويدو الذي أمامه كان إيريك، أو لم يستطع استشفاف ذلك القدر. لقد قام إيريك بهذا العرض الوهمي هناك لخداع أي شخص قد يكون مراقباً اسمياً، لكنه لم يمنحه أفضل ما لديه على الإطلاق. الشخص الذي كان يراقب ويلوزا حالياً في الحفرة (وبالتالي مستعد لتفجير هذا المكان) كان يجب أن يرى ما فعله إيريك مع الأرويدو في الحفرة الأصغر.
رغم وجود الكثير من الدلالات الأصغر أيضاً، إلا أن إيريك درس سلسلة الدلالات الرئيسية، التي أثارتها الكلمات التي خرجت من الهواء الآن. عرف كل أرويدو بهذا المكان، لكنه لمرغب في المجيء إلى هنا، لأن المجيء إلى هنا كان يعني معرفة الحقيقة عن أنفسهم. وهو ما انتهى عادة بعدم رؤيتهم مرة أخرى أبداً. أيضاً، كان النظام فضفاضاً بما يكفي للتحقق من كل أرويدو مزيف يمر عبره، ثم قبوله.
استطاع نظام قائم على الروح بحت فعل ذلك، لكن أرويدو تحدث عن انجراف الروح، وهو خطأ شائع في النسخ عندما يتم نسخها من بعضها البعض، بدلاً من الأصل. كان انجراف الروح سيبطل أي نوع من التحقق الروحي الخاص بأرويدو في هذه الحالة حيث وُجدت نسخ كثيرة من النسخ. الآن، لو وُجد أرويدو والجيل الأول من النسخ فقط، لعمل التحقق الروحي. كان سحر الدم أسهل في التعامل معه عندما تعلق الأمر بالنسخ، مع ذلك، فالنسخ تصرفت كخط عائلة، وسحر الدم أدى التحقق من نسب العائلة بشكل جيد جداً.
لذا كان من الممكن أن يكون هذا كله سحر دم، ولم يكن هناك عقل متحكم وراء هذا العمل السحري على الإطلاق، أو على الأقل ترك ساحر دم تعاويذ هنا، وكان المفترض أن تسيطر تلك التعاويذ على أرويدو عندما يعبر العتبة. لم يسمح إيريك لسحر التحكم هذا بالحدث له، لكن مرة أخرى، من وضع هذه الأشياء كان مألوفاً بوضوح مع سحر أرويدو، وكان يعلم أن أرويدو يمتلك نطاقاً، ولذا كان سحر الدم هذا قادراً على الحديث عما لا ينبغي لأرويدو فعله لكي يحصل على إجاباته— آه...
جعلته البارانويا يفكر في كل شيء، ربما أكثر من اللازم. هذا التنبؤ بعاصفة لم تصنعها سينينيندي وهذه الفوضى المستقبلية كانت ترعبه بالتأكيد. ... فهل عليه السماح لسحر الدم بالسيطرة؟ لم تمر ثانية واحدة منذ أن تحدث الصوت.
أجاب إيريك: "أنا لست مثل باقي إخوتي. لست مجنوناً بعد ولن تلمسني".
"إذن فخادع! حسناً تعال إلى الداخل على أي حال. بمجرد أن ترى حقيقة نفسك ستود مني السيطرة عليك على أي حال. يفعل كل خيبات الأمل لديكم ذلك دائماً".
تصريح آخر كاشف. مع ذلك، لم يدخل إيريك في جحر الأرنب مع ذلك التصريح. سيخوض هذا الحدث حتى يصل إلى النهاية في الوقت الحالي. فتح الجدار الأثري، متراجعاً كستارة، وخطا إيريك من خلاله. كان القصر تماماً كما كان، لكن لم تكن هناك طلاسم قائمة بينه وبين البيت الآن. كاد إيريك أن يتوقع التحول إلى بيت جنية، أو ما شابه، بعد المشي تجاوز سحر الجدار ذلك؛ ليرى كل شيء من منظور آخر. لكن لا.
ظل قصر سيَفوم لغزاً، مغطى بالألواح وتنمو الأعشاب هنا وهناك.
سأل إيريك ساخراً بالطريقة التي سخر بها أرويدو من سولتييك وفانيا، هناك في البرج المحصن: "ما الذي من المفترض أن يحدث الآن؟"
قال الصوت: "يا للهول. لابد أنك ذهبت بعيداً لدرجة أنك لا تتذكر شيئاً على الإطلاق. أو ربما الشخص الذي قبلك نزع تلك الذكريات، دون علم".
بدأ الغطاء الخشبي عبر الباب في التحول، كما لو كان تحت سحر تشكيل الخشب، مبتعداً، كاشفاً عن مجموعة أجمل بكثير من الأبواب الخشبية المزدوجة وراءه. كانت مذهبة بالذهب والفضة، وفتحت تلك الأبواب إلى الداخل، كاشفة عن ممر ممتلئ بالترف. سجاد أزرق، ستائر زرقاء، لوحات على كل جدار. مناظر بحرية مع سفن تشق الأمواج والعواصف، ومناظر مرجانية تحت أمواج مشمسة. لكن بينما سار إيريك إلى الأمام، كانت البورتريهات هي ما لفت انتباهه أكثر.
متظاهراً بوجوده في ذهول طفيف، سار إيريك إلى داخل البيت، على السجاد الأزرق، ليحدق في أكبر اللوحات، المثبتة فوق درج ضخم. كانت لوحة عائلية، مع ارتداء الجميع ملابس باهظة الثمن. كان أرويدو يسار الوسط بينما جلست امرأة على كرسي بجانبه، وتشابكت أيدي اثنين منهما، بينما جلس خمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين سنة واحدة وخمسة عشر عاماً ووقوفوا حول والديهم. ثلاثة أولاد، بنتان، مع جلوس الفتاة الصغرى في حجر المرأة، بين ذراعيها.
قال الصوت: "إن قبلت قوتي، فستعرف من هم".
أجاب إيريك، متأكداً من أن صوتي كان مهتزاً بعض الشيء: "أخبرني، بدلاً من ذلك".
قال الصوت بالكثير من المرح البغيض: "إنهم أنت!"
"كلهم؟"
"ليس الأطفال بالطبع؛ أولئك كانوا ضحايتك الأولى فقط".
اكتسب الصوت غضباً خفياً ورهيباً.
"من الأكبر إلى الأصغر: سيتو، مات، آريي، مايا، والرضيعة، سيلكي. أخذت حزم قوة لكل شخص باستثناء الرضيعة سيلكي. أما بالنسبة للصغرى فأمسكت بها وألقيت بها أسفل الدرج، ظناً منك أنها شيطان. الشيطان الوحيد في البيت كان أنت".
تنفس إيريك قائلاً: "أنا لست مسؤولاً عمن جاء قبلي".
"... هاه."
ظهرت عين استشعار مفاجئة أمام أرويدو، محدقة فيه بغضب.
"أنت لست صنيعي على الإطلاق، ألست—"
العودة.
لهاث إيريك: "لا"، بدلاً من قول ما فكر فيه حقاً.
احتج إلى سحب هذا الاستجواب لفترة أطول قليلاً، للحصول على بعض المعلومات الاستخباراتية القابلة للتنفيذ.
"لكني لا أتذكر..."
"جزء منك يتذكر! جزء منك يعرف حقيقتك المكسورة".
طالب الصوت قائلاً: "أخبرني بذنبك، يا أرويدو. أخبرني، وسأغسل كل ذلك بعيداً".
قال إيريك: "لا أعرف. لا أعرف. لا أعرف".
"أنت لا تعرف حتى اسمها، أأنت كذلك؟ أيتها الكسر المسكين المكسور. تأتي إلى هنا من واقع واجب مجهول، منقوش داخل روحك كفعل أخير لمنعك عن إيذاء الآخرين، وأنت لا تعرف شيئاً على الإطلاق!"
سخر الصوت من إيريك طوال فترة حديثه.
"مولود من اتحاد أرويدو وفريدريكا ونفسي، أنت أعظم إنجازاتنا وأعظم إخفاقاتنا. حُبل بخطك بأكمله في التقاء سحر الدم وفكرة الخضوع المطلق للوصاية. مزيف. غير حقيقي. كاذب وموت للجميع. كنت لتكون أعظم سيد برج محصن عرفه العالم على الإطلاق، ومع ذلك كل ما يمكنك فعله هو العيش لفترة والانكسار بشدة بعد خمس سنوات، لتصبح أكثر اضطراباً طوال الوقت، حتى تأتي إلى هنا أخيراً. إليّ".
وبهمس متعجرف، قال الصوت: "مستعد للانكسار مرة أخرى، وما زلت تتبع تلك التعليمات الأخيرة على أي حال، محاولاً ألا تنكسر حيث يمكن لأحد رؤيتك".
وبعنجهية: "دعني أدخل وسأجعل الأمر بلا ألم. إنه أكثر مما تستحق لما فعلته بصانعينا".
"أنا— يمكنني الذهاب إلى الساحر، ويمكنه إعادتي تجسيداً!"
بدأت ضحكة خفيفة تتسلل إلى المدخل الضخم، منبعثة من كل ممر ومن كل فتحة تهوية، قبل أن تنفجر من الهواء ذاته أمام أرويدو.
"هو لا يعتني بك!"
كان مستوى الصوت ليرتقي كأنه هجوم لو كان إيريك أقل تحصناً في سحره الوقائي الخاص. رغم ذلك، تظاهر بإمساك أذنيه ألماً. تظاهر بالصراع للاستدارة بعيداً عن اللوحة، للتطلع نحو الأبواب المفتوحة خلفه— انقطعت الضحكة. أُغلقت الأبواب بقوة.
أعلن الصوت: "مت الآن، قاتل والديك، قاتل الأطفال، رجاسة الظلام".
جاء الهجوم من كل الاتجاهات. أشواك دم، أساساً. لكن إيريك ألقى ببساطة توقف زمني، لأنه أنجز ما يكفي من التحقيق المباشر مع المخلوق المصنوع، أياً كان ما قاطن المكان. سحر شبيه بالمألوف، ربما؟ ربما حتى ذكاء حقيقي، محبوس في الأسفل، أو ما شابه. لكن إيريك كان ليلقي بعض التعاويذ المتنوعة التي يمتلكها لمعرفة إجابات أفضل، بما أنه كان هنا، في قلب كل شيء، غير أن شيئاً واحداً فقط لم يستطع إيريك فعله حقاً داخل توقف زمني، وهو استخدام أي سحر ممنوح من النص.
كان ذلك السحر مقفلاً خلف النص الثاني وكان يعاني حالياً من صفر منه تماماً.
إيقاف الزمن، فوري، ذاتي، ألف مانا كن اللحظة. يدوم لساعة واحدة ذاتية.
لم يكن يحتاج حقاً إلى تعاويذ القالب تلك، ولم يكن بحاجة لإلقائها يدويّاً أيضاً. كانت نسخته من [توقيت الزمن] جيدة حقّاً، إذ زُودت بتحسينات دقيقة مثل [التطهير] لإبقاء دمه مشبعاً بالأكسجين، و[تعديل الاحتكاك] لكيلا يحرق نفسه (أو العالم) بينما كان يسير عبر الهواء في الغرفة. كما أنها لم تكن [توقيت زمن] مثاليّاً، إذ كان ما يزال بإمراء الرؤية. لو توقف الزمن تماماً لما استطاع أي ضوء بلوغ عينيه مطلقاً.
كانت نسخة إيريك من [توقيت الزمن]
أشبه بـ «لحظة»، وفقاً لما وصفه النص.
وكل ما كان يحتاج إليه حقّاً هو لحظة هادئة يتبين فيها ما كان يدور في هذا القصر. كلفت نسخة كويلاتالاب من التعويذة كثيراً وقامت بالأشياء نفسها تقريباً، لكن نسخة كويلاتالاب كانت تحيل العالم شيئاً فشيئاً إلى ظلام دامس يحيط به وبأي شخص آخر يجره معه إلى [توقيت الزمن] الخاص به. وعزا إيريك طابع نسخة إيريك من [توقيت الزمن] إلى كونه ساحر تناقض. كاد إيريك يسمح لعقله بالشرود إلى تلك اللحظات التي كان يتحدث فيها عن سحر الزمن مع كويلاتالاب، وإلى المرات القليلة التي فعل فيها ذلك مع فاجار.
ولكن، لا. سيفعل ذلك كله لاحقاً؛ فسيكون لديهم الكثير ليتباحثوا بشأنه. ربما لعل الأمر لن يكون كذلك مع كويلاتالاب، لأنه سيكون مشغولاً، لكن فاجار كان ماثلاً هناك حرفياً طوال الوقت وسط المانا، منتظراً أوانه ليهدي جميع البشر إلى مقاصدهم الأخيرة. أو ليتحدثا عن السحر، في حالة إيريك. لاحقاً. مشى إيريك داخل البيت، مقتفياً أثر السحر المتجمد هنا وهناك، وأعمال التعويذ المتداخلة الخاصة بالخصوصية داخل الجدران القليلة المعتمة في وجه استشعار المانا (معظمها الجدران الخارجية)، حتى بلغ المطبخ.
في استشعاره للمانا، بدت الغرفة طبيعية؛ بلا فجوات واسعة في الأرض في أي مكان. لكن طاولة المطبخ الكبيرة وُضعت بغرابة في وسط الغرفة، ودفعت تلك اللمحة الصغيرة من الغرابة إيريك ليتأمل الطاولة عن قرب، ثم، تلياً، ليتأمل الأرضية تحت الطاولة. تألفت أعمال الحجارة تحت الطاولة من طوب وببعض أعمال تعويذ الخخصوصية المتداخلة عبر ذلك الطوب، تماماً مثلما كانت منتشرة في سائر هذا المكان.
لكن كانت هناك خدوش في الحجر حيث حُرّكت الطاولة الكبيرة ذهاباً وإياباً، وثقباً بارزاً، يبلغ عرضه نحو سنتيمتر واحد، يقبع في قلب الحجر ذاته. مُلئ ذلك الثقب بنوع ما من سحر القوة. دفع إيريك هيئته الشمسية داخل الثقب، محطماً تعويذة القوة، ثم إلى عدة ثقوب محيطة بالثقب الرئيسي. ثم رفع. ارتفعت ثلاث قطع طوب، ملتئمة بعضها ببعض، خارجة من الثقب، كاشفة عن عمق أدناه تتداخل فيه أعمال تعويذة خصوصية أكبر.
مع ذلك، بالنسبة لتلك النقطة، غرز إيريك هيئته الشمسية فحسب، ممدداً روحه متجاوزة الخصوصية المصنوعة بإتقان. كان هناك كهف في الأسفل بحجم غرفة نوم تقريباً. حجر مكشوف وعادٍ في غالبيته. وكان مأهولاً. علق سحر القوة في كل أرجاء الغرفة بأسرها. كانت معظم التعويذات تعويذات [استبصار]، تتطلع إلى الخارج في باقي أرجاء العالم؛ وبشكل رئيسي إلى أجزاء مختلفة من العقار نفسه. وتطلعت بضع [استبصارات]
إلى الكبيرة ويلوزا وأيضاً إلى قلعة ريجنسي، جنباً إلى جنب مع بضع بقع رفيعة المقام أخرى. إيفربلس. الهبد الأزرق. الميناء. ثم كانت هناك تعويذات الإنذار الخاصة بالعقار، وقد اصطف كل منها وصولاً إلى لوحة مفاتيح مصنوعة من الأضواء. ملأت تلك التعويذات ربع المساحة. ثم كانت هناك تعويذات القتل، المعدة لتنطلق بمشغلات هنا وهناك، إلى جانب تعويذات [استبصار] على مواقع الإطلاق تلك. لم يكن إيريك متأكداً تماماً من تعقيد ما كان يراه هنا، أو الغرض من ذلك كله، لكن الكثير منه بدا بديهياً تماماً.
لو حاول شخص ما ارتكاب أمر مريب هنا في قصر سيَفوم، فسيلقى مصيراً مروعاً على يد المسيطر، هنا في هذه الغرفة. لكن المسيطر، كان هلام دم. لم يكن إيريك متأكداً تماماً من شعوره إزاء ذلك. هناك، في وسط الغرفة، داخل وعاء من القوة حام فوق الحجر، ترشحت بركة بحجم حوض استحمام من الدم، والأحشاء، والعيون، وبضع أسنان. كان هلام دم عتيقاً للغاية، إذ لا تطور تلك الهلاميات تلك الأجزاء الدامية عادة إلا بعد عدة عقود من الحياة، على الأقل.
وبما أن الكائن امتلك عددًا لا يحصى من الجوامع تمتد من كتلته، إلى خارج الغرفة للتحكم بالمفاتيح على سحر القوة، فقد تمتع بالذكاء، ومن ثَمَّ كان عتيقاً للغاية. عشرات العقود، ربما. لأكثر من مئة عام؟ نعم، لأكثر من مئة عام. ربما حتى مئتي عام؟ من يدري مع هذه الكائنات— سيعرف كيرغيناثارب. وكويلاتالاب أيضاً. وآخرون كثر، بلا شك. نادراً ما تتحول الهلاميات إلى واعية، لكن من بين تلك التي استطاعت، تصدرت هلاميات الدم القائمة.
عادةً ما يُقضى على الهلاميات قبل وقت طويل، وقبل أن تقترب من تلك النقطة بأي شكل، إذ اتسمت حياة الهلامية بعنف مفرط عموماً. لكن هذا الهلامي بدا متماسكاً تماماً.
وبدا «في بيته».
كانت تلك هي السمة الرئيسية الوحيدة التي أثبتت لإيريك أن هلام الدم هذا لم يكن شخصاً متحولاً حديثاً. لم يكن يشبه هلاميات الدم تلك التي صادفها هناك في المدن السيادية، إبان حربهم معه وتحويل شارمي لأولئك الناس جميعاً إلى هلاميات دم. صار أولئك الناس جميعا مسوخاً عملياً إثر تحولهم. أما أولئك الذين احتفظوا بأي وعي على الإطلاق، فباتوا مجانين بيأس، محاولين جعل أي شخص على الإطلاق يفهمهم بينما هووا في جنون الهلامية؛
طَرْق إيقاعي لجذب الانتباه، وإصدار أصوات بأجسامهم الهلامية، أو حتى إلقاء بعض التعويذات التي عرفوها في الحياة، مثل استخدام [البراعة] للتحدث. مع ذلك، لم يفلح [التخاطر] مع الهلاميات، لذا لم تحدث أبداً وسيلة الاتصال الرئيسية تلك. أولئك الذين أخفقوا في تعلم التواصل بالسرعة الكافية، ونيل المساعدة بالسرعة الكافية، استسلموا لطبيعتهم المسخية في غضون يوم عادة. لم يحدُث ذلك في المدن السيادية، مع ذلك؛
فقد انخرط إيريك وائتلافه بقوة في تلك المهمة لضمان ألا يتخلف أحد عن الركب. مع ذلك، قد تستعيد هلاميات الدم في البرية نوعاً من العقلانية، إن بقيت على قيد الحياة لفترة طويلة كفاية. إذن، فربما كان هذا الكائن عتيقاً جداً جداً، لكنه ربما أدرك وعيه حديثاً فقط؟ كان ذلك تخمين إيريك المدروس، إذ بغض النظر عن أعمال التعويذ والهلام، ضمت الغرفة لوحة واحدة على أحد الجدران؛ تلميحاً وحيداً إلى المدة التي انقضت منذ أن استعاد الهلامي ذاكرته.
كانت لوحة من نوع مختلف؛ غريبة نوعاً ما، إذا أُخذت بمعزل عن غيرها، لكنها دافئة القلب نوعاً ما أيضاً، بالنظر إلى كل ما رأاه إيريك سلفاً. تطابقت لوحة الهلامي مع تلك الكبيرة في مدخل البيت الفخم؛ تلك التي تضم أرويدو وزوجته وأطفالهما الخمسة. لكن هذه اللوحة ضمت أيضاً هلام الدم في اللوحة، قابعاً في وعاء القوة الطافي الخاص به، محلقاً خلف أرويدو وفرايدريكا وبينهما كقوة حامية.
انبعثت جسيمات دم لا حصر لها من ذلك الوعاء والتفت حول كتفي البشريين في احتضان حام نوعاً ما. كان هلام الدم فرداً من العائلة. أأمر غريب نوعاً ما؟ غريب نوعاً ما. رغم ذلك، رأى إيريك ما هو أغرب.
لم يكن عليه سوى التطلع إلى الأسفل، تحت «لوحة العائلة»
تلك كي يرى ما هو «أغرب»، وليعلم أن هلام الدم، رغم وعيه، احتفظ بحساسيات غير بشرية إلى حد بعيد.
جلبت مجموعة صغيرة من علب الزجاج المذهبة والمعتنى بها جيداً أمام لوحة العائلة. سبع منها؛ لم تبدو أي واحدة منها قديمة أو مغبرة على الإطلاق، بخلاف بقية الحفرة الحجرية، حيث علق الغبار في بعض زوايا الحفرة الأخرى. ضمت كل واحدة من علب الزجاج المعتنى بها جيداً تلك عظاماً؛ مُرتبة ومنظمة بعناية في الداخل، بينما تربع القحف في الأعلى، متطلعاً إلى الخارج. رُتبت كل علبة عظام نوعاً ما بالطريقة التي يقف بها الأشخاص في اللوحة.
كانت علبتان من العظام أكبر من العلب الخمس الأخرى، ووُضعت هاتان في مؤخرة الترتيب، بينما التفت العلب الخمس الأصغر حجماً حول هاتين الأساسيتين. حملت علبة العظام الأصغر حجماً شريطاً أزرق باهتاً مستقراً على القحف يحاكي الشريط الأزرق الصغير الخاص بالفتاة الصغيرة في اللوحة؛ على سيلكي. لم يكن الشريط نفسه تماماً في اللوحة، لكنه اقترب منه بما يكفي. كان يسهل تبين ما يجري هناك.
"... لذا يبدو هذا كله فوضى مروعة"، تمتم إيريك لنفسه.
ثم طرأت له فكرة.
وإذ تطلع إلى الأسفل نحو الهلامي، قال لنفسه: "ما كنت لأراك أبداً لو لم أقرر التنقيب في هذه المشكلة بالعمق الذي بلغته. ربما كانت النبوءة هي ما دفعني للمضي بهذا الحد، لكن... ربما كنت «غائباً» حقاً طوال الأعوام الأحد عشر الماضية".
سحب إيريك يده، واختفى الكهف عن بصره. توجه نحو كرسي وجلس ليفكر. بعد دقيقتين أهليتين للزمن، عاد إيريك إلى الثقب الخفي في القصر، مد يده عبر الخصوصية، وأنجز قدراً كبيراً من أعمال التعويذ بسرعة بالغة. أولاً، أنهى [توقيت الزمن]. وبينما مر وميض دفء صادر من هواء مسخن عبره، مقتفياً الأثر كله في طريقه الذي قطعه عبر البيت، ألقى إيريك [حاوية إبطاء] حول هلام الدم. وفّر له ذلك المزيد من الوقت.
استخدم ذلك الوقت للشروع في تفكيك أعمال التعويذ في كل أرجاء الهلامي، بينما بدأ الهلامي ببطء، ببطء شديد، يدرك أن أمراً ما كان يحدث. حرص إيريك على تعطيل جميع [فخاخ القوة] القاتلة في الغرفة أيضاً. كان متأكداً تماماً من أن تلك لم تنفجر عندما اقتحم المكان، وانفجر المكان، قبل أن [يرجع] ليحاول شيئاً آخر. ومع ذلك، امتلك الهلامي نوعاً نهائياً من خطط الطوارئ، تحسباً لاكتشافه هناك في حفرته.
حفر إيريك المطبخ، فاتحاً الحفرة أدناه تماماً، بينما تحول مجدداً إلى هيئته الظاهرة كملك، ذي القرنين السوداء المتوجة، على طول الطريق. ثم مر عبر البيت، معطلاً كل [فخ قوة] متفجر آخر استطاع العثور عليه، وهو عدد كبير منها. جهز ما يزيد عن القليل منها للانفجار بمجرد المساس بها، وواجه إيريك أكثر من حادثة بسيطة، لكن [الرجوع] أصلح تلك الحوادث، وبما أنه رجع لثوان معدودة فقط، استطاع تجدد المانا لديه وذكاؤه مجاراة استهلاك المانا هذا.
قد يعيد [الرجوع] إيريك إلى الماضي، لكنه لا يعيد المانا التي استخدمها لإلقاء [الرجوع]. مع ذلك، فقد أعاد كل المانا التي لم يستخدمها لإلقاء ذلك [الرجوع]. لذا كان تعطيل الأشياء سهلاً عندما كان يحاول فعليّاً، إذ انعدمت الحاجة لإبقاء أي شيء سليماً بعد الآن. لقد استجلى سر هذا المكان. بمجرد أن فرغ إيريك من أسوأ أعمال تنظيف البيت، دعا غولدي إلى الداخل، للمساعدة في تنظيف بقية الفوضى.
لكنها كانت لتقف هناك برفقته أساساً بينما وقف متطلعاً فوق حفرة الهلامي.
كان سيتحدث إلى «المسخ»
الآن.
لم تملك الهلاميات نوى لذا لم تكن «مسوخاً»
بالمعنى الكلاسيكي للكلمة فعليّاً، لكن هذا الكائن بدا حتماً في هيئة مسخ. اعتبر البعض إيريك مسخاً لمجرد نواته. صرف إيريك [حاوية الإبطاء]. تجمد الهلامي، منكمشاً فجأة داخل أعمال تعويذة وعاء القوة الخاص به، والتفت عيونه العديدة إلى الأعلى لاستيعاب إيريك. شابهت مراقبة حركة عينيه مراقبة كرات غولف مغطاة بالأوردة تلتفت من تلقاء نفسها، داخل وعاء ممتلئ بجيلي أحمر داكن. رغم ذلك، اتصلت كرات العيون تلك بلا شك بكائن حي، إذ اتسعت حدقات متباينة الألوان.
عدم تصديق، وغضب. وحزن، وأمل؛ مرت مشاعر كثيرة عبر تلك العيون بسرعة بالغة. لكن أي كلمات لم تصدر عن هلام الدم.
لذا بادر إيريك بالكلام: "يؤسفني ظنك بأني لا أكتري لأرويدو، أو، ظاهرياً، لأمرك. أنا أكتري بأمر أكبر عدد ممكن من الناس أستطيع رؤيتهم، لكن بصري محدود، لأنني ما زلت مجرد شخص، مثلك تماماً. أتريد [تقمصاً جديداً]؟"
لم يقل الهلامي شيئاً. كان غارقاً في إنكار تام ومفاجئ. استلقى ببساطة هناك في وعاء تعويذة القوة الطافي الخاص به، مسدداً خمسة من عيونه نحو إيريك، وثلاثة من عيونه نحو غولدي. وتطلعت إحدى عينيه إلى أوفيل، على كتف إيريك. انتفش أوفيل قليلاً، ممتداً ليعرض المزيد من عيون على جناحيه.
وهتف: "لدي عيون أنا أيضاً!"
تمتم الهلامي: "أجل، لديك حقاً، ايها الصغير—"
ثم صمت مجدداً. استدعى إيريك أوفيل إلى كتفه مجدداً، ثم قفز إلى داخل الحفرة. تراجع الهلامي قليلاً بينما هبط إيريك دون إحداث صوت.
وإذ صار على مستوى العين الآن، صرح إيريك: "لدي الكثير من الأمور لأصفيها هنا في حافة العاصفة. أشعر أنني لا أريدك أن تكون أحد تلك الأمور. لذا إليك ما سيحدث: سأطرح عليك بضع أسئلة، ثم ستجري معك غولدي هناك في الأعلى مقابلة كاملة، بينما أمضي أنا في طريقي. لكنني سأعود، وسيمكننا التحدث حينئذ. حسناً؟"
"... حسناً"، قال حوض الجيلي الأحمر والعيون والأسنان وأجزاء مختلفة من الأحشاء الحية.
أومأ إيريك.
"حسناً. إذن، السؤال الأول: أجن أرويدو؟ أهو ليس مبالغة؟"
"... لقد جنوا. لقد كانوا... لقد أفرطوا في احتواء الكثير مني داخلي. هم... لقد حاولنا صنع..."
تهاوى صوت الهلامي وتلاشى. كان أجبن من أن يتكلم. مع ذلك، أومأ إيريك، إذ كانت تلك معلومة كافية على أي حال. حاول هذا الجزء من عائلة تايوولكر جعل الأبراج المحصنة تعمل من خلال سيد برج محصن مثالي، صُنعت عبر سحر الدم وتبرعات متنوعة من أرويدو، وزوجة أرويدو، وهذا الرجل هنا. ربما توفر لدى كويلاتالاب المزيد ليقوله بشأن ذلك.
"السؤال الأخير الآن: أتملك اسماً؟"
"... أوزي."
رفع إيريك حاجباً، ثم سايره في الأمر.
"سررت بلقائك يا أوزي. أنا إيريك، الساحر، وحين نفرغ من هذا كله هنا، سنحرص على مساعدتك في الخروج من هذه الحفرة التي أقحمت نفسك فيها، حرفياً ومجازياً. ستشرح غولدي المزيد. وأيضاً: أستشكل تهديداً لأي شخص لا يستحق ذلك؟ أم أنك تقتل أرويدو فحسب، لكونهم تجربتك الفاشلة؟"
"... أنا أقتل التجارب التي تصاب بالجنون فحسب. حاولنا إصلاحهم لكنهم... يصابون بالجنون دوماً. إنها مشكلة روح، على ما أظن، ولا يمكنني إصلاح ذلك، و... كانت فرايدريكا الوحيدة التي عرفت كيف تؤدي ذلك النوع من السحر، والتجربة قتلت... الجميع، سواي وحدي."
"لكن «التجربة» لا تزال تعمل بالطريقة التي تريدها ريجنسي؟"
"... تعمل التجربة جيداً إلا حين تعجز، بالقرب من النهاية. على الأقل هذا... ما يخبرونني به. كنت أفضل لو أننا لم نستعملهم قط."
"مع قليل من الحظ، أنا متأكد تماماً من أن سيد البرج المحصن هناك الآن سيكون قادراً على حل مشكلة الانقطاعات، ويمكنني أخذ «تجربتك» ومنحهم جميعاً حياة جديدة وحقيقية، كي لا يتدهوروا مجدداً أبداً."
وأضاف إيريك: "تماماً مثلما سأفعل أجلك، إن أردت ذلك."
"... أريد... أريد ذلك حقاً."
"جيد! أريد مساعدتك أنا أيضاً."
خطا إيريك في الهواء نصف خطوة.
"ستتولى غولدي مقابلتك من هنا. سُررت بلقائك يا أوزي."
"... سُررت... بلقائك أنت أيضاً..."
خبا صوت أوزي، ولم يعد قط. ومض إيريك مختفياً في وميض من ضوء خيّر. وإذ انتقل إلى موقعه التالي، أمعن النظر، ليس للمرة الأولى، في مغزى أن يمتلك المرء حساسيات غير بشرية. كان يغدراسيل غير بشري، ولم يكن بشرياً قط، رغم أنه وُلد من إيريك ونشأ بينما ربطه إيريك بالواقع. كان أمر يغدراسيل سهلاً، أليس كذلك. صحيح أنه واجه متاعب في البداية بشأن إدراك مغزى إيذاء الناس والحيوانات وما شابه، لكنه نشأ بخير، وقريباً، سيكون طليقاً بمفرده، وسيصنع صورة رمزية خاصة به، ليختبر العالم عبر حواس مقاربة للبشري...
أسيختار هيئة بشرية أصلاً؟ ربما لا. عاش مع الأورکول والأربور طوال الوقت تقريباً. قد يختار أن يكون أورکولياً. كان أوفيل لغزاً آخر. كيف سيؤول إليه المطلع؟ ابتسم إيريك نوعاً ما وهو يفكر في جين، وكيف بدأت بشرية، لكنها باتت الآن مجموعة كاملة من الأشياء الأخرى أيضاً. وكان تنّيناً، لذا كان ذلك غريباً للعين. غير بشريين في كل مكان... ناهيك عن الإنكانيين، وأنسال التنانين، والهاربيات، والمتحولين وما تبقى.
حسنناً على أي حال. لم يظهر إيفربلس، الكيان الآخر الأكثر غير بشرية في هذه الأرض (الذي عرفه إيريك)، بعد. كان ذلك غريباً أيضاً. قرر إيريك أنه سيزور إيفربلس شخصياً، إن لم يظهر بعد هذه المحطة الرئيسية القادمة. على أي حال، في نهاية المطاف. رغم ذلك، توفر المزيد والمزيد من العمل لإنجازه قبل أن يبحث عن إيفربلس. كانت محطة إيريك التالية عند الحفرة. حلقت بوي والبيرة ويلوزا في السماء، فوق تعويذة المنصة الخاصة بالبيرة، مشفتين على الحفرة بينما تحدثتا عن الأحداث الجارية وما سيحدث لاحقاً.
ابتهج إيريك كثيراً لكون ويلوزا متعاونة بالقدر الذي بدت عليه، وقرر قول ذلك بعد الهبوط على منصة البيرة.
أدت ويلوزا انحناءة ضئيلة واحترافية برأسها والجزء العلوي من جسمها، قائلة: "أكن قدراً هائلاً من الولاء لريجنسي، الساحر فلات، لكنني أعلم أننا غير مستعدين لمداراة العاصفة القادمة؛ سينيندي تساعد، لكنها لن تساعد بحاراً يأبى قراءة الرياح أو معرفة المد والجزر بنفسي، وأنا أرى هذه الرياح ومد وجزرها بوضوح تام."
شعور غير متوقع، لكن ربما ما كان ينبغي أن يكون غير متوقّع على الإطلاق.
قال إيريك: "تبدين متزنة أكثر أيضاً؛ يسعدني رؤية ذلك يا ويلوزا."
"تجاوزت القلق الأولي حيال إدراك قدوم العاصفة. أنا متأكدة من أن العديد من الناس في القلعة سيستغرقون عدة أيام أخرى لبلوغ هذه المرحلة."
أشارت ويلوزا إلى الحفرة، إلى المساحات التي استقرت فيها جميع الأبراج المحصنة الأخرى عدا 6 حتى نقلها أرويدو. عادت اثنتان من تلك الثقوب السوداء في العالم إلى مكانهما، لكن البقية ما زالت مفقودة.
"تجاوز أرويدو قلقه المروع، هو الآخر. لا شيء يضاهي قوة عظمى تأتي وتصلح الأمور."
سأل إيريك: "أتعرفين تاريخ أرويدو الحقيقي؟"
حاول ألا يجعل كلماته اتهاميّة للغاية، إذ لم يكن متأكداً تماماً مما كان يتهمه، على أي حال. رغم ذلك، تجاوزت ويلوزا القلق المفرط بشأن أي شيء.
"أعرف الخطوط العريضة للقصة، لا التفاصيل الدقيقة. مثلما أخبرت رجلك: قبل سنوات، في محاولة لصنع أبراج محصنة ملائمة، عمل أرويدو وفرايدريكا معاً لإنتاج مسخة مثالية؛ هو بسحر قوته، ثم بقليل من قص سحر الروح من فرايدريكا. لا أعرف القصة برمتها، لكنها كانت عرض رعب كبيراً عند وقوعها للمرة الأولى. المسخة الأولى أم الثانية، لست متأكدة، انقلبت عليهما وعلى أطفالهم الخمسة، فقاتلتهم جميعاً. لكن بحلول ذلك الوقت امتلكنا عشرة أرويدو في برج محصن، وأُعدم ذاك الذي ارتكب الفعل جزاءً لجرائمه. ثم سلم أجوستيف أرويدو لي، إذ لم يتحمل العمل معهم مباشرة بعد الآن. ومن ثم، طوال الأعوام القليلة الماضية، نسخ أرويدو أنفسهم إلى كل برج محصن استطاعوا دخوله، وهم يتحكمون بالبراج المحصنة بشكل جيد بما يكفي لغاياتنا، والتي تمثلت دائماً بصورة رئيسية في التخلص من المسوخ. لكن بالطبع، لا يزالون يجنّون أحياناً. أخبرني أجوستيف عما ينبغي الحذر منه قبل سنوات، ورأيت ما يحدث حين يتقدم أرويدو في العمر متجاوزاً ذروة شبابه، ولهذا، أوجدهم إلى قصر سيَفوم. لست متأكدة مما يستولى عليهم تماماً حين يرون ذلك المكان، إذ بنت فرايدريكا شيئاً داخل أرواحهم، أو ما شابه. أياً ما يكن الأمر، فإنهم يدخلون جميعاً إلى الداخل، ولا يُرى لهم أثر بعد ذلك. يقتصر ذلك على أولئك الذين يجنون، أو على وشك الجنون، والذين لا يدركون أين ينفسون عن جنونهم. يصبح أرويدو أحياناً متهورين هنا ولا يكترثون بحياتهم، أو ما شابه ذلك. ينتهي بهم المطاف بشرب أنفسهم حتى الموت أو السباحة مع أسماك القرش لمحاولة استشعار شيء، أو... هم محطمون نوعاً ما. لكنهم يعملون بشكل جيد بما يكفي، ولن نعدمهم لكونهم أناساً مكتئبين."
وأضافت ويلوزا: "لكن الآن بعد أن انكشف السر تماماً، أعتقد أن أجوستيف قد يفجر [فخ القوة] ذاك ويتعامل مع تداعيات إعدامهم جميعاً كأباطيل روحية. طالب عدد قليل من المطلعين بذلك منذ أن بدأ أرويدو بنسخ أنفسهم داخل أبراجهم المحصنة... تعلم أننا لم نطلب منهم فعل ذلك قط. يفعلون ذلك من تلقاء أنفسهم. سيصعب للغاية في الواقع إزالتهم من أبراجنا المحصنة."
استمع إيريك بانتباه، مطابقاً ما رآه هناك في قصر سيَفوم مع ما كانت تخبره به ويلوزا.
"شكراً لإخباري بذلك. ليس لدي سوى سؤال آخر. أتعرفين أمر فرد العائلة المتمثل في هلام الدم، الساكن داخل قصر سيَفوم؟"
كانت ويلوزا مستعدة لعدد كبير جداً من تصريحات إيريك، لكنها لم تكن مستعدة لذلك. اتسعت عيناها أولاً، ثم ضاقت رؤيتها نحو إيريك.
"... هناك هلام داخل القصر؟"
"هلام عتيق أيضاً. لقرون، ربما. مع كرات عيون متطورة وأسنان ومادة دماغية. بارع في سحر الدم وقادر على استخدام سحر القوة أيضاً."
"لا. أنا. آه. لم أكن أعلم ذلك."
ربما بتخجل، أضافت: "لم أذهب قط للاستقصاء داخل ذلك القصر... لأسباب جمة."
"اسم الهلامي هو أوزي، ويمتلك بعض الحساسيات الغريبة. يتحدث بشكل جيد بما يكفي أيضاً."
وبما أن ذلك كان استقصاء كافياً حول وضع أرويدو في الوقت الراهن، غيّر إيريك الموضوع: "سأصطحب بوي إلى القلعة. أترغبين في المجيء والإجابة عن الأسئلة، أم ستنبغين هنا؟"
طردت ويلوزا مظهرها القلق وألقت نظرة مجدداً نحو الحفرة.
"... سأبقى هنا وأخوض بعض النقاشات مع أرويدو."
"آه. سؤال أخير بشأنه. أيمتلكون أسماء فردية؟ أُفترض ألا يفعلوا، لكنني لا أستطيع تبين السبب تماماً— بغض النظر عن مسائل الأمن المتعلقة بالحفاظ على السر، لكن السر قد خرج من الجعبة الآن."
قالت ويلوزا: "قد يمتلكون أسماء خاصة لاستخدامها فيما بينهم، لكنني لا أعتقد أنهم يفعلون. يحبذون التجارة على أساس توقع كون أرويدو منعزلاً ومتذمراً، لكي يتمكنوا من الإتيان بكل ذلك دون عقاب، ولكي يكونوا قابلين للتبادل فيما بينهم... إنهم مجتمعهم الصغير الخاص بهم، الساحر فلات، ويمكنني قضاء ساعات في الحديث عما أعرفه عنهم."
تلقى إيريك التلميح.
"كنت لأستمع إلى تلك الكلمات، لكنني يجب أن أمضي في طريقي أيضاً."
أومأ ويلوزا. وإذ ومض إيريك مختفياً وصحب معه بوي، استأنفت ساحرة الوحل عملها على الحفرة. للتأكد من صنيعها، استشار إيريك بوي بسرعة، عبر [التخاطر]. 'ما الذي تفعله بالحفرة؟' 'كانت تسعى خلف فخ للدفاع ضد أعمال فانيا، ولا تزال تفعل ذلك لأنها لا تثق بأي مستحضري أرواح معروفين، لكنها ستضيف بعض مناطق الاستيعاب وما شابه إن بلغنا تلك المرحلة. إنها تمارس الهندسة المدنية كعمل جانبي، وبنت ملاجئ عواصف من قبل، لذا فهي تعرف معظم ما تفعله.'
استنبط إيريك، ثم سأل: 'أترين أنها قد ترغب ببعض المساعدة من بيت الخيّر في صنع الجزء الخارجي من الملجأ؟ أم أن استراتاغولد أو أوشنسايد ستكونان جهات اتصال أفضل؟' 'إنها متحفظة حيال أي قوى أجنبية، لذا فالإجابة عن ذلك تعتمد حقاً على مدى ضخامة ما ترغب في بلوغه مع هذا كله.' 'بالضخامة اللازمة. ضخامة 22.5 مليون نسمة.' 'أنا متأكدة من أن البيرة ويلوزا ستتكيف.'
- - - -
كانت الطوابق السفلى من قلعة ريجنسي تعج بالحركة استعداداً لاقتحام زنزانة أو هجوم لمستحضر أرواح، وكان الجميع يجهزون أنفسهم بالدروع أو التعاويذ وهم يصطفون في فرق على ساحات صغيرة وشرفات هنا وهناك، وكل ذلك من أجل الإسراع في الانتظار. وفي أماكن أعلى من القلعة، في قاعات الاجتماعات الكبرى وغيرها، كان النبلاء وخدم النبلاء يتجادلون حول ما سيهبّ لاحقاً. وكانت أنباء قوى فانيا في استحضار الأرواح تنتشر بسرعة، رغم أنها لم تصل بعد إلى أي شخص من عامة الناس.
وعلق عدد أكبر بكثير من الناس خارج أبواب القلعة، محاولين ببساطة معرفة ما يحدث ولماذا. وكثرت الشائعات، ولم يصدر الوصي أو مجلس الوصاية أي تصريح بعد، وبدا أن ذلك لم يؤدِ إلا إلى تأجيج الحشود. وكان بعض أولئك الأشخاص من المغامرين الذين تنقلوا عبر البوابات من الحفرة في محاولة لمعرفة ما يجري. وعبث بعض الأكثر ميلاً للعنف مع الحراس، ثم عرفوا ما حدث؛ فأُلقي القبض على أسوأ أولئك المخطئين وسيقوا بعيداً إلى بعض زنزانات الاحتجاز طوال فترة هذه الأزمة المؤقتة.
وسمح الحراس أيضاً بالدخول لأصحاب المكانة الرفيعة الذين ظهروا من بين الحشود. لكن إريك لم يدخل من تلك الطريقة. فهذا سيثير ضجة. وكان إريك يتوقع إثارة القليل من الضجيج بالطبع. فرواية نبوءة العاصفة، كما سماها البعض، كانت تنتشر بسرعة ملحوظة. وبسبب تلك النبوءة، كان الكثير من هذا التجمع الصاخب متوقعاً. لكن استغراق مجلس الوصاية ساعات لإصدار إعلان بأي شكل من الأشكال كان ينبئ عن...
مشكلات. الكثير من المشكلات حقاً.
وكان إريك متأكداً تماماً من أن عشيرة تاي دووكر، وهم الأشخاص المسؤولون عن مجلس الوصاية، والذين يمثلون "مجلس الوصاية"
ذاته، كانوا ضعفاء سياسياً إلى حد كبير. وربما ضعفاء سحرياً أيضاً. صحيح أنهم يملكون كبيرة السحرة ويلوزا، التي كانت تحرك جبالاً حقيقية هناك خلف الحفرة، لكنهم لا يملكون شيئاً سوى السيطرة الاسمية على حراسهم وجيشهم. وعلى الجانب الآخر من معادلة القوة في حافة العاصفة، كانت تقف كاهنة العاصفة، تيزار نيندي، وكل أفراد كنيسة سينيندي. ثم كان هناك التجار ومختلف نقاباتهم التجارية، فضلاً عن النبلاء.
وكانت نقابة الزنازين تحتل أيضاً مكانة بارزة للسوة في مجلس الوصاية، وفقاً لما رآه إريك خلال الساعة الماضية، من خلال عيون أوفيل التي تركها متناثرة حول قلعة ريجنسي تتجسس على الجميع. ولذلك، وبسبب هذا التجسس، كان إريك يعرف أين يدخل القلعة. ليس عبر البوابة الأمامية كأي شخص محترم، بل عبر دوامة من البرق الأبيض، فُتحت مباشرة على أهم اجتماع كان يراه يحدث في تلك اللحظة. اجتماع تقف أو تجلس فيه تيزار نيندي ومجموعة من النبلاء حول طاولة كبيرة، يصرخون في وجه بعضهم وفي وجه الوصي أغوستيف غلوريوس تاي دووكر، الذي كان يجلس بهدوء في رأس الطاولة ويحيط به الحراس.
لم تصمت الغرفة عندما دخل إريك.
بل— صرخت كاهنة العاصفة تيزار نيندي وشعرها الريشي ينتفش خلف قناع البومة وهي ترمق إريك بنظرة حارقة: "ما الذي تفعله بحق الجحيم هنا!"
وأردفت: "أنت السبب في هذه الأزمة من الأساس! أنت ودارك تتدخلان فيما لا ينيكُم! ما الذي تقوله دفاعاً عن نفسك!"
أراد إريك أن يسأل عن سبب قدوم تيزار عليه بهذه النبرة الفظة وكل تلك الكلمات غير المحترمة، لكنه لم يبلغ سوى قول: "في المرة الأولى التي التقينا فيها نعمتني بـ..."
قاطعتْه تيزار قائلة: "لا ينبغي لك أن تكون هنا!"
لأنه لم يكن يجيب عن سؤالها، أو يسجد أمامها، أو ما هو أفضل من ذلك، يغادر ببساطة.
لذا صرخة قائلة: "اغادر، واحترم قدسية مرسوم الملكة ضد توغلك في هذه الأرض! نحن لا نريد هنا، ولن يكون لك اتصال مع إيفربيس طالما نحن صامدون!"
"... المرة الأولى التي التقينا فيها نعمتني بـ..."
"توقف عن الكلام واترك حافة العاصفة لنا! ارحل أيها الساحر!"
وقد اكتفى إريك تماماً من هذا القدر، شكراً جزيلاً. والآن، كان آسفاً للغاية على ما كان على وشك فعله، إذ لم يكن من الصواب إسكات الناس بالطريقة التي كان على وشك القيام بها، لكنه عندما نظر حول الغرفة رأى بضع كاهنات عاصفة يدعمْن كلمات تيزار بصمت، وبضعة نبلاء ينتظرون أي ضعف كيفما كان من أجل الانقضاض والمطالبة بأن يخضع مجلس الوصاية لرغباتهم الشخصية للمستقبل. وكان هناك أشخاص قلائل يحدقون علناً في جرأة تيزار على مخاطبة الساحر بهذه الطريقة، لكن أولئك الأشخاص كانوا يحاولون إخفاء تلك التعبيرات عن وجوههم، إذ لم يكن أحد هنا يحب الساحر حقاً.
وهناك كان الوصي أغوستيف غلوريوس تاي دووكر، جالساً على كرسيه، وربما كان ثملاً بعض الشيء، وكل ذلك من أجل التعامل مع الموجودين في أرجاء الغرفة. وربما كان يشرب بسبب وجود إريك أيضاً، وهي مشكلة طفيفة. لذا كان إريك سيجعل كل مشكلاته تختفي. أولاً، ملأ إريك الغرفة بـ[نطاقه الجسدي]، ثم أوقف كل السحور الأخرى في الغرفة دفعة واحدة، مفجراً ما يناهز ثلاثين عين [استطلاع] في هذه العملية.
سادت الغرفة صمت مطبق، إذ أصبحت الطاقة والصوت الوحيدان في ذلك المكان هما طاقة إريك وصوته. أمسكت تيزار نيندي بحلقها لفترة وجيزة وقد غابت عنها القدرة على إخراج الكلمات، ثم تقدمت نحو إريك مستعدة لصفعه. لكنها سقطت عبر [بوابة] عوضاً عن ذلك، مدعومة بقليلة دفع من الطاقة. واستقرت في الرواق خارج الباب المقفل، على بعد خمسة أمتار لا أكثر. يمكنها العودة عندما ينتهي إريك هنا. أغلق إريك [البوابة]، لكنه تحول إلى هيئته الشمسية، مع نطاق الإحسان، وعاد الصوت.
وظلت الأمور هادئة بينما تحدث إريك قائلاً: "نعتتني بالخائن عندما التقينا لأول مرة، في محادثاتي حول سحر الجسيمات قبل أكثر من 12 عاماً بقليل. لم أَرَها حتى اليوم. كنت أظن أن الوقت ربما هذّبها قليلاً، لكني أرى الآن أن ذلك لم يكن وارد الحدوث أبداً. ومع ذلك! يا للغرابة، أن تبدأ محادثتها معي بالطريقة التي فعلتْها. حسناً، هي خارج الباب وتطرق عليه أيضاً، كما أنا متأكد أن الكثيرين منكم يمكنهم رؤيته بالفعل".
ثم انتقل إريك إلى لبّ الحديث: "أريد إجراء حديث خاص مع الوصي أغوستيف، واحتياجاتي تتجاوز احتياجاتكم جميعاً لأن الأزمة قد عولجت بالفعل، وستعود الزنازين للعمل قريباً لتمنح ذهباً أكثر من أي وقت مضى لكل من يجرؤ على مواجهة الظلام. كما أن المأوى من العاصفة قيد الإنشاء أيضاً، وهناك أمور جيدة أخرى تحدث تباعاً بمجرد أن تتسنى".
وأضاف مع انحناءة خفيفة برأسه: "أنا آسف للغاية لتجاوزي الهمجي عليكم وعلى واجباتكم القانونية والنبيلة، ولكن بما أن هذه الأزمة أكبر بكثير من مجرد حافة العاصفة، فسأتدخل أنا والقوى الكبرى الأخرى في هذا الأمر للمضي قدماً. والآن، إذا عذرتم وقاحتي، فأنا بحاجة إلى إجراء محادثة خاصة مع وصيكم، كما قلت سلفاً".
ونظر إريك إلى أغوستيف.
"هل تكون كريحاً وتمنحني مقابلة خاصة؟"
أعلن أغوستيف فوراً: "يعترف مجلس الوصاية بمشورة الساحر فلات..."
قاطعه نبيل متعجرف يرتدي بدلة بلون السماء والذهب قائلاً: "أطلب البقاء".
ووفقاً لكرات المانا التي كان إريك يتفحصها أثناء حديثه، كان ذلك النبيل المعين يوبخ الآخرين في الغرفة قبل أن تدخل تيزار وتأخذ تلك المهمة منه.
ولم يكن إريك يطيق الرجل، ثم زاد كبتاً له عندما كاد النبيل أن يبتسم باستهزاء وهو يقول: "للنا الحق في أن نكون هنا. وليس لك".
وكان الرجل قد تراجع عن تلك الابتسامة الساخرة في اللحظة المناسبة، وكأنه أدرك في منتصف الطريق مع من يتحدث. اكتفى إريك بفتح [بوابة] إلى الجانب، تؤدي مرة أخرى إلى دار الإحسان، على الجانب الآخر من محيط لتري.
وأشار إلى الغرفة متسائلاً: "أغوستيف؟"
نهض أغوستيف ومشى مباشرة عبر [بوابة]. وتبعاه إريك وبوي، تاركين النبلاء والتجار وغيرهم في أماكنهم تماماً، عودةً إلى تلك الغرفة الاجتماعية.
- - - -
في غرفة لطيفة تطلّ على حيّ البوابات في كاندلبوينت، أجلس إريك أوجوستيڤ المتعاون جداً على كرسيّ في أحد جانبي طاولة لطيفة، بينما جلس إريك على الجانب الآخر. وعلى الجانب الأيسر من الغرفة امتدّ بار صغير ومكتمل، تزينه زجاجات المشروبات على رفوف متوهّجة تضفي مسحة متعدّدة الألوان على ذلك الجزء من الغرفة، في حين استمات باقي الغرفة في استقبال ضوء الشمس الطبيعيّ عبر النوافذ الكبيرة.
وبدأ بوي يخلط المشروبات من دون حاجة إلى من يطلب منه ذلك. ومع ذلك، شكره إريك. وكان أوجوستيڤ يستجمع أفكاره طوال تلك اللحظة. وربّما كان يحمل قدراً وافراً منها، إذ خرجت من رأسه للتوّ خصلتان متوهّجتان من الأفكار. ووضع بوي كعكة ويسكي بالليمون أمام إريك، ومشروباً منعشاً بنكهة غروب الشمس أمام أوجوستيڤ. وللحظة، رمق حاكم حافة العاصفة المشروب بنظرة شاترة، متسائلاً عمّا إذا كان مسموماً أم لا، ثم أدرك بالطبع أنّه ليس مسموماً.
فإريك سيعدمه ببساطة من دون تردد إن بدا له الأمر كذلك.
واضطر إريك إلى الردّ على تلك الفكرة الواضحة بالقول: "لن أقتلك، ولن ألحق الضرر بمملكتك، ولن أتدخل حتّى لأتولى أيّ سلطة منك على الإطلاق".
فقال: "اعذرني إن كنت أصديق بذلك، بعد كلّ استعراضات القوة تلك".
وتناول أوجوستيڤ المشروب المعروض، واحتسف منه رشفة، ثم تابع: "أنت تحكم قبضة محكمة على التجارة عبر شبكة البوابات، وأنا متأكد من أن أحد أولئك النبلاء هناك كان يمدّك بالمعلومات التي قد تقود إلى قطع رؤوسنا، إن لم يكن لشيء سوى لضخ المزيد من الذهب في خزائنهم الممتلئة أصلاً".
فابتسم إريك قليلاً عند ذلك، واحتسى رشفة من مشروبه الخاص. كان لذيذاً؛ فبوي يصنع أفضل المشروبات.
وبينما كان إريك يمسك بكأسه بين يديه، قال لأوجوستيڤ: "مملكتك مزدهرة. وأنت تقوم بعمل جيد. لم أُرَ أيّ بلا مأوى، وحتى أطفال السرقة عند البوابات يذهبون جميعاً إلى دور الأيتام لتناول وجبات لطيفة، وإن كانت زهيدة، في نهاية اليوم. الشوارع نظيفة. وكانت الأقبية تعمل وفقاً لما أردت لها أن تفعله. والسياحة في ازدياد، والناس يتحركون بحرية إلى أي مكان يبتغونه. وإيڤربلس تمثل مصدر قلق لي بعض الشيء، لكن مجمل تلك الظروف ستنجلي بمرور الوقت. وستمرّ هذه المشكلة الأخيرة كما تمرّ كلّ العواصف، ورغم سقوط بعض المباني وموت بعض البشر، ستنجو المملكة تحت سلطتك".
ثم أضاف إريك: "لكنّك قد تحتاجه إلى بعض العون. فكيف لي أن أساعدك؟".
استهلك أوجوستيڤ النظر إلى إريك، ممعناً التفكير، وارتسمت على شفتيه تكشيرة خفيفة بينما كان يمسك بمشروبه الأحمر بيد واحدة. وهزّ المشروب قليلاً. وفكر.
ثم سأل: "ألن تعدمني بتهمة ارتكاب جرائم ضد الأرواح؟ مع الأرويدوس؟".
"لا. لقد فعلت ما كان لزاماً عليك فعله، مستخدماً السحر المتاح لديك، بغية إنتاج مصيدة وحوش تعمل بكفاءة كافية. وأنا متأكد تماماً من أن فانيا تتولى الأمر الآن، لذا إن تركت لها الأمر، فسيسير كلّ شيء على ما يرام. وربّما أنزع الأرويدوس عن عاتقك وأعيد تجسيدهم لحلّ مشكلة تدهور أرواحهم المستمرة، والمشكلة الاجتماعية الشائكة التي افتعلتها. وربّما أمنح طين الدم، أوزي، جسداً جديداً أيضاً".
ثم سأل إريك عرضاً: "إذن من هو في الأساس؟ أم هي؟ أم هما؟ لست متأكداً تماماً".
وتابع أوجوستيڤ التحديق في إريك، محاولاً فكّ طلاسم لعبته.
وكل من لم يلتقِ بإريك قطّ كان يحاول دائماً "فكّ طلاسم لعبة إريك"، وبما أنّ إريك تعمّد عدم التعامل مع حافة العاصفة أبداً، كان أوجوستيڤ يعيش تلك الظاهرة المألوفة للمرة الأولى.
غير أن معظم العالم تعامل مع إريك بطريقة أو بأخرى بحلول هذا الوقت، وفي حين كرهته حفنة من الأماكن لأنه كان يتدخل في مشكلاتهم تماماً كما فعل مع حافة العاصفة، فقد أحبّته أماكن كثيرة أيضاً إن كانت المشكلة ضخمة بما يكفي. ومن المحتمل أن أوجوستيڤ سمع تلك القصص كلها. وكان يحاول أن يقرر أيّها صحيح. وترك إريك لأوجوستيڤ مساحة من الوقت للتفكير، مرتشفاً مشروبه بانتظار.
فبدأ أوجوستيڤ حديثه بالقول: "المشكلة متشعبة، وتفاقمت مؤخراً مع إدراك أن الجميع كانوا يعلمون حتى الآن أنك ستبتعد عن حافة العاصفة، احتراماً لطلب سينيجيني ألا تزور إيڤربلس. ولكن حتى قبل ذلك، كان لدينا أشخاص متصلبوا الرأس في حافة العاصفة طالما وُجدت الوصاية، بل وحتى قبل ذلك، مع الممالك البحرية، حيث صارعت القراصنة شرعيين وغير شرعيين. ليس لديّ الكثير من السلطة بصفتي الوصي، أيها الساحر فلات، لذا أنا ممتنّ لأنك سمحت لنا بإجراء هذا الحوار بعيداً كلّ البعد عن كلّ أولئك الانتهازيين هناك".
"أرجوك، بما أنك رأس دولة آخر، يمكنك مناداتي بإريك".
فاسترخى كتف أوجوستيڤ بمقدار ضئيل للغاية.
"إذن سأفعل... يا إريك".
ثم استرخى أكثر قليلاً، وقال: "أوزي هو— كان ما تبقى من ملك حافة العاصفة القديم، قبل 275 عاماً، عندما حولته الأطياف إلى ذلك الكائن. وحبسه أجدادي في قبو حقيقيّ في أسفل القلعة، يطعمونه ويرعونه، لأنه ظل واعيًا بشكل جزئيّ. وفي السنوات الخمسين الأخيرة بدأ حتى في الكلام والأرويدوس... لقد نشأ أرويدوس وهو يتحدث إليه. فهو الشخص الذي أعاد أوزي بحق إلى الوعي. وفريدريكا، لتسترح روحها في البحر، توطدت علاقتها بابن عمي بسبب أوزي، عندما كانا مجرد طفلين يبلغان سن الرشد. لقد نشأوا جميعاً معا، بينما استعاد أوزي وعيه تدريجياً... وبعد ذلك ظهرت الأقبية، وكان أوزي قد صار إنساناً كاملاً بحلول ذلك الوقت، وتعاون أرويدوس وفريدريكا وأوزي معاً لمعالجة المشكلة التي طرحتها عليهم؛ لصنع كائن حراسة يمكنه بحق الصمود بالأقبية ضد كلّ أعمال الخداع و... مشكلات متنوعة أخرى. لقد واجهنا الكثير من المشكلات على مر السنين يا إريك".
وتابع أوجوستيڤ: "وقد نجحوا في إنجاح تجربتهم. وضعوا كل طاقاتهم وقوتهم وددمهم وأرواحهم في كائن حراسة قادراً فعلاً على الدفاع عن الأقبية، وبات بإمكاني الاستعانة به لاستخدام [مجال القوة] الخاص به ضد مشكلات الوصاية. ثم جُنّت تجربتهم وقتلتهم جميعاً"، قال أوجوستيڤ بنصف زفرة.
"والبقية... أفترض أنك لابد أنك رأيتها بنفسك. يخبرني شعبي أنك دخلت قصر زبد البحر وخرجت منه".
وأومأ إريك برأسه.
"لقد رأيت أكثر من كافٍ. شكراً لإخباري بالقصة كاملة. هل سيود أوزي أن يصبح ملكاً مرة أخرى لو قمت بإعادة تجسيده؟".
فابتسم أوجوستيڤ وضحك بخفة.
"الملوك كلا. أفتظن أن أحداً يرغب حقاً في هذه الوظيفة؟ حتى النبلاء الذين يريدون سلطة أكبر يدركون أنهم لو تولوا هذه الوظيفة لحصلوا على سلطة أقل ولتعرضوا للصراخ طوال اليوم. ها!".
"إذن نحن بحاجة إلى إعادة تنظيم حكمك، وربّما إضافة بعض الأشخاص بينك وبين رعاياك، لكي لا تضطر إلى التعامل مع كلّ شيء بنفسك".
وسأل إريك: "كيف تودّ مني أن أساعد في ذلك؟".
فشحب أوجوستيڤ قليلاً أمام اليقين في نبرة صوت إريك.
"... أنت لا تمزح".
"أنا لا أمزح".
قال أوجوستيڤ: "... أحتاج إلى التفكير لدقيقة".
فنصب إريك [مأوى متسرعاً] حول الغرفة.
"الدقيقة هي ساعة، لذا خذ كلّ وقتك".
وضحك أوجوستيڤ مجدداً، قبل أن يصمت مستغرقاً في التفكير. وفي النهاية، تحدث أوجوستيڤ عن محنة حافة العاصفة، حيث يشرف عدد حفنة من المجالس المختلفة على إدارة المدينة، ويحاول كلّ منها تجاوز الآخر طوال الوقت، من دون أيّ احترام يكاد يذكر بينها على الإطلاق. ولم تكن هناك سوى حقيقتين جعلتا حافة العاصفة برمتها قابلة للعيش. أولاً، تألف المجلس الأكبر والأكثر نفوذاً من الكهنة والبحارة، وكانوا في صف الوصاية؛
وشكلوا قاعدة القوة للجميع، رغم أن التجار والنبلاء هم من كان يستمع إليهم الجميع عادة، نظراً لأن المال هو الملك الحقيقيّ للعالم. وثانياً، حظيت الوصاية بثقل قرون من الزمن يدعمها.
فقال أوجوستيڤ: "ولكن حتى ثقل التاريخ يبعد حملة دعائية واحدة عن الانهيار".
"لقد انقطع خط سير العابري المدّ 8 مرات على الأقل بين مقتل الأطياف للملك الأخير والآن. لقد تزوج جدي من العائلة، وجلب ابنه، والدي، إلى عائلة عابري المدّ. أنا تقريباً لست عابر مدّ على الإطلاق، إلا بفضل زواج جدي بجدتي".
وأضاف بثقل: "لقد أدت هذه الحقيقة الصغيرة إلى الكثير من المشكلات مع مجلس النبلاء. لا سيما من أبناء العاصفة وسعيهم الذي لا ينتهي ليكونوا القوة الكامنة خلف الوصي".
لم يكن إريك قد سمع شيئاً عن عائلة ماريول بعد، وكيف كانوا قيد احتجاز الوصاية، لكنّ جارود وغلاريول ونيرو ربّما كانوا في مرتبة متأخرة جداً، بعيداً في قائمة مخاوف أوجوستيڤ. وسيصل إريك إليهم في نهاية المطاف؛
فلن يكون مجدياً ترك أشخاص ألطاف كأضرار جانبية من زيارة "سولتك"
و"ڤانيا"
إلى حافة العاصفة. وأعاد بوي ملء كؤوسهم. وتحدث الوصي مع الساحر لفترة من الوقت حول كلّ ما هو خطئ في مملكة الوصي.
وفي نهاية المطاف، عرّف إريك أوجوستيڤ بموكس دونسايدر، مشرفة الشؤون الخارجية لديه، قائلاً: "موكس امرأة كفؤة للغاية، وأظن أنك قد تكون وقيْد تاريخاً مشتركاً بالفعل، ما لم أكن مخطئاً".
فابتسم أوجوستيڤ قليلاً وهو يقول لموكس: "أعتقد أنك كنت متوجهة لقتل محطم الهياكل في آخر مرة رأيتك فيها،ها أنت ذا تعملين لصالح ساحر".
فقالت موكس ببساطة: "لا يسعني سوى عدم إنكار مزايا هذه الوظيفة".
فضحك أوجوستيڤ بخفة.
"لم أكن أنوي قول شيء، لكنّك تبدين في غاية الجمال".
وحين رسمت موكس ابتسامة دبلوماسية ربّما فاقت الحد لتكون مجرد ابتسامة دبلوماسية، قرر إريك التراجع خطوة إلى الوراء، قائلاً: "يمكنك الاتصال بي في أي وقت تواجه فيه طارئاً يا أوجوستيڤ، لكنك، مثلي تماماً، رجل مشغول إلى حد ما، لذا فستعمل غالباً مع مشرفة الشؤون الخارجية لدي، أو على الأقل مع شخص ما في مكتبها. فإن كنتما ترحبان بترتيب ذلك، فيمكنني بعد ذلك اصطحابك معي عندما أعود إلى حافة العاصفة".
وتقمص أوجوستيڤ رداءه المجازي كوصي، وقال: "نحن نرحب بهذا الترتيب. لقد كان من الرائع التحدث إليك، أيها الساحر فلات".
"وأنت أيضاً، أيها الوصي عابر المدّ".
فأشارت موكس نحو الباب.
"إن تفضلت باتباعي من فضلك، أيها الوصي".
وغادر الوصي والمشرفة معاً.
وحين غادرا، التفت إريك إلى بوي، وقال: "بالنظر إلى الوراء، كنت أتوقع أن تتزوج موكس وتنجب أطفالاً بحلول الآن، لكنها تبدو متزوجة من الوظيفة إلى حد ما. ولكن لعلّ موكس لم تجد أحداً حقاً بعد، لأنها تفضلهم أكبر عمراً من أولئك الذين في الثلاثينيات والذين أجريهم يحومون هنا؟".
فضحك بوي.
"قد يكون. قد يكون".
فهمهم إريك، ثم قال: "في مسألة أكثر جدية: ما رأيك في أوجوستيڤ كوصي؟".
"أنت تعمل كقاعدة قوة لأنك تمتلك قوة حقيقية، وتعرف كيف تستخدم القوة الناعمة عند الحاجة. أوجوستيڤ عابر المدّ بارع سياسياً بكل الطرق التي يمكن أن يكون عليها النبيل، ولهذا السبب نجا طوال كل هذه السنوات في العاصفة السياسية التي تمثلها حافة العاصفة، لكنه لا يملك أي قوة حقيقية يلجأ إليها. لذا عندما عرضتَ قوة حقيقية، اقتنص الفرصة".
وتابع بوي: "كلّ ما فعله طوال مسيرته المهنية سار على هذا النهج، ولهذا السبب تبدو حافة العاصفة ممزقة هكذا، مع وجود الكثير من القوى التي تتنافس جميعها على السيطرة على مجالات نفوذها الخاصة. لذا تصبح السؤال هنا، أيّ نوع من مجالات النفوذ تسعى لاكتسابه من حافة العاصفة؟".
"أريد فقط أن يعمل القبو".
فأومأ بوي برأسه.
"تمتلك موكس ومكتب الشؤون الخارجية بالفعل خبرة واسعة في الأقبية؛ حتى قبل ما يسمى بـ[المضيّ قدماً]، كانا يشرفان على أقبية جوهر العناصر العادية وكذلك برج الإحسان. سأحرص على أن يركز بيت الإحسان جهوده هناك".
ثم سأل بوي: "ولكن بالحديث عن [المضيّ قدماً]، والإحسان... أأتظن أننا في موقف قدرّي آخر مثلما حدث مع المسار الدنيويّ؟ الآن بعد أن ‘عُدتَ’؟".
فضحك إريك، لكن ضحكته لم تدم طويلاً.
وبزفرة، قال: "آمل ألا يحدث ذلك حقاً".