آركيندريثيست الفصل 288

اقرأ آركيندريثيست الفصل 288 باللغة العربية على مانجا تايم.

مرّ إيريك بلحظة إشراق صغيرة أثناء انشغاله بحل المشكلات.

وكانت «صغيرة»

لأن الإشراق لم يكن جديداً. كان في هذا العالم من الأخطار الكامنة، في هيئة مسوخ متبدلة وخنافس حفر مرعبة حقاً ووحوش تختبئ في الظلام، ما يفوق بكثير محاولاته هو كساحر لإصلاح الأمور. يفوقها بكثير. نعم، كانت هناك حقيقة مؤلمة تتمثل في قدرته بقوته على تغيير الكثير من الأعراف الراسخة، وهو ما سبب انزعاجاً شديداً للكثير من ذوي النفوذ، لكن سجله الحافل بالسحر امتد طوال عام كامل!

وهو ما اعترف بأنه يشكل مشكلة. فالناس هنا لا يعرفون طابع شخصيته بعد. ولم يكن تاريخه كأخصائي اجتماعي يعنيهم في شيء؛ وكل ما رصَدوه هو الاضطراب الأخير في الأعراف الموروثة. عرف إريك ما يفعله، حتى لو لم يعرفه أغلبية المحيطين به إلا عبر الشائعات والأخبار. وكان هذا سيئاً. لم يكن هناك حل مثالي لهذه المعضلة حقاً، فكل ما استطاع فعله هو ترك حلفاء ورائه أينما حلّ.

استطاع إثبات جدارته مئة مرة، لكن العالم كان أضخم منه بمليون مرّة، ولم يكن متأكداً حتى مما إذا كان إثبات نفسه كشخص «صالح»

سيكفي يوماً ما لبعض هؤلاء القوم، مثل الكائنات المصنوعة. على الأقل لم يفضحه كرومولوك بعد، إذ لم تكن هناك محاكم تفتيش تقف على عتبة بابه حالياً. ربما يحدث هذا غداً، وربما لا! بغض النظر عن مشكلات العيش في مجتمع ما... تعددت المشكلات القابلة للحل في كل مكان هنا بالأسفل، ومعظمها تجسد في هيئة وحوش، وكان إريك قادراً للغاية على تسوية هذه المسائل. وفعل ذلك بالفعل. من تفشٍّ لديدان مائية لوثت إمدادات المياه المحلية وأدى لاكتشاف عش من آكلي لحوم البشر يصطادون الناس من أطراف البلدة، إلى إعادة طفل مختطف إلى أحضان والديه، وصولاً إلى نوع من اجتياح الأشباح المدوية التي محت موقعاً حدودياً عجز الجميع عن تطهيره.

أثبت مجال الجسد فائدة جمّة في مواجهة رعد الأشباح العنصري، ولكن من ناحية أخرى، كان الموقع بعيداً للغاية عن الآخرين لدرجة أنه لم يكن يهم حقاً إن تم تطهير المكان أم لا. اتسمت معظم الطلبات بذلك الطابع؛ مشكلات ضخمة تقع بعيداً عن الجميع. وقلّة فقط من طلبات المساعدة تضمنت استئصاله لمشكلات جاورت الحضارة مباشرة أو تسللت إلى عمقها. وهكذا تماماً، في غضون ثماني ساعات، أنجز إريك تسعة وعشرين طلب مساعدة.

وثلاثة من أصل اثنين وثلاثين طلباً أصلياً للوحوش وُضعت لكي يتسنى لأصحابها التواصل معه، لا لأي حاجة فعلية للسلامة أو الجسد. أدرك إريك أثناء قضائه في تلبية تلك الطلبات أنه على الرغم من مخاوفه الحقيقية بشأن انكشاف أمره كساحر، إلا أنه ما زال بإمكانه كسب الحلفاء، واكتشف قدراً أكبر بكثير من الكيفية التي يعمل بها العالم السفلي بنيوياً. لم يتجاوز نطاقه هنا سوى آلاف قليلة من الكيلومترات، لكنها كانت كافية لتخطيط المعالم الرئيسية.

بدت ستراتاجولد صخرة بعرض وارتفاع وطول مئة كيلومتر تعبرها الطرق الرئيسية من كل اتجاه، شأنها شأن الطرق السريعة المرتفعة التي تحيط بمنطقة حضرية كبرى. لكن العالم السفلي كان أيضاً فضاءً ثلاثي الأبعاد، مبنياً صعوداً وهبوطاً، ومرّت بعض تلك الطرق فوق الجيود المصنوع أو تحته. وامتدت الطرق الرئيسية نحو الجنوب والشرق والغرب، لا الشمال. تقع فالز النابضة في الشمال. اكتشف إريك امتداداً للطرق الرئيسية شمال فالز النابضة، لكن لم يحن ذلك حتى استكشف ماهية الشلالات بالفعل.

فقد كان محيط شاسع من المياه بعرض كيلومترات يتدفق عبر مركز المكان بالنهاية؛ ولم يكن ذلك أمراً يمكن تجاهله.

تبين أن وصفه بـ«محيط من المياه»

كان دقيقاً. إذ اتصل سقف فالز النابضة بمئات الأنفاق التي تتجمع فيها المياه هبوطاً من المحيط على السطح لتتوسد الأعماق السحيقة للعالم السفلي. توقع إريك دوامة عارمة على السطح، لكن ما وجده شبيه بسلسلة من الأنفاق المتعرجة المؤدية إلى أنفاق أصغر تفضي إلى المحيط العلوي. لقد كانت أشبه ببنية تحتية لصيانة شبكات الصرف الصحي بمقياس الآلام والسادة.

ولم يفاجأ إريك إن تبين أن وصف «صرف ملوك فيرد»

أمر صحيح تقنياً لكنه ينطوي على تجديف. بيد أن شيئاً غريباً كان يحدث قطعاً في تلك الأنفاق، فالمياه المندفعة للأسفل كانت عذبة بينما كان المحيط مالئاً، وهو ما يعني وجود سحر خفي يحدث بين الأعلى والأسفل، وعجز إريك عن تحديد خط الفاصل ذاك. لكن لنعد إلى الطرق الرئيسية. كانت الطرق الرئيسية، إلى جانب الكهوف الطبيعية المتفرقة بحجم الدول على تلك الطرق، تشبه خيوط ارتكاز شبكة عنكبوت توسطتها ستراتاجولد.

ولم تشهد الطرق صعوداً أو هبوطاً كبيراً، بل بدت وكأنها بُسطت أفقياً عبر ما يُفترض نظرياً أنه طبقة من فيرد. وفي بعض المواضع وُجدت فجوات اخترقت طبقات عدة، مثل فالز النابضة، لكن كل طبقة من الطرق الرئيسية تموضعَت رويداً رويداً على محور Z مختلف. استطاعت الطرق الفرعية بلوغ أي مكان. وعبر الطرق الفرعية أو الفجوات الطبيعية الأخرى بين الطبقات، تنقل الناس صعوداً أو هبوطاً بين طبقات الطرق الرئيسية.

في الغالب، بدا العالم السفلي ككعكة متعددة الطبقات، خَمَّن إريك أن نحو واحد بالمئة منها يتألف من أنفاق أو مساحات مفتوحة للسكن أو الترحال. احتلت ستراتاجولد جزءاً من العالم السفلي حظيت فيه الطرق الرئيسية بصيانة جيدة نوعاً ما، وهو ما أرجعه إريك غالباً إلى نفوذ ستراتاجولد. مع ذلك، اختلفت الحياة تحت الأرض اختلافاً جذرياً عن الحياة على السطح، وبطرق شتى تفوق ما يبدو للعين بوضوح.

كانت إحدى تلك الطرائق مقلقة بحق، بمجرد أن أدرك طبيعة ما يراه. مثلت الوحوش مشكلة جلية لا تستدعي تدقيقاً عميقاً، سوى إدراك خطورتها وحيلولتها دون استقرار الحياة على الوجه الأكمل في كل تلك المساحات المُعدة للبشر. ذلك أنه، ومنذ هبوط إريك إلى هنا، عاين بدقة الكيفية التي يفترض أن يعمل بها عالم فيرد. صحيح أن الأرض قد دُمّرت وانثار معظم البنية التحتية، إلا أن الأنفاق ذاتها بقيت صامدة.

وبقي «نظام الصرف الصحي»

العام للمحيطات والمجاري المائية. وأضحت الكهوف الهائلة التي كان مفترضاً أن تحضن أمماً قاحلة وخاوية. واندثرت البلورات الضخمة بحجم ناطحات السحاب التي كان ينبغي أن تضيء العتمة وتجلب النور لأعمق بقاع هذا العالم، لتستقر على الأرض محطمة إلى ملايين القطع ومغطاة بألف عام من الأتربة. لكن، إبان تأسيس فيرد أول مرة... كان مقدراً لهذه الأرض أن تغص بالبشر. عن آخرها. أن تمتلئ حتى حافتها بالبشر.

أن تعج بعوالم الحياة. ومع ذلك، امتلأت بالوحوش. وجد الكثير من البشر هنا بالأسفل أيضاً، لكن بأعداد تقل كثيراً عما يمكن لهذا المكان استيعابه. تماماً مثل كهف إيجدراسيل، لم تكن نسبة إعمار العالم السفلي لتتجاوز الواحد بالمئة. وألم يكن ذلك صفعة على القفا. لقد تحول هذا المكان من سفينة نجاة إلى مقبرة. مع ذلك، كان ذلك تاريخاً سحيقاً. لاحظ إريك أمراً أكثر معاصرة وهو يستكشف العالم السفلي.

وباسْتِرجاع الخريطة الهولوغرافية لشبكة محطات النقل المحلية الواقعة تحت السفارة، وربط تلك الخريطة بالتجمعات السكانية التي رآها هنا، ميّز إريك الحاميات المصنوعة في بعض البلدات كملاك لمحطات النقل. وتلك البلدات التي تحوي محطة نقل، بمعية الحامية المصنوعة المدافعة عنها، شكّلت مراكز صغرى في مواقع بالغة الحصانة. وخارج تلك الأراضي الرئيسية، توقّعت تجمعات سكانية قرب موارد طبيعية أخرى، مثل البحيرات الجوفية والأراضي الصالحة للزراعة.

غير أن سكان تلك الأراضي النائية كانوا مستويات عالية ومستعدين للإخلاء في أي لحظة. وبدت الحاميات المصنوعة بوضوح نقاط تراجع لا تُستخدم إلا في حالات الطوارئ، وهو أمر كان سيبدو جيداً لو أن... سؤالاً ظل يتردد في ذهن إريك وهو يستكشف العالم السفلي. أين بقية الأراضي؟ أين الأمم الأخرى، خارج حدود ستراتاجولد؟ لكن لم يكن هناك شيء. عمّ الظلام أرجاء العالم هنا بالأسفل، ولم ينجُ سوى أولئك الذين أتيحت لهم إمكانية الوصول إلى محطة نقل، أو عاشوا بالقرب من مكان يضمها.

بيد أن محطات النقل لم تكن شبكة بوابات تربط الجميع بالجميع. بفضل حديثه مع تاسار حول الشحن، علم إريك أن الناس ينتقلون بانتظام بين المستوطنات في غياهب الظلام العميق، زاحفين تحت حراسة مشددة للغاية ونشاط سحري دفاعي كثيف. ولم تسعَ أي من تلك المجتمعات للوجود إلا بفضل أولئك القوافل المصنوعة والسحرة الأشداء وغيرهم من المدافعين القائمين على اللحم التابعين لمختلف البيوت النبيلة.

كان بوسع الناس، لا سيما من اجتازوا التحريات وغالبيتهم من النبلاء، الانتقال أحياناً بين محطات النقل، لكن البضائع لم تستطع؛ فقد حُكمت ضوابط صارمة بذلك. الكثير من القواعد، وصاحب تلك القواعد الكثير من الدعم. اتضح جلياً لإريك، من واقع كل الأدلة الماثلة أمامه، استحالة تدبير المرء لأموره في هذه الأرض من دون صلة مباشرة بستراتاجولد. وحملت تلك الحقيقة دلالات مزعجة حيال مدى السطوة التي تمتلكها ستراتاجولد على هؤلاء الناس، إذ لم يكن القوم في هذه الأرجاء ضعفاء.

وُجد بشر وأقزام تنانين وإنكانيون على كل سور تحصين منفرد، يطلقون كرات النار وأشياء أخرى جنباً إلى جنب مع القادة المصنوعين. وحدها الحاميات المصنوعة امتلكت شبكات تعويذية. وحدها الحاميات المصنوعة امتلكت مدافع تعويذية كالتي رآها إريك في المنهج الصامد. وحدها الحاميات امتلكت محطات النقل. واحتوت كل جدار وكل أساس على شبكات تعويذية مضادة لتشكيل الحجارة، لكنها توارت كالأسرار.

بدت حياة المدينة آمنة بالقدر الكافي، لكنه تعريف شديد الفضفاضة لـ«الأمان».

كان إريك يطهر حرفياً مشكلات داخل بعض تلك المدن التي لم تكن تدري حتى أنها تحت التهديد.

وأحياناً غضب البارونات لأن الحاميات لم تفِ بمسؤولياتهم، غير أن المصنوعين دأبوا على ترديد أعذار تتعلق بـ«عدم السماح بفعل كذا، وأنتم تعلمون أننا ممنوعون».

ووجد إريك نفسه منحازاً للبارونات طوال الوقت تقريباً. وفي الوقت عينه، بدا له أن المصنوعين يسمحون عن طيب خاطر بدفعهم بعيداً عن دائرة المسؤولية، وهو أمر... كان واقعاً قائماً. لم يكن إريك متأكداً تماماً من شعوره إزاء ذلك. ومع ذلك، اتضح جلياً أن المسؤولية المطلقة عن الأمان تقع على كاهل المصنوعين. وعاش كل البشر اللحميين في هذا العالم السفلي تحت سيطرتهم الصامتة. إن الحق يُقال، لم يعتقد إريك أن ستراتاجولد تدبر أمراً شريراً؛

أبداً. بل تمثل ما يجري في إمساك ستراتاجولد بزمام القوة واستخدامها لدعم الآخرين. ودونهم، لم تكن هناك حياة هنا بالأسفل. لقد ازدهر العالم السفلي أو مات بناءً على أهواء المصنوعين. ... ربما كان هذا ظالماً للغاية بحقهم. لم يستطع البشر فعل الكثير في مواجهة الظلام؛ فحتى الخالدين عجزوا عن تغيير واقع الوحوش الكامنة في كل مكان، وميليميزارجو وهو يحوم هناك بعيداً عن الأعين. لعل الأمر اختلف في أراضٍ أخرى خلت من المصنوعين.

ولعل إريك وجد نفسه ببساطة في «مركز أمة»، وطبيعي أن تحتفظ ستراتاجولد بالسزمام طالما بقيت داخل حدودها الوطنية.

لعل توزيع شبكات تعويذية على العامة قاد إلى أهوال في الماضي، ولأن المصنوعين خالدون، فقد تعلموا تجنب ذلك، ولذا دفنوا شبكاتهم التعويذية المضادة لتشكيل الحجارة بعيداً عن الأعين. شعر إريك بانزعاج عميق مما يراه، لأنه... هل كان سيفعل شيئاً مغايراً؟ لو امتلك زمام أمة ورغب الناس في العيش بجواره والاستفادة من قوته، فهل كان سيطالبهم باتباع قواعده؟ هل كان سيسمح لهم بارتكاب أخطائهم الخاصة؟

لقد فعل إريك ذلك بالفعل، وبدرجة طفيفة، عبر اندماجه في حكم سيلفرايت كواحدة من كبار سحرتها. أما بالنسبة لكاندلبوينت، فقد آثر الصمت التام. لقد كان مساعداً لا قائداً. أكان هذا هو المسار القويم؟ أكانت كاندلبوينت تتداعى بلا إشرافه المباشر؟ غالباً لا... على الأرجح لا. إن افتراض معرفته الفضلى بكيفية إدارة أي شيء لمجرد قوته يعد غروراً بحد ذاته. كلا. فليترك الإدارة للآخرين. وبوسع إريك حراسة الأسوار.

... وهو بالضبط ما كان يفعله المصنوعة. لذا ربما انحاز إليهم في الواقع. شكل هذا بأسره موضوعاً يطرحه للنقاش مع تاسار وأعضاء فريق الاستجابة للطوارئ في المرة القادمة التي يراهم فيها. على أي حال. وفقاً لإيديولوجية المصنوعين، وما لم يكن إريك مخطئاً بشكل صارخ في تفسير ما يراه، فقد كانوا يبذلون أقصى ما يمكن توقعه بمعايير العقل. واستطاع إريك المساعدة في ذلك. ربما احتاج لمعاينة ما يفعله ريول في ملاذ الساحر الأعظم، والانخراط في ذلك، إذ توجد غالباً مهام بمستوى الساحر الأعظم تفوق الحاجة.

آه. مع تلك الفكرة، خفف إريك الكثير من اعتراضاته على ستراتاجولد. لقد ساعدوا الناس طوال الوقت. لكن المشكلة كانت أكبر من أن تُحل جذرياً على الإطلاق. أو على الأقل، كانت أضخم من أن تُحل بالطرق الحالية. وهنا تحديداً توجب على إريك تركيز أهدافه. حل المشكلات المنهجية جنباً إلى جنب مع تسوية مشكلات الوحوش. استطاع القوم هنا بالأسفل الاستفادة بلا شك من مزيد من الشبكات التعويذية.

بالطبع، تمثل الجانب السلبي للتفاعل مع المصنوعين في خطر انكشافه كساحر. مهل. لا يزال الناس بحاجة للمساعدة، وكان سيعمد إلى تقديمها لهم. إن وقع الأسوأ واضطر للفرار، فقد وجد إريك بالفعل منفذاً واحداً للخروج من العالم السفلي لا يتطلب الوصول لمحطة نقل. منفذاً واحداً فحسب مع ذلك. لم يكن نطاق إريك هنا بالأسفل كما اعتاد، وربما وُجدت منافذ أخرى، لكن فالز النابضة تنحدر من المحيط، لذا، نظرياً، استطاع العودة للسطح بصعود الشلالات.

مع ذلك، اقتصر هذا على حالات الطوارئ وحدها.

إن سارت أمور الشاي الساطع والتحقيق على ما يرام، فستكون ستراتاجولد ظهره وسنده، ثم يليها أوشسايد، ثم يأتي دور «العثور على ساحر»، وهو ما ظن إريك أنه سيغدو أشبه بـ«محاولة اكتشاف هذا الهراء السحري مع تفادي نظرات تاسار المتعددة».

وإن ساءت الأمور فإنه سيـ... يتوجه إلى كاندلبوينت؟ يستقر مع أطياف الظل؟ كلا. بدا ذلك فكرة سيئة لمئة سبب وسبب. على أي حال... عاد إريك إلى رشده، وتناول طعاماً حقيقياً وبعض طعام [التجدد]، ثم أخلد إلى فراشه. نام قرير العين لعلمه بأنه أنجز قدراً كفؤاً من الخير الفعلي هناك اليوم. وغداً، سيقدم ما هو أبعد. وربما يلقي نظرة على بقية الرسائل التي تلقاها، ليرى ما إذا كانت هناك مشكلات كبرى أخرى خالية من الوحوش قادراً على حلها للناس.

- - - - استيقظ إريك. وكانت وجبة الإفطار وجبة أخرى منسوخة ومزيداً من طعام [التجدد]. وبعد ذلك، وبحكم انقضاء يوم كامل، حاول إريك صنع [جدار راسخ] آخر. حافظ هذه المرة على بساطته المطلقة، مستخدماً فقط [جدار القوة] و[الحاجز الشخصي] وتشكيل جيد نحو الأثير، دافعاً القوة لتدخل في تناغم مع بقية جسده. وخرج بنتيجة جيدة للغاية. ليست مثالية، لكن إريك سار على الطريق الصحيح بلا شك.

درع راسخ، فوري، ذاتي، ثلاثة آلاف ومئتا مانا تفعيل درع شخصيّ ذي دفاع مطلق، يمنع مئة وخمسة وتسعين ضرراً من جميع المصادر الخارجيّة. يدوم أربعاً وعشرين ساعة.

قرّر أنّه يريد الاحتفاظ بجزء "هذا التعويذة مقاومة بشكل استثنائيّ لتأثيرات الإبطال."

الذي حصل عليه من تضمين أطر مضادة للإبطال. هكذا صنع تلك التعويذة إذن. ظهر صندوق أزرق.

درع راسخ، فوري، ذاتي، ثلاثة آلاف وثمانمائة مانا تفعيل درع شخصيّ ذي دفاع مطلق، يمنع مئة وخمسة وتسعين ضرراً من جميع المصادر الخارجيّة. هذه التعويذة مقاومة بشكل استثنائيّ لتأثيرات الإبطال. يدوم أربعاً وعشرين ساعة.

في محاولته الثالثة، قرّر إيريك تجربة إضافة [تجديد] إلى الخليط، ليرى فحسب ما سيحدث. لن تكون إضافة عشوائيّة بطبيعة الحال. وجّه التعويذة عبر يد وأصغى إلى أصوات التجديد والنم— ممم. كان هناك شيء ما. وجّه إيريك [تجديد] في يد و[نمو] في الأخرى. كان هناك شيء ما. أياً يكن ما يكونه... أبداله تكراريّ؟ مثل صوت ينمو بلا توقف لكنه لا ينمو في الواقع أبداً؟ حسناً... كان هذا منطقياً للغاية، أليس كذلك!

ابتسم إيريك. أترون هذا؟ لهذا السبب كان يحبّ السحر. كانت هناك ارتباطات كثيرة في كل مكان، وكان هذا بالتحديد مسار بحث رائعاً لدرجة لا تقبل الإهمال. سلّم إيريك خمساً من التعويذات إلى أوفيل؛

[درع]، و[جدار قوّة]، و[إبطال]، و[نمو]، و[تجديد].

كانت توليفة غريبة، مع لحن غريب يختبئ وسط الصوت النشاز، لكن مع تعديل هنا ورفع هناك بدأ ضباب الواقعات المتشابكة ينجلي عن شيء أعمق. أضاف إيريك بعض حيل الديمومة— فجأة، زال التشويش المحجب بينه وبين هذا السحر الجديد، كاشفاً عن موسيقى جبل لا تنفكّ تكبر مع كل قطرة مانا متساقطة. أدرك أن كل أفكاره لسحر الديمومة كانت موجودة بالفعل داخل [تجديد]. وأدرك أيضاً أنه ألقى التعويذة قبل أن يفكر في إلقائها.

استبدت قوة أثيرة داخل لحمه، متصلبة في جسده مثل صور وهمية كثيرة. عظام من خشب القلب تنحني لكنها لا تنكسر أبداً. لحاء بدل الجلد، وأقوى الأخشاب وحدها للعضلات. هياكل شبيهة بالجذور انتشرت من قلبه، متبعة شرايينه تماماً لتعود عبر الأوعية وتقوي جميع الأنابيب الأخرى في جسده. رفع يده، ببطء وبالسهولة نفسها التي عهدها، دون أن يشعر بأي احتجاز أو خطر. شعر بفراغ داخليّ مع ذلك، لأنّ هذه التعويذة استهلكت قدراً كبيراً من المانا—

هيئة لا تُكسر، فوري، ذاتي، سبعة آلاف وخمسمائة مانا تفعيل درع شخصيّ ذي دفاع مطلق، يمنع مئتين وخمسين ضرراً من جميع المصادر الخارجيّة. هذه التعويذة مقاومة بشكل استثنائيّ لتأثيرات الإبطال. ستتكدس هذه التعويذة مرتين. وبالنسبة للنباتات، ستتكدس هذه التعويذة أربع مرات. دائم إلى أن يُلغى.

طرف إيريك جفنيه قليلا ثم ابتسم. كانت تعويذة جيدة. هذا ما أراده تماما على أي حال. السحر شيء رائع! بعد قليل من الاختبارات بتعويذة مفرمة هيرميس، عملت تعويذة الهيئة غير القابلة للكسر تماما كما ينبغي. لقد بدت رائعة أيضا؛ كأن لا شيء هناك سوى درع شخصي قوي وصار شكله غريبا بعض الشيء، درع لا يلاحظه أحد على أنه غريب إلا من يملك إدراك مانا حادا. كان درع إيريك الشخصي المعتاد يتلألأ باللون الأبيض أحيانا عندما يتلقى ضررا، أو عندما يتحرك أكثر من اللازم، لكن هذا الشيء لم يكن له أي تأثير بصري على الإطلاق.

قد لا ينجح الأمر مع إيريك شخصيا، فاي ضرر يتجاوز ألفي نقطة سيظل اخترق هذا النوع من الدفاع، حتى مع بلوغه أقصى حد عند خمسمائة نقطة دفاع مطلق، وقد سبق له بالفعل أن تلقى ضربات تجاوزت قيمتها بكثير خمسين ألف نقطة ضرر في الماضي. كان درعه الشخصي الحالي يساوي ما يقارب مائة وثلاثين ألف نقطة دفاع، على سبيل المثال، لكن لم تكن هناك أي تخفيضات طبيعية للضرر في ذلك. كان إيريك يتلقى الضربات كاملة في كل مرة.

مع هذه التعويذة الجديدة، وحتى مع احتساب دفاعاته المعززة بالبنية الجسدية مع تفعيل مهارة الدفاع التي لا تدوم سوى دقيقة واحدة لتمنحه تخفيضا للضرر بنسبة خمسة وتسعين بالمائة، فإن ضربة بقيمة خمسين ألفا ستظل تتسبب في ألفين وخمسمائة نقطة ضرر، وهو ما سيظل يمثل ألفي نقطة ضرر مباشرة إلى نقاط حياة إيريك. لم تكن لديه سوى ألفين وستمائة نقطة حياة. لذا احتاج إيريك إلى شيء أكثر عادية من هذا.

ربما كان رييفو محقّا في أن درع الصمود لم يكن ملائما له بتاتاً. ستقوم التعويذة الهجينة بكل ما يطلبه، لكن هذا النوع من التعويذات كان يعتبر أسوأ من الصعب حسب الوصف. وفقا لرييفو، كانت لديهم سجلات لمثل هذه الأمور في أرشيف استراحة كبير السحرة، ولكن لا شيء جوهري سوى نعم، هذه النظرية تعمل بالفعل، وحظا سعيداً في محاولة تكرار هذا النجاح، وأيضا لم يقم هذا الشخص بملء ذلك السجل بشكل صحيح، لدرجة أنني لا أستطيع حتى أن أريكم كيف من المفترض أن يتركب معا.

على أي حال! لم يكن بإمكان إيغدراسيل بحال من الأحوال استخدام درع شخصي لمائة عام أخرى على الأقل، لأن ذلك سيتطلب منه استخدام كل ما يملكه من مانا لصنع درع جيد، وبما أنه كان مجرد مانا، فإن ذلك سيقتله. لذا كانت تعويذة الهيئة غير القابلة للكسر ممتازة بالنسبة إليه. سلم إيريك التعويذة إلى إيغدراسيل. ألقاها الضخم على نفسه ولم يتغير أي شيء بصريا. لكنها عملت. كان هناك تغيير أثيري ومادي واضح رغم ذلك.

بفضل استخدام إيغدراسيل لشجرة الحجر الأبدية، أصبح جسده أكثر من مجرد مألوف عادي؛ لقد امتلك هياكل حقيقية بدلا من السحر المجوف. كان لديه خشب قلب ولحاء وخشب عصارة، إلى جانب حويصلات تخصه وحده. والآن، أصبحت تلك الأشياء مبطنة بالقوة الأثيرية. على السطح، لم يكن هناك أي تغيير، ولكن تحت السطح، راقب إيريك إيغدراسيل وهو يتحول إلى كيان أكثر صلابة بكثير.

هتف إيغدراسيل: "الأسماك القارضة لم تعد تقرض!"

ابتسم إيريك.

"الدفاع المطلق يشبه امتلاك جلد أكثر صلابة وعظام أقوى؛ لا يمكنك ببساطة أن تصاب بأذى حتى يتغلب المهاجم على هذا الحاجز..."

توقف عن الكلام. كاد إيريك أن يسأل عما إذا كان إيغدراسيل يرغب في إجراء بعض الاختبارات، لمعرفة مقدار الضرر الذي يمكنه تحمله بدقة، لكن إيريك لمر يرد إيذاء إيغدراسيل. أبدا. ومع ذلك ربما كان عليه فعل ذلك، فقط لمعرفة نوع الأرقام التي يتعامل معها... ذكره ذلك بشيء آخر. كم يمتلك إيغدراسيل من نقاط الحياة على أي حال؟ بالنسبة للمألوفات، كانت المانا الخاصة بها هي نقاط حياتها. بالنسبة لأوفيل كان هذا الرقم سهلا ومعروفا؛

لقد كان مساويا لمانا إيريك الخاصة، عند ما يزيد قليلا عن ثلاثة عشر ألفا. لكن المربع الأزرق الخاص بإيغدراسيل لم يذكر قط سوى أنه يملك مانا وموارد أكثر بكثير منه. إذن، في الواقع، لم تكن هناك أي طريقة لمعرفة نوع موارد المانا التي تحت تصرف إيغدراسيل. فهل كان إيريك بحاجة إلى إجراء هذا النوع من الاختبارات الآن؟ هل سيكون مفيداً أصلاً؟ كلا. ليس حقا. سيصبح إيغدراسيل حقيقيا بالكامل في النهاية، وفي ذلك الوقت، يمكن لإيغدراسيل حساب أرقامه بنفسه.

في الوقت الحالي، كانت تعويذة الهيئة غير القابلة للكسر تمثل دفاعات أكثر بكثير مما امتلكه الضخم من قبل، وستستمر تلك الدفاعات في النمو، لذا كان هذا جيدا.

تابع إيريك قائلا: "ستصبح تعويذة الهيئة غير القابلة للكسر أقوى بكثير مع المزيد من عمليات الإلقاء، لذا عندما تستطيع، أعد إلقاءها. لا تجعل المانا لديك تنخفض مع ذلك."

"حسنا!"

أعاد إيغدراسيل إلقاء التعويذة فوراً، ثم مرة أخرى، ومرة أخرى.

ومر— قال إيريك: "هذا يكفي. يمكنك التوقف. هذه هي الفعالية القصوى."

"حسنا."

تلألأ إيغدراسيل قليلا، ثم قال: "هذا شعور مضحك. شعور قوي."

"هل أنت بخير؟"

"أنا جيد!"

"... نعم، أنت جيد يا إيغدراسيل."

ولقد استهلك للتو سبعة وثلاثين ألفا وخمسمائة نقطة مانا. عرف إيريك أن إيغدراسيل يمتلك مانا أكثر بكثير منه، لكن اللعنة. كاد إيريك أن يعود إلى صنع السحر، لكنه قرر ترتيب أفكاره بينما يقوم بشيء آخر لفترة قصيرة، وكان يعلم تماما ما يحتاج إلى فعله.

أولا، دمر التعويذات الفاشلة التي صنعها، ثم قال لإيغدراسيل: "سأعود إلى المدينة لفترة من الوقت. هل ستلعب مع الأسماك؟"

قال إيغدراسيل: "نعم. الأسماك الكبيرة هولورولو تقرض بخشونة، لكن لا تستطيع القرض الآن. أنا أقوى."

ابتسم إيريك، وشعر بالسعادة لعدة أسباب. أولا، بدا جلياً إلى حد ما أن تعويذة الهيئة غير القابلة للكسر تناسب إيغدراسيل بشكل جيد للغاية. بدا إيغدراسيل أيضا وكأنه يتحسن في استخدام الكلمات. كان الضخم لا يزال يفتقر إلى الكثير من كلمات الربط، لكنه كان يتقدم في ذلك. أمر جيد جدا بالنسبة لكائن عمره خمسة أشهر.

- - - -

انقسمت كنيسة روزيتا إلى شطرين؛ عامّي وتجاريّ. اتّسعت المساحة حتّى لكأنّها كاتدرائية تليق بإلهين أو ثلاثة، أو لعلّها تليق بشتّى ملوك فيرد، غير أنّها خُصّست لملك واحد فحسب. بيد أن السفارة كانت تفوق الكنيسة حجماً بأكثر من مئة ضعْف، ممّا جعل الكنيسة تبدو بوضوح صرحاً ضئيلاً في هذا الكهف. اكتظّ الشطر العامّ من الكنيسة بآلاف المنتظرين لمواعيدهم مع مئات المسجّلين، بينما دارت رحى مراسم صغيرة للمتخرّجين حديثاً في القاعة الرئيسية، تحت أنظار تمثال حجريّ لروزيتا وهي تختبئ بنصفها خلف غيومها.

أمّا الشطر التجاريّ من الكنيسة، الأقرب إلى السفارة والمُتّصل بها، فتطابق روحُه روحَ السفارة تماماً؛ ممرات، ومكاتب، وإضاءة هادئة بدلاً من تلك الإضاءة الباذخة التي تحاول إيهام الناظر بأن المنحوتات والرسومات الجدارية توشك على دبيب الحياة. في ذلك الجزء سار إريك الآن، بعد أن قاده الرجل الواقف عند مكتب الاستقبال، ثم أرشدته لافتات متفرقة هنا وهناك. لم يتحدث إلى أحد في الكنيسة بعد.

تحدّق فيه العيون منذ دخوله‌، ولم يبادر أحد بمخاطبته قط، أو بسؤاله عن سبب مجيئه وما إن كان بحاجة إلى عون. بل أراد الجميع معرفة سر وجوده؛ وقرأ إريك ذلك في الحدقات المتسعة والنظرات الصامتة والإنحناءات المهذبة التي خُطّت في وجه كل مارّ. لم يبدُ أيّ من هؤلاء البشر تلميذاً مبتدئاً أيضاً. لعل بعض الكائنات المصنوعة المصقولة بدت فتيّة، لكنّها كانت فضيّة، ممّا جعل إريك يشكّ في ذلك التأويل.

تعذر تحديد أعمار معظم تلك الكائنات من مظهرها فحسب. لم يعترض سبيله شخص واحد طوال طريقه نحو المكاتب العميقة. وهو أمر غريب نوعاً ما. لولا استكشاف إريك للمكان مستعيناً بطيران أوفيل خارجه لضاع لا محالة. أكان عدم اعتراض طريقه ناجماً عن درايته بوجهته تحديداً؟ ربما. لم يبدُ المكان الذي قصده شائع ارتياده، مع أنّه ظلّ ركناً بالغ الأهمية في الكنيسة. بلغ إريك غايته الوشيكة. أطّر قوس حجريّ بسيط مدخل درج يصعد إلى الطابق العلوي.

كانت سمة معمارية بالغة البساطة زهيدة الشأن، لولا أنها حملت نقوشاً غليظة ومتواضعة تقول: «مكاتب محاكم التفتيش».

خلا المكان من الحراس. وخلا من سحر الحراسة. وقعت أقرب المكاتب الأخرى في الممرّ الفاصل. لم يوجد هنا، في هذا البقعة، ما يخالف المفترض وجوده. عبر إريك القوس وبدأ صعود الدرج. التوى الدرج ليفضي إلى الطابق الثاني، حيث خرج إريك إلى غرفة مكتب مجرّدة. كاد يفزّ. لم يتوقع رؤية روزيتا هنا، ولكن— لم تكن روزيتا. كانت كائنة بيضاء مصنوعة على هيئة أنثى بشرية، وتدفقت الأفكار من جسدها بأسره كمجسّات خفية.

أعاد إريك تقييم المرأة فوراً. جلست خلف مكتب، كأنّها إنسان طبيعيّ يستقبل الزوار لا سفّاحة عريقة لأمثاله تحديداً. ألقت المرأة نظرة عابرة باتجاهه، وقد اعتراها نزر من القلق إزاء كلمات التوبيخ الصامتة التي أطلقها إريك. كاد إريك يعتذر، لكنّه أيقن صواب انطباعه في المحاولة الثانية. وفوق ذلك، ضجّ صدره بالمزيد من كلمات التوبيخ الموجهة إليهم. كادت الأمور خارج هذه الجدران ترقى إلى مرتبة الجريمة.

كان على ستراتاجولد إعانة الجميع في كل مكان، وبقدر يفوق واقعهم الحالي بكثير. ضيّقت المرأة البضاء عينَيهَا قليلاً. صحيح، ظهرت مشكلات خروج شبكات النقوش عن السيطرة وانتهى كل شيء إلى حملة منسية على أي حال. بيد أن كل شيء استقام وفق مساره الدنيويّ، فسيشرع عوالم جديدة بعد عَشْر سنين، أو مئة على أبعد تقدير. لم يتطلّب الأمر سوى حشد الجميع أولاً. شكّلت محاكم التفتيش الخطوة الأولى فحسب —ولعلّها الأكبر— من خطوات أُخريات تلوح في الأفق.

مثّل إرساء التعقل لدى ميليميزارجو معضلة جسيمة أيضاً، وعجز عن تدبّر حل لها سوى مرور الوقت، واضطلاع البشر بمؤازرته حقيقةً حيال صدمته بدلاً من نبذه. وهو أمر... لا بد أن أحداً حاول فعله في الماضي، أليس كذلك؟ تنهّدت المرأة. —إذن، محاولة بائسة— نطق إريك، كاسراً حدة الصمت. —بلغتني حكايات عن براعتك الفائقة في قراءة أفكار البشر، وما زلت مذهولة بمعايشة ذلك بنفسك— قالت المرأة —وأنت...

لست ساحر عقل على الإطلاق. لا تمتلك أدنى قدرة. ومع ذلك...— تلاشت كلماتها وكأنّها تشير إلى كونه ساحر عقل، لكن من طراز مختلف. طراز يُحظر عليهم إكراهه على الانصياع لمجتمعهم وقواعدهم. وأردفت: —نعم. بالضبط هكذا. على أي حال. سيعود كرومولوك في غضون دقائق—. نهضت عن مقعدها، ثم اتجهت صوب غرفة جانبية قائلة: —هيا بنا. لدينا غرف تستعصي على التجسس. يتعذّر خوض هذا النقاش هنا—. تلوها إريك، سائلاً: —ما اسمك؟— —أوتشينا— قالت أوتشينا —يُعدّ كرومولوك أقدمنا عهداً في هذا المكان، لكنّني أحتلّ المرتبة الثانية بفارق ضئيل—.

دخلا غرفة جانبية تشابكت في جدرانها أشرطة شبكية نقوشية، شأن قفص فاراداي. تعطل عمل التعاويذ في هذه اللحظة، لكن إريك خمن أنها سحر خصوصية مهيب. وفي حين طبع طابع سرمدي الكنيسة والسفرة بأسرهما، بدت أثاث هذه الغرفة حديثة نسبياً؛ مريحة ولينة. التقطت أوتشينا مقعداً لنفسها وهي تشير إلى مقعد آخر في الغرفة. —كم عمر كرومولوك ومحاكم التفتيش؟— سسا إريك، وهو يجلس قبالة الكائنة البيضاء.

أجابت أوتشينا: —كان كرومولوك من أوائل من وُلدوا على هذا العالم حين رسّخت الترجمة الكبرى الكائنات المصنوعة في قوالبها الخالدة. ولحقت به بعد فترة وجيزة، غير أن محاكم التفتيش لم تظهر للوجود إلا في العام الحادي عشر؛ حين برزت الحاجة إلى أول حظر استثنائي. ولم نتعلم حيل سحر العقل تلك إلا لاحقاً—. وأضافت: —نحن لا نلتزم بقانون سحر العقل فعلياً. نحن من نُنفّذ ذلك القانون. نحن من نُنفّذ العديد من القوانين غير المكتوبة في شتى أرجاء هذا العالم، لضمان ألا ينكسر شيء قط، أبد الآبدين—.

شعر إريك بوخزة هلع وكاد يسئل عما تعنيه بعدم الالتزام بقانون سحر العقل، غير أنه سؤال انعكاسيّ أدرك إجابته مسبقاً. كانت هذه المرأة قاتلة. فلماذا تحاول ترهيبه؟ هل... هل سقط في فخ، متوهماً أنه يمر فحسب للاستفسار عن حاجتهم للمساعدة؟ لكن كرومولوك أمره بالمجئ إن أراد الحديث، و— سرى تنافر غريب هنا. فلم يعكس ما لمحه في تعبيرات أوتشينا الدقيقة ونبرة صوتها وبقية خصالها الشعور الذي استشعره.

أظهرت رباطة جأش، لكنّها بدت مستعدة للقتل. أرادت قتله. لكن ذلك بدا... سخيفاً حقاً. أليس كذلك؟ أتى إلى هنا بغية المساعدة، وهي تحاول أن— حدث خلل جسيم. كان يتهدده خطر. لم يطرا أي تغير في محيط المانا، ولم يختبر أحد مجاله. ظلت أوتشينا جالسة في مقعدها، مبدية هيئة إنسان مُسترخٍ تماماً. لكنّها امتنعت عن ذلك تماماً. غلت غضباً. واستعدت لصرعه إن أتى بأي حركة خاطئة. وستنفذ ذلك بلا مثقال ذرة من ندم.

البشر الوحيدون الذين اختبر معهم إريك هذا الشعور المهدد للحياة كانوا الظلال. لربما شاكلت أوتشينا غولدي، ظل الاغتيال. سأل إريك بهدوء: —ألديك مشكلة معي؟— كذبت قائلة: —لا. لم تحدث قط. ولن تحدث. لقد أنجزت أعمالاً جليلة. وأنا أوافق عليها—. عجز إريك عن تبيّن وجهة كذبتها.

بوسعها «سماع»

أفكاره تماماً مثل بوي. وأظهرت تلك القدرة قبل دقيقتين فحسب. ممّا يعني توافر الفرصة أمامها لتجلية سوء فهم عميق محتمل، غير أنها اختارت الإحجام عنها. واختارت التصرف هكذا. لماذا؟ أيّ مكسب ترتجيه م— آه. أرادت اغتياله، لكنّها رغبت في دفعه لارتكاب خطأ العدوان الأول. أراها ظنت حقاً قدومه إلى هنا لقتلها؟ لماذا يساورها ظن كهذا! يملك سجلاً حافلاً بالنجاحات! وها هي تستعد لقتله من أجل— لا.

لم ترغب في القتل. الاعتقال. أرادت منه شيئاً ما لكنّها لم تستعد للقتل لنيله— نهضت أوتشينا، كاذبة: —المعذرة—. وقالت: —يجب أن أُغادر هذه الغرفة—. ثم انصرفت، متظاهرة بأنّها امرأة بسيطة تمشي مبتعدة، لا بركان يوشك على الانفجار كما كانت. لم تُفعّل دفاعات الغرفة. ولم تصدر صوتاً آخر— بدت خطواتها صامتة في الواقع. واختفى أي أثر للصوت منها. متى حدث ذلك؟ جهل إريك توقيت حدوث ذلك، غير أن أوتشينا أخلت المكان صامتة، ومضت قدماً، عائدة إلى الغرف الخلفية للمكان، ومنها إلى مخرج خلفي.

لو لم يراقبها أوفيل المحلق فوق سقف الكنيسة لركضت، لذا اكتفت بقطع الشرفة المكشوفة التي شكلت السقف أيضاً، نحو الصابورة المحيطة بالشرفة. وبقفزة خاطفة فوق الصابورة مع دمعة يتيمة أُهرقت عند الذروة، وكأنها عجزت عن كبح جماح البركان لفترة أطول، توارت أوتشينا عن الأنظار. هكذا فحسب. اختفت. لم ترتطم بالأرض وراء الصابورة. ولم تكن في السماء. توارَت، تماماً كما تفعل غولدي— لربما استمر إريك في البحث عن المرأة الباكية لولا ارتقاء كرومولوك لدرج مكاتب محاكم التفتيش بالفعل.

استعجل الوصول بينما هربت أوتشينا. في تلك اللحظة، أدرك إريك أن أوتشينا كانت الشخص الوحيد في هذه المكاتب. توفرت غرف لإنجاز الأعمال ومكاتب صغيرة للأفراد، لكنه خلا بها تماماً، دون أن يفطن لذلك حتى— آه. لا. لقد فطن. هراء سحر العقل إذن. حاولت أوتشينا فعل شيء، ثم عدلت عنه. انتظمت أنفاس إريك طوال الوقت، وامتن لنفسه على رباطة جأشه. خطا كرومولوك عتبة الباب، بادياً بمظهر خجول لكنّه أخفاه باقتدار بالغ.

تغاضى إريك عن هيئة الرجل الآخر، إذ نهض وقال: —أهلاً بك يا كرومولوك. جئت للمساعدة في أي معضلات قد تواجهونها. فكرت في بعض عمليات صيد وحوش العقل؟ أو تطهير عام للأنفاق المحيطة بستراتاجولد—. جارى كرومولوك مسار إريك، فخطا داخل الغرفة مرسلاً: —يسرنا تقبل عونكم حيال تهديدات وحوش العقل، لكنّ أي أمر آخر يستدعي ترخيصاً من العتاة. ألم تفكر في زيارة الشاي المشرق؟— إذن سيتغاضى الاثنان عما كاد يقع.

لا باس بذلك. —فكرت في الأمر— قال إريك —وقررت الشروع في إعانة من طلبوا المعونة أولاً. قتلت نحو سبعمائة وحش هناك وأنقذت أرواحاً أثناء ذلك. وبدا الأمر نافعاً جداً لاكتشاف أماكن توزع الأشياء هنا بالأسفل أيضاً، لكنّي ملزم بالقول إن خلو العالم السفلي يبدو مذهلاً حقاً، حتّى بهذا القرب من جيود رئيسي. يبدو وكأن شيئاً لا ينجو دون عون الكائنات المصنوعة—. استغرق الرجل الفضيّ المنكانيّ لحظة قصيرة وطويلة للتفكير، والتأمل، ومحاورة أناس لم يشاركوا مباشرة في هذا الاجتماع.

وازن كرومولوك وقومه (الذين لم يكونوا سحرة عقل ظاهرياً؟ ليس بشكل مباشر؟) كتل أوزان مستحيلة ضد بعضها، محاولين الحسم في خيارات مستحيلة. ثم مضت اللحظة كغيرها من اللحظات العظيمة في التاريخ؛ باختيار، ثم استسلام. فاختار الصدق، والانكشاف. قال كرومولوك: —فعلنا ما بوسعنا دون أن نغدو طغاة—. —أعلم— ردّ إريك —ولهذا أرغب في المساعدة بأي سبل أمكنتني—. حاول كرومولوك إعادة توجيه الحديث نحو منحى أكثر شخصية: —أمتأكد من رغبتك في تفادي نقاش...

مسائل أخرى جديرة بالاهتمام. مثل ما حدث مع أوتشينا؟— آه. إذن سيتطرقان لذلك، هاه؟ —أخمّن أن رد فعلها ارتبط بوزنها لكلا كفتي الميزان وإدراكها لتصدع الميزان جراء الثقل— قال إريك —ولا يختلف ذلك كثيراً عما يلمّ بك الآن—. —... سأرفع خصوصية هذا الحديث—. منح كرومولوك إريك مهلة لإبداء اعتراضه. صمت إريك. لمس كرومولوك إطار الباب فتلاشى العالم وراء حدود الغرفة. وانتظر نبضة أخرى، محاولاً سبر أغوار إريك، وحين لم يلمس شيئاً، خطا نحو المقعد الذي شغلته أوتشينا وجلس.

واستقر إريك مجدداً في مقعده، محكماً قبضته على أوفيل، الذي فقد بصره واهتز قليلاً على كتفه. وبربتة واحدة، هدأ أوفيل. فجأة، زالت عين [التجسس] الخاصة بيغدراسيل. قال كرومولوك: —سأكون فظاً. أعاني من أزمة إيمان، ولست الوحيد. بما تجيب عن هذا؟— —أنني لا أنوي إطلاقاً إلحاق الأذى بأحد، وبأنّني أستطيع الاستعانة ببعض العون لتقليص الأضرار وتعظيم النفع. على سبيل المثال، كيفية نقض اللعانات الكبرى التي وضعت مطلع النص، كلعنة التنين واللعنة السوداء للأدمانتين ومعادن أخرى— تساءل إريك: —أترغب في المساعدة؟— لم ينطق كرومولوك بشيء طيلة لحظات مديدة، ثم قال: —هناك أمور يتوجب عليّ تسويتها أولاً—.

أومأ إريك. تابع كرومولوك: —تمتلك طاقة جبارة للدمار. إن أخفقت في هذا المسار الدنيوي، وإن متّ أو تخلّيت عن كل ما جهدت من أجله، فسيرتد العالم إلى وضع راهن مغاير تماماً. سنشهد مئة عام من الاضطراب ثم تهدأ الأمور مجدداً. ولن يتغير شيء في خضم ذلك الهدوء. لن يتحسن شيء، ولن يزداد سوءاً كذلك. —لكن إن نجحت، فستضع فيرد على مسار مستحدث، مسار يتسع فيه كل شيء، وتنمو المخاطر لتمتئ تلك المساحة الأرحب.

—مثلت تهديدات الكونية القديمة ما قد تصفه بالكوني. ومن الراجح للغاية أن أحد التهديدات الكثيرة التي تعذرت تسويتها في ذلك الحين، أو لعلّه تهديد جديد بأسره، هو ما أتى على كل شيء في النهاية، مسبباً التمزق. —إن أتيح لك فتح هذه الكونية الجديدة أمامنا، فلن تتوافر بنية أساسية تحول دون تكرار الأمر ذاته. ومع ذلك، يمكننا حل المشكلة مادياً، غير أننا سنغدو طغاة في غمرة ذلك. من المرجح أن هذه المنهجية ستكون لازمة على أية حال، لكنّها لن تظل مستدامة سوى لبضعة آلاف من السنين.

إنّ كونية جديدة تبنيها أيدي الكائنات المصنوعة ستبوء بالفشل حتماً. وسيظهر ساحر مثلك مجدداً ويدمر كل شيء، لأنّه سيحكم بصواب بأننا تلوثنا في مهامنا الرامية لضمان الاستقرار والحرية للجميع. —هذا مصير العديد من المجتمعات التي خلقتها الكائنات الخالدة في الكونية القديمة. ولم تحظَ المجتمعات الفانية بحظ أفضل، إذ تطلبت قرنين أو قرن لكي تتدهور. إنّها الحلقة ذاتها لكليهما، باختلاف الأطر الزمنية فحسب.

—قد لا يكون الساحر هو من يهدم إبداعاتنا أصلاً. فقد يرتكب ظل ما الفعل ذاته. قد يقرر الظلام شخصياً أن مساعينا نحو الاستقرار محفوفة بالمخاطر، فيهوي علينا كمدّ دمّار، محطماً كل شيء في نوبة جنون عشوائية— —لأنك تكتسب هذه الرؤية لترى يا إريك. لم يُشف ميليميزارجو. لقد عاينته يتأرجح بين الصحوة والانحطاط مراراً وتكراراً. ليس هذا سوى نشوة عابرة، ستفضي حتماً إلى أعماق أعمق. —ولا تحسب كلمات الملوك شيئاً راسخاً في هذا الشأن.

لقد نظفتُ فوضى سماوية واحدة على الأقل كل عام منذ بلوغ فيرد هذه الكونية الجديدة، وسببت روزيتا عدداً من تلك الفوضى أيضاً. حاولنا إعانة السحرة من قبل. وتبوء بالفشل دوماً... صحيح أن أسباب تلك الفشلات ترتبط غالباً بظل ما، وقد تعاملت مع غالبيتهم بالفعل... —لكن. يا إريك. —حين أرمقك وأبصر الاحتمالات الماثلة أمامنا، يعتصرني الخلع. يخبرني كل ما خبرته أن القضاء عليك هو المسار الآمن، لأن المسار الآخر انتهى بالفعل إلى ألف مأساة، مع أهوال من الأفضل طيها ودفنها تحت أعماق الزمن.

وحتى إن كُللت مساعينا بالنجاح...— تابع كرومولوك: —حتى في أفضل المسارات الممكنة، وبعد بضعة مئات من العوالم، وبضعة آلاف أخرى من السنين... قد ينتهي كل شيء إلى تمزق آخر—. غمر الصمت أرجاء الغرفة. تعددت الاتجاهات التي أمكن لإريك سلوكها لدحض أقوال كرومولوك، بيد أن الرجل تحدث من قلبه بقدر ما تحدث من عقله. لذا سأل إريك: —أي نوع من الأهوال تبصره هناك، والتي تبدو أشد هولاً مما نرزح تحته هنا؟— —الاضمحلال الفراغي.

التجمد العظيم. التمزق العظيم. رشقات أشعة غاما. الثقوب السوداء الهاربة—. طرف إريك ببصر قليلاً، مستغرباً وصولهما لتلك المخاوف المحددة. أومأ كرومولوك مردفاً: —أنار وجودك بصيرتي حيال عدد غير قليل من الأهوال الجديدة، لأن شيئاً كالاضمحلال الفراغي هو ما تسبب بالتمزق غالباً، رغم أن ذلك لا يستقيم عقلياً أيضاً. لكنّنا سقطنا قطعاً في هذه الكونية الجديدة، فلعلّ ثمة قوة أساسية في الكونية القديمة قد انكسرت أخيراً—.

ورمقه بنظرة خفيفة قائلاً: —ومع انعدام المانا في هذا الكون، ومع إمكانات المانا، فإن شيئاً مثل [الاضمحلال الفراغي] واسع النطاق قد يقضي على كل شيء حقاً، ومن جديد، نظراً لخلو هذا الكون من أي حماية ضد المانا—. استغرق إريك لحظة، ثم قال: —لا بد من سنّ بعض المحظورات الجديدة—. —لا يقتصر الأمر على ذلك وحدها— قال كرومولوك —بل سيتطلب الأمر تشكيل تنظيمات بأسرها متفرغة لاجتثاث هذا السحر الرهيب.

في مستقبل يضم عوالم أوسع، وبقاء محاكم التفتيش قائمة، سيطتّم عليّ قتل ملايين البشر لإنقاذ تريليونات سواهم، ولن ينتهي القتل لأن... القتل لن يكفي—. —في اللحظة ذاتها التي يدرك فيها شخص يمتلك طاقة كافية هذا الأمر، فسيقضي على الجميع. وسيأتي ذلك من مصدر غير متوقع أيضاً. أحدهم يقرأ كتاباً عادياً تماماً ويربط خيوطاً غريبة تماماً، وفجأة... تمزق آخر—. —تتجاوز المشكلة ذلك الحد اتساعاً، رغم ذلك.

—تعلم أنك لست الكائن البعدي الوحيد الذي حلّ بـفيرد. وهذا يعني وجود عوالم أخرى غير عالمك الأصلي. قد تحوي تلك العوالم بشراً وأفكاراً تقوض هذه الكونية الجديدة كما نعهدها أيضاً، فالعديد من تلك الأماكن تفوق الأرض تقدماً.

تتحدث عن «سفن الفضاء»

ولدينا واحدة منها.

وتتحدث عن محركات «الفضاء الفائق»

ولدينا واحدة منها أيضاً.

توجد أجهزة تعمل على «شبكات إنترنت»

تفوق ما توفر لك على الأرض بكثير. لقد عاينّا قدراً مفرطاً من السحر الغريب من كثرة الكائنات البعدية... عاينّا أهوالاً هناك تفوق خيالك—. وأضاف كرومولوك: —ناهيك حتى عن السحرة الذين اضطررنا للقضاء عليهم قبل تدميرهم لهذا العالم—. جلس إريك مذهولاً. ثم تساءل: —إذن، لأن المشكلة جسيمة، ينبغي ألا نحاول؟— —أملك شخصياً، في الوقت الراهن، طاقة كافية لحل العديد من مشكلات فيرد— قال كرومولوك —ولن يظل هذا صحيحاً إن استوفيت أدنى التوقعات الملقاة على عاتقك—.

صمت طويل آخر. —ليس تقييد الحياة حلاً لأي شيء، وأظنك تدرك ذلك مسبقاً— قال إريك —ما تحتاج إليه هو العون. عون لضمان تقليص المشكلات و— —يلزمني توضيح الأمر بجلاء أكبر— قال كرومولوك —إليك مثالاً يسيراً لسحر محظور أشعر بقدرتي على إخبادرك به، لثقتي بأنك لن تحاول إلغاء حظره: الحب العنصري محظور. كان موجوداً. وما عاد موجوداً. صنعه أحدهم ثم خرج عن السيطرة فحُظر. لكن المشكلة تكمن هنا: كان على أحدهم صنعه أولاً.

إن صنع أحدهم اضمحلال فراغ عنصريّ، فسنموت جميعاً. لن تتوفر فرص ثانية. ولا إمكانات للتخفيف. بل ينتهي كل شيء، بينما ينتشر الفناء المطلق من نقطة الإطلاق بسرعة الضوء—. جلس إريك صامتاً طيلة لحظات مديدة. وانتظر كرومولوك. قال إريك: —إذن فلنبتكر قوة مضادة داخل المانا نفسها—. —حتى لو استحال أمر كهذا، وهو ما أشك فيه، سيأتي ساحر دمار ويمحو تلك القوة—. وبعد هنيهة، أردف كرومولوك: —توجد نظريات تفيد بوجود قوة مضادة سالفة في الكونية القديمة، لكن شيئاً ما أصابها.

ولعل دمار أو التواء تلك القوة المضادة النظرية قد تسببا بالتمزق—. بدا كرومولوك منفطر القلب لكنّه أخفى ذلك باقتدار. بينما شعر إريك ببراعم أمل تنبثق فجأة. سأل إريك متسائلاً بسرعة: —أكانت القوة المضادة هي ميليميزارجو؟— —لا. لقد تشبثت بـ—إنها نظرية يا إريك. وليست حقيقة—. قال كرومولوك: —الظلام الكر... ميليميزارجو هو التجسيد الحالي للظلام. نجهل تماماً ما آل إليه الظلام بذاته، لكنّه يرجح بقاؤه.

أياً ما يكن الأمر، فلم يكترث الظلام وتجسيده الحالي بما تقترفه طالما عززت النمو الشامل. لم يمثل الظلام قوة مضادة. بل سمح الظلام باستمرار للناس باستخدام السحر لتدمير الكواكب والبشر وشتى الضروب. لا يعد الظلام مصدرا للحياة أو الاستقرار. بل شكل مصدراً للفوضى العارمة—. —... يبدو ذلك كقوة مضادة في مواجهة الفناء التام بنظري—. ثم لاحت فكرة أخرى. فكرة عميقة بشأن أسطورة خلق الكونية القديمة سمعها سابقاً من الظلال أنفسهم.

قطّب إريك حاجبيه مستغرقاً في تفكُّر الكلمات المروعة في رأسه. ثم، لنفاد سعته عن احتضانها داخله، أفصح عنها: —وماذا لو تسبب الظلام ذاته بالتمزق؟ هذه الكونية الجديدة أرحب بكثير من كونيَتكم القديمة، أليس كذلك؟— عقد كرومولوك حاجبيه قليلاً، قائلاً: —لربما فعل. إنها نظرية أخرى—. —لا أعني ميليميزارجو. بل أعني الظلام الشامل—. أومأ كرومولوك: —إنّها نظرية—. قطّب إريك جبينه. —وماذا عن الملوك؟

أيمكن للآلهة أن تشكل قوة مضادة في المانا؟— —تمثل الملوك قوة استقرار لكنّها تعتمد على البشر لتعمل. ومن المحتمل جداً أن موت ملك معين —سواء عبر التضحية أو موت الأنا أو خلافه— قد دشن التمزق—. —حسناً. إذن... ما أسمعه يفيد بوجود قضبان قائمة بالفعل لدرء العديد من المخاطر، وأن الأمر يتطلب عملاً لدرء المزيد—. قال إريك: —وبصرف النظر عن الاضمحلال الفراغي، وهو مجرد نظرية على أية حال، تبدو الكوارث الأخرى إما أضخم من أن تُكترث أو أبعد من أن تُؤبه لها.

وعلاوة على ذلك! تقع كل هذه الأمور خارج نطاق ما يؤذي البشر ويسبب لهم الألم حقاً لدرجة تجعل التفكير فيها وارداً مرة أو مرتين، ثم تُطرح جانباً كهموم لصالح تحرك منسق لحل المشكلات الراهنة. —أفضل كثيراً الحديث معك حول أفكار ما بعد الشح، أو شبكات نقوش [التجديد] للجميع، أو استعادة الطرق الرئيسية للسكنى—. قال إريك: —هذه المخاوف التي تراودك حقيقية، لكنّها ليست ملحة... لكنّني أرى أن تلك المشكلات أبسط واقعية لديك من معضلة الوحوش المغيرّة على تخوم الضوء—.

—أنا المفتش يا إريك—. قال كرومولوك: —يتولى آخرون حراسة البوابات والجدران وتسيير الدوريات في الشوارع، لكنّني حفظت هذا العالم آمناً من ذاته منذ البداية. وتلك هي الأمور التي لزاماً عليّ الانشغال بها. وتلك هي مشكلاتي معك حيال فتح عوالم جديدة، وبروزك كساحر في العلن—. —حسناً. جيد. أدرك ذلك. لكنني لست المشكلة؛ بل تبحث ببساطة عن إجابة ميسرة ويسيرة لركام مشكلات لم تتوقع وقوعها قط—.

تنهّدت كرومولوك. —... هذا صحيح أيضاً—. أضاف إريك: —أعتقد أن هذا نقاش ينبغي أن تخوضه مع كافة الملوك وميليميزارجو أيضاً. كل ما أبغيه هو تحسين الحياة للجميع. لا يعنيني كيف يحدث ذلك؛ بل أنشد الأمان والسلام والحرية للجميع— وتراءت له فكرة. —آه. حسناً. ما رأيك بهذا؟ سحر أقدار يمكن للناس إطلاقه ليرشدهم مباشرة لمن يطلقون شيئاً يشبه [الاضمحلال الفراغي]، أياً كان شكل ذلك السحر المدمر—.

قال إريك: —قد يغدو قوة مضادة على عدة مستويات. امنحه لملك، ولحضارة، وشيّد ديانة حوله. ولعل سحرة العقل يقدرون على فعل ذلك؟ وبالتأكيد تدرك في هذا الباب أكثر مني—. ولبرهة أخرى مديدة، التزم كرومولوك الصمت. مفكراً. فرمق إريك بعينين ناعمتين ومليئتين بالأحكام. لم يبدُ البتة كرجل أزهق أرواح ملايين البشر. ولكن من جهة أخرى، حصد إريك أرواح عشرات الآلاف بنفسه، وأدرك تماماً أنه لا يبدو كذلك أيضاً.

قال كرومولوك: —هذه فكرة هامشية. ولن تؤتي أكلها غالباً، فضلاً عن استحالة إشراك ميليميزارجو في هذه الإجراءات. وحتى لو أُقرت هذه الفكرة، فستتطلب تحرير القدر من صندوقه أيضاً، وذلك أمر محفوف بالخطر—. —يبدو لي أنّه لم يكن حبيس صندوق قط، مادمت أخوض المسار الدنيوي—. —آه. لا. توجد أشياء كثيرة حبيسة صناديق يا إريك. الكثير والكثير من فنون السحر، المنزوعة من العالم—. ساورت إريك فكرة جامحة أخرى.

—ألهذا السبب جُنّ ميليميزارجو؟ أسلختم عقله عنه؟— —لا يساهم ذلك في شي‏ء، لكن البديل تمثل في الدمار الشتام—.

قال كرومولوك: —ومع ذلك، يمكنك استيعاب مشكلة أخرى تكتنف فتح عوالم جديدة، لا سيما مع طرح ميليميزارجو بشأن «المانا غير المقيدة في العوالم الجديدة»

حيث «يكتفي النص بحجز المانا على العالم، وتلك هي النهاية».

إن حظي ميليميزارجو بمدخل إلى مانا مطلقة فسيظفر بمدخل لكل سحر محظور نجحنا يوماً في قمع الاحتواء. ومن يدري ما ستحدثه هكذا طفرة مهولة للتنين المجنون، لذا تدرك نفورنا من خوض أي تجارب بهذا الاتجاه. في اللحظة التي تعود فيها سحرة محظورة محددة إلى الحظيرة...— قال كرومولوك: —لن أخوض في بيان مدى سوء ذلك. لكن يمكنك التخمين، وسيكون تخمينك قريباً بما يكفي ليعد صحيحاً—. تزاحمت الأفكار في رأس إريك دفعة واحدة.

لقد جَنَّ ميليميزارجو بفعل النص. وحفظه الجنون مستمراً بفعل المحظورات. وساعد سحر الجسيمات في إعادته من أعماق جنونه، غير أنه لم يُشفَ بعد. أ— تساءل إريك: —أكانت كذبة تلك المقولة القائلة إن جنون ميليميزارجو نبع من فقده للقسم الأكبر من كيانه؟— —لا. تلك حقيقة—. قال كرومولوك: —كاد ميليميزارجو يعجز عن الإمساك بزمام عقله قبل هوى فيرد في هذه الكونية الجديدة. استطاع إعانَتَنا على إيقاظ ملكة المعرفة، لكنّه بدا محطماً تماماً.

بدأ جنونه صغيراً في البداية، نظراً لوقوع الجميع في...

ما قد تسميه «صدمة»، رغم ضآلة الكلمة أمام ما وقع.

تعافى ميليميزارجو جسدياً بنسبة تقارب معدل تعافي الجميع، لكنّه بدلاً من التعافي عقلياً انزلق نحو الجنون، ثم انبرى لتدمير كل شيء وكل من استطاع بلوغه في محاولة لكسر النص—. فترة توقف. —ثمة ما لا يستقيم—. قال إريك: —قالت روزيتا إن ميليميزارجو قادر على تحطيم فيرد في أي لحظة يرغب فيها حقاً. فلماذا لم يقتل الجميع آنذاك؟— —نفترض نظرياً أن سبب ذلك يعود لكونه ملك السحر والتجسيد الحالي للظلام، لذا فحتى وإن أصابه الجنون جسدياً فقد بقيت أفعال محددة استحال عليه ارتكابها كملك للسحر.

ومن تلك المطلقات استحالة قضائه على كل منتج للمانا حوله. ولا يشكل ذلك مشكلة عادة للظلام، فقد عاين الظلام عوالم تفنى دون أن يحرك ساكناً، لكن بما أن كافة منتجي المانا تواجدوا على فيرد، استحال على الظلام السماح لتجسيده بإبادة الجميع—. وأردف كرومولوك: —وعطفاً على تلك النظرية، خرج ميليميزارجو ومضات من جنونه لاختبار مسار حركة المانا عند حافة النص، للتأكد من استمرار تدفق المانا إلى فيرد.

وهي تتدفق بالفعل، بالمناسبة. وتلك علة تمكن الكائنات البعدية من الظهور في هذا العالم أصلاً—. استند إريك بظهر إلى مقعده، مغمضاً عينيه مستغرقاً في التفكر. وبعد هنيهة فتح عينيه فرمق كرومولوك، متسائلاً: —ما عساي أفعله، كساحر، لحل أي من تلك المشكلات الوجودية؟— عجز كرومولوك عن النطق. بيد أن إريك امتلك المزيد من الكلام، فبثه: —أيمكنني بطريقة مفارقة ضمان حظر تعويذة [الاضمحلال الفراغي]

مع عدم إلقائها بتاتاً في المقام الأول؟ أيمكنني... التماس سبيل لرد ميليميزارجو من الجنون؟ كلياً؟ وسنّ سحر أقدار لضمان قوة مضادة في وجه تلك التهديدات الوجودية؟— وتابع: —إذ لابد من وجود حلول. وحسبنا إيجادها أو ابتكارها—. —... لا أمتلك أي حلول—. قال كرومولوك: —لكن مقاربتك هذه لتلك القضايا تبعث الأمل في نفسي للمستقبل—. استقام إريك في جلسته قليلاً. —لو أبدت الظلال استعداداً للحديث بصدق لفعلت.

لكنّهم لم يفعلوا. ومع ذلك، أثق بأنك صادق—. ابتسم كرومولوك ابتسامة باهتة وحزينة. —لا يسرني تقاسم التصنيف ذاته مع تلك الوحوش، لكن...— ترك أمراً مروعاً معلقاً دون إفصاح، ثم رمق إريك. —سيؤدي فتح عوالم جديدة إلى مصرع ما يناهز خمسين مليون إنسان جراء التدافع المحتوم. لقد سمعت هذا من قبل، لكنني أعيده لتعي ما سيقع—. —أثبت خطأ المتنبئين من قبل—. استوت ملامح كرومولوك. —أظنك فعلت—.

سأل إريك: —والآن... أود الحديث عن مخاوف أخرى أكثر إلحاحاً. جولة تمشيط لوحوش العقل، ربما؟ أو شيء آخر؟— توقف كرومولوك برهة، ثم قال: —حسناً. سأرفع الخصوصية عن هذا المكان، ليتسنى لنا الحديث بلا قيود، وبشكل أكبر حول الأحداث الراهنة، ومشكلات الوحوش القائمة—. أومأ إريك. ألغى كرومولوك حاجز الخصوصية المحيط بالغرفة. توسعت حواس إريك نحو الخارج. خلا الخارج من أي طارئ، باستثناء تجمع غالبية أوفيل على السقف، فوق الغرفة مباشرة.

انتابهم القلق. هدل أوفيل المستقر على كتفه مع عودة بصره واتصاله بذاته. كان أوفيل بخير. وبدا يغدراسيل بخير أيضاً؛ إذ عادت عين [التجسس] الخاصة بالعملاق بكسل لتطفو داخل الغرفة. وانكب إريك وكرومولوك على تداول مشكلات صلبة وقابلة للحل. وفي وقت لاحق، انتشر أوفيل عبر الأرجاء، مخترقاً الطرق الرئيسية وخلافها، يلتقط صوراً للمشكلات ويحدد مواقعها. لم يشكل التعاون مع كرومولوك عقبة، رغم توقع إريك تحوله لمشكلة في مرحلة ما.

أدرك الرجل وتنظيمه أن القضاء على إريك سيحل إشكالات تفوق بكثير تركه طليقاً، لكنهما أبا الإقدام على ذلك. وهو ما... جلب لهما بضع نقاط في سجل إريك. على ما ظن. لعلّه كذلك. لم يختلف العمل مع كرومولوك عن العمل مع بوي سوى بأقل قدر ممكن. أكثر برودة، نعم، بيد أنه يماثله في الجوهر. عُثر على الوحوش، وصُرعت، ثم توجّه الجنود نحو الصورة التالية العالقة في السماء الصخرية في مكان آخر من العالم السفلي.

وبعد عشر ساعات وبضعة فواصل، خلو نطاق ستراتاجولد بأسره، الممتد لأكثر من ألف كيلومتر في كل اتجاه من الجيود نفسه، من كل تهديد لوحش عقلي قابل للاكتشاف، وزاد عليه بضعة أخرى. ومن المرجح وجود بقايا تهديدات لوحوش عقلية متوارية في الطرق الجانبية المظلمة أو الكهف المفتوحة التي لم يطأها إنسان منذ مئة عام أو يزيد، بيد أن إريك عجز عن سبيل لاقتفائها وانتهي كرومولوك إلى إعلان التوقف، فبقيت تلك الوحوش البعيدة أو المستترة بمنأى عن القتل.

وفي غمرة ذلك كله، سأل إريك كرومولوك: —لم لم تُعنَ مقطعات الجواهر في هذا؟ يملكون سحر الضوء الخاص بي؛ ولا بد أنهم يملكون هذا السحر أيضاً—. —آه—. قال كرومولوك: —يملكون هذا السحر، لكنهم يفتقرون لبقية العناصر الضرورية لنجاح الأمر على هذا النحو—. —... تووقعت مراوغة أكبر حيال ذلك السؤال بطريقة ما—. ابتسم كرومولوك مبدياً: —يجهلون سر الدم الخاص بك؛ وهو ما يوقعهم في مآزق كبرى.

وإلا لكنا أنجزنا هذا منذ أشهر مضت—. —إجابات حقيقية!— ضحك إريك. —هذا يعاكس تماماً ما اعتدت عليه!— —نعم. حسنًا—. قال كرومولوك: —تمثل ركناً رئيسياً في قدر هذا العالم وبوسعي إفشاء الأسرار حيثما أراه مناسباً، وقد رأيت من المناسب كتمانك لأسرار محددة، كسرّ الدم. ويصعب تحقيق ذلك حين تجهل الأسرار التي تستوجب الكتمان وعلل كتمانها، لذا: الشفافية هي الحل—. —آه. حسناً—. توقف إريك.

ثم أردف بعد هنيهة: —سر الدم هذا مما ينبغي للبشر تعلمه عاجلاً أم آجلاً. ليس هذا العام ولربما بعد خمسين عاماً أخرى. لكن في النهاية—. أخذ كرومولوك هنيهة للتفكر، وعدل عن كلماته الأصلية، قائلاً: —كارثة واحدة في العام، من فضلك—. كاد إريك يسأله عما كان ينوح قوله لكنه استدرك، مختاراً عوضاً عن ذلك: —عدل متفق عليه—. إذ لا تبدو معرفة الحمض النووي قادرة على شفاء الناس بأي حال.

فذاك ما خُصصت له بقية فنون سحر الشفاء.