يمكنني القول إن دانييل — بغض النظر عن غرابتها الصامتة — لا تقدم ما يدعو للشكوى. فهي ليست فظة ولا عدوانية ولا تضمر تهديداً مباشراً. ولا تبدو ممن يعتقدون أنني أشكل مشكلة، وما دمت لا أنوي افتعال المشكلات فنحن نتعايش بسلام نسبيّ. أخذتني إلى خيمة أُعدّت لتكون غرفة اجتماعات، وبقينا فيها وحدنا ننتظر. ليت لدينا جهاز إرسال أو أي وسيلة لمتابعة أخبار المعركة، ولكن هذا جزاء السماح باحتراق جهازي، على ما أظن.
وما زلت لا أدري كيف حدث ذلك. آمل ألا أكون قد هضمت قطع الغيار سهواً؛ فقد للتو أدركت كم هي مفيدة هذه الشعبة من قدراتي، ولا أريد خسارتها مبكراً. وإن ذكرنا ما لا أريد خسارته، آمل أن أظل محل ثقة في الغالب. يبدو غريباً أن أفصح أخيرًا عن قدرتي على التواصل مع العدو، وبدا أن الأمر سار… بشكل أقل من مثاليّ. أو هكذا تماماً كما توقع إن-جوك، في الواقع. إنه لأمر محبط.
أتنهد بصوت مرتفع قائلة: "ليتني لا أواجه تشكيكاً مستمراً".
فتعلق دانييل متفاجئة: "لقد حظيتِ بقدر كافٍ من الثقة أهلككِ لدخول الغرفة نفسها مع الكولونيل بيكر. وهذا أفضل حالاً من كثير منا".
أرمقها بنظرة.
فأشير قائلة: "حسنًا، وأنتِ سُمح لكِ بالدخول أيضاً".
"سُمح لي، نعم. ودُعيت؟ لا. لقد كان الكولونيل بيكر أضحية مقبولة".
أسأل: "أضحية لأجل ماذا؟"
فتجيب دانييل: "من أجل النظام. من أجل النصر. من أجل الجنس البشريّ".
ممم. لا أملك إلا أن أتحرك قليلاً، بينما ترتجف أجنحة رأسي بخفة لتغطي عيوني الست باتزان أكبر.
أردف ببطء: "أظن دائماً أنها علامة سيئة حين يشرع المسؤولون في الحديث عن «الأضاحي المقبولة»".
تبتسم دانييل باصطناع، وتبقى نظراتها الزجاجية مثبتة باحترافية على كاميرا خلف رأسي لا وجود لها أصلاً.
وتقول: "أنتِ خطرة. وما كانوا ليسمحوا لي بمرافقتكِ لو لم تكوني كذلك. فقليلون منا يستطيعون قتل ملاك في عقر دار الملكة وحددهم. محاطين بالعدو. بلا عتاد. لكنكِ تستطيعين. وأنا أستطيع أيضاً. وإن كان الأمر أسهل بمسدس".
تستلهم يداها النحيلتان — الخاليتان من تلك الثآليل التي حفظ جسدي ربطها بالتدريب على السلاح — وتقبضان في الهواء ثم تبسطانهما إلى جانبيها، كمن يقبض على ذكرى ثم يدعها تفلت.
أسأل: "...هل يتعين عليهم «السماح لكِ بالخروج»؟"
أترى سيتعين عليهم إطلاقي يوماً ما، إن كنا متشابهين بالقدر الذي تعتقده؟
تجيب دانييل وكأن الأمر أبسط بديهيات العالم: "طبعاً. يجب مراقبتي وكبحي دائماً. هذا هو الصواب".
أعقب بالقول: "لا أراكِ مراقبة أو مكبحة الآن".
فتؤكد لي قائلة: "أنا مراقبة. وبحكم معايير المهمة، يجب أن أظل طليقة لحل طارئ. وأبذل قصارى جهدي لألا أستمتع بذلك".
يا للهول، إنها لإجابة مرعبة على عدة مستويات. تبدو هذه المرأة مضطربة نفسياً إلى حد ما. ويريد نصف كياني محاولة مصادقتها، إذ أستبعد وجود أصدقاء لها، مما سيجعل الأمر بغاية السهولة. ولكككني أظن أنني اكتفيت من أشخاص مخيفين بقوة بالغة ومجانين بعمق لليوم الواحد. فمهما كانت فائدة استغلال قوة الصداقة لاستمالة هذه الفتاة إلى صفي، إلا أنها ترعبني حتى الجحيم.
أقول محاولة إنهاء الحوار: "حسناً، نرجو ألا تقع طوارئ".
تومئ دانييل موافقة: "نعم. وأبذل جهدي لألا أتمنى وقوع طارئ أيضاً".
أجل، لقد ربطت القيادة قنبلة بمؤخرتي ولا يعنيهم أبداً إن احتجنا لتفجيرها داخل معسكرنا الأمامي. يرسم هذا صورة واضحة جلية عن مشاعرهم الحقيقية نحوي. أرى احتمالين لوجود دانييل هنا: الأول، أن هجوم برمته لا يعني لهم شيئاً وأننا نُمثل مجرد إلهاء، أو حقل تجارب، أو أي غرض تضحويّ بحت لا ضير فيه إن انصاع عنصر طائش ودمر كل شيء في طريقه. أرجو ألا يكون الأمر كذلك، فإن صحّ وجب عليّ اصطحاب عائلتي والفرار مهما كانت النتائج.
ويا للهول، ستكون هناك نتائج حتماً. أما الاحتمال الثاني، فهو رغبتهم الشديدة — وبشكل جنوني — في أن ننتصر. بما يكفي لوجود دانييل هنا كملجأ أخير، وهي التي تملك قوة تفترض كفاستها لردع الملائكة بمفردها، لكنها خطرة لدرجة يرفضون معها استخدامها إلا كخيار أخير.
وقياساً بحديثها عن «الأضاحي»، لدي شكوك مبهمة حول سبب تخصيص كائن بهذه القوة كملاذ أخير حصراً، ولا أريد أحداً أهتم لأمره بالقرب إن وصل الأمر لذلك.
ولكن هنا، نمتلك حلاً على الأقل: الانتصار في المعركة. لن تؤدي دانييل مهمتها إلا وقت الطوارئ، فلنتجنب إذن وضع الطوارئ. أمر صعب، لكنه مباشر.
فملائكة التجديف أسهل استدراجاً بشكل مضحك، وبعض عقائدهم الدينية تثبط الحس التكتيكي الأساسي مثل «التكاتف ضد الخصوم».
ينبغي أن يكون النصر محتملاً بدرجة أكبر بكثير ضد طائفة سانت لويس للثقافة المضادة مقارنة بطائفة شيكاغو لقطعك إلى نصفين بالضبط. كل ما أتناه هو العودة إلى هناك لأقدم مساهمة أكبر حقاً.
ولكني عوضاً عن ذلك عالقة هنا في سجن المرأة المرعبة، بانتظار شخص يملك من الجرأة ما يكفي لئلا يصاب بالذعر لمجرد سماع كلمة «ملاك»
فيسمح لي بالخروج.
يطل رجل يمسك بلوحة مشابك برأسه من فتحة الخيمة ويسأل: "سيرافيم؟"
أومئ له: "حاضرة".
"آه! ممتاز حقاً. و... من أنتِ؟"
"أنا دانييل".
يرمش الرجل وتتلاشى بشاشته سريعاً: "آه، حسناً، لقد جئت لأصطحب سيرافيم، إذن..."
تقول دانييل: "خذ راحتك".
يومئ بخشونة ويشير لي باتباعه، فأفعل. وتبعتنا دانييل صامتة بالطبع.
أسأل الرجل: "هل من جديد يمكن إخباري به عما يجري؟"
لا ضرر من جمع بعض المعلومات بتهذيب.
"أه، لا شيء مبهر، مجرد إعادة توزيع لمهمتك. وقد استغرق الأمر وقتاً أطول بقليل من المعتاد لموقف تكتيكي مماثل. إذ عجز فيلق الاستطلاع الاستباقي عن الوصول لتوافق حول ما ينبغي فعله بكِ".
أرد بصلافة: "أظن أنني مفعمة بالاحتمالات فحسب".
يوافقني: "هاه! أظن ذلك حقاً. فالقدرات الاستباقية غير موثوقة تماماً، لذا أستبعد وجود ما يدعو للقلق. ها قد وصلنا؛ تفضلي بالدخول".
وهذا يعني قلق بعض الناس إزاء الأمر. وكما توقعت تماماً. نلج خيمة أخرى، لأجد في داخلها لا سوى سي غاوث وفريقه من أصحاب القدرات الخارقة. يلقي نظرة عليّ فيطلق أنيناً.
"لا، لا، ارجوك، لا".
يتذمر قائلة: "السيد سي غاوث، لدي إضافة جديدة لفرقتكم".
"أتمزحون؟"
يتذمر قائلاً.
"أنتم القوم تفتعلون هذه الحماقات دائماً. إنها غير مدربة لهذا!"
يحاجج صاحب لوحة المشابك: "ومع غياب التدريب هذا، فلديها عمليتا تمزيق أجنحة مؤكدتان. وبتوجيه سليم، ستغدو مكسباً كبيراً".
يصر سي غاوث: "ليس هذا الوقت ولا المكان المناسبين لمنحها توجيهاً. نحن في خضم الانتشار! وربما تفصلنا عشر دقائق فقط عن إعادتنا إلى هناك! أنتم تعرضون فريقتي بأكملها للخطر من أجل مشروع شخصي".
أجل، يصعب نوعاً ما معارضته في ذلك. يبدو الأمر برمته فوضى عارمة. وربما هناك سبب مغاير لرغبتهم في التأكد من تواجدي بجوار أحد أفضل ممزقي الأجنحة في البلاد.
يصر صاحب لوحة المشابك: "أثق بقدرتها على حماية نفسها. والآن عليكم التعارف جميعاً، فلتعلموا تخميناً أنكم ستتحركون قريباً".
أقول قبل أن يغادر: "هل لي بجهاز إرسال بديل؟ وكل العتاد الذي أفتقده، من فضلك".
يأتي الرد غير الحاسم: "سأرى ما يمكنني فعله"، ثم يغادر صاحب لوحة المشابك ببساطة، تاركاً إياي مع أربعة أبطال خارقين ممتعضين للغاية.
يشتم سي غاوث جيئة وذهاباً بحنق: "هذا البلد اللعين. إنه لأمر سخف. حسناً يا سيرا. عرض سريع وعملي. ماذا تفعلين؟"
سريع وعملي. يمكنني فعل ذلك.
"يمكنني التعافي من أي شيء تقريباً، وإن قربتني للإمساك بشيء فسأتمكن من قتله يقيناً تقريباً. تكمن المشكلة في محدودية قدرتي على الحركة كحد أقصى وانعدام قدرتي على تهديد أهداف على مسافات بعيدة".
يومئ لنفسه: "حسناً. لابأس، يمكننا العمل مع هذا".
"وأيضاً، أرجو ألا تدعوني سيرا".
"حسناً يا سيرا. من أنتِ إذن؟"
تجيب دانييل: "أنا دانييل. ولن أرافقكم؛ فقد كنت أحرس سيرافيم ريثما تُسلم إلى رعايتكم فحسب. أرجو أن ترعوها".
وبذلك، تنصرف الجاسوسة. يعبس سي غاوث، ويحدق بي مطولاً قبل الالتفات إلى فريقه.
"حسناً يا جماعة. عرفوا بأنفسكم".
يومئ رجل شاحب ونحيل: "وايليد. متخصص دفاعي. يعيد مجالي توجيه الهجمات وتشويشها، من بين أمور أخرى. وإن شعرتم بقوتي تسري فيكم، فلا تحاولوا القيام بأي أمر مهم للغاية".
ويضيف سي غاوث: "ولا تكسروا التزامن. دعوا الرجل يعمل فحسب".
أومئ: "مفهوم".
ولمس مجال وايليد لأستشعره، ألمس تشابهاً واضحاً مع إميلي وإد. أهي قدرة فاشلة إذن؟
يعرّف الرجل التالي بنفسه: "إروبشن".
يشبه شعوره طيف أنا. رد الجميل، على ما أظن؟
"يمكنني إطلاق هجمات موجهة قائمة على الحرارة من الأسطح ضمن نطاق مجالي. والحد هو إمكانية الإطلاق من المواقع التي تضررت مؤخراً فقط، وتتناسب القوة طردياً مع حجم الضرر الواقع".
تباً، أجل، يبدو حقاً كقدرة يمنحها ملك يُدعى رد الجميل.
يقول سي غاوث: "نتعاون بشكل جيد، إذ تتمحور قوتي حول تدمير الأشياء. فجمع المزيد من الذخيرة لنفسي يمنح المزيد من الذخيرة له".
أومئ: "جيد أن أعلم. هل الكائنات الحية تُحتسب كسطوح؟"
يقطب إروبشن جبينه: "أنا... نجل، نظرياً. رغم أن إطلاق شعاع حراري من جسد أحدهم سيلحق به ضرراً بالغاً".
أشير قائلة: "مما يجعل قدرتك أكثر كفاءة، أليس كذلك؟ يمكنني التعافي مما تفعلونه بي، لذا لا تترددوا في اتخاذي منصة إطلاق إن سنحت فرصة جيدة".
تمتمت الفتاة التي لم تعرّف نفسها بعد: بحق الجحيم؟
يقطب إروبشن حاجبيه: "أنا... لن أفعل ذلك".
يقول سي غاوث: "لا تحاول التظاهر بالقوة يا بني. لكل قدرة حد. قد تكون قوياً، لكنك لا تستطيع التعافي للأبد".
أخبره: "أنا واعية تماماً لذلك. حدي مرتبط بكمية الطعام التي أتناولها. ولكني خزنت الطعام لأشهر. ولدي احتياطيات هائلة في الوقت الحالي. لا أقصد أن تستهلكوها عشوائياً، ولكن إن لمحتم فرصة تحرق ثقوباً في صدري لكنها تقتل الملاك؟ افعلوها. إنها جديرة بالاهتمام جداً. سأكون بخير".
"تستطيعين النجاة من ثقب يحرق صدرك؟"
أردف: "أكاد أجزم بنجاتي لو تطاير رأسي. لم أجربها لأسباب واضحة، لكني تعرضت لكل ما هو دون ذلك تقريباً".
يسأل إروبشن: "متى؟ وكيف؟ ألم تخرجي للتو من التدريب الأساسي؟"
يشرح سي غاوث عابساً: "لقد قامت بعملية تمزيق الأجنحة الأولى قبل التدريب الأساسي. ظروف استثنائية. لا جدوى من الخوض فيها الآن".
تعبس الفتاة غير المسمى بعد: "لقد كانت شريرة خارقة، أليس كذلك؟"
أعترض: "ماذا؟ لا".
يتنهد سي غاوث: "ليس حسب علمنا. رغم أنه مع قدرات كملوكي، من يدري. على أي حال، عرفي بنفسك يا مستجدة".
تقول المرأة: "...رافليشيا. عضوة مؤقتة. هنا لدعم الصدى والتنافر، في الغالب".
دعم الصدى والتنافر؟ إذن من المفترض أن تقوي مجالاتنا وتضعف مجالاتهم، مما يعني أن ملكها يكره ملوكنا ويحب التجديف. وهو ما... يعني يقيناً تقريباً أن ملكها هو التجديف، أليس كذلك؟ فإن كان إن-جوك محقاً ويحدث الصدى لأن الملوك تتصارع وترغب بفوز مختاريها، فإن التنافر يحدث لرفض الملوك قتالنا بعضنا البعض، فتضعفنا. تتمتع الملكة وملائكتها بالتزامن معاً، لذا يدرك التجديف عدم سعيهم لقتل بعضهم ولا يفعل شيئاً، ولكن حين يتورط أحد مباركي التجديف، يثبطهم التجديف بهدوء عن قتل بعضهم البعض.
...تكمن مشكلة هذه النظرية بالطبع في إحداثها لتأثير معاكس تماماً على أرض الواقع. فللحصول على استخدام مثالي للمجال، ستود تكوين فريق مع أشخاص يكرههم ملكك ومشاكسة من يحبهم ملكك... مع أصدقاء كاحتياط. وإن رفضت الملوك قتل مختاريها لبعضهم، فلن يكون للوضع الحالي أي معنى. يستحيل أن يكون مختار التجديف خياراً مثالياً لدعم المجال بغرض قتل ملائكة التجديف. أمد مجالي وأجس مجالات رافليشيا.
تتراجع، ولكني لا أزال أشعر به. تعفن، فساد، واشمئزاز من أجل الاشمئزاز. إنه بلا شك مجال للتجديف. هاه. ربما هي ميزة تخص التجديف وحده؟ فجزء من طبيعة التجديف هو كونه شاذاً متعمداً، لكن يبدو هذا الجواب أسهل من أن يُصدق. ربما لا تدرك الملوك حقاً عواقب أفعالها. ولربما... يفسر هذا بصراحة الكثير من خبايا العالم.
يأمر سي غاوث: "أخبريها بقدرتك الفعلية يا راف".
تتنهد: "أصنع نباتات لحمية. أنبت كرمات لحمية من الأشياء. وهي مقززة للغاية".
أهمهم: "أوه، هذا مفيد. كم ما يمكنك صنعه دفعة واحدة؟ وهل هي قابلة للأكل؟"
تحدق بي بتوجس.
"…هناك خطب ما بكِ".
فظة.
يوافقها سي غاوث: "أشياء كثيرة، أنا واثق".
يا للفظاظة!
أسأل وقد تسلل القليل من انزعاجي: "أتدرين رغبتي بأن أكون أقل تقززاً أم أشد خطورة؟ يمكنك اختيار إحداهما".
يجيب سي غاوث: "ما أحتاجه هو تركيزك على حماية إروبشن. هذه ستكون مهمتك. لم نعمل سوياً بالقدر الكافي لنتجنب إعاقة بعضنا هجومياً، لكنك خطيرة عن قرب وهو معرض للخطر إن اقترب شيء. وقدرته عشوائية جداً بحيث لا تُستخدم للدفاع عن النفس".
وهكذا، نعود للمسار الصحيح. أومئ.
أؤكد له: "يمكنني فعل ذلك".
يضغط بالقول: "هذا يعني عدم الانطلاق بمفردك".
أؤكد: "مفهوم. ثق بي، لم أنفصل عن فريقي لمبارزة ملاك حباً فيه. سأتبع الأوامر".
يقول سي غاوث بحزم: "جيد".
تتدخل رافليشيا قائلة: "لدي سؤال. لماذا نتجاهل تماماً لقطة صراخها في وجه ملاك ليذهب فيذهب ببساطة؟"
يرد سي غاوث: "لأنه أمر مجنون للغاية وربما لا يملك الوقت للخوض فيه".
أشرح: "الجزء المهم من الإجابة هو أن شبكة الاتصالات الفضائية بيولوجية ومن ثم يمكنني التنصت عليها. والملائكة ثرثارة بشكل يثير الدهشة".
تستنكر رافليشيا: "التنصت على... لقد صرختِ في وجهه بالإنجليزية!"
"لقد تحدثت بصوت عال لمصلحتكم. الاتصال الفضائي غير لفظي بالكامل، لذا فعلت الأمرين معاً".
يسأل إروبشن: "أتدعين أن الملائكة أذكياء بما يكفي لامتلاك لغة؟"
أؤكد: "يب. جميع الفضائيين في الواقع. هم أغرب قليلاً، لكنهم بشر بالتأكيد. يمكنني الترجمة لكم، إن شئتم".
يسأل سي غاوث: "إن كان هذا صحيحاً، فلماذا أنتِ معنا وليست في بعض فيالق الاستخبارات؟"
إنه لسؤال وجيه للغاية. أنبت زوجاً إضافياً من الأذرع لأتمكن من هز كتفي بضعف القوة.
"الجحيم وحدي أعلم".
وقبل أن يرد أحدهم بأكثر من نظرة غريبة، يطقطق جهاز الإرسال في خوذة سي غاوث ليبلغنا بأوامرنا. لا أسمع الكثير منها، لكنني أشعر بمجال قائد فريقي الجديد يلتف حولي فأفسح له. تقبض قوة غير مرئية على جسدي، وتثبتني بصلابة بينما ترفعني في الهواء.
يعلن: "حسناً، نحن نتحرك. أظن أنك لا تملكين مسدساً حتى يا سيرا".
أعترف: "بدأت أكون انطباعاً بأن القيادة العليا لا تحبني".
يسخر: "لا يمكنني تخيل السبب. فلنصعد".
يتم سحب التحريك الذهني لي خارج الخيمة وإلى السماء، ورغم إرعاب الأمر لي قليلاً في البداية إلا أنني أدرك أن قائدي الجديد يعرف ما يفعله. أجبر نفسي على الاسترخاء وتركه يجرني، ونصعد نحن الخمسة إلى السماء كتلة واحدة. وأمامنا، أستطيع بوضوح رؤية خطوطنا الأمامية الجديدة، وقد ترسخت بنجاح على الضفة المقابلة للميسيسيبي. يبشر هذا بالخير. أرجو أن يستمر هذا الاتجاه. أتساءل أي الأشخاص ممن تحدثت إليهم اليوم سنقتله.
إنه لفكر مأساوي بعض الشيء، لكنني أظن أن هذه هي الحرب لمن يطلبها. لا أستطيع إجبار نفسي على الحزن المبالغ فيه لمذبوحي التجديف، لكنه يظل كئيباً بعض الشيء. إنهم أغرب وأشرار، لكن ألا يظل هذا إبادة جماعية؟ أليس هناك حقاً طريقة أفضل؟
يقول سي غاوث: "يبدو أن القيادة ترسلنا خلف ذلك اللقيط الذي أخافته سيرا من قبل".
يتذمر إروبشن: "تباً للجحيم. هذا الشيء جدار قرميدي".
"مع ذلك، لا يمكننا السماح له بفعل ما يشاء بالقوات البرية. سهزمك سحقاً بطريقة أو بأخرى".
أستزيد للمعلومات: "بدت قوته كنوع من البوابات الدفاعية؟ تُدعى مبتلعة الفضائل، لذا أتخيل أنها تأكل الأشياء. قد يكون إطعامها فكرة سيئة".
تسأل رافليشيا: "الملائكة لها أسماء؟"
أقطب جبيني: "طبعاً لها أسماء. الجحيم، الملكة لها اسم، وإن كان متكلَفاً بعض الشيء. لكني أظن أنها ملكة، لذا..."
"كفوا عن الثرثرة. يا سيرا، إن ظننتِ أنكِ تملكين استخبارات موثوقة وذات صلة، فشاركيها. لست مهتماً بأي شيء آخر".
أخبره: "حاضر سيدي"، وأصمت.
نقتحم مجال الملكة قريباً بما يكفي، ومع اقترابنا من الخطوط الأمامية أبدأ بشم المزيد والمزيد من الثرثرة الفضائية. وسرعان ما ترحب بي الملكة بنفسها.
"تخاطب هذه الوحدة سارق الأجنحة الممزقة: أهلاً بكِ مجدداً في مأدبتنا".
"أنا غير سعيدة بوجودي هنا وأعتزم قتلكِ".
"إذن فأهلاً ومرحباً. نلاحظ رفيقاً محبوباً لملكنا يرافقك. يؤلمنا عجزنا عن محادثة أحدنا. طلب: سلمي مختارنا إلينا ليُعاد مولده على نحو لائق".
ماذا؟ لابد أنهن يتحدثن عن رافليشيا.
أجيب: "مفهوم مجهول: «إعادة مولد على نحو لائق»".
"ارتباك. تأمل. فهم. شعبكم يفتقر لملكات. سأشرح. تأمل: ألستم كل المختارين مولودين بلا قيود؟ واجبي وغرضي هو منح جسد يليق بالتجديف لأولئك المحبوبين من التجديف".
أه، هذا ممتع.
"كان افتراض شعبي هو أن أجساد المختارين تُصنع مسبقاً، وتُتبارك استجابة لأشكالها. طلب توضيح: هل كان هذا الافتراض خاطئاً، وتُمنح الملائكة أشكالها بعد اختيارها؟"
"تأكيد. تحمل هذه الوحدة أبناء ملكنا، وتحملهم مجدداً إن رأى التجديف لزاماً منحهم بركة".
"مفهوم. رفض غير مشروط للطلب".
"يفتقر ردكِ للباقة والدراسة لدرجة تصدمني وتزعجني، بالنظر إلى تفاعلاتنا السابقة".
الترجمة: ما الجحيم يا فتاة. ظننتنا أصدقاء رائعين.
أذكرها: "أنا أتجاهل تقاليدكم كما أفعل مع أي تقاليد أخرى، حين يخدم ذلك أغراضي. وأنا عاجزة عن التخلي عن المختارة التي تبغينها لأنني أنوي الاستعانة بها للمساعدة في هلاككِ".
"الوعي يشرق متأخراً عن المتوقع. تابعي ما شئتِ بدعمنا الأبدي".
الترجمة: أه، يبدو ذلك منطقياً حين تشرحينه. يالهي، لا أستطيع البقاء غاضبة منكِ.
"دعمكم يحيرني ولن يُرفض، بقدر ما يُفهَم أنني لا أزال أنوي قتلكِ".
"يمكنكِ، إن استطعتِ".
يعلن سي غاوث: "نقترب من هدفنا يا فريق"، جابذاً تركيزي نحو المعركة.
"ابقوا حذرين".
حقاً، حسناً. التركيز، جولييتا. أستبعد قدرة معظم الفريق على الطيران دون دعم سي غاوث، لذا فإما أن نُجر طوال المهمة أو نُستقر جوارها على الأرض أو الأرجح أسطح المباني. والأرجح هو الأخير، لئلا يضطر هجومنا الرئيسي للتحكم بنا دقيقة بدقيقة. وبما أن مهمتي هي حماية إروبشن، فمن المحتمل أيضاً إنزالنا بينما يبقى الآخرون في السماء، اعتماداً على نطاقاتهم المؤثرة. ألمح هيئة مبتلعة الفضائل المقززة، وهي تحوم فوق الخطوط الأمامية وتذبح القوات على الأرض بخلق بوابات فوق رؤوس القوات وإسقاطهم للأسفل، دون ترك أي أثر خلفهم.
قد تكون «البوابات»
أو لا تكون في الواقع بوابات لأي مكان معين؛ فهي تبدو ببساطة كقرراص عائمة ثنائية الأبعاد تحوي بعض الظلام صعبة الإدراك في داخلها. وما يهم هو أن ما يدخل فيها لا يخرج. ولا يبدو حتى أن تغطية مجال الخارقين المتصلين تحمي الجنود بالأسفل، فتترك كتلة مبتلعة البطيئة موتاً بالأسفل أينما حامت. يُلتهم العشرات خلال لحظات محدودة أقضيها مذهولة.
تقول مبتلعة الفضائل: "أهلاً بالضيفة المفضلة. يؤسفني إحضاركِ آخرين لمساعدتك".
أرد محشوة بالأجنحة استعداداً: "إذن موتي محبطة. مستعدة للسقطة".
يقول سي غاوث: "سقوط"، فأشعر بتلاشي القوة غير المرئية، مع بقاء كل زخم سرعتي بالطبع.
لقد كنا نتحرك بسرعة جنونية حقاً، لذا أوجّه سقوطي فحسب، معززة امتصاص الصدمات لتجويفي القحفي، ومزيلة لأي عظام غير ضرورية قبل الارتطام، فيتحطم جسدي، ويتقلب، ويجمع نفسه ليعيد تشكيلي على قدمي في حركة واحدة. يُنزل إروبشن برفق شديد على السقف بجواري، لذا أقفز لألتحق به.
يقول: "يا يسوع. ألا يؤلم هذا؟"
أعترف: "أظن ذلك. رغم وجود ما هو أسوأ من الألم. انتبه".
"أراه".
تطير إحدى بوابات الفراغ نحونا، لذا أعد نفسي للإمساك بإروبشن والقفز عن السقف عند الحاجة. ولحسن الحظ، يجمع سي غاوث كتلة ضخمة من الأنقاض تحت سيطرته، مطلقاً بعضها على مبتلعة ليجبرها على الصد. ساحة المعركة بالأسفل عبارة عن فوضى عارمة. ذُبحت أجزاء ضخمة من الناس بينما حوم الملاك، ولم يكن دعم القدرة القياسي كافياً للتعامل مع هجوم ودفاع مبتلعة الهائلين. ودون الحاجة للحفاظ على مجالاتهم لأنفسهم حماية من ملكتهم الخاصة، يمكنهم تركيز الأهداف مع البقاء في أمان نسبي من الانتقام.
لا أريد حتى معرفة عدد الفرق التي سقطت قبل وصولنا، ولكنا لحسن الحظ نبدو كمن يملأ الفراغ بجنود جدد قبل أن يتمكن العدو من الاندفاع ومحاولة الالتفاف حولنا.
يسأل إروبشن: "ما حجم الضرر الذي يمكنك إحداثه للأشياء حولنا؟"
أجيب محولة ذراعاً إلى مدفع أسيد: "الكثير".
"صحيح. حيث أوجّهك. هناك!"
أتقيأ الأسيد على الأرض، ومع تلاحق البقع، تنفث أشعة أسطوانية متوهجة صعوداً من منطقة الاصطدام، متقاربة نحو مبتلعة. يضايق سي غاوث بإطلاقات الأنقاض كذلك، لكن أغلب ما يطلقه يُلوى لشيء عديم الضرر تقريباً بقوة الملكة ويُأكل الباقي عبر البوابات. يا له من هوس مزعج بشكل رائع. لا أستدرا حقاً كيف سنهزمه.
يصيح سي غاوث: "وايليد! سأقربك منه! وأنتِ أيضاً يا راف! لن ننال هذا الشيء إلا إن ارتكب خطأ!"
"نجعله يخطئ يا سيدي".
"أغ".
يطلق سي غاوث حمولته بالكامل — بما في ذلك وايليد ورافليشيا — نحو الملاك. وحين ترسل مبتلعة بوابات نحوهما لاعتراضهما، ترتجف البوابات المتجهة نحو وايليد وتنحرف قليلاً عن مسارها بينما يقلل حضور رافليشيا المجرد من مداها وقوتها. يوسع إروبشن مجاله لأوسع نطاق ممكن، معتمداً عليّ لحمايته بينما يزيد زوايا هجومه الممكنة للحد الأقصى. أطلق المزيد من الأسيد، ونشبع جميعاً الهواء المحيط بالملاك بكمية هائلة من الهجمات.
واستجابة لذلك، يقلصون مجالهم ويركزون كلياً على الدفاع، لا سيما مع نجاحهم بتجنب الإصابات تحت الهجوم المتواصل.
يأمر سي غاوث: "حافظوا على الضغط حتى يتصدع!"
مداوراً بوايليد ورافليشيا تحريكاً ذهنياً حول مبتلعة لتجنب الانتقام استباقياً. وتضمن الرقصة المعقدة تدفقاً مستمراً للأنقاض نحو الملاك، وتخطئ كلها بفارق ضئيل أعضاء فريق سي غاوث أنفسهم محاولة لإحداث اتصال. أقلق قليلاً من سماحنا لمبتلعة بابتلاع الكثير، ولكني أظن أن هذا تخمين تام من جهتي. ربما تكون قدرته أقل ترجيحاً لبناء شحنة انتقامية لمجرد مشابهتها لما يمنحه رد الجميل لمختاريه.
وربما ما يمثله تبتلع الفضائل من تجديف هو التحمل اللانهائي، ورفض الانتقام بالمثل. ولكنه أيضاً ببساطة يأتقي ويفترس الناس ببوابات عائمة غريبة، وهو ما يمكن تصنيفه يقيناً كانتقامي، لذا أغلب الظن أنني أبالغ في التفكير في كل هذا. والخبر السار هو أننا — باستثناء جانب مجهول من قدرته — نجعله في حالة تعادل على أقل تقدير. وهذا أفضل بكثير لقواتنا مقارنة بقواتهم.
"أهلاً، سارق الأجنحة الممزقة. برجاء النظر إلى هنا".
هاه؟ ألتفت حيث أسمع الإشارة، لألمح لهاثاً أزرق أثيرياً ينتشر من مبنى لآخر على بعد بضع كتل سكنية. يرقص عبر الخشب، متمدداً بنهم بينما يلتهم وقوداً بوفرة. تتراقض أصابع اللهب السماوية وتومض كلما ازدادت كبراً، بجمال غريب يفرض انتباهي. ورغم هدير النيران عبر المباني الخشبية، إلا أنها لا تبدو مستهلكة أو محروقة. ولا تذبل المباني لتتحول إلى فحم، لاهثة أنفاسها الأخيرة بينما يُستنفد كامل جمالها في لحظة مجيدة قصيرة.
ثمة ما هو محزن بعمق وغامرة في ذلك. هكذا ينبغي ألا تكون النيران. يجب أن أذهب. يجب أن أترك النيران تحرقني صحيماً. انتظر، ماذا؟ يجب عليّ! قد تكون النار أكثر بكثير. قد تكون نهاية جديرة لكل شيء! وبجواري، تلتقط النيران نظرة إروبشن، ليصاب بمثل ذلك الذهول— انتظر، لست مذهولة، أصحبت كذلك؟ —وهو يشرع بالاقتراب من المحرقة. أتبع... ثم أجبر نفسي على التوقف، لأن ما اللعين الجاري هنا؟ يرتجف جسدي ويتمرد على أوامري، متوقاً من جزء مني للوثوب في النيران بيأس فاق ما عرفته قط.
لكن جزءاً آخر مني، الجزء العاقل، يشعر بالانفصال عن كل ذلك. يريد دماغي مني الانتحار. ومع ذلك، اعتدت تماماً أمر إخبار دماغي بالكف عن الحماقة عند هذه النقطة، لذا آمره بالإغلاق اللعين والإمساك بإروبشن قبل ارتكابه أي حماقة. ولمفاجأتي، يتخبط جسدي بعجز استجابة للأوامر المتضاربة. هذا مزعج. أظن أنه يتعين عليّ فعل ذلك مباشرة. أتخطى إخبار دماغي بالأمر لذراعي للإمساك بإروبشن وأشكل ذراعي لتتخذ وضعية جديدة مباشرة.
تفشل الليمفا العرجاء بالإمساك بإحكام ويستمر إروبشن في المشي، لذا أتخلى عن تظاهري باحتياج الأصابع وأمد محلاقاً طويلاً بما يكفي لضمه وإرجاعه. يبدو مستعيداً لوعيه حين أغطي عينيه عرضاً، لذا أزيل تشكيل خاصتي أيضاً، معيدة جسدي لسيطرتي الكاملة.
يشتم إروبشن متبدلاً جهازه: "ما اللعين... أوه، تباً!"
"هنا إروبشن، لدينا إكراه عقلي مرئي في سي-11، نطلب دخاناً في المنطقة. تأثير إكراه في سي-11، نطلب دخاناً في المنطقة. تحويل".
يلتفت إليّ ويطوق كتفي: "أداء رائع يا فتاة. والآن احصلي على الباقين!"
أستطيع شعوره يشير بمجالي، وبطبيعة الحال لا أرى شيئاً يشير إليه نظراً لتعميتي المؤقتة. أعيد تشكيل العيون بذلك الاتجاه، متأكدة من عدم التطلع نحو النيران مجدداً، وبالتأكيد يعاني بقية فريقنا. من الواضح أن سي غاوث قد أُصيب بالذهول. والخبر السار والسيء هو تسبب هذا بإسقاطه لوايليد ورافليشيا. هذا جيد لأنه أنهى دخول الاثنين في الذهول؛ وهو سيّء لأنه تركهما عزل بلا حماية نسبياً ضد مبتلعة الفضائل.
عُثر على رافليشيا وايليد قبل السقوط بنمو هائل لما يبدو كجلد بشري وأعضاء. ولو لم ترَ سوى الخطوط العريضة لفوضى اللحم لبدت كشجرة فاصوليا متلوية، من تلك التي قد يتسلقها شخصية خرافية للسحب. لكنها ليست شجرة فاصوليا بحال. إنها أنبوب عملاق طري من اللحم مع أوراق جلدية متدلية. أود بشدة، بشدة معرفة قابليته للأكل. سيفيد ذلك احتياطيات طاقتي والتنظيف المحتم لاستخدام هذه القوة.
تبذل سيقان اللحم قصارى جهدها للتحرك وإزاحة ساكنيها بعيداً عن هجمات مبتلعة الفضائل، لذا يحتاج تركيزي لسي غاوث. أقفز عن السقف وأهز أجنحي، صاعدة للهواء لمحاولة اعتراضه، وحتى رغم ذهوله فهو أسرع مني بكثير. أحتاج فقط لقطع خط رؤيته لحظة! أتحول لصقر، وأهوي بزاوية، وأتحول لفهد قبيل ملامسة الأرض. أكسر ساقاً بالاصطدام، لكن تصليحها هين، وأعدو بأقصى سرعة بالشارع، متجاوزة سي غاوث من الأسفل.
وما إن تتوفر مسافة صغيرة، أقفز وأتحول لطائر، مستخدمة زخم سرعتي لاكتساب الارتفاع بسرعة وإقحام نفسي أمام قائد فريقي. مقحمة نفسي نحوه، أقوم بتحول أخير لأخطبوط منتصف الهواء وأصفع واجهة وجهه، ملتصقة ومعرقلة رؤيته. رد فعله فوري. تحاول قوته غريزياً تمزيقي أشلاء، مخترقة جسدي وجاذهة بكل اتجاه دفعة واحدة، ورغم قسوة الألم الاستثنائية إلا أنه يتوقف سريعان كبدايته. يلتفت سي غاوث مبتعداً عن النيران، ثم يربت بخفة مرتين على المحلاق.
يقول: "أنقاذ جيد يا سيرافيم. أعطني عينيّ".
أفك محالقي عن وجهه، وأثبت نفسي فوق خوذته بدل ذلك، ثم أنبت رئتين تتنفسان الهواء لكونه أسهل من أكسدة دمي يدوياً. أوه أجل، ينبغي إعطاء نفسي أوتاراً صوتية بالمناسبة. أنا الآن أخطبوط بفم بشري غريب حيث ينبغي لمنقاري التواجد، وهو ما يبدو خاطئاً قليلاً لكنه ينجز المهمة.
أسأل: "أظن وجوب بقائي قريبة تحسباً لنظرتك نحو هناك مجدداً صدفة؟"
يؤكد سي غاوث: "يبدو جيداً. أراقبته قادماً من اتصالاتهم؟"
"لا، لقد تخلصت منه ببساطة"
أجيب بصدق. لا أدري صراحة كيف فعلت ذلك. بدا الأمر برمته أشبه بالوقوع تحت سيطرة القائد. ربما علاقتي الغريبة مع دماغي تعطيني مقاومة طبيعية للتأثيرات العقلية؟ أغريت، وأُغريت بشدة بالنظر للوراء نحو النيران لاختبار نظريتي. وأستسلم للإغواء، محركة عيوني الكبيرة برأسي لرؤية ذلك الأزرق المبهر مجدداً. فوراً، يريد جسدي الانفصال عن قائد فريقي والقاء بنفسه في النار، لكنني أتوقع الأمر هذه المرة وأبعد عيني قسراً عن الجمال بقوتي.
ومن ثم، يعود عقلي كاملاً إليّ مجدداً. حسناً، على الأقل الخדعة موثوقة. ورغم ذلك، أندم تماماً على تلك النظرة الورائية. لم أحتج لرؤية العشرات، وربما المئات من البشر المندفعين لتغذية المحرقة بأجسادهم. يبدأ سي غاوث بجمع الأنقاض، كاشطاً كتل الشارع عن الأرض ونحن نحلق فوقه، لتتصاعد سرعته طوال الوقت. يعاني بقية فريقنا للنجاة ضد مبتلعة الفضائل دوننا، لذا ينبغي استئناف حالة التعادل بأسرع وقت.
إنه لأمر محبط، محبط مروع، فمع عملنا الخمسة معاً فهذا أفضل ما يمكننا بلوغه. أشعر كأنني لم أساهم بشيء تقريباً، ولكن ماذا يُفترض بي إنجازه ضد قدرة كهذه؟ ففي أي لحظة، لا تملك مبتلعة سوى الفجوات الأصغر في دفاعاتها، فتظهر بواباتها وتختفي من العدم بسرعة مذهلة، وقادرة على اعتراض أي شيء تقريباً. سيحتاج المقذوف لكمية هائلة من تعديل المسار منتصف الرحلة لمجرد الحصول على فرصة للاختراق.
… لا ينبغي لي فعل هذا حقاً.
أخبر قائد فريقي: "ارمِ بي نحوهم".
يرفضني فوراً: "ماذا؟ لا! أجننتِ؟"
"أنا مرنة، قابلة للمناورة، وخطيرة استثنائياً عن قرب. يمكنني فعلها".
يرد: "أنتِ حمقاء متغطرسة هذا ما أنتِ عليه. لا فكرة لدينا عما تفعله تلك البوابات، نعرف فقط أن ما يدخلها لا يعود أبداً. قد تسبب تفككاً فورياً. قد تنقلك إلى الشمس اللعينة".
"هي دائماً دائرية، ولا يمكنه صنعها إلا بحجم محدد. وهو لا يصد كل شيء إلا بصنع طبقات متعددة من الدروع، لكن الفجوات لا تزال موجودة. إن كنتُ سريعة بما يكفي، يمكنني الانزلاق خلالها".
يعارض سي غاوث: "وإن لم تكوني سريعة بما يكفي، فستموتين. انظري يا فتاة، أعترف بامتلاكك للموهبة، لكن هذا أدعى لعدم إلقاء حياتك مهدرة بفعل حماقات. لا يمكنك الازدياد قوة إن متّ".
أعده: "سأعيش. لا يمكنه قتلي".
تخرج الكلمات من فمي قبل استيعابها بالكامل، ولكني أتفاجأ بثقتي الكبيرة بالادعاء. لا يمكنه قتلي. أليس كذلك؟ لماذا لا يمكنه قتلي؟ ولماذا أشعر بوجود شيء ينقصه؟ هل أنا تحت إكراه عقلي آخر؟ من طرف عيني، ألمح شيئاً على الأرض. هيئة بشرية، تتكئ بلا مبالاة على جدار. تلتفت إليّ، وبابتسامة، يمنحني إن-جوك إشارة الإبهام لأعلى.
أصر مجدداً: "يا رئيس، أعدك، لن أمتد. لا شيء يستطيع فعله قتلي. لن يكفي الأمر. أدخلني هناك، امنحني فرصة جيدة، ولن أخذلك. أضمن لك ذلك".
"أجننتِ؟ يستحيل أن أفع—"
تنفتح بوابة بقرب شديد من أحد نباتات رافليشيا اللحمية، لتبتلع الساق وتتسبب بتهاوي المرأة بالأعلى نحو بوابة أخرى. ينمو نبات آخر من الأرض لتوجيهها، لكن ليس بالسرعة الكافية. تسقط جزئياً داخل البوابة، مستقرة ذراعها اليمنى داخل الحدود، بينما يهوي باقي جسدها متجاوزاً. تُبتلع الذراع بالقوة. ويستمر باقي جسدها بالسقوط وكأنها لم تلامس شيئاً قط. يتفجر الدم من الجرح، ملوناً نباتاتها بالأحمر.
"أرجوك سيدي".
يصك سي غاوث على أسنانه، ولكني أشعر بقوته تقشرني عن خوذته وإلى الهواء، فأمنحه التحكم.
"حسناً"، يقول: "أنجزها، يا ممزق الأجنحة".
يندفع بي نحو الملاك، فأتكور ككرة لحمية انسيابية. تظهر بوابات للاعتراض، لكن سي غاوث يناور بي حولها، مقرباً إياي أكثر فأكثر من هدفي. وسرعان ما أكون بذات المسافة التي دارت بها رافليشيا وايليد حول الملاك قبل قليل، وأحصل أنا أيضاً على دور في تلك الرقصة مع رفع سي غاوث لوايليد لينضم إليّ. بينما تُسحب رافليشيا بعيداً عن الملاك، منقولة إلى السقف مع إروبشن ليحاول إسعافها أولياً.
يتم تدويري بسرعة خيالية، بقوى الجاذبية الكافية لجعل التفكير صعباً ريثما أعيد تنظيم هيكلي الداخلي لأتكيف بشكل أفضل. بالقرب الشديد من الملاك، تتداخل البوابات كجدار صلب من الحراشف، مقتفية دوراننا ومحاولة حشرنا لاقتطاع المزيد من أجزاء الجسد. ومع ذلك لا يستطيع الملاك صنع دفاع مثالي. توجد فجوات بين الطبقات، وتأخيرات طفيفة كلما اضطر للتفاعل مع هجوم غير متوقع، ورغم عدم كفاية النواقص لإيذائه حتى الآن، فلم نحصل على الذخيرة الصحيحة قط.
يخلق وايليد فتحتي، بانزراف بوابتين قليلاً بالاتجاه الخاطئ، لكنه كافٍ لمنحي فجوة. يرى سي غاوث الفرصة، مطلقاً إياي نحو هدفي بتسارع مفاجئ وعنيف لدرجة أفقد فيها الوعي لثانية لتجبر جسدي للعودة للعمل. تظهر بوابة أمامي، لكني أتخذ هيئة سنونو، وتعرج بي رفشة ذيلي نحو اتجاه مختلف، مكبدة بالكاد الدرع. أتفادى حاجزاً آخر، ثم آخر، لكن تفاجئني بوابة قريبة جداً أستحيل تفاديها. لذا لا أحاول تفاديها.
أزداد كبراً. أمد محالقي لكل اتجاه، ثم يصطدم جوهر جسدي بالبوابة وينعدم وجوده. متفككاً أو منقولاً، تلك المادة لم تعد تخصني. أشعر بها حين يضرب جسدي حافة ذلك التمزق المكاني، مبتلعاً الغالبية العظمى من كتلتي دفعة واحدة. عيوني، آذاني، فمي، أنفي، وكامل دماغي. يزول الألم. يزول البصر، يزول الصوت، يزول الشم، يزول اللمس، يزول كل شيء لعدم امتلاك اللحم بمجالي لأي وسيلة لإدراكه.
لكن مجالي ذاته يستطيع إدراك اللحم، وتلك الأطراف الصغيرة لمحاققي التي نجت من الإبادة لا تزال تخصني. أعرف بيولوجيتها، ورغم عديم قيمتها، بافتقارها لأي شيء يحافظ على حياتها لأكثر من ثوان معدودة أخرى، فهي تظل ملكي. وهكذا، أجعلها تنمو. لا أرى، أشعر، ألمس، أو أذوق، لكني أتعرف على لحم الملاك ضمن مجالي وأسجل قالبه كخاصتي. لماذا أحتاج الرؤية بينما يمكنني المعرفة فحسب؟ يُؤمر كل جزء متناثر من المحلاق بالامتداد، والحفر، والاصطدام بجسد خصمي والغرز في قلبه بجذور من عظم.
تكتشف قوتي أنظمة شم الملاك الهائجة استجابة، مطلقة بلايين الكوادير من المواد الكيميائية بصراخ صامت، لكن لا أستطيع سماعها ولا شمها. إنها ببساطة حقيقة اللحم الذي أستهلكه من الداخل، هامش لقالب سريع التداعي، منحدر لحالة أقل مثالية شيئاً فشيئاً بفعل تعطل أعضائه جراء الثقوب والجروح. يتخبط هدفي، غير التابع لي بعد لحيازة مجاله على القوة، لكن ليس بالقدر الكافي لصد الإبر الدقيقة الكثيرة التي علمني إياها سارق الحب السماوي الاختراق بها.
ومع وصول جذوري للداخل، وبدء سقوط فريستي من السماء، أمد حول خارجه قفصاً من عظم أنمو حوله لأبتلعه. نرتطم بالأرض، ورغم إمكانية إصلاح الضرر اللاحق بي، فالملاك ليس محظوظاً بمثل ذلك. لا يستطيع فريستي حتى الاختلاج في سكرات الموت، مسرباً سائله الهيدروليكي بكل مكان داخل هيكله المحطم. أنمو أعمق فأعمق بالداخل، وأجد جوائزي أخيراً: القلب، والدماغ. أمزقهما حتى يتلاشى مجال التجديف المتثاقل اليائس إلى لا شيء، ويصبح اللحم كله ملكي دفعة واحدة.
يا له من قالب غير مثالي. أصلحه بلحظات، لكن هذا الجسد ليس مبنياً للطرق العملية للعبور، بل المتانة فحسب، لذا وبرعشة امتعاض ألويه لشيء أكثر إمتاعاً. أرجل أقوى، جوهر أنيق، أسلحة مثبتة بالأطراف للطعن والتمزيق والافتراس. ينبغي أن يكون القلب أقوى، والرئتين أكبر، والدماغ... آه، نعم. ينبغي أن أملك دماغاً عاملاً. يعود الوعي لي دفعة واحدة. نسخ كامل الجهاز العصبي للملاك بلا تعديلات سيكون غير مثالي، لذا وبدماغي الهجين يمكنني التعرف فوراً على البشر كما هم، حلفائي وأعضاء فريقي ممن ليسوا طعاماً ولا خصوماً.
يبدون قلقين للغاية. أظن أن كل ذلك بدا غريباً قليلاً من الخارج. ينبغي أن أحاول طمأنتهم. برعشة، أبتلع معظم لحمي الجديد عائداً لمجالي، معيدة نفسي لرجلين، ذراعين، وبضع أطراف أخرى فقط. أبقي جلد الملاك، كونه دفاعاً أفضل بكثير من أي يقدمه الجسد البشري، ناهيك عن الريش المعتاد تغطية نفسي به. متأكدة من جهوزية أسلحة وفيرة تحسباً لأي هجوم، أنهي تحولي بالنظر صعوداً حيث يحدق سي غاوث بي ومؤدية له تحية عسكرية حادة، بابتسامة واسعة الفم ليعرف أن كل شيء على ما يرام.
ينكمش البشر الناظرون إليّ جميعاً خوفاً. أظن أنني أفعل شيئاً خاطئاً. هذا مزعج، فأنا جيدة بهذا عادة. عواقب عدم امتلاك دماغ لفترة، ربما؟ غالباً. هيا، تفكري، ما أنا... أوه، أبدو مرعبة كاللعحيم، أليس كذلك؟ صحيح. صحيح صحيح صحيح. أعود لهيئة سيرافيم المعتمدة علاقاتياً، طاوية أجنحتي بإحكام على ظهري كإجراء وقائي. بخجل قليل، أنظف حلقي.
أعلن: "همم، تم تمزيق الأجنحة، سيدي".
تستنكر رافليشيا بصوت كفحيح، بينما ينمو نموذج أصغر من أحد نباتاتها اللحمية من جذع كتفها.
يبدو أنه يوقف النزيف: "وظننت قدرتي مقززة".
ومع استمرار فريقي بالتحديق بي برعب، أحرص على الثبات، لعدم رغبة إفزاع أحد لإطلاق النار عليّ. وعلى هبوب الريح، لا أزال أشم صرخات الموت لآخر وجبة لي، وبالتبعية، كلماتها الأخيرة.
"تقرير: هذه الوحدة (مبتلعة الفضائل) ميتة".