ألست بشراً حقاً؟ الفصل 23 — لا باس بالقليل من الغرابة

اقرأ ألست بشراً حقاً؟ الفصل 23 — لا باس بالقليل من الغرابة باللغة العربية على مانجا تايم.

انقضت الجولة الرابعة دون ضجة تُذكر. لا أحد من المتنافسين يعنيه أمري، لذا قضيت معظم الوقت أتأمل تصاميم بديلة لأعضاء الجسم وأهضم في الخفاء الكتلة الحيوية التي نبذتها سابقاً. تبيّن لي أن إضافة مرئ مريء إضافي ليست بالعملية المعقدة، ويمكنني حشر فم حول عضلات بطني أو بجانبها دون مشكلات تُذكر. تكمن المشكلة الكبرى في الجاذبية؛ فقد حاولت في محاولتي الأولى إضافة حلق ثاني لرفع الطعام نحو قاع المعدة، وكان ذلك عديم الجدوى وغير عملي، بل وأدى فوراً إلى تدفق حمض المعدة نحو نسيج غير مهيأ عند محاولة البلع.

شعور مزعج للغاية، لكنه درس مفيد للمستقبل. كان يجدر بي على الأرجح الالتفات للمباراة الرابعة. هناك احتمال، وإن كان ضعيفاً، أن يتغلب الفائز على بيتر بطريقة ما وأضطر لمواجهته في مباراتي الثالثة، لكن إن وجد من تزيد قدرته خطورة عن القدرة على إزاحة المادة الصلبة باستخفاف، فلست أدري حقاً أي نوع من الخطط يمكنني تدبيرها ضده. على أي حال، انتهت المباراة الآن، وسأتابع القادمة بكل تأكيد.

فماريا مشاركة فيها بعد Lang.

توجّهت كريستين نحو ماريا قائلة بصوت هادئ: "كوني حذرة. بمقدورها العبث بعقلك حقاً."

تشنج وجه ماريا.

"أقوم بهذا القدر الكافي لوحدي بالفعل، لكن شكراً على التنبيه."

قلت محفزاً إياها: "بالتوفيق."

فأشرق وجهها قليلاً.

ابتسمت مردفة: "شكرا. ليست لدي أي فكرة عن كيفية القتال بقدراتي، لكني سأحاول!"

أومأت برأسي موافقاً. أعتقد أن هذا هو جوهر التمرين بأكمله بعد كل شيء. كيف يستخدم المرء قدراته بغريزته للقتال؟ يتيح لك مراقبة الأشخاص في مواقف الضغط العالي تعلّم الكثير عنهم وعن كيفية إدراكهم لما هم قادرون على فعله. وصلت خصمة ماريا إلى الميدان أولاً، وقد تخلصت من التشتت، فشرعت في إجراء بعض تمارين الإحطاط السريعة قبل أن تقفز صعوداً وهبوطاً لعدة مرات وتنفض أطرافها. لا أستحضر اسمها تماماً، لكني أعلم أن نطاق قدرتها ليس بالقوي لكونها واحدة ممن التقطت قوالبهم صدفة أثناء تجولي.

رُفعت شعرها الأشقر بطول الكتفين في ذيل حصان ليبتعد عن وجهها، وما تبغيه من قوة النطاق تعوضه بوضوح على الصعيد البدني. كانت رياضية من نوع ما بالتأكيد قبل مهزلة القوى الخارقة، مما جعل بنيتها قريبة من جنود الحراسة أكثر من معظم زملائي أصحاب القدرات الخارقة. وهذا أمر جيد! من المفيد دائماً الحصول على قوالب بدنية مثيرة للإعجاب؛ فكل معلومة إضافية تسهم في عملية التحسين. لكن الحظ لم يكن حليف ماريا تماماً.

قد تتمكن ضد معظم الخصوم من الاستغناء عن استخدام القدرات تماماً والاستفادة من قوتها وحجمها الفائقين للإمساك بالخصوم وتعطيلهم لتحقيق النصر. ربما لا تزال تحتفظ بميزة القوة ضد رياضية لمجرد ضخامة حجمها الصرف، لكن الإمساك بخصمتها فعلياً سيكون أصعب بكثير.

سألتها خصمة ماريا: "أتعلمين، هل تخبرينني إن بدأت تشعرين بالدوار أو ما شابه؟ لا أريد إصابتك بضربة شمس عن غير قصد."

أجابت ماريا بانزعاج: "امم، حسناً، سأضع ذلك في الاعتبار على ما أعتقد."

نادى القائد: "ديلاني! غالاواي! هل أنتُما مستعدتان؟"

فأومأ المتنافسان.

"ابدأا!"

استدعت ماريا نسختها الجنية فوراً، وظهرت تلك النسخة الصغيرة البرتقالية من العدم وبدأت تتوهج بسطوع شديد صعُب معه النظر إليها مباشرة. يبدو ذلك مفيداً على المستوى التكتيكي على الأقل، وإن ساورني شك في أن ماريا اكتشفت طريقة فعل ذلك لمجرد شعورها بالحرج من نظرات الناس إليها. لم تضيّع الفتاة الرياضية -التي يبدو أن لقبها غالاواي- وقتاً في تقليص المسافة، رافعة يديها أمام رأسها بوضعيات الفنون القتالية المختلطة.

بدا وجهها بلا ملامح وهي تندفع للأمام، ولاحظت عبثاً أن أنفاسها تتكثف مع كل زفير وكأننا في منتصف الشتاء. مع ذلك، لم تبدُ ماريا باردة. بل على العكس، بدأ وجهها يرتدي حمرة طفيفة مع اندفاع المزيد من الدماء نحو سطح جلدها محاولة للتبريد. قبل أن تقترب الفتاة الأخرى بالقدر الكافي لتوجيه الإمساكة الأولى، كانت ماريا قد عرقت بالفعل. قدرة ما للتحكم بالحرارة بلا شك، لكن ألا تفعل شيئاً سوى هذا؟

طارت جنية ماريا فوراً لإرباك الخصم، منقضة نحو عيني الفتاة الأخرى ومحاولة إبهارها بالضوء. حشت غالاواي بيدها كحشرة، لكنها أخطأت بفضل سرعة الجنية الصغيرة وعماها المؤقت. باتت ماريا تمتلك فرصة سانحة للإمساك بخصمتها وتقييدها. لكنها بدأت تضحك لسبب ما. ولم تكن النسخة الأجرأ وحدها من تفعل ذلك: بل شرع كل من جسدها الجني والجسد الأساسي يقهقهان كالمجنونات، مبتعدتين عن غالاواي التي استعادة توازنها وحاولت عرقلة جسد ماريا الرئيسي.

ابتسمت ماريا الكبرى: "هاهاها! أوه، لم تكوني تمزحين، الجو لاهب حقاً! ووو!"

ضحكت جنية ماريا: "سوء الحظ لك! أنا أبحال جيدة! كان يجدر بك أن تكوني كتلة طاقة، أيتا الغبية!"

ما الذي يحدث بحق الجحيم؟ يا للهول، لم تكن كريستين تمازحنا بشأن التأثيرات العقلية. إذن، تستطيع هذه القدرة التحكم بالحرارة ودفع الناس نحو نوبة هوس أيضاً؟ أم ماذا؟ أومضت جنية ماريا أمام وجه غالاواي مجدداً (حرفياً تماماً، أظن) بينما مدّت الأخرى يدها للإمساك بخصمتها. وما إن تلامستا حتى ارتدت ماريا للخلف، نافضة يدها كأنها احترقت بها. أو ربما تجمدت؟ قد يكون هذا أو ذاك، على ما أظن.

ولا يبدو أن غالاواي نفسها بحاجة للتعرق كثيراً لدرء الحرارة، إذ ما زال أنفاسها يتكثف مع كل زفير قبل أن يتبخر سريعاً ليعود شفافاً على بعد بوصة واحدة من وجهها. آه، فهمت الآن. تبقي نفسها باردة بينما تحاول تسخين خصمتها، أليس كذلك؟ إن كانت نظرة وجهها دليلاً على شيء، فهي تفعل ذلك جسدياً ومجازياً. بدت غالاواي هادئة ورباطة جأش بشكل غير معتاد وهي تقاتل، بينما واصلت ماريا القهقهة بالطبع حتى وهي تتلوى ألماً.

يقلب ذلك الميدان بأسره، مانحاً غالاواي ميزة بدنية وذهنية لمجرد كونها نشطة. أتساءل عما يمكنها فعله في درجات حرارة أشد تطرفاً، إن كان بمقدورها فعل ذلك أصلاً. سيكون سلق خصمها حياً انتهاكاً لقواعد البطولة بالطبع، لكن بافتراض قدرتها على ذلك وقدرة الخصم على النجاة، فما التأثير العقلي الذي سيخلفه ذلك على الخصم؟ يجدر بي طلب التدرب معها يوماً ما؛ أود معرفة ما إن كان بمكاني ابتكار طريقة لاكتشاف أي قدرات تؤثر على عقلي والتعويض عنها.

أشك في أن قدرتها ستؤثر على دماغ فضائي بنفس الطريقة التي تؤثر بها على ماريا.

"هاهاها! آخ! هاها!"

بدت ماريا تكافح للتنفس بشكل سليم بسبب ضحكاتها المستمرة، ويبدو أن ما تفعله غالاواي بدرجة الحرارة المحيطة بجسدها مباشرة يجعل إمساك ماريا بها أمراً مستحيلاً. ستخسر بالتأكيد إن لم تستدرك شيئاً ما، لكنها لا تبدو في حالة ذهنية ملائمة لصياغة الخطط.

أعلنت جنية ماريا وهي تنقض لتتشبث بمؤخرة رأس غالاواي وتجذب ربطة شعرها: "سأمسك بها!"

ثم أردفت: "أووه، يبدو هذا كالتكييف تماماً!"

طالبت ماريا الكبرى قائلة: "دعيني أمسك بها، دعيني!"

رغم أن هوسها لم يكن مفرطاً لدرجة نسيان أن لمس غالاواي يعني الألم.

"هاهاها! تعالي وافعليها إذن!"

"حسناً!"

أضاء ومض أزرق الحلبة، وفجأة ظهرت جنية ثانية بجانب ماريا الكبرى، مندفعة فوراً نحو وجه غالاواي. اصطدمت الجنية المصنوعة حديثاً بأنفها تماماً -بينما كانت غالاواي تتخبط قليلاً لإبعاد الجنية البرتقالية عن رأسها- وتمسكت بحاجبيها بقوة بينما شرعت خصمتها تحاول كشطهما بيأس. رمشت ماريا الأكبر حجماً بارتباك، ناظرة إلى يديها ومحركة إياهما، مع بقاء تلميح من ابتسامتها الهوسية على وجهها.

لم تكن التعبيرات هي الاختلاف الوحيد على وجهها، مع ذلك. متى ما أخرجت ماريا جنيتها، بدا وكأن عينيها تصبحان أكثر سطوعاً، وهو تغير طفيف في اللون قد أكون تخيلته. غير أن وميض جنيتين أثبت الأمر بوضوح قاطع. والأكثر من ذلك، كان الوميض أخضر، ومختلفاً تماماً عن الأزرق الجميل المعتاد لقزحيتيها، وحين كيّفت عينيّ لرؤية التفاصيل بوضوح أكبر عن بعد، لاحظت أن أذنيها باتتا أكثر حدة من ذي قبل أيضاً.

قالت ماريا الكبرى: "أوه، أظنني فهمت"، ثم ظهر وميض أخضر.

اندفعت الجنية الخضراء الجديدة لمضايقة غالاواي مع الأخريات، بينما اشتعلت عيناها ماريا الكبرى بضوء أصفر. عادت ضحكاتها الهوسية بقوة، وفوراً تقريباً أحدث وميض آخر جنية جديدة تنضم للمعمعة. مع أربع جنيات مقهقهات يقذفن الضوء في عينيها، ويجذبن شعرها، ويشددن ملابسك، ويحاولن إسقاطها، لم تستطع غالاواي سوى التخبط بلا حراك، تاركة جسد ماريا الرئيسي بمنأى عن المضايقات. أصبحت أذنا الجسد المادي طويلتين وحادتين الآن، تشبهان الجان بلا شك، وبدا الوميض الأرجواني في عينيها يغير لون جسدها بالكامل قليلاً، ليجعله رمادياً وشبحياً.

والأكثر لفت للانتباه على الإطلاق كان جناحي الضوء الصغيرين لكن الساطعين بأرجوانية على ظهرها، بحجم كفيها لكنهما حاضرتا بقوة، ترفرفان تجريبياً في الهواء. اختلج فم ماريا ذات العينين الأرجوانيتين بابتسامة خاطفة قبل أن تمد إحدى يديها وتلفها بقوة حول أعلى عضد غالاواي. مكملة ما بدأته نسخها الأصغر، جذبت خصمتها ليفقد توازنها تماماً، وسيطرت على ذراعيها، رافعة إياها جسدياً في الهواء، متجاهلة البرودة التي جعلت منها غير قابلة للمس قبل لحظات.

ركلت غالاواي وتلوت، لكنها عجزت عنزحزحة قبضة ماريا.

أعلن القائد مسروراً: "هذه هي المباراة! تفوز ديلاني!"

هتفت جميع جنيات ماريا معاً بصوت واحد: "ووووو!"

بينما أسقط الجسد الأساسي غالاواي صامتاً. عادت اختلافات درجات الحرارة الغريبة إلى طبيعتها، فشرعت المتسببة بها تدلك وجهها المؤلم وتطرف بعينيها المتعبتين وهي تركع للبحث في العشب عن ربطة شعرها.

قالت ماريا الزرقاء وهي تتنفس بصعوبة وتتعافى من الهوس الناتج عن القدرة: "هاها، واو، حسناً واو، لقد فوزنا، هذا رائع... حسناً، أظنني جنية الآن، وأنتِ جنية، وأنتِ جنية..."

هتفت ماريا الصفراء: "قوة ماريا الخماسية!"

ابتسمت ماريا البرتقالية بتهكم: "اللعنة، من الجيد أننا مرموزات بالألوان وإلا لأصبح الأمر مربكاً للغاية."

رفعت ماريا الخضراء كتفيها: "يبدو الأمر مناسباً بشكل غريب، لكن أظن هذه هي القوى الخارقة لأجلك."

اكتفت ماريا الكبرى بمراقبة الحوار بصمت، وكانت الحركة الوحيدة على وجهها الأبله هي رمشة طويلة وبطيئة.

أمر القائد: "أوقفي قدرتك وغادري الحلبة، ديلاني."

ردت الزرقاء بارتباك: "أه! صحيح، حسناً، أمم... هل يجب أن نفعل ذلك بترتيب معين، أم...؟"

سخرت البرتقالية: "كل منا تمتلك نطاقاً مختلفاً، فهل المجرد الوجود يعد حقاً استخداماً لقدرتنا؟"

قالت الخضراء ببرود: "أظن أن الغاية من الأمر واضحة تماماً."

تنهدت الصفراء وهي تطير نحو صدر ماريا وتتلاشى: "سأذهب، سأذهب... هيا يا فتيات، لنتحاشى حشر أنفسنا في سيارة المهرجين هذه."

تمتمت الخضراء: "أظن أننا سنعكس الترتيب للوقت الحالي. يمكننا التجريب لاحقاً."

أعادت دخول الجسد، تلتها الزرقاء، ثم برتقالية مترددة. وعندما فعلن، تحولت عينا الجسد الأساسي إلى الخضراء، ثم الزرقاء، لكن عندما انضمت البرتقالية مجدداً ظلت العينان زرقاوتين، وخاليتين تماماً من أي توهج. عادت ماريا لطبيعتها بأذنيها المستديرتين وكل شيء، فارتجفت قليلاً وعادت أدراجها نحو أناستاسيا وكريستين ومي.

قالت غالاواي وهي تلهث مادّة يدها لمصافحة ماريا: "مباراة جيدة."

تلعثمت ماريا بتشتت: "أه-أوه، ماذا؟ أمم، شكراً، نعم"، وصافحت يد غالاواي بلطف.

ومع ذلك، لم تبدُ منتبهة البداية، بل حدقت في الفراغ بلا هدف وهي تواصل مسيرتها نحونا. نعم، وضعها سيء على الأرجح. فهي تكره أن تعبث قدرتها الخاصة بعقلها، وقد تسبب أحدهم في صدمة عقلية لها لتقوم بذلك أربع مرات متتالية. توقفت عن العبث الداخلي بأعضائي واستعددت للتحكم بالأضرار.

حييتها بابتسامة: "مهلا يا ماريا، لقد أديتِ بشكل رائع هناك."

أجابت دون أن تنظر إلي: "آه، نعم."

حسناً، هذا ليس جيداً. إنها تنفصل عن الواقع بالتأكيد، لذا يلزم علي تثبيت انتباهها على شيء ما. والسؤال هو ما إن كنت سأضغط عليها بلطف للحديث عما حدث للتو. إن كانت في حالة ذهنية هشّة فسيكون من الأفضل تشتيتها بأمر لا علاقة له بالأمر، مثلما أحاول جعل كريستين تتحدث عن الروبوتات العملاقة كلما انتابتها نوبة. لكن لا أعتقد أن ماريا في مثل هذا الوضع تماماً. تبدو كمن يحاول استيعاب ما حدث بفاعلية، لذا فهناك احتمال كبير أنها سترحب ببعض المساعدة في ذلك.

وإن لم تفعل، حسنأ، فلن يكون خطأ فظيعاً لدرجة تعذر تصحيحه بالعودة إلى التشتت.

سألتها مباشرة: "إذن... هل تتعاملين مع خمس مجموعات من الذكريات الآن؟"

دفعها ذلك للنظر إلي، وما زال التعبير على وجهها فارغاً إلى حد كبير بدلاً من أن يكون على وشك نوبة هلع أو ما شابه، لذا فربما اخترت المسار الصحيح.

أكدت ماريا: "...نعم. إنه... الكثير."

حرضتها: "تختلط كلها معاً في عصيدة مربكة، أليس كذلك؟"

قالت: "أه... لا. أعني، نوعاً ما، لكن لا. في الواقع كلها... منفصلة جداً؟ إنها ذكريات كثيرة، وهي ذكرياتي، لكنها أيضاً... لا أعرف. إنه أمر غريب. كأن مجموعة واحدة من الذكريات... تخصني أكثر من البقية. أ-آسفة، لا تلقي بالاً، يبدو أنني مجنونة فقط."

طمأنتها وأنا أمد يدي التربيت على كتفها: "على الإطلاق. يبدو منطقياً تماماً بالنسبة لي. يُسمح للذكريات أن تكون غريبة قليلاً، فالناس هم الغريبون بطبيعتهم."

أصدرت همهمة استجابة غير حاسمة وهزت كتفيها، بدت كئيبة لكنها لم تعد منفصلة عن الواقع كثيراً. بدأت مباراة أخرى بين شخصين لا يعنيهمان أمري في الميدان أمامنا، لكن هذا أمر في غاية الأهمية لذا دفعت بكتفي جانب ماريا لأجذب انتباهها مجدداً.

ضغطت برفق: "حين كنتِ هناك، قلتِ شيئاً عن ظنك بأنك فهمتِ الأمر. عندما كانت عيناك خضراوين، أظن؟"

سألت: "...تغير لون عينيّ؟"

همهمت: "أه، نعم، أظن أن كل نسختك كنّ أضيق بالا بالقتال للتركيز حقاً. لكن نعم، تغير لون عينيّك من الأزرق إلى الأخضر ثم الأصفر إلى الأرجواني، وكلما صنعتِ جنية كانت تتوهج بنفس لون عينيك مباشرة قبل ذلك. كما بدأ جسدك المادي يتحول إلى شيء يشبه الجنيات، لكن تلك التغيرات تراجعت عندما تجمعت مجدداً."

عبست ماريا: "...أرى. إنه لأمر أقل غرابة مما شعرت أنه ينبغي أن يكون عليه في الواقع."

سألت ومججساتي تلتف بفضول: "كيف ذلك؟"

"لا أعرف، يبدو الأمر... واضحاً؟ طبيعياً؟ إن وجود المزيد من الجنيات الصغيرة يجعل جسدي الرئيسي أقوى، وهذا منطقي بطبيعته. ليست لدي أي فكرة عن السبب، لكنه كذلك. إنه يشبه تماماً..."

تلاشى صوتها، وبدت تماماً كمن يندم على إطلاق تلك الجملة من الأساس. مما يعني أنني لا ينبغي لي المضي قدماً، لكنني أصبحت فضولية للغاية.

سألت وأنا أنحني أمامها قليلاً بينما حاولت تجنب النظر إلي: "يشبه تماماً ماذا؟ هيا، نادي انفصال الوعي!"

تمتمت ماريا وأنا أضحك: "لا تفكري في نادي انفصال الوعي."

وعدتها: "لن أحكم عليك. حقاً."

تنهدت دون إجابة في البداية، لكنني شعرت أنها تهيء نفسها لذا منحتها الوقت اللازم. لن يستغرق الأمر أكثر من ثلاثين ثانية على الأرجح، لذا حرصت على إبقاء انتباهي موجهاً إليها بوضوح بدلاً من الانشغال بالقتال. من المهم، في مثل هذه اللحظات، الإشارة إلى أن الشخص الذي تتحدث إليه هو الأهم على الإطلاق. تشعر ماريا بالضعف، وكشف هذا الضعف لي هو فعل ثقة، وكل أنواع الأشياء الصغيرة غير المقصودة قد تبدو خيانة لتلك الثقة إن لم تكن حذراً.

قالت ماريا بهدوء: "يشبه تماماً... أنهنّ لا يزلن هناك جميعاً. كأنني لو بدأت أفكّر في ذكرياتهنّ أكثر من اللزوم فسأبدل التفكير كأنهن هنّ لا أنا. كأنني انشطرت أكثر من اللازم لدرجة يصعب معها الالتئام مجدداً. لا تزال بعض الذكريات تبدو خاصة بي، وكلها تبدو كأنها خاصة بي نوعاً ما على الأقل، لكن هناك فرقاً الآن. أو ربما كان هناك فرق دائماً والآن أصبح واضحاً بما يكفي لأراه."

هذا يبدو مرهقاً للغاية، حقاً. ماذا يقال هنا...

سألت: "عندما تقولين «دائماً»، أتعني منذ حصولك على قدرتك، أم حتى منذ ما قبل ذلك؟"

أطلقت أنين وضعت كل تركيزي بلغة جسدي لتفادي التشتت بذلك الاسم اللعين الذي أكرهه: "لا أعرف يا ليا. لا أعرف إن كنت أريد معرفة ذلك. إما أن قدرتي تدفعني للجنون أو أنني كنت مجنونة دائماً، وليس أي من الأمرين ممتعاً بشكل خاص للتفكير فيه."

رفعت حاجبها نحوها: "حسناً، ربما يجدر بك التوقف عن اعتبار أي منهما «جنوناً». أعني، إنه ليس مصطلحاً طبياً تماماً، لكني أشعر أنك لا ترقين لتكوني مجنونة ما لم تعجزي عن استيعاب الواقع بطرق ضارة. أولئك المتعصبون الذين يعتقدون أن اللقاحات غير حقيقية هم المجانون حقاً. أنت غريبة فقط، وليس في كون المرء غريباً بعض الشيء أي خطأ."

أطلقت ماريا زفيراً: "أظن أنك تدرين ما تقولين. لكنك لا تبدين مهتمة حقاً بما يظنه الآخرون بك. تتصرفين كأنك فوق كل تلك الأمور، وأعني أن تلك الثقة رائعة حقاً، لكني لا أظن أن بمكاني تقرير التوقف عن القلق حيال هذا. كأنني فقط... من أنا بحق الجحيم؟ أشعر كأنني أنظر إلى ذكريات أشخاص آخرين، لكني فعلت تلك الأشياء، أليس كذلك؟ كأن جزءاً مني فعل تلك الأشياء التي أتذكر القيام بها موضوعياً وأنا مسؤولة عنها. هذا مرعب. لا أعرف ما ستفعله قدرتي عندما أستخدمها، لكن علي العيش والتصرف كأنني في قمة السيطرة."

امتصصت باطن وجنتي قليلاً. أظنني أسير في الاتجاه الخاطئ على الأرجح. إنه خوف عقلاني تماماً، وليس مجرد قلق غير مبرر، لذا ربما كان الحل العملي مرحباً به أكثر من مجرد التشجيع. لا يحدث ذلك عادة على الإطلاق؛ فعندما يشتكي الناس من مخاوفهم ومشاعر عدم الأمان لديهم، فإنهم غالباً ما يحتاجون إلى الفهم أكثر من المساعدة المادية، لكنني قد أملك حلاً معقولاً بالفعل لذا فلن يضر ذكره.

ذكرتها: "حين كنتِ في مجموعة مختلفة من الأجساد، تحدثت النسخ المختلفة فيما بينهن. أجرين محادثة، وبدون جميعاً كأشخاص عاديين نسبياً بالنظر لكونهن جنيات طافيات. حدث الشيء نفسه عندما أريتني قدرتك للمرة الأولى. اختلفت النسخة البرتقالية عن النسخة الأخرى، لكن لم تكن أي منهما غير عقلانية واعتقدت الاثنتان أنهما ماريا. من المرجح أنهما تشاركانك مخاوفك، أو على الأقل تفهمانها. يمكنك مناقشة الأمور معهن. يمكنك تقاسم المسؤولية. هذا ما سأحاول فعله على الأقل. لا أرى أي سوء في وجود أكثر من ماريا واحدة. ماريا رائعة جداً."

احمر وجهها، لكن قليلاً فقط، وبدت كأنها تفكر في كلماتي بعيداً عن مجرد الإطراء.

سألت: "...عندما تتواجد بقية النسخ حولي، هل... أعني، هل ماريا التي تتحدثين إليها الآن موجودة أصلاً؟"

ممم. هل أجمل الكلمات؟ لا، أظن أنها بحاجة لسماعها.

أجبتها: "هذا ما يتعين عليك معرفته بنفسك. لا أعرف شعور كونك أنتِ. لكن ربما الإجابة لا. ربما تتوقفين عن الوجود عند استخدام قدرتك، لفترة وجيزة على الأقل. وربما أفعل أنا أيضاً. وربما نتوقف عن الوجود كلما خلدنا للننام. وربما توقفنا جميعاً عن الوجود أول مرة نقلنا فيها كروس كانتري بطريق النقل الآني. ربما تكون إجابة كل تلك الأسئلة ذاتية تماماً لأن الذات وهم أنشأته أنظمة عشوائية حددت أن الاهتمام الشديد بهويتنا واستمرار ذلك الشخص يعني أننا أكثر عرضة لممارسة الجنس. ظل الفلاسفة يبحثون عن الجسيم الأساسي الذي يحدد الذات منذ فجر الذكاء، ولم نبتكر حتى الآن ولا حتى نظرية مرضية واحدة. لذا لن تجدي أنا الإجابة «الصحيحة». لن يصل أي قدر من التفكير إلى الحقيقة. ولهذا السبب لدينا القاعدة الأولى لنادي انفصال الوعي."

حدقت ماريا فيّ للحظة ثم أغمضت عينيها، مأخذة شهيقاً عميقاً عبر أنفها وزفيراً مهتزاً عبر فمها. ثم أومأت برأسها، محولة انتباهها عني وموجبة نحو ساحة المعركة. بدا الأمر وكأن المباراة قد انتهت للتو، مما يعني أن دور كريستين وأناستاسيا قد أتى تالياً.

سألت ماريا بتهكم ساخر إلى حد ما: "حسناً، لكن ماذا لو امتلكت جنية شريرة تتوهج بلون الأوكتارين وتقتل الناس أو ما شابه؟"

هزرت كتفي: "حسناً، أنا متأكدة تقريباً من أن الأمور لا تسير هكذا، ولكن إن كان الأمر كذلك فلا بأس. نحن جنود. وظيفتنا هي قتل الناس."

علقت ماريا بحذر: "أعني، وظيفتنا هي قتل الفضائيين، أليس كذلك؟"

لم أجبها. لست متأكدة حقاً مما ينبغي لي قوله. حتى وإن كان الملائكة بشراً، فلن يهم ذلك كثيراً نظراً لأنهم ما زالوا يمثلون تهديداً وجودياً لبقاء النوع البشري. بطريقة أو بأخرى، علينا طردهم من عشبنا، وإن تطلب الأمر استخدام مجازة آلة جز العشب فليكن. علاوة على ذلك، ربما أكون مخطئة أصلاً. بإحصاء البحوث، يجب أن تكون سخرتي خاطئة في بعض الأحيان على الأقل.

تمتمت كريستين: "حسناً، حان وقت الذهاب للخسارة على ما أعتقد."

احتججت: "مهلا، انتظري ثانية، يجب أن تحاولي على الأقل."

أصرت كريستين: "لماذا؟ حتى أنت لا يمكنك الإيمان بي في هذه."

أنا لا أريد قتال أنا على أي حال.

لا أريد أن تصاب بأذى."

قلت: "حسناً، لن تحصل على تدريب جيد إن لم تبذلي أي جهد. غاية التمرين ليست إيذاء بعضنا البعض. سيكون أمراً مفيداً لكليكما!"

وافقت أناستاسيا بسعادة: "نحسب كريستين، فلنتقاتل!"

تشنج وجه كريستين: "لا شكرا. يمكنك أخذ الفوز يا أنا."

احتجت أناستاسيا نافخة وجنتيها: "بووو!"

ابتسمت: "أظن أنه سيكون عليك منحها التشجيع الملائم إذن يا أنا. في مثل هذه الأوقات، وعوضاً عن الإصرار على فعل كريستين لشيء ما، علينا ضمان تحفيزها بالشكل الكافي."

قالت كريستين وبدا على وجهها قلق مبرر: "مهلا، انتظري، ما الذي تعلمينه لهذا الطفل بحق الجحيم؟"

ابتسمت أناستاسيا بتهديد: "أوه، لقد فهمت! مثلما كنتِ تتحدثين عن الحلوى والجذرة!"

لم تكن استعارة العصا والجزرة تؤدي الغرض نظراً لأن أناستاسيا لا تحب الجزر، لكنها فهمت الفكرة الآن. أومأت موافقاً.

أثنيت عليها: "بالضبط."

قالت أناستاسيا: "حسناً، أعرف ما علي فعله في هذه الحالة. لا أعرف إن كانت لدي أي حلويات، لكني أعرف كل أنواع الجزر!"

تأوهت كريستين: "لا يعجبني اتجاه هذا الحديث."

نظرت أناستاسيا إلى كريستين ومنحتها أوسع وأعذب وأرهب ابتسامة تستطيع طفلة إتقانها.

قالت بسعادة: "إن كنت فتاة ذكية، فستقاتلينني لئلا تضطري لاكتشاف ذلك"، ثم توجهت نحو الميدان عندما نادى القائد باسميهما.

حدقت فيّ كريستين بتعبير يجمع بين الاتهام والرعب بنسب متساوية.

تساءلت: "ماذا تفعلين بطفلتنا العزيزة أنا؟"

هزرت كتفي ببرود.

أجبت بفخر: "لا أعرف ما تقصدين. أنا مجرد قدوة صالحة."

ألقت بيديها في الهواء وانطلقت بخطوات غاضبة لتنال ضربة مؤخرة. أتمنى حقاً أن تبذل قصارى جهدها؛ فقد تحسنت ببطء في استخدام قدرتها وبدأت تبدو كقدرة مذهلة حقاً. وقفت بتردد مقابل أناستاسيا، ثم أطلق القائد المباراة.

"ابدأ!"

لم تضيّع أناستاسيا وقتاً في شق أحد رسغيها، دون أن ترمش حتى من الألم بينما تدفقت الدماء من الجرح والتوت حولها كأنابيب غاضبة. وحين تجمع ما يكفي منها، أطلقتها باتجاه كريستين، التي سررت لرؤيتها تركض نحو أناستاسيا لتقليص المسافة. خطورة بالغة تلك، لكنها الخطوة الواجب على كريستين اتخاذها إن أرادت الفوز. في بيئة مليئة بالأجسام الكبيرة والثقيلة، قد تتمكن كريستين من إعادة تشكيلها بطريقة تحبس أناستاسيا، لكن لا شيء من هذا موجود في الملعب المفتوح الشبيه بملعب كرة قدم مجيد.

مع ذلك، عليها تفادي كتلة الدماء المندفعة نحوها إن لم ترغب في الوقوع في الأسر فوراً. بالطبع لا تطلق أناستاسيا هجومها بالسرعة الممكنة تماماً نظراً لخطر إيذاء كريستين، لكنها تمتلك تحكماً دقيقاً للغاية بحركة السائل وما زالت بحاجة فقط لحبس كريستين داخل كتلة كبيرة بما يكفي لشل حركة. انحنت كريستين جانباً لتتفادى محاولة أناستاسيا الأولى بصعوبة بالغة عبر تركها تمر فوق رأسها، لكن مهما بدا ذلك مثيراً للإعجاب، فلا شيء يمنع أناستاسيا من إعادة توجيه ذلك الدم خلفها والإمساك بها.

وكما توقعت، هذا تماماً ما فعلته. أجرى سوط الدم الأحمر التفافاً فورياً بمقدار مائة وثمانين درجة، ليلتف حول ذراعي كريستين وجذعها مبقياً إياها في مكانها. توقفت كريستين فجأة، وبدا السائل صلباً كالصلب حين حاولت التحرر من قبضته. التفت حولها كشبكة، بازدياد قوتها مع التعزيز المستمر عبر النزيف المتواصل من رسغ أناستاسيا. لم تمض لحظات حتى عجزت كريستين عن فعل أي شيء سوى تحريك رقبتها من جانب لآخر.

ممم. ألم تنته المباراة بالفعل؟ انفجرت كل الدماء الملتفة حول كريستين. أو، أظن أن قول إن كل الدماء الملتفة حول كريستين قد جرى فرزها إلى مكوناتها الأساسية سيكون أدق. فبدلاً من الدماء الطافية في الهواء، ظهرت سحب من الغبار الأحمر والأصفر والأبيض، وماء كيميائي نقي، وملح، وعشرات الأشياء الأخرى التي عجزت عن تحديدها. ومنفجرة بعيداً عنها ومجمدة في مكانها، سقطت المواد المفصولة على الأرض بلا ضجة، منهية تأثير قدرة كريستين بسرعة تكاد توجها لاستخدامها.

بالطبع، لم تستطع أناستاسيا استعادة السيطرة؛ فمكونات دمها المفصولة لم تعد دماً.

صرخت أناستاسيا: "واه!"

ذكرتها كريستين: "أنتِ من طلبتِ ذلك يا صغيرة! تعالي إلى هنا وتقبلي رفسة رأسك!"

"واااه!"

استدارت أناستاسيا وشرعت في الهرب، ولا ألومها تماماً على ذلك. لم أسبق وأن رأيت كريستين تهدد أحداً، وكان الأمر مرعباً بعض الشيء لمجرد عامل الصدمة. صحيح أنه لا شيء مرعب بشكل خاص بشأن رفسة رأس، لكن كريستين أكدت للتو أن قدرتها تعمل على البشر، وتلك صورة ذهنية يمكن إدراجها في فيلم رعب. ربما يمكنها إعادة تركيبهم أيضاً، لكن ذلك يجعل نقطة فيلم الرعب تتضاعف مرتين. تمنح قدرة كريستين قدراً من المعلومات عن البنية الداخلية للأشياء في نطاقها، أليس كذلك؟

لقد ذكرت أننا نمتلك أجهزة تسجيل داخل جدراننا دون تفكيك الجدران فعلياً. فهل تدرك باستمرار الحالة العامة لأعضاء الجميع الداخلية مثلي؟ أكاد لا أصدق أنني لم أحاول قط التقرب منها عبر ذلك. يبدو الأمر فرصة ضائعة تماماً الآن. انتظري، هل يمكن لكريستين علاج السرطان؟ منطقياً، يمكنها تفكيك شخص ما، ثم إعادة تجميعه دون أي خلايا سرطانية، أليس كذلك؟ يتعين علي جلب فأر أو ما شابه لمساعدتها على اختبار هذا.

قد يكون هذا أمراً كبيراً لدرجة تعفيها من الخدمة على خط المواجهة، وهو ما أعلم أنه سيشكل راحة هائلة لها.

أعلنت كريستين وهي ترفع أناستاسيا بين ذراعيها: "أمسكت بك! هل أنت مستعدة لعواقب أفعالك؟"

صرخت أناستاسيا وهي تتخبط: "لا! ليس لدي أي عواقب!"

"عذراً يا صغيرتي، هذه ليست صلاحية للبالغين بالتأكيد. الجميع يتحمل العواقب."

"بما في ذلك أنت!"

تدفق الدم من داخل ملابس أناستاسيا، مغطياً كريستين في ومضة وفارضاً إبعاد ذراعيها. سقطت أناستاسيا على الأرض، واضعة قبضتيها الصغيرتين على خصرها لتحدق بانتصار نحو كريستين المقيدة.

"نحن قريبتان جداً بحيث لا يمكنك التغلب علي هذه المرة يا كريستين! أهاهاهاها!"

أطلقت أناستاسيا قهقهة ساحرة مطابقة تماماً بينما كافحت كريستين ضد قيودها مجدداً، وبدا جلياً أنها لا تستطيع تفجير الدم هذه المرة. عندما كانت أناستاسيا وكريستين متباعدتين، كان على أناستاسيا مد نطاقها برقة لتصل بقدرتها، لكن كريستين استطاعت إبقاء نطاقها قريباً لإزالة الدم قرب جسدها، مانحاً إياها ميزة غير متناسبة. لكن الآن وبعد أن أصبحت أناستاسيا قادرة على تقليص نطاقها واحتواء كريستين معه، تلاشت تلك الميزة.

لم تكن أمام كريستين سوى الاقتراب لمحاولة الاشتباك مع أناستاسيا، لكن الاقتراب يعني قدرة أناستاسيا على استغلال كامل وزر نطاقها الأقوى بكثير. كانت كريستين هالكة منذ البداية حقاً. مع ذلك، كانت تلك مباراة ممتعة للمشاهدة. أعلم أنني لست والدتها أو ما شابه، لكني أشعر بفخر غريب تجاه كريستين لانطلاقها وبذلها أقصى جهد. يبدو جلياً أن أناستاسيا استمتعت، وأعتقد أن كريستين يمكنها الفخر بذلك أيضاً على الأقل.

حييتهما عند عودتهما: "مباراة جيدة، أيتها الفتاتان."

أقصت كريستين الأمر: "نعم، نعم"، لكنها لم تبدُ في مزاج سيء.

قالت أناستاسيا: "لقد أديت بشكل أفضل بكثير مما ظننت أنك قادرة عليه يا كريستين!"

أجابت كريستين ببرود: "واو، لا تبالغي في مدحي كثيراً."

"حسناً!"

ضحكت متناغمة مع المداعبة بينما استعدت المباراة التالية. كان شخصاً ما تتضمن قدرته جعل أيدي مظلمة كبيرة تظهر من الهواء أو ما شابه ضد شخص آخر لا أعرفه إطلاقاً. لم يكن الأمر مثيراً للاهتمام للغاية، رغم أنه ربما يجدر بي تشجيع أناستاسيا على المشاهدة نظراً لأنها ستواجه الفائز. التفتُ للأسفل لأخبرها لكنها كانت مركزة بالفعل. ابتسمت بمرارة قليلاً. ستكون جندية رائعة.

علق كريستين: "لا تبدين سعيدة للغاية. من الأفضل ألا تخبريني اللعنة بأنني لم أبدل الجهد الكافي."

أكدت لها: "لا، لقد قلت إنك أبليت بلاء حسناً وعنيت ذلك حقاً. شكراً لك على فعل ذلك. لقد فاجأتني حقاً بخدعة الدم، لكن أظن أنه كان ينبغي لي توقعها بالنظر للوراء. أعتقد أن لدي فكرة أفضل عن سبب ترددك في استخدام قدراتك، رغم أنني فضولية بعض الشيء حيال سبب عدم محاولتك الهجوم في ذلك الحين."

في منطقة التوغل، أقصد. أعلم أن كريستين واجهت صعوبة بالغة في استخدام قدراتها، لكن عندما نجحت في ذلك لم يكن الأمر لتمزيق الفضائيين الذين حاولوا قتلنا قط. بل كان دائماً لمعالجة المباني أو أجزاء أخرى من البيئة.

قالت كريستين: "حسنأ، للبداءة أنا متأكدة تماماً أنني كنت تحت تأثير التنافر طوال الوقت. لم أكن أعلم ما هو في ذلك الحين، لكن... كلما حاولت استخدام قدرتي، شعرت وكأنها تضعف. وتضاعف ذلك عندما كنا نقاتل أحد الملائكة. لم أكن أعاني من التنافر ضدهم فحسب، بل كنت أعاني منه ضد الملكة أيضاً."

أه. أه، هذا مثير للاهتمام حقاً. لم تقتصر ردة فعلها تلك مع الملاك الذي هاجمنا فحسب، بل شملت الملائكة والملكة معاً، مما يشي بأن الثلاثة ينتمون لذات... الفئة من القدرات، أظن؟ أياً كانت السمة التي تحدد الرنين والتنافر، فقد تضمنت الفضائيات الثلاثة من ذلك التوغل مطابقة لها، وكذلك فعلت كريستين. وحاول الفضائيون خطف كريستين. هذا أمر كبير. لا أعرف ما يعنيه ذلك، لكنه يعني شيئاً بالتأكيد.

عندما كان الملاك الذي قتلته... يتحدث إلي، أو يرسل معلومات إلي، أو أياً ما كنا نفعله للتواصل، أكاد أكون متأكدة أنه قال شيئاً عن ملك في مرحلة ما. الدين ليس شيئاً يمكنني تخيل امتلاك كائنات غير واعية لمفهوم عنه، لذا برز ذلك بالنسبة لي كدليل واضح على الخيال، والدهشة، والثقافة، وأمور مهمة أخرى. لكن ماذا لو كان الأمر أكثر مغزى من ذلك؟ ماذا لو فهم الفضائيون الفئات التي تطابق أنماط الرنين والتنافر وبنوا ثقافتهم حول تلك الاختلافات؟

ماذا لو اعتبروا كل قدرة ناتجة عن ملك معين؟ ...ماذا لو كانوا محقين؟ على الأقل، يجب أن يكون مصدر القوى الخارقة أبعد بكثير عن فهمنا للعالم لدرجة قد يجعله بمثابة ملك. وأي تكنولوجيا متقدمة بما يكفي لا تفترق عن السحر، وما شابه ذلك. ناهيك عن الأحلام. يبدو عبثياً عدم التحقيق على الأقل في كيفية ارتباط كل هذه الأمور ببعضها.

"هذه هي المباراة! يفوز ويغنز."

واه، هل انتهت بالفعل؟ يبدو وكأن صاحب أيدي الإسقاط النفسي أمسك بخصمه فوراً وفاز بالمباراة مباشرة. أظن أنها قدرة جيدة جداً للإمساك بشخص ما وتقييده. سيتعين على أناستاسيا توخي الحذر، رغم أنني ما زلت أراهن على فوزها.

صاح القائد: "سمول! مورغان! دوركما!"

أوصلنا للجولة الثانية بالفعل، هاه؟ حسناً، إنها ميزة بالنسبة لي، نظراً لأن جسدي لا يتعب حقاً. أتساءل ما هي استراتيجيي هذه المرة؟ لدي بعض الأفكار حول كيفية الإمساك بكاميرون دون المخاطرة بتفاعل قدرة خطير، لكنني لست متأكدة تماماً من مدى ملاءمتها في بطولة عادية. أظن بإمكاني السؤال فحسب.

نادتني أناستاسيا وأنا أتجه نحو الحقل: "بالتوفيق يا م... أم، بالتوفيق!"

ابتسمت لها مبادلة: "حسناً دائماً فظيعاً. تمني لي المهارة."

"أنت تمتلكينها بالفعل!"

ضحكت ومنحتها ابتسامة ممتنة وأنا أتخذ موقعي.

سأل القائد: "هل أنتُما مستعدتان؟"

تدخلت: "لدي سؤال سريع، إن لم يكن هناك مانع يا فندم."

"تفضل."

"هل الغاية من هذا التمرين حصرآ مساعدتنا على التعود على قدراتنا، أم أنه يهدف أيضاً للمساعدة في إعداد العقلية اللازمة لسيناريو القتال الحي؟"

رمقني القائد بنظرة بدت كأنها تتوقع الندم على الإجابة عن هذا السؤال.

قالت: "أتدرين يا مورغان؟ فلنرى فكرتك عن مساعدة شخص ما في إعداد العقلية اللازمة لسيناريو قتال حي."

ابتسمت. حسناً، هذا يجعل الأمر سهلاً.

أقريت: "علم يا فندم. لا مزيد من الأسئلة."

ابتسم لي كاميرون بثقة: "إن كنت تحاولين جعلي أستسلم بالتصرف بجنون، فأنا أعدك الآن أن ذلك لن ينجح. لن أتمكن أبداً من السخرية من فيليكس كما يستحق إن تراجعت الآن."

أجبت: "لم تكن تلك خطتي المرة الأولى، وليست خطتي الآن. الاستسلام ليس خياراً حقاً ضد أعدائنا الأقوى."

صرخ القائد: "ابدأ!"

وانفصل كاميرون فوراً عن حديثنا شارعاً في الركض نحو الجانب الغربي للميدان. إنها نفس الاستراتيجية التي استخدمها في قتاله الأخير، ولا ألومه على ذلك نظراً لكونها طريقة فعالة جداً لاستخدام قدراته بوضوح. لكنني لست مقيدة هكذا. خلعت قميصي فوق رأسي وألقيت به جانباً، مزيلة ثديي عن جسدي قبل فعل الشيء ذاته مع حمالة الصدر. تركت جلد الأخطبوط المعدل يحافظ على أفضل محاكاة لزي تحته قبل إزالة كل شيء على النصف السفلي من جسدي أيضاً.

هناك عدد من الطرق المختلفة التي أعتقد أن بإمكاني التغلب على كاميرون بها، لكنها تتطلب جميعاً تحولي لمطابقة حجمه وقوته، على الأقل إلى حد ما. غير أن طريقة واحدة على وجه الخصر تسمح لي بفعل شيء مللت من التظاهر بعدم قدرتي عليه. تسمح لي بإظهار شيء لكل الحاضرين هنا يحتاجون لرؤيته وفهمه. هذا مكان نتعلم فيه كيفية قتال الفضائيين، وأي طريقة أفضل للقيام بذلك من جعلهم يحاولون؟

انحنيت للأمام على أطرافي الأربعة، وامتص رأسي نفسه لداخل جسدي لتوزيع الأعضاء الحسية حول جوهري بينما تغير كل شيء: الدماغ، والجسد، والعضلات، والعيون، والآذان، والأعضاء، تحول كل ذلك من ثديي إلى فضائي. لم يكن الأمر مرضياً تماماً كما تووقعت بصراحة. مقارنة بالكم الهائل من المعلومات التي أملكها الآن عن الحياة الأرضية، فإن فهمي لعلي بيولوجيا الفضائيين شحيح نسبياً وبالتالي منخفض القدرة على التجريب.

لكن التجريب ليس غايتي هنا على أي حال. المعارك الوهمية ليست فكرة سيئة، لكن كان علي الخوض في المياه العميقة منذ اليوم الأول ولا يمكنني إنكار أن فكرة القدرة على إظهار ذلك جذابة. استخدم خصمي قدرته، خارجاً من ظله بحجم أكبر بكثير من ذي قبل. لكنني ما زلت أتطاول فوق البشر، وتدعم ساقاي البلوريتان الطويلتان عضلات هيدروليكية عالية الضغط. نظر إلي أعلى، وحدقت أسفل في وجهه الضبابي قليلاً، مستغرقة لحظة لتفسير تعبير الرعب الذي كان سيكون بديهياً بالنسبة لي قبل لحظات فقط.

كاميرون. ذكر بشري، بشرة داكنة، شعر أسود، مع قدرة تجمع بين النقل الآني المحدود وحجم معزز. مهمتي هي هزيمته دون السماح بإصابته. لا تستطيع العمالقة الكلام، لذا لم أطلق صرخة حرب، لكنني شعرت أنه لو كان أي من بني جنسي هنا، لسمعوني أعلن نصري مقدماً. لا يمكنك فعل ما كان علي فعله. هيا، دعني أريكم.