"هل هي أضغاث أحلام وحدي،"
أقطب في وجه معالجي المخصص، "أم أنني الشخص الوحيد الذي يُحتّم عليه رؤيتك كل يوم من هذا الأسبوع؟"
ويا له من أسبوع مضى. استيقظ كل صباح على هيئة مسخ مروع يكاد يصيب كريستين بنوبة هلع، وآكل قدر ما أستطيع الإفلات به، وأبذل قصارى جهدي لأظل واعياً طوال دروسنا عن استخدام القوى العسكرية الخارقة، وأآكل قدر ما أستطيع مجدداً، وأتدرب على الإمساك بزمام نطاقي، وأخضع لجلسة علاج إلزامي، ثم آكل مرة أخيرة قبل أن أفقد الوعي وأعيد الكرة من جديد. لا أقول إنه ممل، بغض النظر عن بعض المحاضرات.
حتى في تلك اللحظات يبدو ممتعاً أن ترى كيف تُصنَّف أعداد غفيرة من القدرات المتفاوتة بشدة ضمن هيكل عسكري شديد الطبقية والنمطية. بالقراءة بين السطور قليلاً، يبدو أن هناك ثلاث فئات أساسية للجنود أصحاب القدرات: المتخصصون، والمهاجمون، وأبقار النطاق. المتخصصون هم أشخاص ذوو قدرات بالغة القوة والفائدة، يقدّمون للجيش قيمة خارج ساحة المعركة تفوق ما يقدمونه داخلها، مثل كروس كانتري أو ذلك الرجل كاشف الحقيقة.
والمهاجمون هم أشخاص ذوو قدرات هجومية قوية بالقدر الكافي لإلحاق ضرر جسيم بالعدو، لا سيما الملائكة. وأبقار النطاق هم كل البقية: أشخاص قدرتهم ببساطة ليست بجودة المنفعة الأساسية الكامنة في مجرد امتلاك نطاق، يحمون الجنود العاديين والذخائر من الهراء الخارق للطبيعة الذي كان ليحيلهم إلى رماد أو يبطل أثرهم لولا ذلك. لأنه، ومن كان ليتوقع هذا، فالمدفعية والقنابل جيدة جداً حقاً لخوض حرب بها.
لا يكتري الجيش بالاً إن كنت تستطيع إطلاق النار من يديك. فهذا لا يجعلك مميزاً. اخرس وعش حياتك حامياً لفصيلة كاملة من الجنود بقاذفات اللهب، أو أياً كان السلاح الأكثر فائدة من ذلك. تميل الملكات لامتلاك قدرات تتيح لها إسقاط الكثير من الذخائر البشرية دون عناء، ولكن من دون تلك الحماية يظل الكائنات الفضائية لحماً ودمَاً، مثلنا تماماً. ارمهم بما يكفي من الرصاص فيموتون بلا ضجة.
وينطبق الأمر ذاته على أي شخص يمتلك قدرات، حقاً. لذلك لم تكن استراتيجية الجيش الأساسية هي تشكيل فرق موت من الأبطال الخارقين لقتال الفضائيين (مع أن هذا شيء يفعلونه بالتأكيد أحياناً) بل الاستفادة من القدرات بغية إلغاء التأثيرات التي تجعل العتاد العسكري القياسي عديم الفائدة. هذا كل ما في النطاق تقريباً، بلا أي استخدام فعلي للقوة. وظيفة ما يُسمى بطلًا خارقًا، في تسع مرات من أصل عشر، هي مجرد الوقوف كالأبله والوجود، مسمناً ومغذىً من أجل التأثيرات المفيدة التي ينتجها سلباً ولا شيء غير ذلك.
ومن هنا جاءت تسمية: أبقار النطاق. رغم اسمهم الذي لا يخلو من ذمّ، فلن مانعاً في أن أكون بقرة نطاق. الأبقار تُغذى جيداً ولا يترتب عليها فعل الكثير. في الحرب، تلك صفقة ليست سيئة. للأسف، أنا بالفعل قاطع أجنحة—قاتل ملائكة، وهو أمر لا يدعيه سوى شذرة ضئيلة من أقوى الأبطال الخارقين. حتى لو لم أكن مشتبهاً في الكذب بشأن هويتي وما أكون، حتى لو لم تكن لدي قدرة تجعلني مثالياً للتسلل وشبه مستحيل القتل، لكانت كل الأعين شاخصة عليَّ وحدي لأجل أفعالي وحدها، محاولةً معرفة كل ما يمكن معرفته عني.
يبدو الأمر... غير مبرر. وغير مستحق. لقد هزمت ملاكاً كهاوٍ لأن قدرة ذلك الملاك ساعدت في جعل قدرتي أقوى، وتمكنت بطريقة ما من إغاضة الملاك لدرجة أنه رفض الانسحاب على الرغم من ذلك. هذا لا يدل على مهارتي؛ تباً، أنا بالكاد أتذكر نصف القتال. لا أهوى الانتباه بشكل خاص، وبالتأكيد لا أظن أنني أستحقه. ولكن من سيستمع إلي في هذه المسألة؟ أنا فقط الشخص الذي فعل بالفعل كل الأمور التي يثور أتلانها هكذا؛
ومن الواضح أن رأيي لا يهم.
"مرضاي الآخرون يملكون انطلاقة متقدمة عنك بكثير، وليس لديهم صدمات حديثة قريبة من حجم صدماتك. أحاول جدولة المواعيد بناءً على الحاجة."
هاه؟ أوه، صحيح. لقد طرحت سؤالاً.
"أتظن أنني أحتاج إلى علاج أكثر من أي شخص آخر؟"
أقطب.
"ماذا عن كريستين وأناستاسيا؟"
"حسناً، ربما كنت سأضعهما على جدول مماثل لو كانتا من مرضاي، لكن زميلي هو من يتولى أمر كلتيهما،"
تبتسم دكتورة موريسون.
"ونعم، أشعر أن كونك محاصراً وحدك في منطقة حرب بلا تدريب، ومشاهدتك عدداً كبيراً من الناس يوتون أمامك، وشعورك بالمسؤولية تجاه الناجين ربما أثر بشكل غير متناسب على حياتك مقارنة بالوقت المنقضي."
"لن أقول إنه كان ممتعاً، لكنني أشعر أنك تجعل الأمر أكبر بكثير مما كان عليه حقاً،"
أخفض حاجبيَّ عبوساً.
"تقول ذلك، ولكن في جلساتنا الست كلها حتى الآن، كنت تبذل قصارى جهدك لتجنب الحديث عن أي شيء حدث. يبدو لي هذا 'أمراً كبيراً'."
أكبت عبوساً، رغم أن التركيز على تعديل تعبيرات وجهي ينتهي بي إلى فقدان التركيز على هيئة ليا، مستبدلاً وجهها لفترة وجيزة بوجه الطبيب وشعرها بشفرات العشب قبل أن أجبر كل شيء على العودة لمكانه. ومما يثير غضبي الشديد، أن الحفاظ على هيئة ليا لم يصبح أسهل بمرور الوقت، بل ازداد صعوبة. أفسد الأمور بشكل متكرر ويبدو أن الجميع يلاحظون ذلك. ليس أن الكثيرين خارج كريستين وأناستاسيا يتجشمون عناء التحدث معي كثيراً، لكني أتلقى الكثير من النظرات الغريبة.
"هل هناك شيء معين كنت تريد معرفته؟"
أسأله.
"حسناً، لِمَ لا تبدو راغباً في الحديث عنه لكانت نقطة بداية جيدة،"
يجيب.
"...ليس الأمر أنني أتجنبه،"
أُصرّ.
"أنا لست من النوع الذي يتحدث كثيراً على الإطلاق ما لم يحضّني الآخرون."
"ممم. لقد لاحظت ذلك فيك،"
يوافق دكتورة موريسون.
"لكن يبدو أن لديك الكثير لتقوله عندما تُحضّ، لذا... اعتبر هذا تحريضاً. تحدث عن تلك الأيام الأربعة."
"هذا... فضفاض بعض الشيء،"
أتمتم.
"ابدأ من البداية، إذن."
البداية؟ الجزء الذي 'أنا' أحطم فيه السيارة وأتسبب في مقتل الجميع تقريباً؟ أجل، لا أريد الحديث عن البداية. لذا سأفسرها بشكل ملائم أكثر من ذلك.
"عندما حصلت على قدراتي للمرة الأولى؟ أنا... لم تكن لدي أي فكرة عما كان يدور أساساً. كنا للتو قد تعرضنا لحادث سيارة لذا لم أكن بكامل وعيي. إميلي تولت الزمام نوعاً ما في تلك اللحظة، إذ إنها بالكاد خدشت من الحادث."
"من كان يقود السيارة عندما تحطمت؟"
يسأل المعالج. هذه المرة لا أكبت عبوسي.
"...أنا،"
أكذب. ملاحظة لنفسي: تظاهر بالصدمة حيال السيارات لأنني لا أملك في الواقع دراية بقيادتها. قد يكشفني ذلك.
"هذا عبء ثقيل في حالة طوارئ."
"يبدو ذلك، وقد أفسدته. على أي حال، الحراء المرعب حقاً لم يحدث إلا عندما تفجر شقيق إميلي على يد الملكة ثم تعرض بقيتنا لهجوم من قبل بيهموت. لقد... اخترقت ساقه نوعاً ما، لكن قدرتي تكللت بالنشاط فتحولت إلى بيهموت وقتلت الأخرى. ثم اصطدنا تدريجياً بكريستين، فقاتلنا ملاكاً، واصطدنا بأناستاسيا، فقاتلنا طوفاناً من رابتورات، واحتمينا بمنازل مختلفة، سارقين مياه الشعل المعلبة والمؤن غير القابلة للتلف من خزائن الناس. نائمين في أسرتهم. كونهما لصوصاً صغاراً مخيفين. أنت تعلم."
"كيف نجصتم؟"
يسأل.
"حسناً، كنا نحاول ببطء شق طريقنا نحو حافة المنطقة، وفي النهاية اقترب صوت القتال فاتخذت إميلي القرار بأن نعدو في ذلك الاتجاه. لذا صعد الجميع على ظهرها وعدوت لأجلي. حاول الملاك منعنا، فأغمي على أناستاسيا بسبب فقدان الدماء أثناء قتاله، و... حسناً، أنت تعلم. وقع المحظور."
أهز كتفي، محاولاً تجاهل رغبتي الملحة في تحويل نفسي إلى دماغ رابتور طوال ما تبقى من هذه المحادثة. أنجح، لكن ذراعي تنكمشان لفترة وجيزة لتصبحا أطرافاً أمامية لرابتور قبل أن أجبرهما على العودة.
"أرى ذلك،"
يقول معالجي.
"ليس بغرض تغيير الموضوع، ولكن... مجرد شيء كنت أنوي إثارته. صححني إن كنت أخطئ في القراءة، ولكن يبدو أنك تستخدم قدرتك لتعبث بالأشياء كثيراً. مثل عندما تكون متوتراً؟"
أووه. أشك في أنني يمكنني الإفلات بالكذب بشأن هذا. 'أوه لا يا سيدي، أنا أتدرب بجد واجتهاد إضافي فقط كلما قلت شيئاً يزعجني!' أجل، لن تنطلي.
"...أجل، أظنني أفعل،"
أتنهد.
"أعتذر. أحاول السيطرة على الأمر بشكل أفضل لكنه... صعب. أستمر في استخدامه بشكل لاواعي."
"أتريد استخدامها؟"
يسأل.
"ماذا؟ لا،"
أبصقها فوراً، لكن لدهشتي الخاصة أدرك أنها كذبة اللحظة التي أنطقها فيها.
"...ربما؟ أنا... أمهلني دقيقة."
"بالتأكيد،"
يقول، مما يزعجني فلماذا قال أي شيء من الأساس، لقد طلبت للتو أن أفكر ولا أريد لكلماته أن تفسد الأمر. الجميع يحبون التأكد من أنهم آخر من يتحدث على ما أظن. ماذا كنت... صحيح. أأريد استخدام قدراتي؟
"أنا... أستمتع باستخدام قدراتي، على ما أعتقد؟"
أقول ببطء، عابساً بينما تنمو موجة من البلورات خارج جلدي وتعود إليه.
"لا أعرف. الأمر معقد. أظن أن ما قُلته بشأن استخدام قدراتي للعبث دقيق تماماً. أشعر كأن... رغبة كامنة في الخلفية لتغيير نفسي طوال الوقت تقريباً، وما لم أكن منشغلاً بشكل كافٍ بشيء آخر يجب عليّ التركيز على عدم فعل ذلك لكي... حسناً، ألا أفعله. أشعر بعدم الارتياح حتى أجري تغييراً. التغييرات الصغيرة تساعد قليلاً، التغييرات الكبيرة تساعد كثيراً. إنه شعور جيد، لكن ليس بطريقة ممتعة، بل بطريقة... مريحة، على ما أظن؟"
أقرع بأصابعي على فخذي، محاولاً الحفاظ على جسد ليا بينما أفكر في الأمر. إنه... مرهق. محبط. أشعر أنني أزداد تهيجاً بشكل نشط كلما فعلت ذلك. أستمر في فعله على أي حال.
"لذا أظن أنه يمكنك القول إنني أريد استخدام قدراتي في هذا الصدد،"
أتابع، "ولكن في الوقت ذاته، أنا لا أوافق حقاً على حقيقة أنني أستخدمها طوال الوقت. ينبغي أن أكون قادراً على كبح ذلك عندما لا يكون ملائماً اجتماعياً، وهو... كما تعلم، معظم الوقت."
"أرى ذلك،"
يقول.
"حسناً، يمكننا بالتأكيد العمل معاً على ضبط النفس إن شئت، لكنني أود القول إنه ما دامت في مكتبي، فأريد منك أن تكون مريحاً قدر الإمكان. إن كان هناك أي موقف اجتماعي يلائم فيه استخدام قدرتك لراحة بالك الشخصية، فهو هنا. مع أنه، أمم، حاول ألا تدمر الأثاث فحسب."
أهز منخري ساخراً.
"الشيء الرئيسي الذي أخشى تلفه هو ملابسي،"
أقول.
"أشعر أنه مهما كانت درجة الراحة التي تريد أن توفرها لي، فلن ترغب على الأرجح في مراهقة عارية في مكتبك."
أو هكذا آمل يا لعنة الحظ ألا ترغب في ذلك.
"أم، نجل، هذا صحيح، لن يكون ذلك ملائماً،"
يؤكد.
"ولكن بالنظر إلى أن هذا الموضوع يدور حول راحتك... هل تجعلك العضوية أكثر راحة، آنسة مورغان؟"
أرمش. أمم. أستفعل؟ أعني، سيكون من الأسهل بكثير اتخاذ أشكال تنحرف عن خط الأساس البشري بتلك الطريقة. يمكنني أن أكون بيهموت أو دبرور أو ملاكاً. ربما أستطيع صنع جسد رابتور لا يمزق ملابسي، ولكن هذا كل ما في الأمر، و... أنا نوعاً ما... أريد ذلك؟ مثل. لا أعرف. لن يكون الأمر مريحاً تماماً كوني بيهموت في هذه الغرفة الصغيرة، ولكن... سيكون من اللطيف امتلاك الخيار، على ما أظن؟
"إنه... أنا... ممم. أظن أنه مقيد بشكل غريب، أجل. ارتداء الملابس، أعني. كنت... حسن، للضرورة، كنت عارياً أو شبه عارٍ كثيراً في منطقة التوغل. وأنا لست... لست استعراضياً أو ما شابه. لا أريد أن يراعي الناس عارياً، لكن الفكرة لا تزعجني على الإطلاق، لسبب ما؟ وتجعل من الأسهل اتخاذ أشكال أكثر."
لماذا أقول له أي من هذا؟ سيظن أنني مجنون. غبي، غبي، غبي. أعده، جولييتا.
"حسناً، أخشى أنني بحاجة لأن تبقي ملابسك عليك،"
يقول معالجي، "ولكن بعيداً عن ذلك، إن كان هناك أي شيء يجعلك أكثر راحة، فأريدك أن تفعله."
آآه. لا يعجبني كم أن ذلك مغرٍ.
"لا،"
أخبره.
"لا؟"
يسأل.
"لا،"
أكد.
"لماذا لا؟"
يسأل. لأنني لا أثق بك. لأنه أمر مخجل. لأنني لا أحب الطريقة التي ينظر بها الناس إلي عندما أتغير. لأنني مرعوب من أن كل ما أفعله هنا سيتم الإبلاغ عنه لبعض أصحاب النفوذ العسكري المتلهفين للزناد والذين يريدون التأكد من أنه في المرة القادمة التي أتعرض فيها لإطلاق نار متكرر من حكومتي الخاصة، سيثبت ذلك حقاً.
"لا أريد التكاسل عن تدريبي،"
أبتسم له. نتجاذب أطراف الحديث قليلاً، لكن الوقت لا يلبث أن ينفد حتى أتوجه عائداً إلى مهجعي، مستعداً للاسترخاء بكمية ضئيلة كوميدياً من وقت الفراغ الذي نحصل عليه في نهاية كل يوم. من الأفضل أن أستمتع به ما استطعت، إذ حتى ذلك سيزول فور بدء المعسكر التدريبي. ...ليس وأن لدي الكثير لأفعله بالوقت، بطبيعة الحال. ليس لدينا هواتف، ولا حواسيب، ولا كتب، ولا ممتلكات شخصية. لا توجد أي اتصالات بالعالم الخارجي على الإطلاق، إلا عبر الأوراق والإشراف.
أريد نوعاً ما الاتصال بإميلي، لكن... حسن، الإشراف سيجعل من الصعب قول أي شيء أود قوله لها. إنها ليست مشكلة كبيرة، مع ذلك. أبتسم وأومئ لكل من ألتقي به في طريق العودة إلى غرفتي، محاولاً بيأس أن أبادو أقل غرابة ورعباً، لكن بصراحة أنا سعيد بما يكفي لمجرد قضاء بعض الوقت وحدي. ستكون كريستين هناك، بالطبع، لكنها عادة ما تنكفئ على نفسها... رغم أنني حين أصل أخيرً إلى غرفتي، أجد أنها، في الواقع، ليست فيها.
هاه. حسن، أشك في أنها تستطيع افتعال الكثير من المتاعب في القاعدة، ومن الجيد أن أستفرد بالمكان لنفسي. كنت أنوي إلقاء نظرة أفضل على بعض الوجوه التي تواصل الظهور على جمجمتي. أتوجه إلى الحمام وأرفع الإصبع الأوسط في وجه انعكاس ليا لأجعل نفسي أشعر بتحسن، ثم أبدأ في التبديل بين التعديلات المختلفة التي يمكنني إجراؤها على ذلك الوجه، معدلاً البنية الهيكلية، وتوزيع الدهون، وموضع الملامح شيئاً فشيئاً.
التعديلات على جسدي خارج "القوالب"
التي ألتقطها بقدرتي ممكنة بالطبع بالنسبة لي؛ هكذا أدمج الجوانب المختلفة للقوالب معاً، بعد كل شيء. أما التغييرات اليدوية على هيئة خارج حشر قالبين معاً وإجراء تعديلات على الحراشف أو الملحقات فهي شيء لم أختبره كثيراً بعد، مع ذلك. يبدو الوجه مكاناً جيداً للبدء في الإمساك بزمام ذلك. لدي سبب ثانٍ لفعل هذا أيضاً: لم يكن جسد المرء يوماً مصدراً لجماليات مثيرة للاهتمام بالنسبة لي، بين الرغبة في تجنب التفكير في جسدي وعدم وجود أي حافز معين للتفكير في جسد أي شخص آخر.
لم أولِ قط اهتماماً كبيراً للنظرية الكامنة وراء ما يجعل الشخص جذاباً، لكني أظن أن الأمر يستحق التجربة والخطأ الآن بعد أن أمتلك الوقت. القدرة على الظهور بجاذبية تلائم الموقف تماماً هي خدعة مفيدة للمناسبات الاجتماعية. زائد، يبدو الأمر وكأنه شيء قد تفعله ليا: التحديق بغرور في المرآة، مستخدمة قوة غرائبية لا تُسبر أغوارها لإخفاء عيوب وجهها القليلة التي كانت تواريها خلف ملعقة من فضة.
بالطبع، أي آراء معينة حول الجاذبية تتم تصفيتها عبر أية حالة كمومية غريبة يوجد فيها دماغي والتي تسمح باستبدال بنيته الخلوية بالكامل دون تغيير ذكرياتي، ولكن بخلاف كونها ثنائية الميول الجنسية، ليس لدي أي سبب للاعتقاد بأن تفضيلاتها تختلف كثيراً عن المعتاد. ...وأجل، هي بالتأكيد ثنائية الميول الجنسية. أو أظن أنها كانت كذلك، والآن أصبحت أنا؟ رغماً عني، بالطبع، لكني أظن أنه ليس كأن لأحد حق الاختيار.
أنا في الواقع لا أعرف إن كنت أشعر بهذه الطريقة بسبب دماغها، فهذه مجرد نظرية لي، لذا فمن الممكن أن هذه هي الطريقة التي كانت ستعمل بها ميولي الجنسية لو لم يكن جسدي محطماً تماماً قبل البلوغ. تبا، من الممكن أن هذه الرغبات الغريبة والمفاجئة هي نتيجة لذلك التحطيم الهرموني الشديد الذي يُعكس فوراً وبشكل دراماتيكي؛ قد أكون مخطئاً في تفسير ما سيكون لولاه تقديراً جمالياً عادياً للرغبة الجنسية ببساطة لأنني ليس لدي أي لعنة فكرة عما هو الفارق.
يستحيل معرفة على وجه اليقين سبب شعوري بأي شعور تجاه أي شيء الآن، لذا أنا ألقي باللوم على ليا كعذر لألا أفكر في الأمر، وهو ما أظنه عادلاً لأن تبا لليا. بغض النظر، أنا لا أحب الانجذاب. إنه مشتت وصعب الإمساك بنفسي وأنا أركز عليه. أريد العودة إلى عدم الاضطرار قط للقلق بشأنه. أظن أنني أريد ذلك حيال أشياء كثيرة في حياتي، على ما أذكر. يا للعار، حقاً. طرق غير متوقع على بابي يخرجني من أفكاري، فأقوم بسرعة بتحويل جسدي مرة أخرى إلى هيئة ليا القياسية قبل التوجه لفتح الباب.
لست متأكداً تماماً ممن توقعت أن يكون الشخص، لكنه قطعاً ليس الفتاة الطويلة للغاية التي أصارع طوال الوقت ألا أستمر في التحديق بها في صف تدريب القدرات. اسمها ماريا، وقدرتها لها علاقة باستدعاء جنية صغيرة؟ لا أعرف التفاصيل حقاً، إذ عندما يبدأ تدريب القدرات الفعلي فأنا عادة مشتت تماماً بكل الأشياء التي تعج داخل نطاقي. تبدو قريبة من سني، ربما أكبر قليلاً، مع ضفيرة حمراء طويلة ونمش مبهج تماماً تحاول قدرتي باستمرار وضعه على وجهي كلما كان جلدي شاحباً لدرجة تجعله مرئياً.
تمتلك بنية ممتلئة بعض الشيء، بأكتاف عريضة، وأطراف غليظة، وبنية مستطيلة إجمالاً تجعلها تبدو كالعملاق. ومع ذلك، هناك جودة أثيرية فيها لا أستطيع تحديدها بدقة، نوع ساحر من—حسناً، حسناً أيها اللعنة أيها الدماغ، اهدأ وتباً لك! لقد فهمت، إنها جميلة، يا يسوع المسيح الكريستامي! أتركك وحدك لثانيتين فتسيل لعابك عليها بالفعل، يا للهول.
"ماريا؟"
أحييها بسؤال. الآن بعد ألا تكون عيناي متأهبتين لرحلة شاقة نزولاً من وجهها إلى ثدييها، أنجح في التقاط حقيقة أنها تبدو منزعجة نوعاً ما. وهي تتنفس بصعوبة أيضاً. هل ركضت إلى هنا؟
"ليا! هي، أمم، أحتاج... أنتِ رفيقة غرفة كريستين، أليس كذلك؟"
"نجل؟"
أؤكد. أوه، تبا، هل هذا ما أظنه؟
"إنها... إنها في حالة سيئة نوعاً ما، وأنا طلبت مني المجيء لأخذك، لذا..."
"أنا طلبت ذلك؟"
أسألك، بينما أخطو بالفعل للمتابعة قبل أن أنطق بالكلمات حتى. تبا، أتعاني كريستين من نانه هلع أخرى؟ أمتورطة أناستاسيا فيها؟ أرجو ألا تكون سيئة. لماذا بحق الجحيم تركتها ماريا هناك وحدها بدل جعل أناستاسيا تأتي لأخذي؟! على الأقل تشاركني إلحاحي، فترتعد فوراً لتقودني في الاتجاه الصحيح.
"لا أفهم حقاً ما يدور، لكن كريستين حبست نفسها في مقصورة الحمام وهي تصاب بالجنون. لم أكن أريد ترك أناستاسيا وحدها معها لكنها أصرت أنك تستطيعين المساعدة،"
تلهث ماريا.
"أجل، أستطيع المساعدة،"
ألهث. هذا ما أفعله. نركض لفترة قبل أن تغطس ماريا في حمام نسائي، وأتبعها في الوقت المناسب تماماً لسماع نهاية كلام أناستاسيا.
"—أذذية نفسك. أرجوكِ؟"
ترجو. أوه رائع، تلك دائماً متعة ممتعة لاقتحامها. طفلة في التاسعة تحاول إثناء امرأة كاملة النضج عن إيذاء نفسها. أجد أناستاسيا تحدق في مقصورة حمام مقفلة، وقد بدا حذاء كريستين بالكاد تحت الباب... الذي يهتز قليلاً بينما تضرب كريستين شيئاً فيه. على الأرجح رأسها.
"أنا أستحق ذلك. أنا أستحق ذلك!"
ترد بحنق، واقعة بوضوح في خضم الهلع وهي تستمر في ضرب نفسها على الجانب الآخر من الباب. تبا، إنها نئة سيئة. بالتأكيد الأسوأ التي رأيتها منها، وقد مرت ببعض نوبات الهلع السيئة في غرفتنا معاً. ينبض قلبي بسرعة جنونية، وأنا غاضب منها ليس فقط لحدوث هذا مرة أخرى بل لفعله أمام أناستاسيا وجعل الفتاة المسكينة تضطر للتعامل معه. كيف يمكن للمرء أن يكون أقل كفاءة في الوظائف البشرية الأساسية من طفلة لعينت؟!
أريد أن أصرخ بأعلى صوتي، وأن أوبخها، وأن أدق بعض اللياقة والعقل في جمجمتها. ...لكن بالطبع لا أفعل أياً من تلك الأشياء، لأن ذلك سيكون مسيئاً، ومجنوناً، ولن يفعل شيئاً في النهاية سوى جعل كل جزء من الموقف أسوأ بشكل دراماتيكي. لذا أمارس بدلاً من ذلك هذا المفهوم الصغير الجديد المسمى 'ضبط النفس' والذي أظن أن المزيد من الناس يجب أن يتعلموا بشأنه وأتحدث بهدوء لكن بحزم عند الباب.
"كريستين،"
أقول.
"أحتاج منك أن تتوقفي عن إيذاء نفسك."
"لا، لا لا لا،"
تتأوه ببله.
"اذهبي يا ليا. اتركي وشأني. اتركي وشأني. أرجوكِ."
"لن أفلح ذلك،"
أقول، فتضرب رأسها في الباب مرة أخرى. لم يكن الصوت عالياً بما يكفي لإحداث جلبة كبيرة، لكنه كان عالياً بما يكفي لإحداث كدمة.
"كريستين، افتحي الباب."
لا تجيب. لا أسمع سوى ضربة أخرى.
"كريستين، تحت الظروف العادية لكنت احترمت طلبك بتركك وشأنك، لكنك ترتكبين إيذاءً للنفس،"
أقول بنبرة مستوية.
"إن لمفتحي الباب، فسأشقه غصباً. أتركتين؟"
لا يوجد رد، ولكن لا صوت ضرب أيضاً.
"أتركتين؟"
أكرر.
"سأتوقف،"
تقول كريستين بهدوء.
"سأتوقف. لا تدخلي."
ممم. حسن، لم تكن تلك إحدى الخيارين، لكني أظن أنها معقولة. إنها تريد أن تشعر بأنها تملك السيطرة على الموقف ولا تريد أن يُرى. أظن أنه ما دامت لا أسمع المزيد من الطرق، فقد تم العناية بالجزء المهم. رغم أنني... أظن أنها قد تؤذي نفسها بطرق أخرى. أهيء نفسي ذهنياً بينما أتحول إلى مستقبلات الشم الخاصة برابتور، محاولاً الشم بحثاً عن أي أثر للدم....هناك القليل جداً، لكنه يتوافق فقط مع شيء مثل خدش صغير.
هذا... على الأرجح جيد. أنتظر قليلاً في الصوت، مانحاً إياها بعض الوقت لتستعيد توازنها قبل أن أتكلم مجدداً.
"أتناولتِ العشاء اليوم؟"
أسأل. توقف.
"...لا،"
ترد.
"ماذا عن الغداء؟"
"لا."
أجل، يبدو ذلك متوقعاً. لا عجب أن قلقها سيئ هكذا. ألتفت إلى ماريا وأناستاسيا.
"هيي، أيمكنكما التوجه إلى قاعة الطعام وإحضار عشاء سفري؟"
أقول.
"لدى أنا حصة إضافية من الحصص. إن لم نكن هنا، سنعود إلى غرفتنا."
"أمم، أجل، بالطبع،"
تومئ ماريا، مادّة يداً نحو أناستاسيا.
"أترفقين بي يا أنا؟"
"...أبست بخير كريستين؟"
تسأل أناستاسيا بهدوء، وتدلك اليدان باضطراب في شعرها. تبدو الفتاة ممزقة، مطاردة برؤية أحد الكبار الوحيدين في حياتها ممن تهتم بهم يفعلون أشياء كهذه بأنفسهم. يشتعل غضبي تجاه كريستين مرة أخرى، لكني أدفعه للأسفل فوراً.
"ستكون بخير،"
أعد.
"أنا أسيطر على الأمر. شكراً لإرسالك شخصاً ليأخذني يا أنا."
وأنا أعني ذلك. بغض النظر عن مدى عدم رغبتي في التواجد هنا، كان ذلك عملاً جيداً من جانبها. لقد اتخذت الخيار الصحيح. ليس مسؤوليتها التعامل مع هذا النوع من الأمور. إنها مسؤولية كريستين اللعينة. ولكن بالطبع، في ظل غياب ذلك، سأتحمل المسؤولية بنفسي. لا ينبغي لأناستاسيا أن تهتم بذلك.
"لنذهب يا أنا،"
تضغط عليها ماريا برفق، فأرمقها بابتسامة امتنان، تردها لي قبل أن تهرول مبتعدة مع الطفلة. على الأقل ماريا تخرجها الآن. والآن أنا وحدي مع السيدة المضطربة عقلياً ذات القدرة على تفكيك المباني! هذا مفضل بشكل دراماتيكي، بطريقة ما.
"هذا عادة هو الجزء الذي أضع فيه أغنية تحبينها، أو أشغل فيلما تفضلينه حقاً،"
أقول عرضاً، "لكن أظن أنه ليس لدينا هذا النوع من الأشياء هنا."
لا تجيب. ليست علامة سيئة للغاية، بكل الاعتبارات. تذكيرها بحقيقة أننا في السجن تقريباً كان مجرد تحريض لمحاولتها على الكلام، لكن لا بأس إن لم ينجح طالما أنه لا يجعلها تبدأ في إيذاء نفسها مجدداً. لنحاول شيئاً أكثر مباشرة. 'ماذا حدث' عرضياً ربما؟ لا، ربما ليس حازماً بالقدر الكافي. لكن 'أخبريني بما حدث' حازم للغاية على الأرجح.
"أتخبريني بما حدث؟"
أستقر على ذلك. تفاصيل الكلمات المستخدمة ونبراتها الدقيقة مهمة للغاية، أحياناً. لست متأكدة حقاً من أن هذه النبرات المعينة صحيحة لكريستين في هذا الموقف، لكن الفكرة هي صياغتها بحيث يُهيكل طلب المعلومات كطريقة لها لمساعدة بدلاً من كونها أمراً أو لمجرد سؤال. كشخص مهووس حالياً بتصورها الذاتي كفاشلة تستحق المعاناة، قد تتشبث بطريقة لتكون مفيدة لشخص ما. وقد لا تفعل. إنها مجازفة برمتها، فمهما مررنا به لا أزال أتعرف عليها.
"...لم يحدث شيء،"
تتمتم.
"لم يكن لعنة شيء أن يحدث. أنا هكذا فحسب."
"أجل؟"
أحضها. إنها تتحدث، وأنا بحاجة لإبقائها تتحدث. إنه أمر للتركيز عليه بخلاف الهلع.
"أردت أن أكون... مهندسة لعينت، أتصدقين ذلك؟"
تقول، وضحكة تفلت من شفتيها تقطر باليأس.
"مثل العمل مع روبوتات أو شيء ما. ظننت أنني أستطيع الذهاب للكلية، تعلم حرفة جيدة، الخروج من هراء الحرب هذا بتلك الطريقة، تعلم؟ الناس في مدارس أمور كهذه لاضطرارون للذهاب لمعسكر تدريب."
"بالتأكيد،"
أسمح. الجيش يحتاج إلى مهندسين دائماً.
"لم أصل حتى لدروس الهندسة،"
تنتحب.
"ك بالكاد استطعت النهوض من السرير للذهاب لحصة رياضيات لعينت. كنت أرسب في كل شيء قبل أن نجري جولتنا الأولى من الاختبارات حتى. لم أستطيع فعل ذلك فحسب. ليس أنني غبية، أنا فقط... أنا فقط لا أستطيع فعل الأشياء يا ليا. لا أستطيع. أنا عديمة القيمة إلى هذا الحد اللعين."
أجل. ربما. بعيداً عن القوى الخارقة والقيمة العالمية العامة التي يفرض على المرء افتراض امتلاك كل الناس لها لكي يمتلك نظاماً أخلاقياً غير محطم في منتصف الطريق، ليس لديك حقاً الكثير لصالحك يا كريستين. بالتأكيد لن أكون الشخص الذي يكذب عليك ليجعلك تشعرين بتحسّن حيال الأمر، وفي الوقت الحالي لست قادرة على الأرجح على تصديق أي شيء يقوله أي شخص عنك ما لم يكن قاسيًا على أي حال.
...ربما كل ذلك قاسٍ بعض الشيء، ومأجور بغضبي الحالي بقدر ما هو. لقد قابلت كل أنواع البشر الذين هم في الواقع فظيعون، لا شأن لهم بالمشاكل التي أتعامل معها هنا. أسوأ ما تفعله كريستين، بعد كل شيء، هو طلب مساعدة الآخرين أحياناً في مواقف الضغط العالي. إنه أمر مرهق، ومزعج، ولكنه ليس الشّر بعينه. إنها لا تحاول إيذاء أحد (حتى لو حدث وفعلت ذلك على أي حال) ومشاكل قلقها الشديدة بشكل مرعب هي على الأرجح خطأ اختلالات كيميائية في دماغها، أو صدمة بالغة أثناء نشأتها، أو كليهما.
وأنا أدرك تماماً أنه لجميع الأغراض والأغراض، هي معاقة تماماً كما كنت، وهي بالتأكيد تمر بنفس القدر السيئ من الوقت مثل أي شخص آخر في هذا الوضع، إن لم يكن أسوأ. أنا أصارع فقط لمنحها فائدة الشك هنا لأنها تغضبني. أريد أن أُعجب بكريستين. حقاً، أنا أرد ذلك. لقد مررنا بالكثير معاً، وتعتبرها أناستاسيا جزءاً من عائلتنا الصغيرة، بما أننا فقدنا جميعاً عائلتنا القديمة معاً. لكنها فقط...
ررغ، إنها محبطة للغاية! كل حياتي دارت حول العمل بما تبقى من مؤخرتي منذ أن ذابت وتلاشت. أُلقيت في منزل مع تسعة أطفال آخرين، لم يكن أي منهم يعرفني أو يكترث لأمري، ومع 'والدين' قاما بإسناد كل جانب من جوانب تربيتنا للأطفال الأكبر سناً بينما كانا يسمنان على أموال الحكومة. لم يكترثا البتة بحقيقة أنني معاقة، لذا كان علي أن أبتلع الأمر وأتصرف كأنني لست كذلك. بالطبع، كان ذلك مستحيلاً في معظم الأمور.
لم أستطيع التوقف ببساطة عن احتياجي لعصا، ولم أستطيع البدء فجأة بالشعور في أطراف من شأنه أن يجعلني أدرك عندما كنت أنزف. يا للهول، لقد صُرخ في وجهي لأنني نزفت على أشياء كثيرة لمجرد أنني لم أستطيع الشعور بإصاباتاتي الخاصة. وهو أمر محطم وفظيع بالطبع بالرجوع بالذاكرة، لكنه في ذلك الوقت بدا كأنه... كله خطأي. كنت أصغر من أناستاسيا، فما الذي كان متوقعاً مني أن أفكر فيه؟
كل ما كنت أهتم به هو حقيقة أن الكبار والأطفال الأكبر سناً كانوا يصرخون في وجهي وبدوت كوحش محطم. ثم كبرت لاحقاً وأدركت أن لا، الأشخاص الذين يصرخون في وجه طفلة لأشياء لم تكن خطأها هم الوحوش، لكنهم علموني معساً درساً قيّماً: إما أن تحل مشاكلك بنفسك، أو ينتهي بك المطاف منبوذاً عندما تصبح مشكلة الجميع. لذا أصبحت بارعة حقاً في حل المشاكل. بالتأكيد، أحارب لأجل الكرامة والقبول حيثما استطعت الحصول عليهما.
الناس يغضبون مني لكوني بطيئة؟ حسن، هم حمقى، ويستحقون أن يعلموا هم والجميع ذلك. لكن هذا النوع من الأمور لا يصل إلا إلى حد معين. كل إنسان — معافىً، معاقاً، بالغاً، طفلاً — لن يقبل سوى قدر معين من العبء من الآخرين. تجاوز تلك العتبة، وسيجدون طريقة مقبولة اجتماعياً لركل مؤخرتك وترك الباب يرتطم بك في طريق خروجك. أذلك فظيع؟ نجل. أذلك غير عادل؟ نجل. أينبغي أن يكون العالم أفضل من ذلك؟
نجل. يا للأسف. هكذا تسير الأمور. تعلمت كيف أتأقلم. أما كريستين فلم تفعل، وبالتالي أصبحت مشكلتي، وأنا... لا أعرف. هناك جزء مني يقول إنني أحقد عليها لأجل ذلك، لكني لا أظن أن ذلك دقيق (وبالتأكيد لا أريد له أن يكون دقيقاً، بالنظر إلى حجم النفاق الذي سيجعلني أرتكبه). أظن أنني فقط... أصارع لاحترامها. لقد فشلت ليس فقط فيما نجحت فيه أنا، بل فيما أفتخر أساساً بنجاحي فيه وأقدره للغاية في شخص ما.
أعتبر نفسي قوياً بسبب اعتمادي على نفسي. وعليه، أعتبر كريستين ضعيفة. إنه نوع الفكرة التي ترفع شعري فوراً بقليل من التحدي، لأنه بالطبع إن قلت ذلك بصوت عالٍ لشخص آخر لأخبروني أن ذلك مختل بعض الشيء وغير مبرر. إنه نظام حكم بسيط للغاية، بشكل طفولي حتى. لكن لمجرد أنني أعرف ذلك، فهذا لا يعني أنني أستطيع التلويح بيدي وجعل المشاعر تختفي. لا سيما عندما تكون جالسة في حمام، تمنح نفسها ارتجاجاً في الدماغ، وترعب أناستاسيا، وتفسد ليلتي اللعينة عموماً.
ومع ذلك، بغض النظر عن مشاعري، بغض النظر عن مدى غضبي وكم أتمنى لو كانت هذه مشكلة أي شخص آخر حرفياً، أنا أعرف ما يجب علي فعله. أنا أقدر الأخلاق أكثر من تقديري للقوة، وهناك مسار عمل واحد صحيح هنا.
"لا يهمني كم تبدين عديمة القيمة في نظرك،"
أخبرها بحزم.
"لن أتوقف عن مساعدتك."
"يجب أن تفعلي،"
تتمتم. أجل. ربما.
"لكنني لن أفعل."
"لماذا؟"
تتأوه.
"أنا لا أستحق ذلك."
"من حسن حظك إذن، أن الحياة لم تكن يوماً تدور حول ما نستحقه،"
أجيب.
"سيكون من الصعب عليك بالتأكيد تعلم التعامل مع صراعاتك، لكن هذه فرصة شرعية للقيام بذلك. أنت، بموضوعية، عكس عديمة القيمة تماماً في نظر الحكومة. سيجبرك الجيش على التغلب على مشاكلك، إلى حد ما. ورغم أنني لا أوافق على كيفية إدارتهم للأمور، أعتقد أنك قد تستفيدين من استغلال ذلك. تريدين أن تصبحي أفضل، أليس كذلك؟"
"لن يحدث ذلك،"
تصر بيأس.
"لن يصبح الأمر أفضل أبداً. أنا مجرد فاشلة."
"ما أنت عليه هو الدوران في حلقة مفرغة لأنك لم تأكلي اليوم،"
أصصح.
"أتعودين معي إلى الغرفة؟ نتناول بعض الطعام؟ ربما تحدثينني عن عرض الروبوتات ذاك الذي تحبينه؟"
"...أيهما؟"
"أي منهما،"
أقول.
"ماذا عن ذلك الذي كنت تتحدثين عنه على الغداء في ذلك اليوم؟ جندام أكسيس أو شيء من هذا القبيل؟"
"أوه. ليس هناك الكثير لقوله عن ذلك. لم ينتهِ أبداً؛ دُمِّرَت اليابان في منتصف إنتاج موسمه الثاني."
"صحيح، أجل،"
أقول، حائكاً مؤخرة رأسي بحرج.
"انتظري، ألم أكن أظن أن أكسيس كان فيلماً؟"
"لا، هذا تويلايت أكسيس،"
ترد. آه، بالطبع. بالطبع.
"يقع أكسيس بين مزدوج أصفر ثلاثة وثمانين وزيتا، ويتابع في الغالب هامان كارن وهي تتلاعب بطفل وتطعن في الظهر في طريقها صعوداً على السلم السياسي لتصبح ملكة الفتاة المسيطرة على الفضاء. وهو ما ألغى شرعية علاقة تشار المحذوفة تماماً، لكن... كما تعلم. جيد."
"يبدو رائعاً،"
أورد، محاولاً أن أبدوا صادقاً على الرغم من عدم امتلاكي لأدنى فكرة عما تتحدث عنه بحلع اللعنة. لحسن الحظ، لا يتطلب الأمر سوى الحد الأدنى من الاهتمام الظاهري لجعل كريستين تتحدث عن الأنمي.
"يا للهول، كان رائعاً للغاية،"
تتأوه.
"إنه لأمر سيء أن دُمرت اليابان. أعني، إنها مأساة بشكل عام، ولكن أردت حقاً مشاهدة نهاية ذلك العرض."
يا للهول، يا لها من كلمة تقال. إنها في حالة سيئة الآن، مع ذلك، لذا سأترك الأمر يمر. أنجح أخيراً في إقناعها بالخروج من مقصورة الحمام على مدار هذيانها الممتد، عائدين إلى مهجعنا في الوقت المناسب تماماً للاصطدام بماريا وأناستاسيا في رحلة العودة. تمتلك كريستين الآن كدمة بشعة على جبهتها، لكنها لا تظهر أي علامات على وجود ارتجاج في الدماغ لذا أتركها تخفيها تحت شعرها وأمتنع عن جرها إلى المستوصف.
أعتقد أن ذلك سيجعلها أكثر عدم ارتياح، وهي بحاجة الآن للأكل والاسترخاء قليلاً. تبقى أناستاسيا وماريا لفترة بينما تصر كريستين على أنه لا، زاكو ليس جندام، إنه بدلة متنقلة، وليس كل روبوت في جندام جنداماً، يا للهول—لكن سرعان ما يحل حظر التجوال وأصبح أنا وكريستين وحدنا مجدداً. أبقيها تتحدث طوال الليل، ضحيّة بالعديد من ساعات النوم الثمينة على مذبح إبقاء رفيقة غرفتي فاعلة.
في النهاية، مع ذلك، تحشر نفسها في السرير، وتهدأ وتحاول النوم على الأقل. أتنهد، ملقياً نظرة على الوقت. الثالثة وسبع وأربعون دقيقة صباحاً. يجب أن أكون مستيقظاً في السادسة. أمر سيء للغاية، لكنني سأتدبر الأمر. الإرهاق يطالب بي على الفور تقريباً، وألم منبه الصباح وهو يدق في جمجمتي هو الشيء التالي الذي أدركه بوعي، حيث يتلوى جسدي بأطراف غريبة أصارع للتركيز على سحبها مرة أخرى إلى جسدي.
تبا لهذا الإرهاق القاسي. يغمر جسدي كيمياويات تطالب دماغي بالعودة إلى فقدان الوعي، وأستطيع الشعور بها وهي تُنتج وتصيب مجرى دمي بأوامر تفيد بفقدان الوعي اللعين. ...ممم. أتسااءل إن كان بإمكاني ببساطة... إزالتها، تماماً كما فعلت مع تباين التصوير بالرنين المغناطيسي. أستلقي في السرير، ولا يزال المنبه يدوي بينما أركز على عزل أجزاء بيولوجيتي التي تخبرني أنني بحاجة للنوم.
التخلص من الرغبة لن يكون على الأرجح بديلاً فعلياً للنوم الذي أحتاجه (رغم أنني على حد علمي أستطيع إزالة تلك الحاجة بشكل منفصل، بطريقة ما) لكنه يجب على الأقل أن يمنعني من الشعور بالتعب ويسمح لي بالعمل بشكل طبيعي. من ناحية، يبدو هذا فكرة غبية لأنني لا أملك أدنى فكرة عما أفعله. من ناحية أخرى، تبا لذلك! كيمياء دماغي كابوس وجودي بالفعل وأنا أشعر بالسوء. لنرَ... أستطيع الشعور بالجزء من جسدي الذي ينتج كيمياويات النوم، وأستطيع عزل كواليا كيمياويات النوم نفسها بسبب ذلك.
أعرف مكانها في مجرى دمي إن حاولت فقط تشكيلها بشكل مختلف كما تفعل مع أي جزء آخر من الجسد، إذن... هناك. أنا... انتظر، ما زلت... أشعر... بالنو— ظلام. تنميل. ليس لدي عيون، ولا أذنان، ولا أصوات، ولا ضوء. لا أستطيع الشعور بشيء، ولا شم شيء، ولا تذوق شيء، ولا رؤية شيء، ولا سماع شيء. أنا لا شيء، وأخشى ذلك، لذا آخذ اللحم في نطاقي وأجعله يتنفس. أنتفض مستيقظاً، ليس بمعنى أنني نجحت في جعل نفسي أتوقف عن الشعور بالتعب، بل بمعنى أنني جعلت نفسي أظلم اللعنة للتو، وجسدي كله يصرخ الآن ارتباكاً وألماً، ويعود جسدي إلى القالب من فشل كارثي لـ...
يا له من هول. هل مت للتو؟...لا. لا، لا، لا، ما كان لي أن أُمات، أعني، أنا حي واضح. ويا للهول كم أنا حي، وبالتأكيد لست نائماً بعد الآن لأن الأدرينالين عقار جبار. مع ذلك! تلك المادة التي أزلتها لتوي من جسدي كانت مهمة حقاً، كما يتضح! ينبغي عليّ على الأرجح تعلم المزيد عن علم الأحياء قبل أن أكرر ذلك! أجلس مستقيماً، وقلبي ينبض بسرعة جنونية بينما أنظر لأجد كريستين لا تزال في سريرها، مخفية أذنيها من منبهي تحت وسائدها.
"هيي، علينا التحرك!"
أشجعها بينما أرتدي ملابسي.
"لاااا،"
تتأوه.
"هيا يا كريستين، إن لم تنهضي بنفسك فسيأتي الجنود ليجعلوك تنهضين مجدداً، وسيكون ذلك أسوأ."
"ليكن أسوأ، إذن،"
تتأوه.
"لا،"
أقول.
"أخبرتك البارحة: لن أستوقف مساعدتي لك. لنذهب."
ولن أفعل. لن أتوقف. أبداً، أبداً. لن أكون نفس نوع الشخص الذي سماوي. مهما شعرت بأنني أشبههم، سأكون أفضل. حتى لو قتلني ذلك.