وصل مكسيموس إلى الرصيف. رقدت أمامه المنازل والسيارات التي رآها البارحة عبر مسوحاته. تجمّع عشرات الجيران حول البستان، يلهثون أمام الظهور المفاجئ لحاجز شوكي ضخم شطر منزل مكسيموس القديم إلى عالم منفصل.
قالت كريستينا وهي تخرج هويتها من حقيبة صغيرة تحملها وتلوّح بها: "أيها الجميع، الوضع تحت سيطرة وكالة الدفاع؛ ولن يلحق أي أذى بكم أو بمنازلكم. أرجو منكم جميعاً الابتعاد. لا شيء يُرى هنا!"
فاقترب صبي صغير بنيّ الشعر يسأل بخوف: "أستظهر الوحوش الآن؟"
فركع مكسيموس يتحدث بلطف: "لن تنال منك الوحوش ما دمت هنا. لا تقلق، هذا منزلي. يمكنني أن أُريك الأرجاء لاحقاً إن رغبت. توجد وحوش ممتعة كثيرة في الداخل."
فحدق الصبي في درعه وشعره الطويل الذي برزت منه أذنان كأذني الجنيّات: "أأنت مدافع؟"
ابتسم مكسيموس وعبث بشعر الصبي وهو ينهض: "نوعاً ما. أيها الجيران الأفاضل، لا داعي للخوف من أي شيء. الوضع تحت السيطرة!"
هزّت كريستينا رأسها.
فاقتربت عجوز تحمل كلباً قصيراً، وقد غرقت عيناها بالدموع خلف نظارتيها: "ماكس، طفلي العزيز، لقد عُدت! ظننت أن مكروهاً قد حدث. يا لحسن الحظ!"
راحت تطبت على ذراعه قبل أن تلهث: "يا للهول، ألم تصبح أكثر وسامة! قد نتمكن أخيراً من تزويجك!"
ضحكت وهي تربت على ذراعه.
مالت كريستينا وهمست: "الجدة جوهانا، لقد قُبض على ماكس، تماماً مثل غيريت العجوز. لقد نجح في العودة لفترة. أيمكنك التعامل مع الجيران؟"
اتسعت عيناها العجوز قبل أن ترتجف شفتاها.
"أرى... من الجيد أنك عدت. عرفت دائماً أنك كفء، وإن كنت كسولاً بعض الشيء."
ابتسمت بلطف. ثم وقبل أن يتسنى لمكسيموس قول أي شيء، استدارت نحو الأشخاص الذين ما زالوا يحدقون في الحاجز.
فصاحت محددة انصراف الجيران أخيراً: "هيا إذاً، أيتها الجماعة من الطيور العجوز. تحركوا، ودعوا الصغار يعتنون بشؤونهم!"
فصاح الصبي بينما جره رجل أكبر سناً: "لاحقاً!"
دفعتهم الجدة نحو سيارة كريستينا الرياضية متعددة الاستخدامات ذات الزجاج المظلل: "والآن، أيها العشيقان، اذهبا. سأحرص على المراقبة!"
نبش الكلب القصير وهو يتنفس بثقل: "انظر إليك يا ماكس، أبلغت سن بلوغ ثانية؟ تبدو أفضل من أي وقت مضى!"
ابتسم مكسيموس بلطف، ورمق الكلب بنظرة مسرورة، وتحرك نحو السيارة. راقب كريستينا وهي تفتح الأبواب وتبعها، متظاهراً بأنه درى ما يفعله. كان سبراوت يختبئ في قلنسوته ويختلس النظر، مراقباً كل شيء بعينين واسعتين. دخل مكسيموس السيارة، وجلس يمسح كل شيء. امم، لا توجد هنا طاقة دفع أو انتقال آني. ولا امتطاء، أو أي سحر استدعاء... مع ذلك يملكون بعض التعاويذ البدائية الموزعة على الهيكل الخارجي.
امم، لنر. ركّز بعمق، وتجلت له صيغ التعاويذ طائعة، لا تخفي شيئاً عن الساحر العجوز. تقوية وزيادة متانة... وما هذا؟ تعويذة لجلب الحظ الجيد؟ ضحك.
سألت كريستينا وما إن شغلت السيارة: "ما الأمر؟ ومَن فضلك اربط حزام الأمان!"
سأل: "مَن وضع هذه التعاويذ على العربة؟"
تحدثت بافتخار: "عربة؟ ماكس، إنها سيارة، وقد وضعتها أفضل ساحرة لدينا. لن تجد أفضل منها في كل وكالة الدفاع، وربما حتى في الاتحاد الأوروبي!"
ثم انحنت وربطت له حزام الأمان، وعدلت وضعية سبراوت الذي صار جالسًا في حضنه.
توقفت وهي تحدق في عينيه الزرقاويين بحدة كافية لتجعله يسمع تسارع دقات قلبها: "أخبرني بصراحة، ماذا تتذكر؟"
ابتسم بلطف، ووجهه المعاد تشكيله بإتقان يرمقها مما جعل أذنيها تحمرّان: "لا شيء قبل العوالم. بالنسبة لي، هذه هي المرة الأولى على هذا العالم. أرجو أن تحلي بالصبر معي."
قفزت عائدة إلى مقعدها وتنحنحت.
"امم. سيتعين علينا اصطحابك إلى المستشفى لإجراء مسح. وإن لم يفد ذلك، فلدينا معالجون يمكنهم تفحص هذا."
تحدثت بحزم.
حاول المجادلة: "لا داعي حقاً!"
لكنها دست على الوقود وانطلقت مسرعة، دافعة إياه وسبراوت ليرتطما بالمقعد.
قاطعته وأسرعت أكثر: "لا مجال لذلك، أيها السيد! ستخضع لفحص!"
يا نجومي. أأموت مع هذه المجنونة؟ كيف بحق الجحيم يتحرك هذا الشيء بهذه السرعة؟ شحب وجهه واضطربت معدته.
أمر: "كريستينا، أبطئي!"
صاح مجدداً محاولاً الإمساك بأي شيء بينما ضغطت على المكابح، وانزلت في منعطف، ثم أسرعت مجدداً لتتجاوز مئة كيلومتر في الساعة: "أبطئي يا امرأة، قبل أن أتقيأ فطورري!"
ضحكت: "حسناً، بعض الأشياء لا تتغير أبداً. طالما كرهت قيادتي. لا تقلق، سنمنحك فحصاً، وبعدها يمكننا الذهاب للتسوق."
تمتم مكسيموس بسخرية: "حسناً، لقد كان أنا القديم حكيماً بلا شك!"
ماكس، لم تكن حياتك سهلة أبداً...
* * *
في مكان ما من بحر الشمال، على جزيرة مقفرة، وقف رجل في منتصف العمر ذو شعر أحمر قصير ولا يرتدي سوى سروال سباحة أزرق. تطاقت أشجار الصنوبر حوله في دائرة، بينما رقدت تحت قدميه المخالبتين جثة تنين ذي رأسين يبلغ طوله خمسة أمتار وقد مُزق نصف جسده. بدا الرجل ضجراً بينما تحولت أصابعه إلى مخالب شبيهة بالبشر. ركع وطعن بيديه صدر الوحش كالشفرة وانتزع نواة بحجم تفاحة. فتح فمه بغتة كاشفاً عن طاقم أسنان كأسنان سمك القرش ليقضم النواة، ماضغاً إياها كأنها تفاحة حقيقية.
كانت إحدى حدقتيه نقيضاً تاماً لحدقته الزرقاء السماوية المعتادة. كانت العين قرمزية وبدت كالوحوش بوضوح، وتحركت من تلقاء نفسها، تمسح المحيط كمنارة في جوف الليل. فجأة تردّد صدى رنين داخل عقل الرجل، وظهرت رسالة.
[ميلو: الرئيس، ابنك قد عاد. لا نعلم كيف أو أين كان. لكنه عاد، وأكد توبي أنه لم يُعثر عليه في العالم الأول.]
[ميلو: لقد تغير هو أيضاً. أذناه تشبهان أذني الجنيّات اللائي يدرن مناطق الأمان في العوالم، ولأكون صادقاً، لقد صار جميلاً كفتاة. لا يزال يشبهك، لكنه أجمل بكثير.]
[ميلو: أنا لا أكذب. لقد تأكدت أنه هو. أوه، وأمر آخر. يبدو أنه صار درويداً الآن. رأيته مع الوحوش، بل ورفع حاجزاً من الشوك يبدو خطيراً.]
[ميلو: على أي حال، أنا أعلم كيف ستتفاعل. لذا، تواصل معي عندما تهدأ. تشاو.]
انقطعت الرسالة.
زأر قبل أن ينطق بصوت يشبه صوت مكسيموس لكنه أعمق قليلاً وأجش: "لقد عاد؟ وهو درويد الآن؟"
تحول نصف وجهه إلى وجه نمر قرمزي واشتعل فجأة بطاقة كثيفة تشبه الضباب القرمزي، مما غذى جسده ليصبح أكثر توحشاً بينما انزلت خطوط سوداء على هيئته، لتبدو شبيهة بنمر مستذئب لكنه أكثر عراقة، وأكثر سيطرة على المانا البرية. انقض فجأة على الجثة وبدأ يلكمها زاهراً. أرسلت غضبته هزات تردد صداها عبر الأرض بينما تفرقت الطيور فوقه.
بصق كرة من النار الحمراء كالدم مضرماً النيران في الجثة، وجلس على الجرف المطل على بحر الشمال ليزأر مجدداً: "أخبرته. مرات عديدة ملعونة، فعلت! قلت له ألا يلتقط أي شيء يتعلق بالوحوش. لكن لا، ذلك الأبمق اللعين عارضني مجدداً. بعد كل شيء، يعارضني دائماً!"
ثم جلس على الجرف المطل على بحر الشمال وزأر مرة أخرى.
"إن عاد، وكان يملك فئة، فهذا يعني أنه أبلى بلاءً حسناً في الاختبارات. ربما انتهى قبل الوقت المحدود وفعل شيئاً عجزت عنه أستريا حتى."
وبينما كان يتمتم، تبدد غضبه بغتة، وأغلقت عينه السنّورية. وصفا عقله بعض الشيء.
تنهد: "كالوالد كالوولد، أليس كذلك؟ يا للمصيبة أن فاليرا متربّصة..."
[ألكسندر: ميلو. تتبعه وابلغني بكل شيء. وماذا عن الأمر الآخر؟]
[ميلو: لم أستطع العثور على أي شيء بخصوص الهجوم. لقد تعرّض للهجوم بالتأكيد قبل أن يختفي. الدماء كانت تخصه. لكن أياً كان فاعلها فقد أخفى آثاره جيداً. حتى أنا لا أستطيع العثور على أي شيء.]
[ألكسندر: أرى. لحسن الحظ أنه نجا وعاد أقوى. حسناً، واصل التحقيق! لا يمكن لأحد أن يؤذي ما يخصني!]
[ميلو: حاضر، سيدي!]
وما إن انقطعت الرسالة، حتى اندفع نحو البحر أمامه وغاص عميقاً، باحثاً عن هدفه التالي.
* * *
في السيارة، تشبث مكسيموس بالحياة متشبثاً أخيراً.
سأل مكسيموس وهو يحدق عبر النافذة حيث تفسح الخضرة المجال ببطء للمباني الشاهقة، وحلّت رائحة الأسفلت الساخن محل عبير الطبيعة بينما بلغ الصيف ذوجته في المدينة: "بالمناسبة، إن سمحت لي بالسؤال. ما اسم هذه الأرض وهذه المدينة؟"
فأوضحت: "نحن في هولندا، وأكبر مدينة هنا هي أمستردام. وهي أيضاً إحدى أمن الأماكن في أوروبا بفضل وجود مقر وكالة الدفاع هنا، والتي تقودها ساحرة من رتبة إس، ورئيستي، بل وحتى أربعة من أصل أفضل خمس نقابات في البلاد تتخذ من هنا مقراً لها، وكلها بقيادة أصحاب رتبة إس."
تساءل مكسيموس وقد استطاع أخيراً تهدئة قيادة كريستينا عبر الحديث: "ما معنى أن تكون من رتبة إس؟ ملك علاقة بندرة المهارات؟"
قالت كريستينا وهي تسرق نظرة نحو مكسيموس الشارد في أفكاره: "حسناً، نعم ولا. سيكون لدى المدافع من رتبة إس بعض المهارات من رتبة إس، نعم، لكن قوتهم الإجمالية هي ما يُحسب فعلياً عبر النظام. بمجرد أن تكمل الاختبارات، تُقيّم من قِبل أستريا وتُمنح رتبة. يمكنك دائماً طلب إعادة تقييم، لكن من الصعب جداً عادة النمو بهذا القدر خارج العوالم."
سأل بعد لحظة صمت: "ما الغرض من التصنيفات؟"
ابتسمت: "لا نعلم. لكنه مفيد لتطهير الزنزانات والغارات. عادةً، سيتيح متوسط رتبة مدافعي النقابة لتلك النقابة تولي مهام محددة وزنزانات ذات صعوبة ملائمة."
ثم ضحكت مراقبة إياه: "أقسم أن هذا ماكس الجديد أكثر ثرثرة بكثير. يليق بك."
وتورد وجهها خجلاً.
*إنه أجمل حتى من بعض الفتيات اللاتي أعرفهن.* تحدث محاولاً تجاهل نظراتها النهمة: "حسناً. أشكعك على المعلومة. كما تتخيلين، من المزعج حقاً ألا يعرف المرء الأمور الأساسية."
تنهدت وعيناها تنزلقان نحو الطريق أمامه: "عليك أن تأخذ يوماً لتتصفح الشبكة فقط. لحسن الحظ، تمكنا من استعادتها مبكراً بعد أن بدأ كل شيء دون أضرار جسيمة بالبنية التحتية. لكن الأمر لم يكن هكذا دائماً؛ ففي السنوات القليلة الأولى كان كل شيء فوضى. اختفى الناس، ودمرت الوحوش المدن بالكاد توفرت لدينا الكهرباء، لكن عندما عاد المدير بريجز وبقية الفريق تحسنت الأمور."
أومأ برأسه: "لا بد أن تحول حياتك رأساً على عقب هكذا كان جحيماً."
قالت: "يا ماكس، بخصوص ذلك... أظن أنه سيتعين عليك قراءة ملفك الخاص. تحتاج إلى التعرف على نفسك قبل أي شيء آخر."
وأردفت ضاغطة على دواسة الوقود: "ولكن أولاً، إلى المستشفى!"
لعن بينما كان سبراوت، المستقر في حضنه، يهتف مستمتعاً بوضوح: "أوه، تبّاً لك. حذريني على الأقل!"