غادر ماكسيموس إمبي برفقة سايلكس ويسبر بينما ذهب هو وسبروت لاستطلاع المنطقة المحيطة. تحرك بسلاسة بين الأوراق وأشجار الصفوف الكثيفة بهيئة السقط، بينما كان سبروت يركض بسعادة خلفه كوحش بري صغير. تقدما لبعض الوقت، وكان ماكسيموس يمسح المنطقة باستمرار تحسباً لظهور أي أم أربع وأربعين، وكان المسح عملية تجري في خلفية عقله، لا شيئاً ينبغي على ساحر عجوز التركيز عليه. توقف فجأة وتحول إلى هيئة بشرية.
قال: "هذا مكان جيد. ما رأيك يا صاح؟"
التفت إلى سبروت الذي قفز على كتفه وصاح موافقاً. وقفا في رقعة أرض واسعة دائرية الشكل تحيط بها صفوف من الأشجار الضخمة، التي لمع لحاؤها كالفضة الحية تحت الضوء الخافت.
[سيبا لحاء الحديد]
نوع قديم من الأشجار يمكن أن تنمو مئات الأمتار طولاً، ويزداد لحاؤها كثافة ومتانة مع تقدم العمر، ليصبح في النهاية صلباً كالحيد.
"رائع! هذا أفضل ممّا تخيّلت".
صفق وبدأ استخدام مهارة الحارس الصخري لرفع جدار حول المحيط. رصف الأحجار فوق بعضها وساواها بإحكام لتع, بناءً أمتن. رفع الجدران ثم استراح ليستعيد طاقته الروحية، وكرر ذلك لساعتين، حتّى صار له ثلاثة جدران بارتفاع خمسة عشر متراً لكلّ جانب. ثم فعل المثل في الجانب الرابع، إلا أنه بسط هذا الجدار أفقياً على الأرض. وما لم يتوقعه، هو أن رفع جداراً فوق آخر يدمجهما معاً في بنية صلبة واحدة، ممّا أعفاه من شراء أي شيء آخر كالأسمنت وما شابه.
وحين انتهى من الجدار الرابع وبسطه أفقياً على الأرض، كان أصغر من البقيّة، بنحو عشرة أحجار، وفيه ثقبان في الزاويتين اليمنى واليسرى العلويّتين، حيث ربط مكسيموس كرمات مجدولة وألقاها فوق الجدار الخلفي وعبر غصن سميك متين، ثم دمج حبلي الكرمة في حبل سميك متين واحد. وكانت الفكرة أن يجذب سيليكس الكرمات ليرفع الجدار، ليحبس الوحوش في الداخل مثل بوابة ضخمة تنطبق فجأة. وحين فرغ من البناء، اشترى مجرفة بسيطة بعشرين رمزاً وبدأ بحفر الحفر.
وفي كلّ حفرة من الحفر العشر، وضع حاويات حمراء سعة خمس عشرة لتراً وربطها كلها بكرمات ساكنة، بعد التأكد من تبدد الكهرباء تفادياً لتفجير نفسه في الهواء. ثم زرع زنابق حارقة على طول الجدار الخلفي، مشكلاً أكبر عدد ممكن من الصفوف متجنباً الحاويات بحذر.
"هذا أفضل ما سأصنع بهذه المجموعة من الأدوات. لنذهب يا نبتة".
تحول مجدداً إلى شكل قطّ وعاد من حيث أتى.
* * *
"يا رئيس، لقد غبت مطولاً. ماذا حدث؟"
سأل فيسبير فور رؤية مكسيموس وهو يهز ذيله ببطء.
"وجدنا مكاناً لفخّ. تعال، لنذهب، وسأشرح كل شيء في الطريق"، أمر مكسيموس.
"لا رغبة لي. سأبقى هنا أنام"، تمتم سيليكس.
"يا سيليكس، أيها الطفل المدلل الكبير، لنذهب. سنصطاد المزيد من أم أربعة أربعين، والمزيد من اللحم لأجلك!"
حاول مكسيموس إقناع التمساح العنيد.
"حسناً، لمَ لم تقل ذلك فوراً؟!"
تذمر وهو ينهض من الأرض بينما تستقر إيمبي فوق رأسه كتاج ملتهب. تحركا لفترة قصيرة حتّى وصولا إلى الموقع المسور الضخمة الذي بناه مكسيموس.
"أبنيت هذا، يا رئيس؟"
لفت فيسبير لاهثاً.
"هنا سنطهو أم أربعة أربعين"، قال مكسيموس بهدوء.
"سأستدرجهم إلى الداخل. وما إن أدخل، يا سيليكس، حتى تجذب حبل الكرمة ذاك وترفع الجدار الأخير الذي نقف عليه. وإن حاول أحد الاعترض، يا فيسبير، فعليك دفعه إلى الداخل. وما إن يصبحوا في الداخل، فسأطلق النار وأي تعويذة أخرى أستطيعها مع قنابل السم، وينبغي أن يفعل ذلك فعله بغض النظر عن أجسامهم المتينة. أي أسئلة؟"
سأل مكسيموس ببساطة.
"يبدو مزعجاً. فقط أرني ما أفعله..."
تأوه سيليكس.
"مفهوم، الأمر بسيط بما يكفي".
وضع فيسبير مخالبه فوق ظهر سيليكس.
"أبعد مخالبك القذرة عن حراشفي الطاهرة!"
هسّ سيليكس.
"كفاكما! يا سيليكس، اتّبعني!"
زفر مكسيموس مستاءً قليلاً من شجار الثنائي.
"أترى هذا؟ أمسكه واجذبه حين أصرخ. الأمر بسيط".
قادهما مكسيموس خلف الجدار الخلفي وأمسك بالحبل الأخضر السميك مقلداً ما يجب فعله.
"ونقتل تسعة منها؟"
سأل سيليكس مندهشاً.
"إن سار كلّ شيء وفق الخطة. فخي لم يسر وفق الخطة سابقاً بفضل فيسبير هنا"، ابتسم مكسيموس باهتاً.
"عذراً يا رئيس، لكن ذلك كان أسهل من أن يُخفى، حتى خلال جنوني"، قهقه فيسبير.
سخر مكسيموس.
"أسهل من أن يُخفى، همم!"
عبس.
"وتسخر مني. انظر إلى وجهك العبوس يا ماكس! ها!"
ضحك سيليكس. تنهد مكسيموس ونادى إيمبي.
"إيمبي، سأعيدك. اذهبي واستريحي؛ سأحتاجك لاحقاً، أمتفقون؟"
أصدرت إيمبي طنيناً سعيداً واختفت عائدة إلى عالم الأرواح.
"تنتزع تدفئتي، وقح"، اشتكى سيليكس.
"يا فيسبير، ارسل ذئابك لاستطلاع المنطقة. اقترب الليل، لكنّي أفضّل القتال نهاراً"، قال.
"لا مشكلة، فقدت بعضاً منها، لكن لا يزال لدي أربعة عشر".
استدعى فيسبير قطيعه وأمرهم بالاستطلاع والعودة سريعاً إن لاحظوا شيئاً. أومأت الذئاب وتفرقت في الغابات.
"سأحاول الاستراحة قليلاً، جربوا كلكم المثل. من يدري أيهجمون الليلة أم لا؟"
تنهد مكسيموس وأخرج كيس النوم. أسنده إلى الجدار الخلفي الكبير الذي بناه ودخل وأغلق السحاب بإحكام، وما هي إلا لحظات حتى كان يغط في النوم وتلتف نبتة فوق صدره.
"لماذا تتبعه إن كنت تتذمر طوال الوقت؟ ما مصلحتك في ذلك؟"
سأل فيسبير فجأة، متأكداً من استغراق مكسيموس في النوم.
"يا له من سؤال غبي، أنت جثة مكسوة بالفراء بحق. لقد هزمني جهاراً نهاراً؛ وكان بوسعه قتلي لكنه لم يفعل. أنا طوع أمرها، إنها شريعة المستنقع يا صاحب الفراء. وعلاوة على ذلك، البقاء إلى جانبه أشد إمتاعاً بكثير من السباحة حول مستنقع صغير لا يجرؤ أحد على معارضتي فيه"، تكلم سيليكس كمن يلقي حكمة قديمة.
"لم تجبني بعد"، زمجر فيسبير.
"رغم أنه هزمني، فهذا لا يعني أنني ضعيف. أنا وحش أصيل أنيق، أليس كذلك؟"
ضحك سيليكس محاولاً تقليد أوسكار.
"عما تتحدث بحق الجحيم؟"
"انظر، عليك الكف عن التذلل له أيضاً. كلّ منا وحش فخور قويّ بحقه. وعلى الرغم من أنه الأقوى هنا والقائد، فلا يزال عليه إثبات جدارته بقيادتي"، أوضح سيليكس.
"إذن، ستستمر في اختباره؟"
تنهد فيسبير.
"بالتأكيد، وكذا عليك".
"لقد أنقذ حياتي، ومنحني قطيعاً جديداً، بل وشفاني. لن أُعصي الرئيس أبداً، ولدي شعور بأنه إن بقينا رفقته، فقد نبلغ قوة لم نحلم بها قط"، قال فيسبير بنبرة حادة ملؤها القناعة.
"أنت متعصب، كما تعلم. افعل ما تشاء، لكنني لن أقبل بالتحكم بي. أنا سليل ملوك كما تعلم!"
رفع سيليكس رأسه بزهو بينما هزّ فيسبير رأسه بعدم تصديق.
* * *
كاد ضوء القمر يعجز عن اختراق الأغصان الملتوية حين هزّ فيسبير مكسيموس فجأة ليوقظه.
"رئيس، وجدت ذئابي علامات على ثلاث من أم أربعة أربعين تطوف هذه المنطقة بأسرها حالياً محاولة تحديد مكانك".
فتح مكسيموس عينيه، عاجزاً عن رؤية أي شيء وسط الظلام الدامس بالكاد. تحسس المكان حتى وجد السحاب ففتحه. وما إن اعتدل في جلسته حتى ألقى برداعه فوق رأسه، وفور فعله ذلك، تكيفت عيناه مع العتمة وتوضّح كلّ شيء أمامه كأنه في منتصف النهار. خزّن كيس النوم ووضع نبتة برفق على الأرض.
"ابقوا أنتم الثلاثة هنا واستعدوا. أيتذكر الجميع واجباته؟"
سأل مكسيموس.
"نعم، يا رئيس!"
أومأ فيسبير.
"أجل، أجل. اجذب الشيء الأخضر حين تصرخ"، تذمر سيليكس.
"حسناً، يا نبتة، خذي دميتك تحسباً لأي قتال".
أخرج مكسيموس دمية المفترس، فهتفت نبتة فرحاً وقفزت فوق رأسها ودمجت نفسها بها. تحول مكسيموس إلى هيئة قطّ وانطلق كالبرق نحو المكان الذي أخبره به فيسبير.
* * *
بأناقة القطط ودقتها، ركض مكسيموس عبر الغابات، وحواسه متيقظة بفعل هيئته الجديدة وسرعته المعززة بفضل تأثيرات برداعه. وأثناء ركضه، سمع عواءً عالياً، واهتزت الأرض كأن عملاقاً يطؤها. غيّر مساره واتجه نحو الصوت. بعد خمس دقائق أو نحو ذلك، وجد الذئب يتفادى بصق الأسد لأم أربعة أربعين؛ وبدت شبيهة بتلك التي تقاتلا ضدها من قبل، لكنها أصغر بكثير، بنحو ستة أمتار طولاً.
"أيها الذئب، ارجع إلى فيسبير!"
صرخ مكسيموس فور وصوله. وما إن استشعار أم أربعة أربعين اللعنة حتى اضطرب جسدها قبل أن تنقض كسهم مفلت نحو مكسيموس، ومخالبها تنطبق بجنون.
"ألا يسرّك رؤية العجوز الصغير أمثالي؟"
قهقه مكسيموس وهو يتفادى الهجوم المسعور ويعدو نحو أصوات معركة أخرى. تجاهلت أم أربعة أربعين الذئب وأسرعت خلف مكسيموس، محطمة الأشجار، ومطيحة بالفتيات منها، وغائصة في الأرض لتجرف في طريقها وتتبع أثره ومخالبها تطقطق دون توقف. من ينجو من هذا عادةً؟ هذه أستريا اللعينة، لو كنت بشرياً عادياً لكنت متّ عشر مرات. بالسموات، أكان هذا الاختبار مخصصاً لمن بالكاد بدأ يتعلم وينمو؟
أم أن إهمالهم للأراضي البرية جعل هؤلاء الوحوش يبلغون هذه القوة حقاً؟ فكر مكسيموس وهو يعدو قبل أن يصل إلى موقع أم أربعة أربعين أخرى، يبلغ طول هذه نحو ثمانية أمتار، انقضت عليه بالطريقة المسعورة ذاتها التي سبقتها. انفجرت أم أربعة أربعين السابقة من الأرض واصطدمت بالجديدة، وتشابكت أجسامهما بغضب وجنون أعمى. تجاهلهما مكسيموس وواصل طريقه نحو الأخيرة. ورؤيةً لفرارهما، بصقتا الحمض على بعضهما البعض، فذابت أصدافهما جزئياً وتسلخت قبل أن تندفع الاثنتان خلفه.
بعد عشرين دقيقة، وصل مكسيموس إلى موقع الثالثة، وحدث الشيء نفسه تماماً، ولكن هذه المرة، وحين اشتبكت أم أربعة أربعين الثلاث في معركة فوقه، فعّل مهارة التخفي واختبأ بالقرب. لتتعب إحداهما الأخرى، ونأمل أن تلتقط أخريات رائحتي. وراقب تحولهما إلى صراع مصارعة مقزز ثلاثي الأطراف. ملأ الحمض والسم الهواء برائحة كريهة ثقيلة للحم المحترق وشيء كالكبريت، ممزوجاً بالحديد، بينما كانت طقطقتهما الغاضبة وتصويتهما المسعور يصدحان في ساحة الصيد بأسرها.
ثم فجأة، توقف كلّ شيء، حتى الاقتتال الداخلي والضجيج، وابتلع صمت مطبق الغابة بينما بدأت شجرة تلو الأخرى تهتز من الاتجاهات الأربعة. وبعد بضعة دقائق، ظهرت أربع حشرات ضخمة من أم أربعة أربعين، يبلغ طول كل منها نحو اثني عشر متراً، وأصدافها السوداء مشوبة بعروق من الذهب الباهت.
[أم أربعة أربعين الظل الذهبي المستوى ٣٠]
بالسماوات... أثمة أنواع أخرى كذلك؟ سكن مكسيموس لبرهة واستقر شعور خفيف بالرهبة في صدره. تجاهلت أم أربعة أربعين الأربع بعضها البعض والصغيرات الثلاث، والتفتت نحو مكسيموس كأنها تستطيع رؤيته عبر تخفيه. فتحت كلها أشداقها وأطلقت دفقة من سائل أخضر كثيف أذاب الأرض حيث وقف مكسيموس قبل لحظات، وهو يقبز عالياً نحو شجرة قريبة.
"اتبعوني، أيها الوحوش عديمة العقول!"
زأر وهو يقفز من غصن إلى غصن باتجاه فخه، بينما صرخت المخلوقات بغضب وانطلقت السبع كلها في المطاردة.