عاد النزل إلى صخبه وضوضائه بسرعة حين اشترى جيلان جولة أخرى من الشراب، دافعاً في كل مرة بقطع ذهبية أكدت لي أن الواحدة منها تكفي لشراء كل الغرف والطعام ومرات عديدة من الشراب. لم تكن كلارا لتعتترض بالطبع؛ فقد اختلست ثلاث قطع ذهبية في جيبها مسبقاً.
قلت وأنا أحافظ على نبرة عادية قدر الإمكان: "ميلو، ذلك الساحر الذي لم تكن متأكداً من أمره كان جالساً في تلك المقصورات هناك حين طبق الرماد".
لم أرد أن أنسي ذكر الأمر هذه المرة أيضاً، تحسباً لأي طارئ. التفت ميلو، أظنه محاولاً لمحه.
تحدثت جين قائلة: "يمكنني الذهاب والبحث عنه إن شئت".
قال ميلو وهو لا يزال يلتفت محيطاً بنظره: "لا، لا بأس، سأتوجه إلى النقابة غداً لأعرف ما يجري، وربما أتعرف على هويته أيضاً. من المرجح جداً ألا يكون الأمر خبيثاً وأنه أبدى اهتماماً وحسب بغرائب المجموعة. العلامة الوحيدة الآن هي تظاهره بأنه ساحر عادي".
قال هاري وقد زال عبوسه أخيراً: "أحسنت يا تريف، لقد تصرفت بشكل جيد بشكل مدهش، مع أنني لم أكن أظن أنك ستدخل دار الأيتام في الأمر".
قلت وأنا أشعر بالحرج: "لم أكن أتوقع ذلك أنا الآخر، ولكن إن لم أحاول على الأقل في المدن التي أملك فيها بعض النفوذ، فلن أكون أفضل من أولئك الذين يعبثون بها أصلاً".
لم تكن لدي أي فكرة حقاً عما يجب فعله إن وجدْتُ دار الأيتام لا تحظى بالعناية اللائقة.
سألت باهتمام: "ميلو، نحن بخير من حيث الأموال، أليس كذلك؟"
كنت أعلم أننا نملك الكثير لكني لم أكن أدري كم بقي منها في العاصمة. غير أن رد ميلو بدا كأنه يجيب عن ذلك؛ فقد اكتفى بالضحك.
هاري هو من رد قائلاً: "نعم يا تريف، لدينا أموال وفيرة، لماذا تسأل؟"
قلت وانا ألوح بيدي مهوناً: "لا شيء، أردت التأكد فقط".
لم يكن الأمر عائداً إلى عدم تأكدي؛ بل رغبتي الشديدة في تصديق ألا يكون الوضع سيئاً بالقدر الذي توقعته. كنت أعلم أن الملك بعث بنداء إلى كل المدن والبلدات لتحسين أوضاعها خلال الشتاء، ولكن من يدري ما تعده كل بلدة تحسناً. كل ما رغبت فيه حقاً هو توفير تدريب ملائم وطعام جيد للأيتام، وإن استطعت استخدام أموالي لتحقيق ذلك وإنقاذ طفل آخر من المصائر ذاتها التي لقياها دارين وجورج، فسأفعل.
ثم لمعت في فكري فكرة، وسألت: "ميلو، كم سيكلف أن يتولى ساحر تعليم السحر في دار للأيتام؟"
بدا ميلو مصدوماً للحظة، وقال: "آه، حسناً، يعتمد الأمر حقاً على نوع الساحر الذي تريده، لكني أفترض أنك تكتفي بالأساسيات، لذا فهذا يكلف بضع دزينات من الذهب سنوياً إضافة إلى السكن".
سألت: "هذا كل شيء؟"
ضحك ميلو بخفة، وقال: "ليس تماماً، لا. عليك التفكير في التكاليف الأخرى المرتبطة بالأمر أيضاً. إن كنت تريد تعليم السحر، فعليك أيضاً تعليم القراءة والكتابة بشكل صحيح، وأكثر بكثير مما يعلمونه الآن من أساسيات، وهو ما سيستدعي غالباً معلماً آخر. وتحتاج أيضاً إلى شراء الكتب واللوازم".
تدخلت جين قائلة وهي تبلغ لب الأمر: "تريد استبدال المعلمين بآخرين أكفاء".
قلت محرَجاً بعض الشيء: "ربما".
أومأ ميلو برأسه، وقال: "بافتراض أنك ستحتاج على الأرجح إلى معدات جديدة بالكامل، ومعلمين جدد، وطعاماً ونظاماً غذائياً أفضل لتحمل تدريب سليم، فأظن أن خمسين قطعة ذهبية سنوياً ستفي بالغرض؟ ربما سبعين كحد أقصى".
انتظرت متسائلاً إن كان ذلك مجدياً، لكن جين هي من بادرت بالقول: "إجابةً على السؤال الذي يدور في ذهنك بلا شك، نعم، إنه في متناول يدك، ولكنه ليس أمراً يمكننا تدبيره في اليوم الوحيد الذي نقضيه هنا، وبالتأكيد لن أؤتمن اللورد على تسليمه المال لتنفيذ ذلك".
انقطع الحديث مع إتيان كلارا بجولة أخرى من الشراب لهاري وميلو وجيلان.
قالت وهي تضع المشروبات: "لم أكن أدرك أننا نحظى بمثل هذه الشخصيات رفيعة المستوى تقيم هنا. ليس معتاداً أن تأتي جماعتكم إلى النزل".
قلت: "نحن نفضل النزل في الحقيقة".
سألت وهي تضحك: "إذن من هم التجار الذين قدمتم برفقتهم؟ لا بد أنهم مميزون حقاً إن كنتم تسافرون معهم، أحرار سرية أم ماذا؟"
تحدث هاري قائلاً: "صدقي أو لا تصدقي، نحن هنا مجرد مغامرين، وهم حقاً مجرد تجار نتولى حراستهم في طريقنا شمالاً".
اكتفت كلارا بالضحك متجاوزة الأمر، وقالت: "حسناً، احتفظوا بأسراركم. لن أتدخل".
ومع ابتعادها، لم أستطع إلا التساؤل عما إذا كان غريباً إلى هذا الحد أن يظل المرء راغباً في أن يكون مغامراً. ففي نهاية المطاف، كان هذا ممتعاً أكثر بكثير من التعامل مع النبلاء في العاصمة، حتى مع وجود المقاطعات. لم أستطِع منع نفسي من ملاحظة ضحك جين في سرها.
سألها هاري: "ما الأمر؟"
أشارت جين إليَّ، وقالت: "أراهن أن تريف يتساءل لمَ لا تصدقنا".
أثار هذا ضحكة الجميع، حتى جيلان، بينما شعرت بالحرج.
قلت ووجنتاي تحترقان احمراراً على الأرجح: "لم أكن أتساءل عن ذلك، بل كنت أتساءل لمَ لا يفعل المزيد هذا بدلاً من الجلوس في العاصمة".
بدأ جيلان حديثه بالقول: "لا أظن أنكم أدركتم مدى تفرد مجموعتكم وحظها في الواقع، فهذا أمر بعيد كل البعد عن المعتاد. لديكم ساحر أرض قادر أساساً على بناء منزل حيثما توقفنا، شريطة ألا نبحر إلى أي مكان. ولديكم عنصر نار لتدفئة ونار لا تنفد عملياً".
وابلغ ذلك عن تدفق شرارات من كريسبلت، مصحوبة بنظرة فخر.
ابتسم جيلان، لكنه تابع كلامه: "لديكم، حسب ما يمكنني تقديره، مهارة تخزين ضخمة بشكل سخيف تحافظ على طعامكم طازجاً، وفئة طهي تتيح لكم إعداده بنكهة طيبة. معظم المجموعات تقيم في ملاجئ قاسية إلى حد ما، وتعاني للحصول على الخشب في أماكن كثيرة، وتعيش على المؤونة. حتى أمر بسيط مثل إمدادات المياه التي لا تنفد ليس أمراً عادياً لكل المجموعات. عموماً، حياة المغامرة شاقة في العادة".
سألت: "لمَ لا تجعلون مجموعة مثل هذه عادية إذن؟"
قال ميلو: "إنهم يفعلون ذلك من بعض النواحي. معظم المجموعات تضم توازناً بين القتال عن بعد والالتحام المباشر، وعادة ما تضم شخصاً قادراً على التعقب والصيد على الأقل، لكن سحر الأرض ليس تماماً ما يعده الناس مبهرْاً، لذا فهو ليس شائعاً جداً".
فوراً، تساءلت عما إذا كان بإمكاني خصيصاً تجنيد ساحر أرض لتعليم الأيتام؛ وكان ذلك استباقاً للأمور على الأرجح.
ظل جيلاين طوال ما تبقى من الليل يشتري الشراب للنزل حتى بلغ معظم الزبائن مبلغاً من السكر أعجزهم حتى عن الوقوف. بل إن كلارا ذهبت إلى حد منعهم عن الشراب، إذ لم ترغب في تنظيف الفوضى إن تمادت في ذلك. لم يعد ليان بعد، ورغم أنني لمحت لويس بضع مرات طوال الليل، فلم يكن ذلك إلا لبرهة وقد اندمج بطريقة ما وسط الطاولات الأخرى، لينضم إليهم في كأس قبل أن يختفي مجدداً، مندمجاً بوضوح وسط الحشد بحيث لم يلاحظه أحد.
كانت ليلي متكوّرة تنام أمام المدفأة حيث تركوا حولها مساحة فارغة إذ بدا أن أحداً لا يرغب في الاقتراب كثيراً. ورأيت كريسبليت في النار ذاتها وهو يبدو وكأنه يبني تمثالاً من نوع ما، وبدا مشابهاً بشكل مريب لكلارا وهي تحمل أكواباً متعددة دفعة واحدة. وظننت أنني أعرف ما سيقضي كريسبليت بقية ليلته في العمل عليه. إلا أن همومي تركزت كلياً على اليوم التالي، وكنت أتوقع تماماً أن سيد هذه البلدة قد حرص فوراً على جعل الملجأ يبدو أفضل مما هو عليه في الواقع، لذا احتجت إلى إيجاد طريقة للوصول إلى الحقيقة.
* * *
استيقظت في الصباح التالي وقد دُفعت إلى أحد الجانبين بعد أن سرقت ليلي سريري بأسره تقريبا، وكنت محقاً، فقد أمضى كريسبليت الليل في العمل محاطاً بالرماد الداكن، إذ بدا بوضوح أنه لا يريد أن يري أحداً تمثاله حتى يكتمل. مع أن التمثال بدا هذا الصباح وكأنه جاهز، إذ كان هناك تمثال لكلارا، وهي تحمل ستة أكواب من الجعة، وتخطو فوق مجسم ليلى، بينما يجلس مجسم صغير لكريسبليت فوق الأكواب، كشمعة صغيرة تقريباً نظراً لأنه مصنوع من لهب خالص.
قلت حين رأيته بوضوح: "يبدو هذا رائعاً حقاً، يا كريسبليت".
شعرت فوراً بالفخر والسعادة ينبعثان منه. استدرت فصادفت ليلي وهي تختفي في الظلال، وبدت بوضوح غير مستعدة للاستيقاظ بعد.
سألت: "هل أنت مستعد للذهاب إلى الملجأ؟"
كنت أعرف أن كريسبليت مستعد دائماً؛ لكان قد ذهب الليلة الماضية دون تردد، وكان سؤالي مجرد استنفار لشجاعتي الخاصة وأنا أرتدي درعي، حريصاً على أن أكون في أفضل هيئة ممكنة. أرسل كريسبليت للتو تأكيداً وسعادة وهو يلتقط تمثاله؛ لم يكن ضخماً للغاية، بل بلغ ارتفاعه ما تحت ركبتي مباشرة.
سألت: "أتريد أن تعطيها إياه الآن؟"
أطلق كريسبليت جمرة واحدة.
قلت: "حسناً، انتظر هنا، سأرى إن كان لدى جين مساحة لتخزينه"، فكسبت بذلك دفقة من الشرارات.
لم يستغرقني الأمر طويلاً للعثور عليها؛ كان الجميع جالسين بالأسفل بالفعل وأمامهم طعام الإفطار، وصعدت جين سريعاً إلى الأعلى، مخزنة التمثال وعادت ومعها كريسبليت.
سألت هاري: "هل أنت مستعد ليومنا هذا؟"
هززت رأسى، لم أكن مستعداً البتة، لكني سأفعلها على أي حال. كانت خطتي هي الوصول في الصباح الباكر لمنح فترة زمنية أقصر لأي تغييرات محتملة.
قالت ليان بسعادة من الطرف الآخر وبطاقة فائقة أكثر مما ينبغي في مثل هذا الوقت المبكر من الصباح: "أنا فخورة بك، تريف!".
سألت ضاحكاً: "كيف أنك استيقظت في الأصل الآن؟"
أطلقت جين شخير خفيف: "لأنها لم تذهب للنوم من الأساس".
قالت ببساطة: "كنت مشغولة، سأخبرك لاحقاً، لكني لم أستطع تفويت هذه الزيارة".
سألت بنوع من الدهشة: "أأنت قادمة أيضاً؟"
وهنا انضم هاري قائلاً: "تريف، نحن جميعا قادمون، لكي تكون على يقين".
لم أدر ماذا أقول، كنت أعرف أن كريسبليت وجين أو ميلو سينضمون إلي، لا الجميع.
لكن هاري استطرد قائلاً: "ميلو، إن تفضلت".
هبت عاصفة من مانا الهواء وهي تتحرك متجاوزة إيانا، قاطعة كل أصوات النزل الأخرى.
قال ميلو: "عليك أن تكون مستعداً لما سيحدث، تريف، فمن المؤكد تقريباً أنهم سيحاولون اصطحابك في جولة شخصية وإطلاعك حصراً على ما يريدون منك أن تراه، لذا من المهم أن نتفرق عندما نصل".
وأضافت ليان: "دخل أحدهم الليلة الماضية ولم يبد وكأنه يرغب في التواجد هناك على الإطلاق؛ لقد غادروا في وقت مبكر من صباح اليوم، لذا فهناك أمر يدبرونه".
سألت مندهشاً: "كنت تراقبين؟"
اكتفت بابتسامة عريضة.
وأوضح ميلو: "لدي أيضاً فكرة بشأن كيفية التعامل مع مخاوفك المتعلقة بالمعلمين، ستكون فكرة قاسية بعض الشيء، لكنه المكان الوحيد الذي يمكننا ترك المال فيه مع العلم أنه لن يُصرف في غير محله".
جذب هذا انتباهي فوراً، فهذه كانت المشكلة الكبرى. لم يكن يهم إن كان لدي المال، فلم يكن لدي سوى يوم واحد لتسوية الأمر إن لم يكن جيداً، ولم أكن بحاجة لزيارة المكان لأعرف عدم وجود ساحر أو دروس قراءة ملائمة؛ فالهدف في النهاية هو إخراج جنود أساسيين.
وتابع ميلو: "يمكننا ربما الاستعانة النقابة للقيام بذلك عبر العقود. ستكون التكلفة أعلى قليلاً بسبب الرسوم، وسيكون المعلمون في البداية خشنين بعض الشيء لأنهم مغامرون، لكن قد ينجح الأمر".
سألت بقلق خشية ألا يجدي ذلك نفعاً: "ألن يعاملهم المغامرون بالطريقة التي يعاملون بها بمجرد بلوغهم النقابة؟"
أومأ ميلو برأسه.
"إنه احتمال وارد بالتأكيد، لكني أعتقد أنه من الممكن جعل النقابة ترسل فقط الأشخاص المناسبين للدور، أعضاء أكثر خبرة، أو مغامرين قد يتطلعون للاستقرار. أعتقد أن بإنجاح الأمر".
تحدث لويس الذي لم أكن قد لاحظت وجوده حتى على الطاولة.
"لقد أرسلت بالفعل رسالة إلى العاصمة بشأن الأحداث هنا، وستكون هناك قوة حراسة قريباً. لا أعتقد أن السيد يسوء معاملة رعاياه بناءً على المحادثات التي دارت الليلة الماضية، لكنه بالتأكيد أغنى مما قد نتوقعه لسيد في منصبه. يمكنني إرسال رسالة أخرى بعد اليوم إما لمراقبة المعلمين، أو حتى إرسال معلمين من العاصمة نفسها".
قال ميلو: "سيكون العالم القادر على تعليم القراءة والكتابة بشكل صحيح مثالياً كحد أدنى؛ فهي فئة غير شائعة هنا كثيراً".
نهضت، ولم أكن قد تناقشت سوى لقمة واحدة من فطوري.
"لنقم بذلك إذن".