دخلت الردهة فرأيت لويس واقفاً هناك. كان يرتدي ملابسه العادية، فلا رسميّات مبالغاً فيها هنا، لكنه بدا متوتراً. كان يعبث بيديه، وهي هيئة لا تتوقعها قط من أمير المملكة، فزايدني الفضول أكثر من أي وقت مضى.
سألت مبتسماً لأطمئنه: "أنتوجه إلى غرفة الدراسة؟"
أومأ لويس: "أرجوك."
دخلنا الغرفة فظهرت ليلي. تجلت خلف المكتب حين جلست، وأمعنت النظر في الأمير مجدداً، مندهشة من أن شخصاً يتسم عادة بكل هذه الثقة والاسترخاء قد يبدو قلقاً إلى هذا الحد.
سألت: "حسناً، ما الخطب؟"
قال لويس دفعة واحدة: "لا أعرف كيف أطلب هذا، لذا سألقيها وحسب. أنت مغادر الأسبوع القادم، أليس كذلك؟"
كان هذا أمراً معروفاً للجميع، سيما لمن يزورون المنزل.
"أجل؟"
أفلت لويس بها: "أود الانضمام إلى مجموعتكم وأنت ترحلون شمالاً."
لم أستطع كتم نفسي فأطلقت ضحكة، وتوقفت فوراً حين رأيت وجه لويس المذعور.
أردف لويس مطرقاً برأسه: "أنا آسف! ما كان لي أن أسأل..."
لوحت بيدي رافضاً: "لا، لا، لا بأس، ولكن لمَ تسألني أنا؟ أنا لا أتقن قيادة الفريق. أنا الطاهي والدعم وحسب."
كانت ملامح وجه لويس لا تُعصى على الوصف. مزيج من الصدمة والذهول والارتباك.
"الشخص الذي عليك محادثته هو ميلو أو هاري. تقنياً، هاري هو قائد الفريق، لكن ميلو غالباً ما يكون العقل المدبر وراء كل القرارات. أنا أساير الركب فحسب."
سأل لويس: "كيف يعقل هذا؟ مع كل الأحداث التي دارت حولك، لا يبدو أن هاري كان يوجهك إليها، أحييحة؟"
خجلت قليلاً من ذلك.
"صحيح، أعتقد هذا، لكن لسنا أنا من يقرر وجهتنا. الأمر سيان بخصوص توجهنا شمالاً. مجرد مهمة بتّ فيها هاري. لا ناقة لي فيها ولا جمل."
بدا لويس محبطاً بعض الشيء.
"سأحاول تدبير اجتماع مع هاري لأستفسره إذن."
"ألم تفضل سؤال ميلو الآن؟ إنه في غرفة المعيشة. أنا متأكد من أنه لن يمانع."
لم أنتظر ركداً، بل شققت طريقي مباشرة نحو غرفة المعيشة. على حد علمي، كان الجميع ينسجم مع لويس، والوحيدان اللذان سيهبط على كره ذهابه معنا هما دارين جورج، إذ علمت أن كليهما يستمتع بالتدرب مع الأمير يوماً بعد يوم. لذا شعرت بأن ميلو سيكون قادراً على البت دون حضور هاري.
دخلت الغرفة ويلو ليلي تتعقبان خطاي، فاسترعيت انتباه ميلو وليان.
قاطعت ليان سؤالها مع ولوج لويس الغرفة: "ما الذي أراد..."
قلت وأنا أستعيد مقعدي، بينما شقت ليلي طريقها مجدداً نحو المدفأة الخالية من النيران: "يريد معرفة إن كان بإمكانه الانضمام إلينا ونحن نتجه شمالاً."
قال ميلو ببساطة: "حسناً."
وقف لويس مسمّراً مكانه للحظات، يحدق فينا فحسب.
ابتسمت: "أخبرتك أنهما لن يمانعا."
بدت ليان أقل اقتناعاً.
"لماذا؟"
أوضح لويس وما زال واقفاً عند العتبة: "أرسلني والدي في مهمة شمالاً، ورأيت أن السفر مع مجموعتكم سيكون ممتعاً للغاية مقارنة بمرافقة بعض الحراس."
سألت ليان مشيرة إلى ليلي: "أهذه المهمة، أليست مرتبطة بتعقب ترفور أو رفقائه؟"
أجاب لويس: "لا. لا يمكنني الإفصاح عن السبب الدقيق، لكن لا علاقة لها بمجموعتكم."
هزت ليان كتفيها: "إذن لا ممانعة عندي. أنت لا بأس بك كنبيل."
رد لويس بارتباك: "وأنت نبيل أيضاً الآن، أليس كذلك؟"
مما أثار ضحكة مدوية مني ومن ميلو. لكن ما لفت انتباهي حقاً هو أن ليلي بدت كمن تتأفف من ذلك، وإن يصعب الجزم بالأمر إذ كانت تداري وجهها في الاتجاه المعاكس. ربما أسألها عن هذا لاحقاً.
نظرت إلى ميلو الذي اكتفى بالإيماء، متسائلاً: "ألن يثير انتباهاً عارماً انضمامك إلينا عند المغادرة؟"
قالت ليان: "سنحظى بالكثير من الأنظار ترقبنا على أي حال."
أوضح لويس: "سأجد سبلاً لإخفاء هويتي والسفر تحت اسم مستعار."
بدا ميلو قلقاً بعض الشيء: "ربما يجدر بك مغادرة المدينة باكراً وملاقاتنا في فارنوكس أو على الطريق أمامنا."
لوح لويس بيده مستخفاً: "لا بأس. إن تمكنت من المجيء إلى المنزل قبل مغادرتكم بيوم، فأنا أملك آثاراً محجِبة، لذا ينبغي ألا يستطيع أحد تمييزي، وأي شخص قوي كفاية لرؤية ذلك سيكون قادراً على رصدي من على بعد بلدة بأكملها على أي حال."
قال ميلو: "يبدو الأمر مكلفاً."
جاء دور لويس ليضحك: "لقد نشبت لتوّكم معركة طاحنة في وضح النهار، في حي النبلاء الراقي، بعد صفقة أُبرمت لتوّها في هذا المنزل. شيء ما يخبرني أنني لن أكون الأكثر ثراءً هنا."
أطلقت ليانخرخرة، وأومأ ميلو موافقاً: "طرحت نقطة منطقية."
قال ميلو: "لن نتوجه شمالاً مباشرة. سنقوم ببعض المنعطفات الطفيفة."
ابتسم لويس: "ممتاز. كلما رأيت بلدات وقرى أكثر، كان ذلك أفضل."
أردف ميلو أخيراً: "حسناً، نغادر بعد خمسة أيام."
أومأ لويس بانحناءة خفيفة: "إذن حريّ بي الرحيل. سأكون هنا في اليوم السابق. شكراً."
وبهذا غادر، تاركاً إيانا وحدنا في الغرفة.
التفت نحو ليلي التي كانت لا تزال نائمة بالقرب مني، فمددت قدمي ووجزتها بها.
"هيا، إن كنت ترغبين في اللقب أيضاً، فيمكنك ذلك. تلك المرة الثانية التي أسمعك تتأففين فيها حياله."
استدارت ليلي لتنظر إلي، وعيناها الزمرديتان الضخمتان تحدقان في عيني.
سألت: "أذلك قبول؟"
غاب الرد، فاتخذت قراراً.
"حسناً إذن. أنا أقرر نيابة عنك. أنت ليلي أشمون الآن. أهلاً بك في العائلة."
حدقت ليلي بي طويلاً قبل أن تتلاشى بغتة.
التفتُّ إلى ليان وميلو متسائلاً: "أترون أنها ستتقبله؟"
رسمت ليان ابتسامة ماكرة.
"أراهن أنها ذهبت لإخبار كريبلت في هذه اللحظة بالذات."
ضحك ميلو: "إذن، الأمير. سيكون ذلك مشوقاً."
سألت بفضول وأنا أتنقل ببصري بينهما: "أي نوع من المهام قد يرسله ماركوس لأجله؟"
ابتسم ميلو وقال: "على الأرجح يتوجب عليه تفقد بعض النبلاء لضمان إما ألا يثيروا غضبك، أو أنهم يؤدون مهامهم على الوجه الأكمل."
توقفت المحادثة لبضع ساعات ونحن نلزم مجالسنا. كنت أقرأ وميلو أيضاً. كانت لياني تأخذ قيلولة. لاحظت أن ليلي لم تعُد. كنت أقرأ كتاب الطبخ أبحث عن إلهام. أريد إقامة عشاء ضخم للجميع. يشمل ذلك طاقم المنزل وجميع الأصدقاء الذين كوّنتهم في المدينة. وداعاً يليق بنا. لم يكن مهمّاً أننا سنعود خلال بضع أشهر. بدا الأمر كأننا نتحرك قدماً ونعود إلى المغامرة. كنت أتطلع حقاً إلى ذلك. وبينما كنت جالساً أفكر في الأمر، ساعدني ذلك كثيراً على حسم أمري بشأن المهارة التي أردتها حقاً.
كانت هناك خيارات جيدة كثيرة للاختيار من بينها. كنت أتمنى حقاً أن تظهر مهارة استخلاص الجوهر مجدداً. لكن لم تكن هناك وجبة واحدة أعددتها ولم أشاركها مع شخص آخر. حتى اللحم المجفّف والحلويات تمت مشاركتها أيضاً، رغم أنني أشك في أنها تحتسب.
قلت مفاجئاً ميلو: "ميلو، أفكر في اختيار المائدة المشتركة".
شرحت له كل الأسباب التي خطرت ببياني لتوّي حول سبب كونها فكرة جيدة. لكنه لم يندفع للموافقة فوراً.
قال ميلو: "هناك أمور قليلة يجب مراعاتها. مهارة الطبخ المنزلي قد تحتسب عربة الطبخ التي تمتلكها قاعدةً لمنزلك، لكنها غامضة بعض الشيء لتخاطر بها. وأتفق معك في أن استخلاص الجوهر مهارة قوية للغاية. وأعتقد أنها تزداد قوة كلما ارتفع مستواها. مع ذلك، أنت لم تستغل مهارة تقليل المخزون على الإطلاق. فلا فائدة إذن من استخلاص الخصائص والمكونات إن كنت لن تستخدمها حقاً. ولا يسعني إلا أن أشعر أن تلك المهارة قد تتطور بالمثل لو استخدمتها".
أومأت برأسي. كان ذلك منطقياً، وكنت قد أهملت تلك المهارة حقاً. لقد بدا إهداراً كبيراً تحويل كائن كامل إلى جوهر، حتى لو راكم التعزيزات.
تأكدت منه: "إذن تعتقد أن المائدة المشتركة خيار جيد؟"
أضاف ميلو سعيداً: "أعتقد أنه خيار آمن ستجني منه فائدة كبيرة. ورغم أنه قد لا يكون قوياً في البداية، أو الخيار الأقوى على الإطلاق، أعتقد أنه ترتقي سريعاً. وبما أننا على وشك السفر مجدداً وسنصادف بكل تأكيد المزيد من الكائنات، فأنا أؤيد المزيد من التعزيزات!".
لم أنتظر. استدعيت حالتي. حددت المائدة المشتركة. أعرف أنني قلت إنني سأفكر في الأمر طوال الليل، لكن التخطيط لذلك العشاء حسم قراري بشأن هذا الاختيار. كان اختياراً طبيعياً متوافقاً. وكانت أيضاً مهارة كامنة، لذا لم أكن بحاجة لتذكّر استخدامها.
قلت: "تم. لقد اخترتها".
اقترح ميلو: "ما يجب عليك فعله هو طبخ وجبة تعرف خصائصها مسبقاً، وحينها ستري تماماً مقدار التغيير الذي طرأ عليها".
قاطعت المحادثة دخول سيلڤريث إلى الغرفة، تتبعها ليلي وكريسبليت. اندفع كريسبليت متجاوزاً الآخرين ووقف أمامي قبل أن يرمي قطعة فحم على رأسي، ثم قفز هارباً إلى المدفأة.
ناديت في أثره: "هيه! ما سر هذا؟"
أطلقت سيلڤريث ضحكة خفيفة.
"يبدو لي أنك منحت ابنتي اسم عائلة، وهو أمر أخذ الصغير كريسبليت هناك يمنّ به عليها بكل سرور".
حاولت الدفاع عن نفسي: "ماذا؟ كان بإمكانها الحصول عليه في أي وقت لو كنت أعرف أنها تريده".
ابتسمت سيلڤريث قبل أن يصل صوت مباشر إلى عقلي: "إنها قطة بالغة الاعتزاز بنفسها بعد كل شيء".
قلت لها بينما أصابتني قطعة فحم أخرى في جانب خدي: "أنا آسف يا ليلي. لو كنت أعرف لفعلت ذلك في يوم اختيارها نفسه".
قلت للثلاثة: "أخطط لعشاء ضخم قبل أن نغادر. أتمنى أن تكونوا جميعاً هناك. أعرف أنكم كنتم منشغلين جداً مؤخراً".
قالت سيلڤريث: "أما عن هذا، فأود منك ان تنضم إلى ليلي وإلي غداً. لدينا مكان لنأخذك إليه، ويود كريسبليت أيضاً أن يُريك التمثال الذي كان يعمل عليه. إنه حقاً لقطعة تخطف الأنفاس، وسأحرص على دعوة أليرا لرؤيته".
أطلقت ليلي زفيراً محبطاً آخر.
قالت لها سيلڤريث: "لا، لن يكون لهما تمثال لك هناك، إضافة إلى أن كريسبليت أضاف شيئاً ما لم يكن يجب عليه إضافته. لن أزيد في القول".
رمقتها ليلي بنظرة حادة.
وأضافت سيلڤريث: "حين تؤثرين في سلالة بفصائل تعتمد على الظلال ومستوحاة منك، فستحظين بالتبجيل ذاته أنا متأكدة".
لم أستطِع إلا أن ألاحظ أن نظرة ليلي الحادة توجهت مباشرة إلى لياني. ولم تفُت تلك النظرة لياني أيضاً.
فقالت ضاحكة: "لا أعرف متى تتوقعين مني أن أبدأ سلالة على شرفك، لكن ذلك لن يحدث في أي وقت قريب".
زفير مبالغ فيه آخر.
ثم ابتسمت سيلڤريث وقالت: "ولكن نعم، أيها الشاب تريفور، سنكون جميعاً هناك من أجل عشائك. شكراً جزيلاً لك على الدعوة. هل تمانع لو أحضرت معي ضيفاً؟"
قلت سعيداً: "لا، أبداً. أخطط لدعوة لويس وكاترين، إلى جانب طاقم المنزل بأكمله، وكل من ساعدنا طوال فترة وجودنا في المدينة".
قال ميلو وهو يدلك ذقنه: "ستكون تلك في الواقع فرصة مثالية لإخفاء انضمام الأمير إلينا. إن حضر العشاء مع بقية الناس فلن يبدو الأمر غريباً، ولن يلاحظ أحد غالباً أنه لم يعد إلى منزله رفقة كاترين".
قالت لياني بسعادة: "يبدو رائعاً. والآن، ما وجبة العشاء الليلة؟ أعتقد أنه يمكننا تجربة تلك المهارة الجديدة، أليس كذلك؟"