قلت وأنا أثني جناحي المتكوّن حديثاً: "إذن، ما اسمك؟"
كنت أوجّه كلامي لفطورِي. كان لا يزال يخلو من المخالب، ولم يكد سُقْمي ينمو سوى النصف، لكنه كفَى لاستعادة كامل قدرتي على الطيران.
شَهَقَ فطورِي متوسّلاً: "أرجوك... لديّ عائلة."
أجبْت: "هذا رائع. كانت لديّ واحدة أيضاً. ثمّ اختطفتموني أنتم منها وفعلتم بي هذا. لا يمكنني حقّاً مخالطتهم كثيراً الآن."
—"ماذا؟ اختطفتك؟ عن ماذا تتحدث؟"
—"أه؟ أنت من قسم مختلف إذن؟ لست من أولئك الذين كانوا يختطفون الأطفال ليحولوهم إلى مسوخ كي يتمكن العمدة ورفاقه من اصطيادنا للتسلية؟ أو لبناء جيش مسوخ خاص، أو أياً ما كانت غايته النهائية. لا أدرى لماذا قد يرغب في فعل ذلك أصلاً، بالنظر إلى وجود هذا المشتّت. يبدو وكأن لديه من الأسلحة ما يفيض عن حاجة."
—"على ماذا تثرثر؟ لا يمكنك صنع مسوخ هكذا."
—"لا. ولا يمكن للمسوخ أن تتحدث أيضاً. لا بدّ أنه يوم تثقيفي للغاية بالنسبة لك، أن تكتشف كل هذه الأشياء."
أنهيتُ قضم الساق التي كنت ألوكها، فقطعتُ التالية، لافّاً قطعة قماش بإحكام حول الجرح عسى ألا ينزف حتى أفرغ.
صرخ فطورِي: "آآآه!"
وهو يتخبط يمنة ويسرة قدر استطاعته بلا أطراف. يبدو أنّني لن أظفر بمزيد من الحديث معه لبضع دقائق أخرى، ممّا تركني ألوك في... حسناً، ليس صمتاً. العكس تماماً للصمْت في الواقع، لكنه ليس ضجيجاً يحوي أي نوع من المحادثة المفيدة.
سأل فطورِي بعد أن استعاد وعيه بما يكفي ليتكلم: "لماذا... لماذا تفعل هذا؟"
سؤال فلسفيّ ممتع.
"لماذا ماذا تحديداً؟ آكلك؟ لأنني جائع."
—"لكن... كيف يمكنك الادّعاء بأنّك بشر؟"
—"أنا لا أدّعي ذلك. قلت إنّني كنت بشراً، لا أنني ما زلت كذلك. لن يكون هناك مغزى كبير من تغيير أجسادنا وحسْب. لقد غيروا عقولنا أيضاً، أتعلم. علاوة على ذلك، الشخص الذي فعل بي هذا ادّعَى أنه بشر أيضاً، ولا أظنني أرتكب ما هو أسوأ ممّا فعل. على الأقل لا أتظاهر بأنني لست مسخاً قاتلاً."
انهار فطورِي على الأرض، وزاغت عيناه، مسلّماً على ما يبدو بحقيقة أنه لن ينجو من هذا. وبما لم يتبقَّ له ذراعان ولا ساقان، فلن يظفر بحياة تذكر حتى لو كتب له البقاء.
قال: "جايسون."
—"هاه؟ أهذا اسمك؟"
—"نعم، إنه جايسون. تذكّر على الأقل اسم الشخص الذي قتلته."
—"يا للهول. عذراً، لكن ذاكرتي ليست قريبة بما يكفي لتذكر الجميع. لا أُعنى حتى بسؤال أحدهم في معظم الأوقات. أظنّ أنه يمكنني البدء في الاحتفاظ بقائمة، إن كان هذا سيساعد؟"
رمقني جايسون بذهول مصدوم. يبدو أن طريقة تفكيري كانت غريبة تماماً بالنسبة له لدرجة أنه لم يدْرِ من أين يبدأ في محاولة فهمي. بدا لي ذلك غريباً بعض الشيء بالنسبة لأحد رجال العمدة.
سألت: "إذن ما الذي فعلته بحقّ الجحيم؟"
بدا لي من وجهة نظرك أنك...
بريء للغاية قياساً بعملك لذلك الرجل."
—"ماذا؟ أنا مجرد حارس أمن! أطيع التعليمات وأقف هنا لأبدو مخيفاً."
—"أه، إذن أنت من أولئك الجنود في القاع الذين لا يُخبرون أبداً بما يحرسونه حقّاً؟"
—"أنا... حسناً، هذا طبيعي. لست بحاجة لمعرفة ماهية الشيء لأحرسه، أليس كذلك؟"
—"هل حَرَسْتَ من قبل منشأة تقع جنوب المدينة؟"
سألت بناءً على حدس.
"على بُعد ثلاثين ميلاً تقريباً؟ مكان كبير إلى حد ما، وسط حقول القمح."
—"نعم، أعرف ذلك المكان. إنه بحاجة دائماً إلى طاقم أمني كبير. على الأقل، حتى وقت قريب. يبدو أنه أصبح معتماً الآن."
—"أتدري ما الذي يدور هناك بالطبع؟"
—"بالطبع لا، ولن أخبرك حتى لو كنت أعلم."
—"لست بحاجة لإخباري؛ فأنا أعلم مسبقاً. إنه المكان الذي صُنعتُ فيه. بينما كنتَ تقف هناك للحراسة، كان ما يصل إلى خمسين طفلاً في المرة الواحدة يُحبسون بالداخل، محشورين في زنزانات ضيقة، عراة، وحيدين، يُغذّون على لحم نيّء، عاجزين عن فعل أي شيء بينما جلودهم البشرية وعقولهم تُنتزع منهم. ثم تُزرع شرائح في أدمغتهم لتسلبهم ما تبقى من وميض الاستقلالية. لكنني متأكد من أنهم جميعاً كانوا سعداء بوقوفك هناك للحراسة. من يدري ما كان لِيحلّ بهم لولا حمايتك؟"
حسناً، كان من الجيد معرفة أن ليس كل شخص في القاع كان نذلاً شريراً. بل نذلاً جاهلاً عن قصد. لم يبدو جايسون مرعوباً البتة، لذا لم تكن لتشكل هذه الحقائق مفاجأة كاملة له بخصوص ما يدور هناك من خبايا. لم يرغب في معرفة التفاصيل ولم يحاول اكتشافها. وممّا لا شك فيه أنه كان سيُقتل لو فعل، ولكن مرة أخرى، لم يزعم أحد قط أن هذا العالم عادل. بعد دقيقة أخرى من الصمت، تحدث جايسون مجدداً.
"كان هناك موقع ثانٍ."
—"ثاني ماذا؟"
—"موقع. المكان الذي وصفته حمل الاسم الرمزي مشروع ميناجري: الموقع أ. وهناك موقع ب أيضاً. على بُعد نحو عشرين ميلاً إلى الشمال الغربي من المدينة. ابحث عن برج مياه محشور بين حقل قمح وحقل ذرة. ينبغي أن يكون مرئياً بوضوح من الجو. الحظيرة في حقلين مجاورين هي المدخل. والآن، إن كانت هذه معلومات مفيدة لك، فأنا أتوسّل إليك، عجّل بقتلي وانتهِ!"
كان ذلك خبراً مثيراً للاهتمام. وكنت أظنّ قبل لحظات أن الحديث مع فطورِي لم يكن سوى وسيلة لقتل الوقت. شفقةً على الرجل، غرستُ مخلبي في قلبه، مُنهياً حياته أخيراً. حسناً، شفقةً، وإلى جانب حقيقة أن الساق الثانية قد نفدت، ولم تكن لديّ رغبة في خوض التحديات اللوجستية لقطع شرائح إضافية من اللحم بينما أحاول إبقاءه حيّاً.