لوّح الأوغاد الثلاثة بأسلحتهم مهددين، لكنهم حافظوا على مسافة بيننا. تبينت مسدسين مع اثنين منهم، وحقيقة أنهما لم يشراها كانت مؤشراً جيداً. أرادوا مالنا لا حياتنا. لم تكن هذه سرقتي الأولى، وتملكتني ثقة بأننا سننجو من هذا بلا أذى. احتفظت بحزمة من النقود معي لهذا الغرض بالتحديد؛ مبلغ يكفي لإرضائهم، ولا يفضي إلى عجزنا عن الطعام هذا الشهر. أخذ العضو الثالث من الأوغاد يلعق شفتيه وهو يرمق زوجتي بنظرات جائعة.
أثار هذا قلقاً أكبر، لكن بما أنه الوحيد بلا مسدس، تمنيت أن يكبح الاثنان الآخران جماحه. المال مال فحسب، ويمكن تعويضه، لكن ذلك كان شأناً آخر تماماً. عثت في حقيبتي على عجالة، غير راغب في المجازفة بأن ينفد صبرهم. أحطت بكتفة الأوراق النقدية بيدي ما إن أحدث دويٌّ عالٍ صوتاً جعلني أرفع نظري. كان اللص الشهواني طريح الأرض، ورأسه... قد تفجر. بدا الأمر كأن أحدهم هوى بمضرب بيسبول على بطيخة.
حدقت بذهول، عاجزاً تماماً عن إدراك ما حدث لتوّي. لقد التفتّ عنها لعشر ثوانٍ فقط! كان اللصان الباقيان في حيرة مثلي.
هتف أحدهم: "زعيم؟"
منفتلاً عن الجثة نحو اللص الآخر، الذي افترضت أنه قائد الثلاثة. لا، تصحيح، حيث اعتاد اللص الآخر أن يكون. لقد اختفى. لا شرف بين اللصوص على ما يبدو؛ فرّ عند أول بارقة خطر، تاركاً العضو الأخير وحيداً. واأسفاه، كان ما زال يحمل مسدساً، لذا لم يتغير الكثير بالنسبة إلينا، ما لم يقرر الهرب هو الآخر. أو ينفجر رأسه. كان ذلك ليؤدي الغرض أيضاً. استدار اللص الأخير بعنف، باحثاً على الأرجح عن زعيمه المفقود.
ولما لم يجد شيئاً، انفتل عنا وركض. بالكبير قطع ثلاث خطوات قبل أن ينقضّ شكل مظلم من الأعلى. رأيت حركة لم أتمكن من تمييزها، وسقط اللص على ركبتيه، قابضاً على حنجرته. اجتاحني الآن نوع جديد من الخوف. لم يكن ذلك الشيء بشرياً. مع قرب موعد صيد الوحوش السنوي المفترض، أفيضت أعدادها؟ قرر أحدها الانتقال إلى المدينة؟ ولم يكن اللص المفقود قد فرّ. كان هناك تماماً أمامي، محشوراً في مخالب الوحش، فاقداً ذراعاً واحدة وميتاً بلا شك.
التقط الوحش اللص المصاب أيضاً، ثم التفت ليواجهنا، محلقاً باسترخاء في الهواء رغم حمله بالغاً كامل النمو في كل من قدميه المخليتين بوحشية. لم أستطع فعل شيء. لن يرحل إن رميت المال في وجهه. لم أقدر على قتاله أو الفرار منه. لم تكن هناك وسيلة أضحّي بها بنفسي لإنقاذ زوجتي. أردت بشدة أن أركض، مهما عدَم جدوى ذلك، لكنني رفضت التخلي عنها. سنموت هنا معاً. نظرت في عينيه الصفراوين غير البشريتين، ولبرهة شعرت بالفخر حيال تمكني من الثبات واقفاً.
ثم وثب، ففرّ عزمي كأن لم يكن قط. انهيارت على ركبتي، وأغمضت عيني وأجهشت، لكن النهاية لم تأتِ قط. فتحت عينيّ من جديد وتفتّت حولنا. اختفت الجثة من خلفنا، وتبينت ظلاً منحصراً في السماء. بدا أنه قرر أن ثلاثة تكفي. لقد نُجينا. وما إن غمر جسدي شعور بالارتجاف حتى خانتني قدماي تماماً، فهويت إلى الأرض لهاثاً، فيما فضحت حرارة في سروالي رعبِي السابق.
—"تلك... تلك كانت ليلى!"
رفعت نظري إلى زوجتي، التي ورغم رد فعلها تجاه قطاع الطرق، بدت وكأنها تقبلت هجوم الوحش بهدوء يفوق ما أبديته.
—"من؟"
—"إحدى الأطفال المفقودين من أخبار اليوم! تلك كانت هي. أقسم!"
حسناً، ربما كانت أكثر هستيرية مما ظننت. أمر الأطفال المفقودين أنهم أطفال، لا وحوش طائرة. لكنها كانت مصرة تماماً، ورغم أنه كان حريّاً بنا التوجه مباشرة إلى الشرطة، لم أمانع رحلة سريعة إلى المنزل لأدعها تحاول إثبات ذلك إن كان الأمر سيمكنني من تغيير ملابسي التي أمسيت بحاجة ماسة إليها. وهكدا وجدت نفسي أمام حاسوبنا، أُحدّق مجدداً في وجه ذلك الوحش. كان شعرها بنياً بدل الأزرق، وعيناها عسليتين بدل ذلك الأصفر غير الطبيعي، واختفت القرنان وأذنا الحيوان، وارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة بدل نظرة مفترس يرمق فريسة، لكن لم يكن أدنى شك في أن هذه الفتاة هي من هاجمتنا قبل قليل.
كانت زوجتي مصيبة. كيف استحال ذلك ممكناً أصلاً؟
—"سأذهب إلى الشرطة"، قلت بعد حين.
لم أعثر على شيء آخر أقوله. تاركاً زوجتي المصدومة في السرير تتعافى، توجهت إلى مركز الشرطة المحلي. كما أطلعني بحثنا القصير على أن الوحش الذي هاجمنا كان هاربي، لا أن إطلاق اسم عليه قلل من رعب الأمر بأي شكل. حين أبلغت عن هجوم الهاربي عند مكتب الاستقبال، أبديَا اهتماماً بالغاً، كما قد يتخيل المرء، وسرعان ما انتهى بي المطاف في غرفة تحقيق مع مفوض الشرطة بنفسه، الذي هرع شخصياً من مقرهم.
—"وأنت متأكد تماماً أن الهاربي كان يحمل وجه ليلى؟"
—"نعم. كان مطابقة تماماً."
—"لكنك واثق أنه كان غبيّاً؟ ألم ينطق بشيء؟"
—"نعم... تلك العيون... لن أنساها أبداً. كان وحشاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولم أكن سوى طعامه. لم يكن هناك أي أثر لعقل."
—"أرأيت أين ذهب بمجرد أن غادر؟"
—"نحو وسط المدينة. لم أتبين المكان بدقة."
—"وهل ظفرت بأي دليل؟ صور أم فيديو؟"
—"لا، بالطبع لا! كان لدي أمور أهم بكثير تشغل بالي!"
—"عذراً، لكن كان لزاماً عليّ السؤال، احتياطاً. وسؤالي الأخير إذن؛ من أخبرت غيرك؟ من يعلم بهذا؟"
—"لا أحد. حسناً، زوجتي تعلم، بداهة، لأنها كانت هناك، لكن هذا كل شيء. كان أحد الأوغاد حياً حين طار به، لكن نظراً لكمية الدماء التي كان ينزفها، أشك في أنه كذلك الآن."
—"حسناً، هذا كل ما في الأمر. شكراً جزيلاً لتعاونك."
أومأت برأسي ونهضت. نهض المفوض هو الآخر، ثم شهر مسدساً كاتماً للصوت، مصوباً إياه نحوي مباشرة.
—"ما..."
شرعت في القول، قبل أن أسمع دوياً مكتوماً. حدقت بذهول إلى الدماء النازفة من صدري، عاجزاً عن الحركة أو رد الفعل. رئيس الشرطة في هذه المدينة أطلق النار عليّ للتو؟! هويت إلى الأرض، لازلت غير مصدق لما حدث للتو. لماذا؟ مضى المفوض دون أن يُبدي ذرة اهتمام، فاتحاً الباب ومتحدثاً إلى أحدهم في الخارج.
"علينا إرسال فرقة تنظيف إلى شارع هوك فوراً. سنزعم أن محاولة سطو باءت بالفشل. مات الجميع."
—"مفهوم. أأنادي البواب لتنظيف هذه الفوضى أيضاً؟"
—"إن تفضلت بذلك."
زوجتي! أكانوا سيقتلونها هي الأخرى أيضاً؟! لأي سبب؟ لرؤيتها هاربي؟ عاد المفوض وأمعن النظر نحوي بنظرة يملؤها الاحتقار الخالص. أرى... لقد أخطأت. لم يكن هناك شرّ في عيون تلك الهاربي. لم تكن تدرك عواقب الأمور وكانت على سجيتها فحسب. بيد أن الشر كان ماثلاً في عيون الرجل الماثل أمامي. كان يدرك تماماً ما يفعل، ورغم ذلك اختار ارتكابه على أي حال. أيهما كان الوحش الحقيقي حقاً؟
—"تباً لهذا العمدة، يتوقع مني تنظيف فوضاه"، تمتم المفوض، بادياً منزعجاً ومتجهمًا.
وكانت تلك آخر كلمة أسمعها قبل أن يبتلعني الظلام.