وحش مكره الفصل 19 — قبول

اقرأ وحش مكره الفصل 19 — قبول باللغة العربية على مانجا تايم.

حلّقنا بعيداً في الأعالي فوق سياج الأسلاك الشائكة التالية، وتجاوزنا بلاد ليكولي نحو أراضي غرونورلي المعادية، فالعوائق الأرضية تبدو عديمة الفائدة تماماً أمام أي شيء يملك أجنحة. ويفترض المرء وجود رادار ومجسات أخرى هناك أيضاً، لكنهم بالتأكيد لا يريدون لتلك الأجهزة أن تنطلق مع كل طائر. يا ترى ماذا سيكون رأيهم بي؟ كانت الحدود عسكرية للغاية، ومع ذلك لم ألمح أي استجابة لوجودي.

وكنت أرجو ألا أكون قد رُصدت، أو أن أكون قد حُسبت طائراً ضخماً على هذا الارتفاع الشاهق. كانت النقطة الإيجابية الوحيدة في هذه اللحظة هي أنني شبعت أخيراً. ولم يحدث هذا قط منذ ما قبل أن يبدؤوا بإطعامي الحيوانات البرية.

لم تكن عندي أي فكرة عن الكمية المفترض بهاربي أن تأكلها، عدا عن كلمة «الكثير»، لكن نوبات إطعام ليونا المستمرة لأيام عدة كانت على ما يبدو كافية لتعويض أي نقص تسببت به قلة طعام الخاطفين.

أم ربما يعود الأمر إلى انتهائنا من استعادة كل طاقة تكلفتها عملية تحولنا؟ لا فرق في ذلك؛ والمهم هو أنه حتى لو بلغنا مدينة أخرى الآن، فلا يزال لدي متسع من الوقت قبل أن أضطر للقلق بشأن تنظيم إنقاذنا البطولي التالي. هاه، ويا له من تفكير طريف حين تذكرت أنني ادعيت عند اختطافي الأول أن الإنقاذ البطولي لا يحدث أبداً. أكثر ما احتجت إليه الآن هو بناء نوع من التفاهم مع ليونا.

صار محاولة التأثير على الوحش أسهل، وقد طارت في هذا الاتجاه بلا تذمر، لكن الأمر ظل غير موثوق، واحتجت إلى مزيد من السيطرة إن أردت تجنب أي... حوادث. فما هي أساساً؟ وكيف تقاسم عقلان الدماغ نفسه من الأساس؟ لم تكن ذكية قط، على الأقل في البداية، بل مجرد حزمة غريزية قاتلة مربوطة بمخالب وأسنان. ومع مرور الوقت، بدت وكأنها تتعلم المزيد، لكنها ما زالت عاجزة عن فهم اللغة، أو إظهار أي علامات واضحة لتفكير معقد.

خلال معظم فترة أسري، لم ألحظ أي تغيرات عقلية. كان الطعام العلامة الأولى، إذ صار الطعام البشري يبدو غير شهي وبدأ اللحم النيئ يبدو جذاباً. ثم شعرت بميل نحو العنف، وتلك كانت النقطة التي بذلت فيها قصارى جهدي للمقاومة. ثم ظهرت غرائز أخرى؛ الحاجة إلى التحليق في السماء، والرغبة البسيطة في الطيران بحرية. وأخيراً، حضر الجوع.

كنت مرعوبة مما كنت أتحول إليه، وبذلت جهدي لرفض كل غريزة جديدة تُفرض علي، ولأفصل بينها جميعاً، ولأحبس تلك الغرائز في صندوق بعيد كل البعد عن «أنا».

نجحت ليوم أو يومين. ثم انفجر الصندوق وخرجت منه ليونا. بدت وكأنها كل أجزاء مني التي رفضتها وحاولت حبسها. لا يمكنني الجزم، لكني لم أعتقد أن أمر تعدد الشخصيات هذا كان شيئاً متعمداً فعله خاطفو بل ظننته شيئاً اقترفته بحق نفسي. لقد رفضت تقبل التغيرات العقلية، ورفضتها بهذا القدر من الشدة حتى انقسم كلانا عن بعضنا. وحين مضى الوقت، وحين أنهكني التعب وتوقفت عن القتال قطعة فقطعة، كانت أجزاء من ليونا تتسرب عودة إلي.

وكانت العلامة الأوضح هي تقبلي لعاداتها في الاكل، إذ تحولت من الرعب لمجرد فكرة أكل البشر إلى التأكد من أنها تأكل الأشخاص المناسبين. ومثلما تسربت هي إلي، تسربت أنا إليها بدورها، فمنحتها بعض ومضة الذكاء وجعلت التأثير عليها أسهل. لا، لم يكن ذلك صحيحاً تماماً؛ صحيح أنها باتت تجد سهولة أكبر في فهم صوري الذهنية، لكن الفارق الأكبر كان في كون الأشياء التي أردت التأثير عليها لتقوم بها أقل جموحاً.

لم أكن أؤثر عليها بسهولة أكبر، بل كنت أتعلم ببساطة كيف أقدم تنازلات. ربما استطعنا البقاء بعيداً عن الأنظار في ريف ليكولي إن أردنا ذلك، لكننا عوضاً عن ذلك عبرنا إلى غرونورلي لأن ليونا أرادت مدينة تعج بالناس لتصطاد فيها، وكان تغيير البلد الطريقة الأنسب. لقد تحولت من مقاومتها إلى مساعدتها ومحاباتها. تساءلت عما إن كان بإمكاني الحصول على سعر مخفض لدى أي طبيب نفسي؛ فبالتأكيد علاج هاربي مصابة بتعدد الشخصيات سيستحق بعض الشهرة والوجاهة؟

جعلتني الفكرة أضحك في سرّي. كلا، سيتوجب علي التعامل مع هذا بنفسي؛ فستبث الرعب في نفوس زبائنه الآخرين. أو ستأكلهم ليونا. ارتجفت ليونا في الجو، وقد أزعجتها ضحكاتي الذهنية مجدداً. حسناً، كانت هناك طريقة واحدة لمعرفة ما إذا كانت نظريتي صحيحة أم لا؛ كان علي ببساطة أن استسلم. لا بالطريقة التي قاومت بها فور سيطرة ليونا، عبر ترك وعي وإترك العنان للهاربي، بل ببساطة عبر تقبل الحقيقة؛

وهي بفضل التشويه الذي أُجري علي، كانت ليونا «أنا»

بالقدر نفسه الذي كنت أنا به. لم طع اضطر للاختفاء، ولم نكن بحاجة للتنافس. كنا الشخص نفسه، ولم يكن هناك أي سبب لانقسامنا بهذا الشكل من الأساس. هذا الجزء المنقسم من عقلي كان آخر جزء مني مستعداً لتسميته بشرياً، لذا فإن التخلي عنه يعني التخلي عن آخر ما تبقى لي من إنسانية. لكن بصراحة، بعد ما رأيته من البشرية في هذه الأسابيع الأخيرة، لم يعد حق تسمية نفسي بشرياً شيئاً سأأسف عليه.

وبين ليونا والأشخاص المسؤولين عن الفظائع التي شاهدتها، وجدت صعوبة بالغة في اعتبار ليونا هي الوحش الحقيقي. بلغنا مدينة حدودية بلا إزعاج، واختارت ليونا مجدداً أطول مبنى لتهبط عليه. ما كنت على وشك فعله لم يكن حكيماً على الأرجح، كما أن جهلي بالنتيجة أرعبني بشدة، لكن لم تكن عندي أي نية للبقاء سجينة في جسد شخص آخر إلى الأبد. نجل، كنت استسلم، وأعترف بطريقة ما أن خاطفي قد هزموني، وأن الفتاة التي تدعى ليلي قد ولت.

ربما استطاع شخص يتمتع بإرادة أكبر أن «ينتصر»، لكن ذلك الشخص لم يكن أنا، وتلك حقيقة كان لزاماً علي مواجهتها.

«أنا آسفة لإبعادك عني، يا ليونا»، فكرت موجة كلامي إليها، مما جعلها تلتفت حولها بارتباك.

«أنا مستعدة لتقبلك الآن».