قال: "اسمعوا جيداً، لدينا هنا مسخ مكتمل التحوّل. تقول التقارير إنه لم يُظهر أيّ أمارة على سلوك ذكي طوال اليومين الماضيين. ما إن نفتح الباب، حتى يهجم. أصحاب دروع الشغب في المقدمة. والبقية تصطفّ خلفهم والأسلحة مشرعة. أطلقوا النار فور الرؤية. لا تتوقفوا بعد الإصابة الأولى؛ هذه المسوخ صلبة. استمروا في الإطلاق إلى أن نفد ذخريتكم، أو إلى أن أقول لكم غير ذلك. تذكروا، ليس طفلاً ذاك الذي في الداخل. الأذناب الذين أداروا هذا المكان قتلوا ذلك الطفل مسبقاً. كل ما في الداخل هو مسخ، فلا توفروا له مثقال قطرة شفقة، لأنه لن يوفرها لكم قطعاً".
حسناً، هذا سيّء للغاية. لم أتشبث بالحياة طوال هذه المدة لأُردى برصاص من يُفترض أنهم منقذون. لماذا لم يصلوا قبل أسبوع؟ سمعت نسخة الهاربي مني الأصوات أيضاً، فقفزت نحو جزء الجدار الذي جاءت منه، وأخذت تركل ما يُرجح أنه الباب.
فكرت بأعلى درجة ممكنة من الوضوح: "توقفي، تراجعي للخلف".
عرضت على نسخة الهاربي صوراً للوقوف على مسافة يسيرة من الباب، وانتظار انفتاحه، ثم القفز فوق من يكون في الطرف المقابل. استمرت في خدش الباب متجاهلة إياي. عرضت عليها ما أتخيل أنه سيكون عليه صفّان من الشرطة، مزودين بالدروع والأسلحة والعتاد الواقي. عرضت عليها ما أتخيل أنه سيؤول إليه الحال إن انقضت عليهم، وقد غُرس جسدها بوابل الرصاص. أثمر ذلك استجابة، فتوقفت عن خدش الباب وتراجعت.
لم أملك من الوقت إلا ما يكفي للتساءل عما إذا كانت هذه فكرة سدديدة، وهل أريد حقاً أن أترك نسخة الهاربي تهرب، قبل أن يبدأ الباب بالانفراج صريراً. دون متسع لإعادة التفكير، عقدت العزم على بذل قصارى جهدي. حبيسة جسدي أو لا، كانت هذه فرصتي الوحيدة للخروج من هنا. انسلت نسخة الهاربي إلى الجانب، مختبئة ريثما تتسع الفجوة بالقدر الكافي للمرور، ثم قفزت كما اقترحتُ عليها.
لمحت لفحة سريعة لصفين من الشرطة مرتدين عتاد الشغب الثقيل تحتي، قبل أن نجتاز العتبة عادين في ممر أبيض معقم، كُتب عليه الرقم "23"
بحروف ضخمة على الجدار. هكذاً إذن، الشرطة هي من حضرت حقاً... سمعت جلبة خلفي بينما تخبطت قوة الشرطة للتعامل مع كمينهم الفاشل، لكننا بلغنا تقاطعاً على شكل حرف تي بسرعة، مما أخرجنا عن خط رؤيتهم. اتخذت نسخة الهاربي يساراً، ولم أملك اقتراحات أفضل، فتركتها تنتقي المسار. لعلها تشم هواءً عليلاً أو ما شابه. سمعت طلقات معدودة وشعرت ببعض الارتطامات خلال تلك القفزة، لكن الألم غاب.
لم أستطع تخيل أن نسخة الهاربي ستكون متعاونة إلى هذا الحد لو أُصيبت بالفعل، لذا لا بد أننا أُصبنا برصاصات مرتدة ومتطايرة فحسب، وهي عاجزة عن الاختراق. واصلنا العدو في الممر، متجاوزين العشرات من الممرات الجانبية المؤدية إلى أبواب تشبه بابي، وكلها مشرعة. يُرجح أن الشرطة كانت تعمل بأسلوب ممنهج على طول الطريق. عطفنا في زاوية وبلغنا قاعة رحبة. وجدنا شرطة هنا أيضاً، يطوقون زمرة من...
لم أستطيع وصفهم إلا بالضحايا. نحو عشرين شخصاً. بعضهم فاقد للوعي جلياً، وأغلبهم نصف متحول إلى أشكال شتى. بعضهم، مثلي، بشري الملامح بوضوح ضئيل. والبعض لم يبلغ ذلك الحظ. لم ألمح أحداً بلغ مرحلة متقدمة كمرحلة الخاصة بي، وهو أمر منطقي، بالنظر إلى أن الشرطة كانت لترديهم رصاصاً على ما يبدو.
تجاهلت نسخة الهاربي الحشد، وبدا أن تكدس أنصاف المسوخ يغير تصنيف المجموعة من "طعام"
إلى "تهديد".
فعوضاً عن ذلك، خفقت بجناحيها وقفزة فوقهم باتجاه ممر صاعد نحو الأعلى.
"ليلي!"
التفتت نسخة الهاربي نحو الصوت، فرأيت أليسيا. بدت في حالة مقبولة، أفضل بكثير من أغلبهم، لكن شعرها كان أبيض، وعيناها حمراوين كالدّم، وبشرتها شاحبة شحوب الموت. وبجانبها سامانثا، التي لم تبد في حال حسنة البتة. بدت كأنها تحاول الكلام، لكن حالة فمها لم تسعفها. بدا الجانب الأيمن ممزقاً، في منتصف خدها تقريباً، مع شيئين يشبهان ذراعين صغيرتين تبرزان من الأعلى والأسفل. وبرز طرفان إضافيان منتهيان بمخالب من الجانب الأيمن لظهرها، وكانت عينها اليمنى سوداء بالكامل، بلا حدقة ظاهرة.
وخلا رأسها من الشعر، وبدت كتل ضخمة من الهيكل الخارجي بارزة عبر ثقوب بشرتها. خلسة، أقدر أنها في منتصف التحول إلى نوع من العناكب العملاقة. خطت نسخة الهاربي نحوهن، مدركة أن هؤلاء المسوخ غير مكتملي الصنع ليسوا التهديدات التي ظنتها.
أرسلت فكري: "لا!"، دافعة بصور تجمعنا نحن الثلاث، أيام بشريتنا.
عن الصداقة والتعاون. نحن الثلاث نمضي في الشارع، نلهو معاً.
"صديقات!"
التفتت نسخة الهاربي مجدداً صوب المخرج وفرت. كنت ممتنة لنجاة صديقاتي، على الأقل. لم تكن عندي أدنى فكرة عما إذا كان هذا الوضع قابلاً للإلغاء، لكن حتى إن لم يكن، فهن على قيد الحياة ويمتلكن زمام أفعالهن، وهو أمر يتجاوز ما يمكن قوله عني. لقد اتخذت القرار الخاطئ عندما عزمت على تسريع تحولي متعمداً، لكن أوان الندم قد فات. وقف مزيد من الشرطة حراسة عند المدخل، وكلهم مدججون بالسلاح، مشرعو الأسلحة ويواجهون الداخل.
يُرجح أنه جرى تحذيرهم عنا عبر اللاسلكي، فشرعوا في إطلاق النار بمجرد رؤيتنا. شعرت ببعض الارتطامات الإضافية، لكن بلا إصابات مباشرة مجدداً. ممتنة لظفري ببعض الحظ السعيد أخيراً، راقبت نسخة الهاربي وهي تقتحم صفوفهم مندفعة إلى الليل، منطلقة نحو السماء بخفقة من أجنحتنا. أخيراً، بعد أكثر من أسبوعين، غادرت تلك الزنزانة. وما احتجته الآن هو استعادة السيطرة على جسدي فحسب.